اكتمل ✓
الفصل 18

ما معنى السلفية وكيف نشأ هذا المصطلح وهل هي حكر على فئة معينة؟

معنى السلفية في الاصطلاح يعني الاقتداء بمنهج القرون الثلاثة الأولى من الأمة الإسلامية في فهم النصوص والاجتهاد، لا الانتساب إلى جماعة بعينها. ظهر هذا المصطلح في مصر إبان الاحتلال البريطاني مع حركة الإصلاح الديني، ثم تحول لاحقاً إلى لقب مذهبي ارتبط بالوهابية. السلفية الحقيقية هي الصبغة العامة لسائر المسلمين الملتزمين بمنهج أهل السنة والجماعة، ولا يحق لأحد احتكارها.

12 دقيقة قراءة
  • هل يحق لجماعة بعينها احتكار مصطلح السلفية وادعاء أنها وحدها على الحق وما سواها على الباطل؟

  • معنى السلفية في اللغة نسبي يشمل كل زمان بالنسبة لما بعده، أما اصطلاحاً فيعني القرون الثلاثة الأولى استناداً إلى حديث "خير الناس قرني".

  • ظهر مصطلح السلفية في مصر مع حركة الإصلاح الديني التي قادها الأفغاني ومحمد عبده لمحاربة البدع والخرافات، ثم ارتبط لاحقاً بالمذهب الوهابي وتحول إلى لقب مذهبي.

  • اتباع السلف الحقيقي يعني الرجوع إلى قواعد تفسير النصوص وأصول الاجتهاد، لا الانحباس في حرفية الكلمات أو المواقف الجزئية.

  • السلفية الحقيقية هي الصبغة العامة لأهل السنة والجماعة، والاختلاف في الفروع لا يُخرج أحداً من دائرتها ولا يجعله بدعياً.

  • التوجه السلفي المتشدد أصبح عائقاً أمام التنمية وتجديد الخطاب الديني، وتربةً للفكر المتطرف، والمخرج هو العودة إلى المنهج الأزهري الوسطي.

طرح الإشكال المعاصر حول مصطلح السلفية واحتكار الحق الديني

هناك مجموعة من الناس يطلقون على أنفسهم مصطلح (السلفية) ويدعون أنهم على طريقة السلفي الفكر والمنهج، حتى في الأمور العادية كالمأكل والمشرب والملبس،ويدعون لأنفسهم أنهم على الحق، وما خلفهم في ما هم عليه يكون على الباطل.

والسؤال: ما معنى مصطلح السلفية؟ وكيف نشأ هذا المصطلح؟ وماذا يعني بالضبط؟ وما مدى صحة دعوى من ينتسب إليه بأنه هو وحده على الحق وما سواه على الباطل؟

المعنى اللغوي لمصطلح السلفية ونسبيته عبر الأزمنة المتعاقبة

الجواب: بسم الله، والحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه وبعد، فمصطلح السلفية يطلق في اللغة على معنى نسبي، يمكن أن تتعاوره الأزمنة المتوالية كلها، فإن كل زمان من الأزمان سلف بالنسبة على الأزمنة الآتية في أعقابه، وخلف بالنسبة إلى الأزمنة التي سبقته ومرت من قبله.

وقد اكتسب مصطلح (السلفية) معنى اصطلاحياً مستقراً، ويعني به القرون الثلاثة الأولى من عمر هذه الأمة الإسلامية، ومصدر هذا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجئ أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته" .

إساءة فهم واستغلال مصطلح السلفية واتهام العلماء بالبدعة

ومصطلح (السلفية) أسيئ فهمه، أسيء استغلاله، و أسيئ استخدامه من بعض المنتسبين إليه للأسف الشديد، وخاصة في العصر الحاضر، حيث يدعى بعض من ينتسب إلى هذا المصطلح أنه هو الوارث الوحيد للسلف، ومن ثم لا سلفي سواه، وعند التحقيق فيما يتضمنه هذا المفهوم نجده قاصراً على مسائل وقضايا جزئية خلافية، أو يجعله لا ينطبق على أفراد قلائل من أفراد الأمة، أما علماؤها الكثيرون وأما دعاتها الصادقون العاملون للإسلام في كل أقطار الأرض فهم في زعمهم مبتدعون مهما رسخ قدمهم في هذا الدين لأنهم يختلفون معهم في هذه المسائل الجزئية.

هدف دراسة نشأة مصطلح السلفية وتنقية دلالته من الاستغلال

ونحاول أن نوضح أولاً نشأة هذا المصطلح وتاريخه، وماذا يعني بالضبط وكيف استخدمه الذين ينتسبون إليه، حتى يتضح الأمر جيداً، رافضين للقيود التي وضعها البعض حوله،والهدف من هذا تصفية ما لحق به من خلط في فهم دلالته، حتى لا يستغل في يد أي إنسان سيفاً يشهره في وجه من يختلف معه في أي موقف من المواقف وفي فهم أي قضية من القضايا- كما هو حال المنتسبين إليه في عصرنا – لأننا نجد من ينتسب إليه سرعان ما يصدر الأحكام بشأن المحالف ويرميه بإتباع الهوى،أو أنه مصمم على البدع، أو الزيغ وابتغاء الفتنة، أو الضلال، أو الكفر، كل هذا من غير تبيين أو سؤال أو استفسار.

فنأمل أن تنتهي قصة استغلال هذا المصطلح كوثيقة لإدانة العلماء والعاملين للإسلام، والملتزمين بمنهج الإسلام والقرآن وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم.

ظهور شعار السلفية في مصر مع حركة الإصلاح زمن الاحتلال

نشأة هذا المصطلح وتطوره:

ظهر مصطلح السلفية في مصر إبان الاحتلال البريطاني لها، وأيام ظهور حركة الإصلاح الديني التي قادها وحمل لواءها كل من جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، فلقد اقترن ظهور هذه الحركة بارتفاع هذا الشعار، ويعود السبب في ذلك إلى واقع مصر آنذاك، فقد كانت مصر بها أنواع شتى من البدع والخرافات التي أخذت تكثر وتتنامى في أرجائها رغم وجود الأزهر وعلمائه – وهي لا تمت إلى التصوف الصحيح بصلة،فكان الناس أمام هذا الواقع على فريقين: الأول يرى الانضمام إلى ركب الحضارة الغربية والتخلص من بقايا القيود والضوابط، بل حتى الأفكار الإسلامية.

دور الأفغاني ومحمد عبده في تبني السلفية كشعار إصلاحي

والثاني: يرى إصلاح أمر المسلمين، بإعادتهم إلى الإسلام الصحيح النقي عن سائر الخرافات والبدع والأوهام وربط الإسلام بعجلة الحياة الحديثة، والبحث عن سبل التعايش بينه وبين الحضارة الوافدة، وكان الشيخ الأفغاني والشيخ محمد عبده، يمثلان طليعة الفريق الثاني، وقد اتخذوا هذا الشعار وهو (السلفية) وكان المراد منه في هذا الوقت هو الدعوة إلى نبذ كل هذه الرواسب التي عكرت على الإسلام طهره وصفاءه من بدع وخرافات، بحيث يعود المسلمون في فهم الإسلام واصطباغهم به إلى عهد السلف رضوان الله عليهم اقتداء وسيراً على منوالهم.

الغرض من شعار السلفية كمقارنة بين واقع المسلمين وعصر السلف

وكان الغرض من اختيار هذا المصطلح (السلفية) هو تهييج كراهية الناس للصورة التي انتهى إليه حال المسلمين بمقارنة فكرية يعقدونها بين واقع الإسلام والمسلمين في عصره الأول المشرق وواقعه معهم في العصر القاتم المظلم، ثم أن يجعلوا من ارتباط الإسلام بعصر السلف مناط كل سعادة وتقديم وخير.

ارتباط شعار السلفية بالمذهب الوهابي وتحوله إلى لقب مذهبي

وفي هذه الأثناء التي ولد شعار (السلفية) الذي لم يكن آنذاك مذهباً إسلامياً ينتمي إليه دعاته ورافعو لواءه كما هو الحال الآن بالنسبة لكثير من الناس – وإنما كان عنوان دعوة،وتعريفاً بمنهج، وتعبيراً بطريق المفهوم المخالف عن مدى انغماس اثر الناس في البدع والخرافات وبعدهم عن الإسلام الذي كان يتحلى به السلف الصالح رضوان الله عليهم كما وضحنا – في هذه الأثناء كان المذهب الوهابي – المنسوب إلى محمد بن عبد الوهاب – منتشراً في نجد وبعض أطراف الجزيرة العربية، وقد كان بين هذا المذاهب ودعوة الإصلاح الديني في مصر قاسم مشترك يتمثل في محاربة البدع والخرافات، فلهذا راجت كلمة السلف والسلفية بين أقطاب المذهب الوهابي، ثم بعد فترة أطلق على الوهابية اسم السلفية بدلاً من الوهابية،وكان السبب في هذا وهو الإيحاء بأن أفكار هذا المذهب لا تقف عند محمد بن عبد الوهاب فقط، بل ترقى إلى السلف، ولكي يثبتوا للناس أنهم في تبنيهم لهذا المذهب أمناء على عقيدة السلف وأفكارهم ومنهجهم في فهم الإسلام وتطبيقه.

وهكذا تحولت كلمة السلفية من شعار أطلق على حركة إصلاحية للترويج لها والدفاع عنها، إلى لقب لُقب به مذهب يرى أصحابه أنهم دون غيرهم من المسلمين على حق، وأنهم دون غيرهم من المسلمين الأمناء على عقيدة السلف والمعبرون عن منهجهم في فهم الإسلام وتطبيقه.

معنى اتباع السلف وسبب أفضليتهم في فهم الدين والعمل به

ماذا يعني إتباع السلف؟

إن أتباع السلف ليس مراداً ولا مطلوباً لمجرد أنهم كانوا سلف هذه الأمة في الترتيب الزمني، بل لكونهم أحرى الناس بفهم كلام الله ومعرفة سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم, لأن سليقتهم العربية كانت لا تزال نقية عن شوائب اللكنة في النطق والعجمة في الفهم فكانوا لذلك أولى الناس بفهم معاني ومرامي كلام الله العربي المبين، وكانوا أقرب الناس إلى حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والاختلاط به فكانوا أولى الناس بالتبليغ عنه والفهم منه، ثم إنهم كانوا أصدق الناس ديناً وأنقاهم فطرة وأبعدهم عن مظاهر التصنع والجنوح إلى الابتداع، فكانوا من أجل ذلك أولى الناس بالاطمئنان إليهم والوثوق بهم.

اتباع السلف كمنهج في تفسير النصوص والاجتهاد عبر العصور

فإتباع السلف لا يكون بالانحباس في حرفية الكلمات التي نطقوا بها أو المواقف الجزئية التي اتخذوها، لأنهم أنفسهم لم يفعلوا ذلك، وإنما يكون الرجوع إلى ما احتكموا إليه من قواعد تفسير النصوص وتأويلها وأصول الاجتهاد والنظر في المبادئ والأحكام والرجوع إلى هذه المبادئ والأحكام واجب المسلمين كلهم في سائر العصور فلا يختص بالرجوع إليها والانضباط بها سلف دون خلف.

ولا يمتاز السلف عن الخلف في ذلك إلا بأن لهم فضل الالتفات إلى هذه القواعد والشعور بمدى الحاجة إليها ثم العكوف على استخراجها وتدوينها.

السلفية الحقيقية ووحدة أهل السنة والجماعة رغم اختلاف العصور

فالسلفية الحقيقية تعني التزام أهلها بمنهج السلف في تعاملهم مع نصوص القرآن والسنة، هذا المنهج الذي كان متجسداً وتجلياً في سلوك السلف الصالح رضوان الله عليهم فكل من التزم بهذا المنهج فقد دخل في دائرة الوحدة التي عنون لها بأهل السنة والجماعة وإن عاش في القرون الأخيرة من عمر الدنيا، وكل من لم يلتزم به فقد خرج عن دائرة تلك الوحدة الجامعة، وإن عاش في أول قرن من عمر الإسلام.

وما إتباع السلف إلا الصبغة العامة لسائر المسلمين، وما معناه إلا الاستضاءة بسلوكهم وعلومهم في فهم هذا المنهج والتمرس على تطبيقه بشكل سليم، وكما صح للسلف الصالح أن يختلفوا تحت مظلة ذلك المنهج المتبع، فلا ريب أنه صح لمن جاء بعدهم متبعاً لهم ومقتدياً بهم أن يختلفوا تحت تلك المظلة ذاتها كما اختلفوا، وكما أن الاختلاف لم يمزق وحدتهم الإسلامية شطرين: ملتزم وزائغ، فإن اختلاف من بعدهم أيضاً لم يؤثر على وحدتهم الإسلامية، ولم يجعل منهم شطرين ك سلفياً وبدعياً.

رفض تحويل لفظ السلف إلى هوية حزبية وبيان واقع الخلاف الفقهي

والسلف رضوان الله عليهم لم يتخذوا من معنى كملة "السلف" بحد ذاتها مظهراً لأي شخصية متميزة أو أي وجود فكري أو اجتماعي خاص بهم يميزهم عمن سواهم من المسلمين, ولم يضعوا شيئاً من يقينهم الاعتقادي أو التزاماتهم السلوكية والأخلاقية في إطار جماعة إسلامية ذات فلسفة وشخصية فكرية مستقلة، بل كان بينهم وبين من نسميهم اليوم بالخلف منتهى التفاعل وتبادل الفهم والأخذ والعطاء تحت سلطان ذلك المنهج الذي تم الاتفاق عليه والاحتكام إليه.

ولم يكن يخطر في بال السابقين منهم ولا اللاحقين بهم أن حاجزاً سيختلف ليرتفع ما بينهما بصنع طائفة من المسلمين فيما بعد، وليقسم سلسلة الأجيال الإسلامية إلى فريقين يصبغ كلاً منهما بلون مستقل من الأفكار والتصورات والاتجاهات.

كما أن السلف لم يجتمعوا على مذهب في قضايا الفروع، وإنما ما نقل من خلافات في الفروع هي في الأساس اختلافات بين السلف أنفسهم، فالسلف اختلفوا في قضايا كثيرة فرعية تنتمي إلى الأحكام العملية، وإلى مسائل الاعتقاد الفرعية.

نقد دعوى وجود مذهب فقهي واحد للسلف وبيان توهماته

فقول أحدهم هذا مذهب السلف فيه خداع؛ لأنه فيه توهمين، الوهم الأول: أن السلف كان لهم هذا المذهب الفقهي الذي اتفقوا عليه وهذا محضر وهم. الثاني: أن مذهب السلف لم ينقل بالطريق المعروف للمسلمين وهو طريق التابعين، ثم أصحاب المذاهب المعروفة حتى وصل إليها من محققي المذاهب الفقهية والكلامية وكأن مذهب السلف في ألواح محفوظة مغلق عليها، لم يطلع عليها أحد قبل هؤلاء المدعين.

وبذلك نرى آراءهم واتجاهاتهم وسلوكهم ومواقفهم وأحكامهم على الأشياء باطلة، وهي الخمسة التي يجب على الدارسين عند تحليلهم للظاهرة أن يقفوا عندها.

ملامح الفكر الصدامي المنحرف وافتراض الحرب الدائمة على المسلمين

والفكر الصدامي الذي يتبناه هؤلاء الذين أساءوا فهمه يفترض أموراً ثلاثة وهي:

أولاً: أن العالم كله يكره المسلمين وأنهم في حالة حرب دائمة للقضاء عليهم وأن ذلك يتمثل في أجنحة الشر الثلاثة الصهيونية (يهود) والتبشير (نصارى) والعلمانية (إلحاد)، وأن هناك مؤامرة تحاك ضد المسلمين في الخفاء مرة وفي العلن مرات، وأن هناك استنفاراً للقضاء علينا مللنا من الوقوف أمامه دون فعل مناسب.

دعوى وجوب الصدام مع العالم وفكرة الفكر الساري والفوضى الخلاقة

ثانياً: وجوب الصدام مع ذلك العالم حتى نرد العدوان والطغيان، وحتى ننتقم مما يحدث في العالم الإسلامي هنا وهناك، ووجوب الصدام يأخذ صورتين الأولى: مقتل الكفار الملاعين، والثانية: قتل المرتدين الفاسقين، أما الكفار الملاعين فهم كل البشر سوى من شهد الشهادتين.

وأما المرتدون الفاسدون فهم من شهد الشهادتين وحكم بغير ما أنزل الله وخالف فكرهم، وهذه الصياغات كما نري فيها شئ كثير من التلبيس والتدليس والجهالة ولكنها سوف تجذب كثيراً من الشباب.

ثالثـاً: أن فكرهم يراد له أن يكون من نمط الفكر الساري وهذا معناه أنه لا يعمل من خلال منظمة أو مؤسسة يمكن تتبع خيوطها بقدر ما يعمل باعتباره فكراً طليقاً من كل قيد يقتنع به المتلقي له في أي مكان ثم يقوم بما يستطيعه من غير أوامر أو ارتباط بمركز أو قائد.

وعليه فإن الفوضى سوف تشيع بصورة أقوى وتنتشر بصورة أعمق وهذه النظرية لها ارتباط عضوي بنظرية الفوضى الخلاقة، وهو المصطلح الذي شاع في الاستعمالات السياسية والأدبية في الآونة الأخيرة وإن كان الكثيرون لا يدركون أصوله ومعانيه وآثاره والنموذج المعرفي المنتمي إليه.

تحول التوجه السلفي المتشدد لعائق حضاري وتربة للفكر المتطرف

لقد أصبح التوجه السلفي عائقاً حقيقاً لتقدم المسلمين ولتجديد خطابهم الديني وللتنمية الشاملة التي يحتاجها العالم الإسلامي عامة، ومصر على صفة الخصوصي، وهذا التوجه السلفي أصبح تربة صالح للفكر المتطرف، وأصلاً للمشرب المتشدد الذي يدعو إلى تشرذم المجتمع وإلى انعزال الإنسان عن حركة الحياة، وأن يعيش وحده في خياله الذي غالباً ما يكون مريضاً غير قادر على التفاعل مع نفسه أو مع من يحيط به من الناس، ويتميز الفكر السلفي بعدة خصائص تؤدي إلى ما ذكرنا وترسم ذلك الموقف الذي يجب على الجميع الآن – خاصة - أن يقاوموه وأن يعلموا بكل وسيلة على إخراج أولئك من عزلتهم، لأنهم لم يعودوا ضارين لأنفسهم فقط، لكن ضررهم قد تعدى إلى من حولهم وإلى شباب الأمة ومستقبلها، وإلى المجتمع بأسره.

سحب مسائل الماضي إلى الحاضر وتحويل العادات إلى قضايا فاصلة

هذا الفكر السلفي يريد أن يسحب مسائل الماضي في حاضرنا، ولذلك تراه قد حول هذه المسائل إلى قضايا وإلى حدود فاصلة بينه وبين من حوله، وهذه القضايا يتعلق أغلبها بالعادات والتقاليد والأزياء والملابس والهيئات من طريقة الأكل والشرب إلى قضاء الحاجة والهيئة واستعمال العطور، وتؤثر هذه الخصيصة التي تستجلب مسائل الماضي وتسحبها وتجرها إلى الحاضر من ناحية، وتحول مجرد المسألة التي كانت في نطاق الماضي لا تعدو مسألة إلى قضية ندافع عنها وننافح من أجلها، وتكون في عقيلته معياراً للتقويم وللقبول والرد، فمن فعلها فهو معه، ومن لم يفعلها فهو ضده، يشمئز منه وينفر ويعاديه، ويعيش في هذا الوهم، فيشتد انعزاله عمن حوله، أقول إن ذلك كله يؤدي إلى انتقاله من هذا الدور إلى دور يرى فيه وجوب الانتحار وتفجير نفسه في الناس بالمتفجرات الحقيقية وبالقنابل، ويرى أنه ليس لحياته معنى لأنه يسبح ضد التيار، ويرى أنه لابد عليه أن يزيد من نسله وأن يملأ الأرض صياحاً بأطفاله محاولاً بذلك أن يسد ثغرة اختلال الكم، حيث أنه يشعر بأنه وحيد وبأنه قلة، وبأن الكثرة الخبيثة من حوله سوف تقضي عليه وتكتم على أنفاسه، فيحاول أن يفر من ذلك بزيادة النسل، بل ويشبع بين أتباعه وأصحابه هذا المفهوم الذي يحدث معه الانفجار السكاني والتخلف التنموي.

التشدد واعتبار الحياة خطيئة ورفض الفنون والمشاركة الاجتماعية

ومن خصائص هذا الفكر الانعزالي التشدد، فهو يرى أن الحياة خطيئة، وأنه يجب علينا أن نتطهر منا يكون بالبعد عن مفرداتها، سواء أكانت هذه المفردات هي الفنون أو الآداب أو كانت هذه المفردات هي المشاركة الاجتماعية أو حتى تعلم أساليب اللياقة، فتراه يتمتع ويتفاخر بالخروج من الحياة، لكنه لا يستطيع أن يفعل ذلك بصورة تامة، ولذلك نراه في تناقض شديد، فيفعل أشياء، ويمتنع عن أشياء هي من جنس واحد متبعاً في ذلك هواه، مما يكون عند عقلية الانطباع والهوى، وهي عقلية تخالف العقلية العلمية، وتخالف المنطق المعروف الذي به قوام الاجتماع البشري، ومن هنا يكون متعباً في تلقيه التفكير المستقيم، ومن هنا أيضاً نراه متمرداً منعزلاً لا يثق في العلماء، ولا يثق إلا في طائفة قليلة تجارية في هواه، وهذا يمنعه من تلقي أي رسالة معرفية اجتماعية.

عقلية المؤامرة والكبر والعجب واختلال الأولويات في الفكر المتشدد

ويتميز هذا الصنف من الناس بامتلاك عقلية المؤامرة، ولذلك يرى كل ما حوله وكأنه يحيك ضده مؤامرات ويحاول أن يبيده من على الأرض، مما يجعله متحفزاً دائماً بأن يكون ضداً ومعانداً لمن حوله.

ويتميز أيضاً بالكبر والعجب الذي يحتقر معه كل رأي سواه، فإن الظني قد تحول عنده إلى قطعي، ومحل النظر تحول عنده إلى ضروري لا نقاش فيه، مما تختل معه قائمة الأولويات وترتيبها، وتقدم سفاسف الأمور على عظائمها والمصلحة الخاصة على العامة، والموهومة على المحققة، وهذا كله يؤثر سلباً على المجتمع ككل.

مقاومة الإصلاح وتوسيع دائرة الحرام وإسقاط هيبة العلماء

من هذه الصفات أنهم يقفون ضد أي إصلاح في المجتمعات الإسلامية بدعوى أن كل جديد بدعة، وأن كل بدعة ضلالة، وأن كل ضلالة في النار، ويبتعدون دائماً عن جوهر الموضوع إلى النظر في مجرد الشكليات ويعملون الهوى في فهم النصوص, ويضيقون على المسلمين حياتهم بتوسيع دائرة الحرام, ويخرجون عن نظام المشيخية وطاعة العلماء، إلى نظام غريب عجيب يجتهدون فيه من عند أنفسهم في الفقهيات، ويقلدون في العقائد ويعظمون غير العلماء، ويحطون من شأن العلماء، ويتصدرون بما لا يزيد عن مائة مسألة لتفسيق الناس وتكفيرهم، والدعوة إلى منابذتهم ومحاربتهم.

المنهج الأزهري ووسطية أهل السنة والجماعة بديلاً عن الفكر المنحرف

لقد آن الأوان وحان الوقت لأن يكون مقاومة هذا الفكر المنحرف مطلباً قومياً، والطريق إلى ذلك هو العودة إلى منهاج الأزهر الذي حمل لواء أهل السنة والجماعة عبر القرون، وأهل السنة بالنسبة لباقي التيارات والمذاهب الإسلامية عدل وسط، يعترفون بكل الصحابة وليس شأنهم كشأن الشيعة الذين ينكرون الصحابة إلا عليا، فأهل السنة في المذاهب كأهل الإسلام في الأديان، والمنهج الأزهري يدرس الأشعرية وهي عقيدة أغلب المسلمين في مجال الاعتقاد، ويدرس المذهبية السنية بمذاهبها الأربعة (الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة) مع عدم إنكاره للاجتهاد الفردي أو الجماعي ومع عدم إنكاره للأخذ بباقي المذاهب الثمانية المعمول بها (كالإباضية والظاهرية الإمامية والزيدية) أو حتى الأخذ من وسيع الفقه الإسلامي من خارج هذه الثمانية في المذاهب المنقولة في كتب الفقه وهي تربو عن ثمانين مذهباً أو حتى الأخذ من الكتاب والسنة بما يلائم حاجات العصر ومصالح المصر وبما يلائم الانطلاق في هذا العالم الذي حولنا، حيث نتوخى تحقيق المقاصد العليا، من حفظ النفس، تمثل في ذات الوقت أهداف الشريعة العليا، وملامح الحضارة الإسلامية والإنسانية، ويدرس في جانب الأخلاق مذاهب التصوف الذي يتعلم فيه الإنسان أن يخلى قلبه من القبيح بما فيه الكبر والعناد، وأن يحلي قلبه بالصحيح بما فيه الرجوع إلى المرجعية الصحيحة، وإلى العلم النافع، وإلى القيادة الرشيدة، وطاعة الله ورسوله وأولي الأمر منا.

الحاجة لعودة المفاهيم الوسطية لمواجهة التطرف والانهيار المجتمعي

إن هذه المفاهيم الواضحة الجلية وقد اختلطت بالفكر السلفي يجب أن تعود في حياتنا حتى نقاوم الطوفان من الانهيار والإرهاب وزيادة السكان، وعوائق التنمية البشرية، وبناء عقلية الانطباع دون العقلية العلمية، مما يؤدي إلى كوارث ومصائب الله أعلم بها، هذا ما أردنا توضيحه في شأن السلفية والفكر السلفي، والله تعالى أعلى وأعلم.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما المعنى الاصطلاحي المستقر لمصطلح السلفية؟

القرون الثلاثة الأولى من عمر الأمة الإسلامية

ما الحديث النبوي الذي استُند إليه في تحديد معنى السلفية اصطلاحاً؟

خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم

في أي سياق تاريخي ظهر مصطلح السلفية في مصر؟

إبان الاحتلال البريطاني مع حركة الإصلاح الديني

من قاد حركة الإصلاح الديني التي اقترن بها ظهور شعار السلفية في مصر؟

جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده

ما القاسم المشترك الذي جعل كلمة السلفية تروج بين أقطاب المذهب الوهابي؟

محاربة البدع والخرافات

ما السبب الحقيقي لأفضلية السلف الصالح في فهم الدين؟

نقاء سليقتهم العربية وقربهم من النبي وصدقهم في الدين

ما الذي يعنيه اتباع السلف الصالح حقيقةً؟

الرجوع إلى قواعد تفسير النصوص وأصول الاجتهاد

هل اتخذ السلف الصالح من لفظ السلف هوية حزبية مستقلة تميزهم عن غيرهم؟

لا، بل كان بينهم وبين الخلف منتهى التفاعل وتبادل الفهم

ما الوهمان اللذان ينطوي عليهما قول أحدهم هذا مذهب السلف؟

وهم اتفاق السلف على مذهب واحد، ووهم انقطاع نقله عبر المذاهب المعروفة

ما الأجنحة الثلاثة التي يرى الفكر الصدامي أنها تتآمر على المسلمين؟

الصهيونية والتبشير والعلمانية

ما الذي يميز الفكر الساري الذي يتبناه المتشددون؟

يعمل كفكر طليق من كل قيد دون منظمة أو مركز أو قائد

ما الذي يدرسه المنهج الأزهري في مجال الاعتقاد؟

الأشعرية وهي عقيدة أغلب المسلمين

كم مذهباً فقهياً يُقرّ المنهج الأزهري بالعمل بها إلى جانب المذاهب الأربعة؟

ثمانية مذاهب معمول بها إضافة إلى المذاهب الأربعة

ما الذي يُفضي إليه تحويل العادات والأزياء إلى قضايا فاصلة في الفكر المتشدد؟

تعميق الانعزال والتصاعد نحو التطرف والانتحار

ما الذي يُعلّمه التصوف الأخلاقي في المنهج الأزهري؟

تخلية القلب من القبيح وتحليته بالصحيح والرجوع إلى المرجعية الصحيحة

ما المعنى اللغوي لكلمة السلفية؟

معنى السلفية في اللغة نسبي، فكل زمان هو سلف بالنسبة لما يأتي بعده وخلف لما سبقه، وهذا المعنى يمكن أن تتعاوره الأزمنة المتوالية كلها.

ما الفريقان اللذان كان الناس في مصر أمامهما إبان الاحتلال البريطاني؟

الفريق الأول يرى الانضمام إلى ركب الحضارة الغربية والتخلص من الضوابط الإسلامية، والفريق الثاني يرى إصلاح أمر المسلمين بإعادتهم إلى الإسلام الصحيح النقي عن البدع والخرافات.

ما الغرض الأصلي من رفع شعار السلفية في حركة الإصلاح الديني؟

كان الغرض تهييج كراهية الناس للصورة المتردية التي آل إليها حال المسلمين بمقارنتها بعصر السلف المشرق، وجعل ارتباط الإسلام بعصر السلف مناط كل سعادة وتقدم.

لماذا أُطلق على الوهابية اسم السلفية بدلاً من الوهابية؟

للإيحاء بأن أفكار هذا المذهب لا تقف عند محمد بن عبد الوهاب فقط بل ترقى إلى السلف، ولإثبات أنهم أمناء على عقيدة السلف وأفكارهم ومنهجهم في فهم الإسلام.

ما الفرق بين السلفية كشعار إصلاحي وكلقب مذهبي؟

كانت السلفية أولاً شعاراً لحركة إصلاحية يعبّر عن منهج ودعوة، ثم تحولت إلى لقب لمذهب يرى أصحابه أنهم وحدهم الأمناء على عقيدة السلف دون سائر المسلمين.

لماذا لا يعني اتباع السلف الانحباس في حرفية كلماتهم ومواقفهم الجزئية؟

لأن السلف أنفسهم لم يفعلوا ذلك، وإنما يكون اتباعهم بالرجوع إلى قواعد تفسير النصوص وأصول الاجتهاد التي احتكموا إليها، وهذا واجب على المسلمين في سائر العصور.

من يدخل في دائرة السلفية الحقيقية وأهل السنة والجماعة؟

كل من التزم بمنهج السلف في التعامل مع نصوص القرآن والسنة دخل في دائرة أهل السنة والجماعة وإن عاش في القرون الأخيرة، والاختلاف في الفروع لا يُخرجه من هذه الدائرة.

هل اجتمع السلف الصالح على مذهب فقهي واحد في قضايا الفروع؟

لا، بل اختلف السلف في قضايا فرعية كثيرة تنتمي إلى الأحكام العملية ومسائل الاعتقاد الفرعية، وما نُقل من خلافات في الفروع هي في الأساس اختلافات بين السلف أنفسهم.

ما الوهم الأول في قول أحدهم هذا مذهب السلف؟

الوهم الأول هو افتراض أن السلف كان لهم مذهب فقهي واحد اتفقوا عليه، وهذا محض وهم لأن السلف اختلفوا في مسائل فرعية كثيرة.

ما الوهم الثاني في ادعاء وجود مذهب فقهي واحد للسلف؟

الوهم الثاني هو أن مذهب السلف لم ينقل عبر الطريق المعروف للمسلمين وهو طريق التابعين ثم أصحاب المذاهب المعروفة، وكأنه في ألواح محفوظة لم يطلع عليها أحد قبل هؤلاء المدعين.

ما أبرز خصائص الفكر الانعزالي المتشدد في موقفه من الحياة؟

يرى أن الحياة خطيئة يجب التطهر منها بالبعد عن مفرداتها من فنون وآداب ومشاركة اجتماعية، ويقع في تناقض شديد إذ يفعل أشياء ويمتنع عن أشياء من جنس واحد متبعاً هواه.

كيف تؤثر عقلية المؤامرة على سلوك المتشدد تجاه من حوله؟

تجعله يرى كل ما حوله وكأنه يحيك ضده مؤامرات ويحاول إبادته، مما يجعله متحفزاً دائماً للمعاندة والتصادم مع من حوله.

ما الذي يفعله المتشددون بدائرة الحرام وما موقفهم من العلماء؟

يُضيّقون على المسلمين حياتهم بتوسيع دائرة الحرام، ويخرجون عن طاعة العلماء ويحطّون من شأنهم، ويتصدرون بمائة مسألة لتفسيق الناس وتكفيرهم.

ما المذاهب الفقهية الأربعة التي يدرسها المنهج الأزهري؟

الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، مع عدم إنكار الاجتهاد الفردي أو الجماعي والأخذ من باقي المذاهب المعمول بها.

ما المخاطر التي يُفضي إليها غياب المفاهيم الوسطية في ظل انتشار الفكر المتشدد؟

يُفضي إلى طوفان من الانهيار والإرهاب وزيادة السكان وعوائق التنمية البشرية، وبناء عقلية الانطباع بدلاً من العقلية العلمية مما يؤدي إلى كوارث ومصائب.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!