اكتمل ✓
الفصل 35

هل يجوز إجراء عملية رتق البكارة للمغتصبة أو التائبة وما حكم الستر على النفس في الشريعة الإسلامية؟

يجوز شرعاً إجراء عملية رتق البكارة للمغتصبة والتائبة لأن الستر مشروع ومأمور به في الإسلام، وهو أولى في حق من أُرغمت على الفاحشة بغير إرادتها. وزوال البكارة لا يُعدّ عيباً مؤثراً يُفوّت مقصود النكاح، فلا يكون إخفاؤه غشاً. وقد أيّد هذا الحكمَ قاعدةُ درء المفاسد ومبدأ أن الوسائل لها أحكام المقاصد.

20 دقيقة قراءة
  • هل يجوز إجراء عملية رتق البكارة للفتاة المغتصبة أو التائبة، وما الأساس الشرعي لذلك في الفقه الإسلامي؟

  • الستر صفة إلهية أمر بها النبي ﷺ، وتتابعت النصوص على الحث عليه وأن الجزاء من جنس العمل.

  • المغتصبة لا إثم عليها لرفع القلم عن المكره، وهي أولى بالستر ممن ارتكبت الفاحشة باختيارها.

  • زوال البكارة ليس عيباً مؤثراً يُفوّت مقصود النكاح، فإخفاؤه بالرتق لا يُعدّ غشاً ولا تدليساً.

  • قاعدة درء المفاسد تُرجّح إجراء عملية الرتق لدفع الأذى الاجتماعي والنفسي والأسري عن المرأة.

  • كشف العورة للتداوي جائز عند الحاجة والضرورة، وهما كافيتان لإباحة هذه العملية.

تعريف مسألة إعادة البكارة وبيان أصل خلق الستر في الإسلام

إعادة البكارة للفتاة المغتصبة:

السؤال: هل يجوز إعادة البكارة للفتاة المغتصبة ؟

الجواب: جاء الشرع الشريف بالأمر بالستر, والنبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الستر صفة من صفات الله تعالى يحب من خلقه أن يتصفوا بها فقال صلى الله عليه وآله وسلم:

(إن الله سبحانه وتعالىحَييً سِتًير؛ يحب الحياء والسًتر) رواه أبو داود (3497), والنسائي (403) من حدي يعلى بن أمية رضي الله عنه.

وتتابع النصوص الشرعية على الحث على استر وأن الجزاء فيه من جنس العمل, فقال النبي ص:

(من ستر مسلما ستره الله يوم القيامة) متفق عليه.

الوعيد في تتبع عورات المسلمين وإفسادهم بالفضيحة

بل توعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم من سعي في فضيحة المسلمين وتتبع عوراتهم بحصول ذلك له وعوده عليه:

فعن ابن عمر رضي الله عنه قال صعد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم المنبر فادى بصوت رفيع فقال:

(يا معشر من قد أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه ! لا تؤذوا المسلمين ولا تغيروهم ولا تتبعوا عوراتهم؛ فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته, ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله) رواه التزمي وحسنه وابن حبان في صحيحه.

وعن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:

(من ستر عورة أخيه المسلم ستر الله عورته يوم القيامة, ومن كشف عورة أخيه المسلم كشف الله عورته حتى يفضحه بها في بيته) رواه ابن ماجه بإسناد حين كما قال الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب.

وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن تتبع العورات سبب من أسباب الفساد الإفساد؛ فعن معاوية رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:

(إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم) رواه أبو داود وابن حبان في صحيحه.

استحباب ستر العاصي على نفسه وعدم طلب إقامة الحد

وإذا أصاب المسلم معصية فأنه مأمور أن يستر على نفسه؛ حيث لم يجعل الشرع إقامة الحد شرطاً في قبول التوبة؛ فعن زيد ين أسلم أن رجلاً اعترف على نفسه بالزنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, فدعا له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسوط, فجُلِد, ثم قال:

(أيها الناس قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله, من أصاب من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر الله, فإنه من يُبدي لنا صفحته نُقم عليه كتاب الله) رواه مالك في الموطأ (1299) عن زيد بن أسلم رضي الله عنه يرسله.

قال الإمام الشافعي رضي الله عنه:

(هذا حديث منقطع ليس مما يثبت به هو نفسه حجة, وقد رأيت من أهل العلم عندنا من يعرفه ويقول به, فنحن نقول به). [سنن البيهقي 2 /99].

وروي الإمام أحمد في مسنده (5/ 42) من حديث أبي بكر رضي الله عنه أن امرأة حبلى جاءت النبي صلى الله عليه وآله وسلم, فقالت: إنها زنت, وطلبت أن تُرجم, فقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

(استتري بستر الله تبارك وتعالى),

فرجعت, ثم جاءت الثالثة وطلبت أن تُرجم, فقال:

(اذهبي حتى تلدي),

فانطلقت, فولدت غلاماً ثم جاءت فكلمت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, ثم قال لها:

(اذهبي فتطهري من الدم),

فانطلقت, ثم أتت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, فقالت: إنها قد تطهرت, فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نسوة فأمرهن أن يَستَبرئْن المرأة, فجئن وشهدن عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بطهرها, فأمر لها بحُفَيرة, ورجمت, قم صلي عليها, وقال صلى الله عليه وآله وسلم:

(لو قسم أجرها بين أهل الحجاز وسعهم).

ذم المجاهرة بالمعصية وقصة ماعز بن مالك مع هزال

وروي البخاري (5608) ومسلم (5306) واللفظ له عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:

(كل أمتي مُعافاة إلا المجاهرين, وإن من الإجهار أن يعمل العبد بالليل عملاً, ثم يصبح قد ستره ربه فيقول: يا فلان قد عملت البارحة كذا وكذا. وقد بات يستره ربه, فيبيت يستره ربه, ويصبح يكشف ستر الله عنه).

وروى أبو داود عن نُعيم بن هزال قال: كان ماعز بن مالك يتيماً في حجر أبي, فأصاب جارية من الحي فقال له أبي:

(ائت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره بما صنعت لعله يستغفر لك..

فأقر عنده أربع مرات, فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم برجمه وقال لهزال:

(لو سترته بثوبك كان خيراً لك).

فهم الصحابة لمعنى الستر في قصة ماعز واستنباط أهل العلم

وقد فهم الصحابة والسلف الصالح هذا المعنى العظيم في اعتبار الستر في الشرع الشريف فظهر إعمالهم له في وقائع مختلفة؛ منها حادثة ماعز بن مالك الأسلمي لما جاء إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه فأخبره بزناه, قال له الصديق:

(هل ذكرت هذا لأحد غيري؟)

فقال:

(لا),

فقال له أبو بكر:

(فتب إلى الله واستتر بستر الله فإن الله يقبل التوبة عن عباده),

فلم تُقرره نفسه حتى أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه, فقال له مثل ما قال لأبي بكر, فقال له عمر ما قال له أبو بكر, فم تُقرره نفسه حتى جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاعترف بزناه, فأعرض عنه, فلما أكثر على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حقق في أمره حتى استوثق, ثم حده, رواه الإمام مالك في الموطأ (1289) عن سعيد بن المسيب يرسله, وأصل الحديث في الصحيحين, رواه البخاري (4866), ومسلم (3202).

فهذا هو الصديق الأكبر, ومعه الفاروق عمر قد أرشدا المعترف بالزنا أن يستر على نفسه ويكتم أمره, ولم يرد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أنكر عليهما ذلك, ولا حَضهُما على خلافه.

قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) [12 /124]:

(يؤخذ من قضيته أنه يستحب لمن وقع في مثل قضيته أن يتوب إلى الله تعالى ويستر نفسه ولا يذكر ذلك لأحد, كما أشار به أبو بكر وعمر على ماعز, وأن من اطلع على ذلك يستر عليه بما ذكرنا, ولا يفضحه, ولا يرفعه إلى الإمام, كما قال صلى الله عليه وآله وسلم في هذه القصة: [لو سترته بثوبك لكان خيراً لك], وبهذا جزم الشافعي رضي الله عنه فقال: أحب لم أصاب ذنباً فستره الله عليه أن يستره على نفسه ويتوب. واحتج بقصة ماعز مع أبي بكر وعمر) أ هـ.

آثار عمر بن الخطاب في تزويج من أحدثت وتابت دون فضيحة

وروى عبد الرزاق في مصنفه (6/ 246) أن رجلا خطب إلى رجل ابنة له, وكانت قد أحدثت - أي ارتكبت ما يوجب حداً -فجاء إلى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه, فذكر له ذلك, فقال له عمر: ما رأيت منها ؟ قال: ما رأيت إلا خيراً. قال:

فزوجها, ولا تخبر.

وروي في (المصنف) أيضاً (6/ 246, 247) عن الشعبي أن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب فقال:

(يا أمير المؤمنين ! إني وأدت ابنة لي في الجاهلية, فأدركتها قبل أن تموت, فاستخرجتُها, ثم إنها أدركت, فحسُن إسلامها. وإنها أصابت حداً من حدود الإسلام, فلم نفاجئها إلا وقد أخذت السكين تذبح نفسها, فاستنقذتها وقد خرجت نفسها, فداويتها حتى برأ كلمها (أي: جُرحُها), فأقبلت إقبالا حسناً, وإنها خطبت إلى, فأذكر ما كان منها ؟),

فقال عمر:

هاه لئن فعلت لأعاقبنك عقوبة يسمع بها أهل الوبر وأهل الودم) [كذا الأصل, والمعروف في اللغة مقابلة أهل الوبر بأهل المدر].

وفي رواية أخرى عنده (6/ 247):

(لأعاقبنك عقوبة يتحدث بها أهل الأمصار, أنكحها نكاح العفيفة المسلمة).

وفي رواية أخرى عند الإمام الطبري في تفسيره (6/ 105):

(أختبر بشأنها ؟ تعمد إلى ما ستره الله فتبديه ! والله لئن أخبرت بشأنها أحداً من الناس لأجعلنك نكالا لأهل الأمطار, بل انكحها بنكاح العفيفة المسلمة).

الرحمة بالزانية التائبة واستحباب الستر عند الشافعية

فهذه الآثار جميعها أفادت اعتبار عمر رضي الله عنه للستر في حق الزانية, وأنه لا يجوز أن نُغلق دونها باب الرحمة وأن يُحكم عليها وعلى أهليها بالعار الأبدي, بل يُكتم ما كان منها, ولا يشاع, وتستفتح فصلا جديداً أوله التوبة, والتملص من المعصية, وتشرع في حياة العفائف الطاهرات.

وقد نص فقهاء الشافعية أنه يستحب للزاني, وكل لمن أرتكب معصية الحق فيها لله تعالى أن يستر على نفسه, بان لا يظهرها ليحد أو ليعزر, وما التحدث بها تفكها أو مجاهرة فحرام قطعاً. انظر مثلا: أسنى المطالب (4/ 131), والزواجر عن اقتراف الكبائر (2/ 209).

تقديم المغتصبة في باب الستر ومشروعية رتق البكارة كوسيلة

وإذا كان الستر مشروعاً في حق المكلف الذي ارتكب الفاحشة, فإن كونه مشرعاً ومأموراً به في حق من أُرغُمت عليها من غير ذنب منها ولا إرادة من باب أولى وأحرى؛ لأن الرخصة إذا ثبتت مع عدم العذر فثبوتُها معه آكد.

ولا شك أن رتق غشاء البكارة لمن فقدت عذريتها باب من أبواب الستر عليها, ووسيلة من وسائل درء الفضيحة عنها, ومن فعلت ذلك بنية الستر على نفسه فهي ممتثلة بذلك لحديث:

(من أصاب من هذا القاذورات شيئاً فليستتر بستر الله),

وإذا كان هذا فيمن صدر ذلك منها برضاها, فإنه أشد مشروعية إذا كانت قد أُرغمت عليه وأُكرهت على مقارفته, والأصل في الشريعة أن الوسائل لها أحكام المقاصد, ونص الفقهاء على أن (الإذن في الشيء إذن في الشريعة أن الوسائل لها أحكام المقاصد, ونص الفقهاء على أن (الإذن في الشيء إذن في مكملات مقصودة) كما أفاده الإمام ابن دقيق العيد في (إحكام الأحكام), وهذه العملية مظهر مهم من مظاهر الستر, ومن استثني شيئاً مما يُحقق الستر طولب بالدليل؛ لأن دعواه تخالف هذا الأصل.

تطبيق قاعدة درء المفاسد على رتق البكارة وآثارها الاجتماعية

كما أنه قد تقرر في قواعد الشرع من أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح, ومن المعلوم أن المفاسد مقدم على جلب المصالح, ومن المعلوم أن المفاسد المترتبة على العلم بزوال بكارة المرأة في غير نكاح بين الناس تربو على مصالح ذلك, ولعل أدنى هذه المفاسد هو سوء الظن بها وحمل أفعالها الماضية والمستقبلة على المحامل الفاسدة, فضلا عما هو فوق ذلك من هدم الأُسر أو الإيذاء الشديد اللاحق بالمرأة الذي قد يصل إلى حد القتل في بعض البيئات, وكذلك المعرة التي تلحق ذويها وعائلتها, ولا شك أن هذا المفاسد ترجح على المصلحة الحاصلة بالعلم بزوال العذرية, فتجرى عملية الرتق لدفع هذه المفاسد المذكورة وأشباهها كلما كانت هي الوسيلة المعينة التي تحقق هذا الدفع.

قال العز بن عبد السلام في (قواعد الأحكام) (1/ 98):

(إن كانت المفسدة أعظم من المصلحة درأنا المفسدة ولا نبالي بفوات المصلحة, قال الله تعالى:{ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} [البقرة: 219] حَرمَهُما, لأن مفسدتهما أكبر من منفعتهما. أما منفعة الخمر فبالتجارة ونحوها, وأما منفعة الميسر فبما يأخذ المقامر من المقمور. وأما مفسدة الخمر فبإزالتها العقول, وما تُحدِثه من العداوة والبغضاء, والصد عن ذكر الله وعن الصلاة. وأما مفسدة القمار فبإيقاع العداوة والبغضاء, والصد عن ذكر الله وعن الصلاة, هذا المفاسد عظيمة لا نسبة إلى المنافع المذكورة إليها.

إذن البكر والثيب عند الحنفية وحكم من زالت بكارتها خفية

وفقهاء الحنفية عندما تعرضوا لمسألة الإجبار في النكاح, ذكروا أن البكر إذا استأذنها وليها في التزويج, فسكتت أو ضحكت أو زوجها فبلغها الخير فسكتت فهو إذن, وأما الثيب فلا يُكتفي منها بما يدل على رضاها من الأفعال, بل لابد من تصريحها بالقول. وعندهم أن من زالت بكارتها بوثبة أو حيضة أو جراحة أو تعنيس أو زنا فإذنها كالأبكار, بخلاف من تكرر زناها فإنها لا تستحب بعد التكرار عادة بل مَكسبة.: قالوا (وكذا إذا أخرجت وأقيم عليها الحد؛ لأنه ظهر بين الناس وعُرفت به فلا تخفيه) أ هـ تبين الحقائق (2/ 118. 120), فجعلوا عِِلة أنها لا تزوج كالأبكار معرفة الناس بما كان منها وظهوره, ويلزم من هذا التعليل أنه لو انعدمت معرفة الناس بحدها وزناها أنها تُزوج كالأبكار أيضاً, والله أعلم.

رفع الإثم عن المغتصبة والمكره والصغير والمجنون

وإذا اغتصبت البنت وأُكرهت على الزنا وغماً عنها فلا إثم عليها؛ لقوله تعالى:

{ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} [النحل: 106],

قال الإمام القرطبي في (أحكام القرآن):

(لما سمح الله عز وجل بالكفر به - وهو أصل الشريعة - عند الإكراه ولم يؤاخذ به, حمل العلماء عليه فروع الشريعة كلها, فإذا وقع الإكراه عليها لم يؤاخَذ به ولم يترتب عليه حكم),

وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

(إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان زن استُكرهوا عليه) رواه ابن ماجه (2035) والبيهقي (7/ 356), وصححه الحافظ أبو محمد عبد الحق وحسنه الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم (371),

وفي حكم الإكراه الصغرُ ونقص العقل أو زواله؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم:

(رُفع القلم ع ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ, وعن الصبي حتى يحتلم, وعن الجنون حتى يعقل) رواه أبو داود (3825), والنسائي (3378), وابن ماجه (2031), وصححه الإمام النووي في شرح مسلم (8/ 14).

المصالح النفسية والاجتماعية لرتق البكارة للمغتصبة أو التائبة

ويجوز لها أو لوليها إجراء عملية رتق البكارة؛ لما يترتب على ذلك من سد لباب إساءة الظن به, مما يحميها من المؤاخذات الاجتماعية الجائزة, مع ما فيه من عون على الاستقامة والعفاف؛ فإرجاع عذريتها لها يُغلق بابا قد ينفذ منه الشيطان فيهون عليها المعصية بعد الذي ابتليت به؛ فكم من فتاة عفيفة ابتُليت بحادث اعتداء على شرفها تسبب في زوال بكارتها, فامتنعت عن الزواج, وأورثها ما تعرضت له شعوراً بالهوان والدنس, ثم بدأت مبالاتها بمعاني الشرف والفضيل في الانحسار, وأخذت حرارة المعصية في قلبها في الخفوت شيئاً فشيئاً, فبدأت في إشباع حاجاتها وشهوتها يما يغضب الله تعالى دون حساب لرقيب؛ فقد زالت العلامة التي يعتبره المجتمع دليل الطهارة والعفاف, فصارت وسيلة فساد وإفساد في المجتمع, وإلى ذلك يشير قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

(إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم) رواه أبو داود وابن حبان في صحيحه.

مفهوم العيب في الفقه والرد على اعتباره زوال البكارة غشاً

وأما الاعتراض بان زوال غشاء البكارة يعتبر عيباً من العيوب, وإخفاؤه بالرتق نوع من الغش, والشريعة الإسلامية حرمت الغش والتدليس في الزواج وفي غيره, فهو مردود بأنه ليس كل عيب يُعد إخفاؤه عشاً, بل العيب المؤثر يكون في كل شيء بحسبه, قال الإمام النووي رحمه الله في (تهذيب الأسماء واللغات) الجزء الثاني من القسم الثاني ص(53):

(العيب ستة أقسام: عيب في المبيع, وفي رقبة الكفارة, والغُرة, والأضحية والهدي والعقيقة, وفي أحد الزوجين, وفي الإجارة, وحدودها مختلفة؛ فالعيب المؤثر في المبيع الذي يثبت بسببه الخيار هو: ما نقصت به المالية أو الرغبة أو العين, كالخِصا. والعيب في الكفارة: ما أضر بالعمل إضراراً بيناً. والعيب في الأضحية أو الهدي أو العقيقة هو: ما نقص من اللحم. والعيب في النكاح: ما يُنفر عن الوطء ويكسر سورة التواق. والعيب في الإجارة: ما يؤثر في المنفعة تأثيراً يظهر به تفاوت الأجرة, لا ما يظهر به تفاوت قيمة الرقبة؛ لأن العقد على المنفعة. فهذا تقريب ضبطها, وهي مذكورة في هذه الكتب بحقائقها وفروعها. وعيب الغُرة في الجنين كالمبيع) أ هـ.

ضابط الغش في الزواج والعيب المفوّت لمقصود النكاح

والقول بأن إخفاء مطلق العيب من الغش قول فاسد؛ لأننا لو لم نحُد العيب المؤثر بحد مُعين لصار غير مُنضبط يختلف باختلاف الأشخاص, فما يراه شخص عيباً قد يراه غيره مناسباً. ويلزم عليه كذلك إن المرأة يلزمها أن تخبر بكل ما فيها ولو كان ندبة أو جُرحاً صغيراً, وكل هذا من البطلان بمكان, وهو مما تتنزه الشريعة عنه, فتعين رد العيب المؤثر لحد معين وضابط مُستقر.

فنقول في بيان هذا الضابط: إن ما يُعد غشا في هذا الباب هو ما كان إيهاماً بوجود مفقود مقصود لذاته, أو إخفاء لعيب مفُوت لمقصود النكاح.

وقولنا: (ما كان إيهاماً بوجود مفقود مقصود لذاته) مثاله: وصل الشعر؛ فالمرأة توهم به وجود مفقود مقصود, فيحرم عليها ذلك؛ لما فيه من تغرير وتدليس على الأزواج, ولهذا المعنى أجاز فقهاء الشافعية الوصلَ للحُرة إذا كانت ذات زوج بإذن زوجها, وللأمة بإذن سيدها, حيث ينتفي معنى التدليس حينئذ.

وخرج بهذا: ما إذا ما أوهم مفقوداً غير مقصود لذاته, فإنه لا أثر له.

وقولنا: (عيب مفُوت لمقصود النكاح), يقصد به ما أعاق الوطء حِساً, كالرتق والقرن, أو أوجب نُفْرة تمنع من القربات والمساس, كالبرص والجذام المستحكمان, والجنون وإن تقطع, فينزل ذلك منزل المانع الحسي, وهي جملة العيوب الخمسة التي ذكر فقهاء الشافعية أن الزوج يثبت له بها خيار الفسخ. وأما ما سوى هذه العيوب كالبخر, الصُنَان, والاستحاضة, والقروح السائلة فلا خيار بها؛ لأنها لا تفوت مقصود النكاح. انظر مثلاً: أسنى المطالب (3/ 176).

البكارة صفة كمال لا عيب مؤثر وأقوال الفقهاء في ذلك

والبكارة ليست مقصودة لذاتها؛ وقد ذكرها الفقهاء في كتبهم على أنها من صفات الكمال, انظر مثلاً: مغني المحتاج (3/ 207), وأسنى المطالب (3/ 178), وهذا يقتضي أن زوالها لا يُعد من جملة العيوب المؤثرة بالمعنى المشار إليه سابقاً؛ لأنه لا يفوت مقصود النكاح, فلا يكون إخفاؤه عشاً, بل الغش إخفاء ما فوت مقصود النكاح.

قال الشيخ على العدوي المالكي في (حاشيته على شرح الخرشي لمختصر خليل) [5/ 177]:

(يلزم من كون الشيء مُفَوتا للعيب كونه مفوتا للغش والكذب, لا العكس).

وقال الإمام الباجي ي (المنتقى شرح الموطأ)[3/ 352]:

(ولا يلزم المولي أن يخبر من حال وليته إلا بما في ردها, وهي العيوب الأربعة: الجنون والجذام والبرص وداء الفرج, وأما غيره من العيوب فلا يلزمه ذلك).

عموم نصوص الستر وتأكيدها بآثار عمر في تزويج التائبات

والنصوص التي تحض الإنسان أن يستر على نفسه عامة من جهة شمولها للأفراد, ومطلقة من جهة عدم تحديد وسيلة الستر, والخطاب إذا كان عاماً أو مطلقاً فإنه يجري على عمومه وإطلاقه ما لم يأتي ما يخصصه أو يقيده.

وتقوم أثر الرجال الذي خطبت ابنته وكانت قد زنت وتابت, فقال له أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه:

(زوجها, ولا تُخبر).

والآخر الذي أصابت أخته فاحشة, ثم تابت وكانت تخطب إلى عمها, وكان يكره أن يُدلسها, ويكره أن يفشي على ابنة أخيه, فأتى عمر, فذكر ذلك له, فقال عمر:

(لو أفشيت عليها لعوقبت, إذا أتاك رجل صالح ترضاه فزوجها إياه).

والآخر الذي سأل عمر في شأن ابنته التي خطبت إليه, وكانت قد زنت ثم تابت, هل يذكر لخاطبها ما كان منها؟ فقال له عمر:

(تعمد إلى ما ستره الله فتبديه ! والله لئن أخبرت بشأنها أحداً من الناس لأجعلنك نكالا لأهل الأمصار, بل أنكحها بنكاح العفيفة المسلمة).

مكانة اجتهاد عمر وإجماع الصحابة على عدم ملازمة البكارة للعفاف

والفاروق عمر رضي الله عنه هو مُحَدًث الأمة, وفيه يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

(قد كان يكون في الأمة قبلكم مُحدثون, فإن يكن في أمتي منهم أحد فإن عمر بن الخطاب منهم) رواه مسلم.

والمُحدث هو الملهم, أو هو - كما قال ابن القيم في (إعلام الموقعين) (4/ 1089. المتكلم الذي يلقي الله في روعه الصواب يحدثه به الملك عن الله.

وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

(إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه) رواه الترمذي (3615), وقال: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه, ورواه أحمد في مسنده 2/ 53.

والمتأمل في هذه الآثار الأخيرة يلحظ أن عمر رضي الله عنه أمر بتزويج المرأة زائلة البكارة على أنها عفيفة مسلمة, ولم يأمره بفضح نفسها, ولا بإخبار من أقدم على زواجها بما سلف منها, ولم يعتبر تزوجها على هذه الحال وإخفاء ما كان منها غشاً, وكذلك يظهر أن المسلمين الأوائل ما كانوا ينظرون للمرأة التي يكتشف زوال بكارتها على أنها خاطئة أو مومسة كما يشيع الآن بين الناس؛ فالعُذرة مجرد أمارة على العفاف, ولكن لا تلازم بينهما بحيث ينعدم العفاف بانعدامها ويوجد بوجدانها؛ لتعدد أسباب زوال البكارة, ومعظمها لا إثم فيه.

والاستدلال بهذه الآثار ليس لمجرد صدورها عن سيدنا عمر فحسب, بل لعدم إنكار الصحابة عليه ما كان منه, فصار إجماعاً سكوتياً على مقتضاها.

اختيار الحنفية في إذن من زالت بكارتها خفية وثناء ابن القيم عليه

وقد التفت الفقهاء الحنفية إلى مدرك التشوف إلى الستر والتمسك به وتقديمه, وراعوه في فروعهم؛ فمذهب الإمام أبي حنيفة أن من زالت بكارتها بزنا خفي زوجت كالأبكار فلا تستنطق في إذن النكاح بل يكفي سكوتها؛ تقديماً لمصلحة الستر والإخفاء على المصلحة المتوهمة من علم الزوج بزوال بكارتها. قال الزيلعي في (تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق) (2/ 120):

(لأن الشارع قد ندب إلى الستر, دوم التفات إلى غياب ذلك عن الزوج؛ تحقيقاً للمصالح العامة بالحد من شيوع الفساد, والمصالح الخاصة بالستر على العاصية.

وقد اعتبر ابن القيم مذهب أبي حنيفة في أن البكر إذا زالت بكارتها بالزنا فإذنها الصمت من محاسن الشريعة, قال:

(لأنا لو اشترطنا نطقها بزنا قد ألزمناها بفضيحة نفسها وهتك عرضها, بل إذا اكتفي من البكر بالصُمات لحيائها, فلأن يُكتفى من هذه بالصمات بطريق الأولى؛ لأن حياءها من الاطلاع على زناها أعظم بكثير من حيائها من كلمة (نعم) التي لا تُدم بها ولا تعاب, ولا سيما إذا كانت قد أُكرهت على الزنا, بل الاكتفاء من هذه البصمات أولى من الاكتفاء به من البكر؛ فهذا من محاسن الشريعة وكمالها) أ هـ من الطريق الحكمية ص98.

عدم تأثير رتق البكارة في حق الفسخ واشتراط البكارة في العقد

وكذلك فليس في إخفاء زوال البكارة بالرتق تفويت لحق الزوج في الفسخ؛ لأن عدم البكارة ليس من العيوب التي يثبت بها الخيار كما قدمنا, إلا إن اشتُرط في العقد, فإن اشتُرط فيه ثم بان خلافه ثبت الخيار عند طائفة من العلماء كالشافعية والمالكية, ولا يثبت عند طائفة أخرى كالحنفية, بل إنهم لا يثبتون الخيار للزوج أصلا بأي عيب, وعن أحمد كلام يحتمل أمرين, أحدهما: لا خيار له؛ لأن النكاح لا يُرد فيه بعيب سوى ثمانية عيوب, فلا يرد منه بمخالفة الشرط. ولكن العقد صحيح عند هؤلاء جميعاً سواء قيل بثبوت الخيار أو بعدمه.

قال الجلال المحلي في (شرحه على المنهاج):

(لأن المعقود عليه مُعين لا يتبدل بخُلف الصفة المشروطة) أ هـ من قليوبي وعميرة (3/ 266).

وقال الشمس الرملي في (نهاية المحتاج) [6/ 316]:

(لأن الخُلف في الشرط لا يوجب فساد البيع من تأثيره بالشروط فالنكاح أولى).

حكم من زالت بكارتها بغير وطء وأثر ذلك على وصف البكارة

ويُضاف إلى هذا أن جماعة من الفقهاء قد نصوا أن من زالت بكارتها بسبب غير وطء كدخول إصبع ونحوه, لا يرتفع عنها وصف البكارة شرعاً, بل تعتبر بكراً إما حقيقة عند بعضهم وإما حكماً عند البعض الآخر.

قال في مجمع الأنهر (1/ 334) من كتب السادة الحنفية:

(ومن زالت بكارتها) أي عذرتها, وهي: الجلدة التي على المحل. وفي الظهرية: البكر أسم لامرأة لا تجامع بنكاح ولا غيره (بوثبة, أو حيضة, أو جراحة, أو تعنيس) من عنست الجارية إذا جاوزت وقت التزوج فلم تتزوج (فهي بكر) حقيقة, أي: حكمهن حكم الأبكار, ولذا تدخل في الوصية لأبكار بين فلان؛ لأن مصيبها أول مصيب لها. منه الباكورة والبكرة لأول الثمار ولأول النهار, ولا تكون عذراء).

وقال الإمام البابرتي الحنفي في (العناية شرح الهداية) [3/ 270]:

(البكر هي التي يكون مصيبها أول مصيب).

وجاء في حاشية العلامة الدسوقي على الشرح الكبير (2/ 281) من كتب السادة المالكية أن من أزيلت بكارتها بوثبة تعتبر بكراَ أعم ن العذراء.

وقال العلامة البجيرمي من الشافعية في حاشيته على شرح الخطيب (3/ 361):

(وفي معنى البكر من زالت بكارتها بنحو حيض).

وفي الإقناع وشرحه كشاف القناع للعلامة منصور البهوتي (2/ 636) من كتب السادة الحنابلة:

([وزوال البكارة بأصبع, أو وثبة, أو شدة حيضة, ونحوه] كسقوط من شاهق [لا يغير صفة الإذن] فلها حكم البكر في الإذن؛ لأنها لم تخبر المقصود, ولا وجد وطؤها في القبل, فأشبهت من لم تزل عذرتها).

ترميم البكارة تأكيد لوصف قائم ورأي أبي حنيفة في الزنا الخفي

وعلى هذا فإن ترميم بكارة المرأة التي طرا لها التهتُك بسبب مما ذكر لا يسيل على المرأة وصفاً هي خالية عنه, بل هو مؤكد لوصف قائم بها وهو البكورة, ودارئ عنها الخوض في عرضها بالظنون الفاسدة والأقاويل الباطلة.

بل يرى الإمام أو حنيفة رحمه الله تعالى أن من زالت بكارتها بزنا خفي فإنها تُعد بكراً وتُزوج كالأبكار, ولا تُعد ثيباً.

قال في مجمع الأنهر (1/ 334 -335):

([وكذا لو زالت] بكارتها [بزنا خفي] عند الإمام - يعني تعتبر بكراً - وفيه إشارة إلى أنها لو زنت, ثم أقيم عليها الحد أو صار الزنا عادة لها, أو جومعت بشبهة أو نكاح فاسد فحكمهن حكم الثيب, ولو خلى بها زوجها, ثم طلقها قبل الدخول بها, أو فرق بينهما بعنة أو جب كالأبكار وإن وجبت عليها العدة؛ لأنها بكر حقيقية, وفيها موجود كما في البحر).

وفي حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (2/ 281) من كتب المالكية:

(البكر عند الفقهاء هي التي لم توطأ بعقد صحيح أو فاسد جار مُجرى الصحيح, وما العذراء فهي التي لم تزل لبكارتها بمزيل, فلو أزيلت بكارتها بزنا أو بوثبة أو نكاح لا يُقران عليه فهي بكر, فهي أعم من العذراء).

وعلى هذا الرأي فإن من زالت بكارتها بالزنا الخفي, ثم أجرت عملية الرتق, فهي الأخرى تؤكد وصفاً ثابتاً لها, ولا تدعي ما خالية عنه من الأوصاف.

الرد على اشتراط إخبار الخاطب بالذنوب الماضية وعدم التلازم بين البكارة والعفة

وأما دعوى بعضهم أن الرجل لابد أن يعلم ما كان من امرأة إن كان ثم خطأ ما قد واقعته, فهو قول فاسد فيه ما فيه من الجهر بالمعصية, وهتك ما ستره الله تعالى, والتتبع لعورات الخلق, والاستشراف لما نُهينا عن استشرافه, والذريعة لحصول الظنون الفاسدة بعده, بل لا تلازم أصلاً بين زوال غشاء البكارة وبين حصول الزنا - كما سلف -,وإنما الذي أوجد هذا التلازم هو بعض الأعراف السائدة التي لا ترى عظيم شين في الرجل ذي العلاقات المشبوهة, بينما تؤاخذ المرأة وتطعن في شرفها وعرضها بأشياء ما أنزل الله بها من سلطان.

حكم كشف العورة لترقيع البكارة بين الضرورة والحاجة

وقد يُعرض بأن في مثل هذه العملية كشفاً للعورة ولمساً لها وذلك لا يجوز, والجواب: أن الضرورات تبيح المحظورات, والبنت التي ابتليت بزوال عذريتها قد تتعرض في البيئات للأذى الشديد والطعن في شرفها وعفتها؛ حيث ارتبط في أذهان الناس العفاف بوجود غشاء البكارة, وهذه هي حقيقة الضرورة.

وإذا ابتليت البنت بفقد غشاء البكارة - سواء أُكرهت على الفاحشة أو أخطأت فعلاً وأرادت التوبة وطي ما فات - لم تجد طريقة تستر بها ما حصل لها, فإنها ستعزف عن الزواج خوفاً من فضيحتها وفضيحة أهلها, أو ستضطر إلى مصارحة من يرغب في الزواج منها فيؤدي ذلك إلى رغبته عنها كما هو الغالب, وقد يفضحها فتصبح مطمعاً للفسقة وأراذل الخلق, وقد يسري الضرر إلى عائلتها أيضاً, وإلى كل من ينتسب إليها فيمتنع الناس عن الزواج منهم ومصاهرتهم, وهذه المحاذير إن لم ترق لمرتبة الضرورات فلن تنزل عن مرتبة الحاجات بحال, والحاجة مُنزلة منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة, فكل منهما في إباحة المحظور سواء.

جواز كشف العورة للتداوي وترجيح أخف المفسدتين

وقد نص الفقهاء على جواز كشف العورة في مواضع هي أهون بكثير مما نحن فيه؛ للتوسعة على المكلفين ونفي الحرج عنهم؛ ومن ذلك ما نص عليه السادة الحنابلة من أن حلق العانة لمن لا يحسنه يجيز نظر الغير إلى عورته ومسها, ليقوم عنه بما لم يستطعه من ذلك, ولا شك أن الحاجة إلى الستر على النفس ودرء هذه المفاسد أشد من الحاجة إلى الاستحداد.

قال الشيخ منصور البهوتي الحنبلي في ( كشاف القناع) [1/ 265]:

([يجوز كشفها] أي: العورة للضرورة [و] يجوز [نظر الغير إليها لضرورة, كتداو وختان, ومعرفة بلوغ وبكارة وثيوبه وعيب, وولادة ونحو ذلك] كحلق عانة لا يحسنه).

وقال المرداوي في (الإنصاف) (8/ 22):

(من ابتلي بخدمة مريض أو مريضة في وضوء أو استنجاء أو غيرهما فحكمه حكم الطبيب في النظر والمس. نص عليه. كذا لو حلق عانة من لا يحسن حلق عانته. نص عليه, وقاله أبو الوفاء, وأبو يعلي الصغير).

وإذا كان كشف العورة مفسدة عظيمة, فإن ما ذكرنا من المفاسد أعظم, والمقرر أنه إذا تعارض مفسدتان رُوعِي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الأصل الشرعي الذي استند إليه العلماء في إجازة رتق البكارة للمغتصبة؟

مبدأ الستر المأمور به في الإسلام

ماذا قال النبي ﷺ لهزال الذي أشار على ماعز بن مالك بالاعتراف بزناه؟

لو سترته بثوبك كان خيراً لك

ما موقف أبي بكر الصديق حين جاءه ماعز بن مالك معترفاً بزناه؟

أمره بالتوبة والاستتار بستر الله

ما الذي قرره الإمام النووي بشأن العيب في النكاح؟

العيب في النكاح هو ما يُنفّر عن الوطء ويكسر سورة التواق

ما الحكم الشرعي للمرأة التي أُكرهت على الزنا وفق قوله تعالى: {إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان}؟

لا إثم عليها لرفع الحكم عن المكره

ما موقف عمر بن الخطاب من الرجل الذي أراد إخبار خاطب ابنته بما كان منها من ذنب؟

توعّده بالعقوبة وأمره بتزويجها بنكاح العفيفة المسلمة

ما الضابط الفقهي للغش المحرّم في عقد الزواج؟

إيهام بوجود مفقود مقصود لذاته أو إخفاء عيب مفوّت لمقصود النكاح

ما موقف الحنفية من إذن من زالت بكارتها بزنا خفي في عقد النكاح؟

يكفي سكوتها إذناً كالأبكار تقديماً لمصلحة الستر

كيف وصف ابن القيم مذهب أبي حنيفة في الاكتفاء بصمت من زالت بكارتها بزنا خفي؟

اعتبره من محاسن الشريعة وكمالها

ما حكم كشف العورة للتداوي عند الفقهاء؟

جائز عند الضرورة والحاجة

ما القاعدة الفقهية التي استند إليها العلماء في ترجيح إجراء عملية رتق البكارة؟

درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح

ما حكم من زالت بكارتها بوثبة أو حيضة أو جراحة عند جمهور الفقهاء؟

تُعدّ بكراً حقيقةً أو حكماً

ما الذي يلزم من تعليل الحنفية لتزويج من زالت بكارتها خفية كالأبكار؟

أنه لو انعدمت معرفة الناس بزناها زُوِّجت كالأبكار أيضاً

ما الذي قرّره العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام بشأن تعارض المفسدة والمصلحة؟

إن كانت المفسدة أعظم من المصلحة درأنا المفسدة ولا نبالي بفوات المصلحة

ما الذي يُميّز البكر عن العذراء في تعريف الفقهاء؟

البكر أعم من العذراء إذ تشمل من زالت بكارتها بغير وطء

ما الحديث النبوي الذي يدل على أن الستر صفة يحبها الله تعالى؟

قال النبي ﷺ: (إن الله حييٌّ ستيرٌ يحب الحياء والستر)، رواه أبو داود والنسائي.

ما معنى قاعدة (الوسائل لها أحكام المقاصد) وكيف تنطبق على رتق البكارة؟

تعني أن الوسيلة المؤدية إلى أمر مشروع تأخذ حكمه، فلما كان الستر مأموراً به كانت وسائله كرتق البكارة مشروعة أيضاً.

ما الفرق بين الضرورة والحاجة في الفقه الإسلامي وهل كلتاهما تبيح المحظور؟

الضرورة هي الحالة التي يخشى فيها الهلاك أو الضرر الشديد، والحاجة دون ذلك. وكلتاهما تُبيح المحظور عند الفقهاء، والحاجة منزلة منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة.

ما العيوب التي نصّ الإمام الباجي على أن الولي يلزمه الإخبار بها في النكاح؟

نصّ الإمام الباجي على أن الولي لا يلزمه الإخبار إلا بالعيوب الأربعة: الجنون والجذام والبرص وداء الفرج.

لماذا اعتبر ابن القيم مذهب أبي حنيفة في صمت من زالت بكارتها بزنا خفي من محاسن الشريعة؟

لأن اشتراط نطقها بالزنا يُلزمها بفضيحة نفسها وهتك عرضها، ولا سيما إن كانت مُكرهة، فالاكتفاء بصمتها أولى وأرفق وأكمل.

ما الإجماع السكوتي الذي انعقد بين الصحابة في مسألة الستر على التائبة؟

أمر عمر بن الخطاب بتزويج التائبة بنكاح العفيفة المسلمة دون إفشاء ما كان منها، ولم يُنكر عليه أحد من الصحابة، فصار ذلك إجماعاً سكوتياً.

ما تعريف البكر عند الإمام البابرتي الحنفي؟

قال الإمام البابرتي: (البكر هي التي يكون مصيبها أول مصيب)، وهذا يشمل من زالت بكارتها بغير وطء.

ما المفاسد الاجتماعية التي تترتب على إشاعة زوال بكارة المرأة في غير نكاح؟

تشمل: سوء الظن بها، هدم الأسر، الأذى الشديد الذي قد يصل إلى القتل في بعض البيئات، والمعرة التي تلحق ذويها وعائلتها.

ما الحديث الذي يدل على أن الله وضع عن الأمة ما استُكرهوا عليه؟

قال النبي ﷺ: (إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه)، رواه ابن ماجه والبيهقي.

ما الثلاثة الذين رُفع عنهم القلم وفق الحديث النبوي؟

قال النبي ﷺ: (رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل).

ما الفرق بين البكر والعذراء في تعريف المالكية؟

البكر عند المالكية هي التي لم تُوطأ بعقد صحيح أو فاسد، أما العذراء فهي التي لم تزل بكارتها بأي مزيل، فالبكر أعم من العذراء.

ما الذي نصّ عليه الشيخ منصور البهوتي الحنبلي بشأن كشف العورة؟

نصّ على أنه يجوز كشف العورة للضرورة، ويجوز نظر الغير إليها لضرورة كتداوٍ وختان ومعرفة بكارة وثيوبة وعيب وولادة وحلق عانة لمن لا يُحسنه.

ما مقتضى قاعدة (إذا تعارضت مفسدتان رُوعي أعظمهما ضرراً بارتكاب أخفهما) في مسألة رتق البكارة؟

مفسدة كشف العورة لإجراء العملية أخف من مفاسد إشاعة زوال البكارة من هدم الأسر والأذى الشديد، فيُرتكب الأخف دفعاً للأعظم.

ما الذي قاله الحافظ ابن حجر في فتح الباري بشأن من وقع في معصية؟

قال: (يُستحب لمن وقع في مثل قضيته أن يتوب إلى الله تعالى ويستر نفسه ولا يذكر ذلك لأحد، كما أشار به أبو بكر وعمر على ماعز).

ما الذي يترتب على ترميم بكارة من زالت بكارتها بزنا خفي وفق رأي أبي حنيفة؟

وفق رأي أبي حنيفة فإنها تُعدّ بكراً، فترميم بكارتها يؤكد وصفاً ثابتاً لها ولا تدّعي وصفاً هي خالية عنه.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!