اكتمل ✓
الفصل 51

ما حكم تولي المرأة القضاء والمناصب السياسية والوظائف العامة في الشريعة الإسلامية؟

يجوز للمرأة تولي المناصب السياسية والوظائف العامة بما فيها القضاء وفق خلاف معتبر بين الفقهاء، فذهب الجمهور إلى اشتراط الذكورة في القاضي، وأجاز أبو حنيفة توليها القضاء فيما تصح فيه شهادتها، وذهب ابن جرير الطبري وابن حزم إلى الإباحة المطلقة. أما رئاسة الدولة المعاصرة فتختلف عن منصب الخلافة الديني، وقد تولت نساء مسلمات الحكم عبر التاريخ الإسلامي. والفتوى المعتمدة أن المرأة يجوز لها تولي القضاء.

22 دقيقة قراءة
  • هل يجوز للمرأة تولي القضاء والمناصب السياسية؟ مسألة خلافية بين الفقهاء تتراوح بين الجمهور المانع وأبي حنيفة المجيز في غير الحدود وابن حزم المجيز مطلقاً.

  • ساوى الإسلام بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات المدنية والسياسية، ولم تعرف الأمة الإسلامية تاريخياً ما يسمى بـ"قضية المرأة" قبل التأثر بالمفاهيم الغربية.

  • تولت أكثر من خمسين امرأة الحكم في الأقطار الإسلامية عبر التاريخ، وتولت بعضهن القضاء والمظالم والحسبة والجهاد والتعليم الشرعي.

  • حديث "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" وارد على واقعة عين خاصة ببنت كسرى، ولا يصح حمله على العموم ابتداءً دون دليل آخر.

  • منصب رئيس الدولة المعاصر منصب مدني لا يشمل إمامة المسلمين في الصلاة، وهو مغاير لمنصب الخلافة الذي انتهى عام 1924م.

  • يجوز للمرأة العمل في الوظائف العامة كوكيل النيابة الإدارية والمأذون الشرعي والتعليم والمضيفة الجوية بشرط الالتزام بالضوابط الشرعية من حجاب وبُعد عن الخلوة المحرمة.

مبدأ مساواة الإسلام بين الرجل والمرأة وحدود المناصب السياسية

حكم الشرع في تولي المرأة المنصب السياسي سؤال: حكم الشرع في تولي المرأة المناصب السياسية ؟

الجواب:

إن الإسلام ساوى بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات إلا ما تقتضيه الطبيعة الخاصة لكل منهما فهو قد أعطى المرأة حقوقها كاملة وأعلى قدرها ورفع شأنها وجعل لها ذمة مالية مستقلة واعتبر تصرفاتها نافذة في حقوقها المشروعة ومنحها الحق في مباشرة جميع الحقوق المدنية ما دامت تتناسب مع طبيعتها التي خلقها الله عليها، وإذا كانت الحقوق السياسية بمفهومها الشائع تعني حق الانتخاب والترشيح وتولي الوظائف العامة فإن مبادئ الشريعة لا تمانع في أن تتولى المرأة هذه الأمور ما عدا وظيفة رئيس الدولة فإنه لا يجوز للمرأة أن تكون رئيسا للدولة لأن من سلطاته إمامة المسلمين في الصلاة شرعا وهى لا تكون إلا للرجال.

جواز ترشح المرأة وانتخابها وأدلة بيعة النساء ومشاركات الصحابيات

وعلى ذلك فيجوز للمرأة الترشيح في الانتخابات لعضوية مجلس الشورى والمجلس النيابي طالما أنها تستطيع التوفيق بين العمل في هذه المجالس وبين حق زوجها وأولادها وأصحاب الحقوق عليها أن وجدوا وطالما كان ذلك في إطار أحكام الإسلام الأخلاقية بعيدا عن السفور والتبرج والخلوة غير المشروعة. وانتخابها لغيرها يكون من باب الشهادة المتاح لها القيام به شرعا وانتخابي غيرها لها يكون من باب تحقيق المصلحة العامة.

وأصل هذا الحق في بيعة النساء فقد عاهدوه صلى الله عليه وآله وسلم على نصرة الدين في أنفسهم وأشار إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى

{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ المُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الممتحنة:12]

وكذلك في استشارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم زوجته أم سلمة رضي الله عنها في صلح الحديبية، وما وجهت به أسماء بنت أبى بكر ابنها عبد الله بن الزبير في قيامه من أجل الإسلام. أصل حق المرأة في المشاركة السياسية نراه في موقف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من النزاع القائم بين الإمام على كرم الله وجهه والصحابي الجليل معاوية بن أبى سفيان. فقد تدخلت وقالت برأيها في الخلاف القائم بينهما وذهبت بنفسها لتصلح بينهما في ميدان القتال غير أن الله قدر هذا القتال (مروج الذهب للمسعودي الطبعة الثانية سنة 1948م ج1 ص379، الكامل في التاريخ لابن الأثير الطبعة الأولى ج3 ص 119، تاريخ الطبري طبعة دار المعارف ج4 ص462، أخبار النساء لابن القيم الجوزية طبعة بيروت ص 32، مكانة المرأة بين الإسلام والقوانين العالمية طبعة دار القلم الكويت ص163).

ضوابط مشاركة المرأة العامة وحكم توليها المناصب الاجتماعية والقضائية

وفى واقعة السؤال وبناء على ما سبق: فإنه يجوز للمرأة المشاركة في الحياة العامة اجتماعية كانت أو سياسية طالما كانت هذه المشاركة في حدود الآداب الشرعية ولم تؤد إلى إهمال في حقوق بيتها وأسرتها تصديقا لقوله تعالى

{ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة:71]

, كما أن لها أن تتولى جميع المناصب الاجتماعية في الوزارات المختلفة طالما كانت هذه الوظائف تتفق مع طبيعتها واختارها ولى الأمر لذلك أما بالنسبة لرئاسة الدولة فلا يجوز لها تولى هذا المنصب عند جماهير العلماء.

وبالنسبة لتوليها منصب القضاء فجمهور الفقهاء يشترط في القاضي المذكورة لقوله تعالى:

{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} (سورة النساء:34)

ويرى أبو حنيفة رضي الله عنه جواز تولى القضاء في غير الحدود. لأنه تصح شهادة المرأة في غير الحدود والقضاء مبنى على الشهادة وشروطه وشروطها. وحكي عن ابن جرير الطبري أنه لا يشترط الذكورة في ولاية القضاء لأن المرأة يجوز أن تكون مفتية فيجوز أن تكون قاضية وبه نفتى.

نفي وجود أزمة تاريخية للمرأة في الإسلام وتأثير المفاهيم الغربية

حكم المرأة منصب القاضي أو رئيس الدولة سؤال: ما حكم تولي المرأة منصبي: القاضي ورئيس الدولة؟

الجواب:

لم تعرف الأمة الإسلامية في تاريخها قضية اسمها (قضية المرأة) لا من ناحية عملها، ولا من ناحية مشاركتها السياسية في القضايا العامة، ولا من ناحية حقها في المشاركة في اختيار الحاكم والرضا به فيما كان يعبر عنه بـ (البيعة), ولا من ناحية توليها للمناصب السياسية في مؤسسات الدولة، ولا من ناحية نصحها للحاكم وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وبكثير من ذلك جاءت النصوص الشرعية الصحيحة الصريحة، وشهد به واقع المسلمين التاريخي سواء في شدة مجد الأمة أم في أزمنة ضعفها وعندما نقل الغرب أمراضه ومعاناته على البشر جميعا_ بمن فيهم المسلمين _ظهر ما يسمى بـ "قضية المرأة" حيث لا قضية أصلا, وأُريد للمفاهيم الغربية الحديثة أن تُنقل إلينا مع أنها كانت رد فعل لعصور الظلام التي عاشتها أوروبا ونودي بتحرير المرأة وهى أصلا محررة في الإسلام بالمعنى الصحيح للحرية فقد اجمع المسلمون على خطاب التكليف يستوي فيه الرجال والنساء فالله تعالى كما ساوى بين الرجل والمرأة في أصل الخلقة ساوى بينهما في أصل التكاليف الشرعية وفى الحقوق والواجبات فقال تعالى:

{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }[النحل:97]

وقال عز وجل:

{وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (سورة البقرة:288)

,ولقد أكرم الإسلام المرأة كما لم يكرمها أي دين آخر فأعطاها حقوقها كاملة وأعلى قدرها ورفع شأنها وجعل لها ذمة مالية مستقلة، واعتبر تصرفاتها نافذة في حقوقها المشروعة، ومنحها الحق في مباشرة جميع الحقوق المدنية ما دامت تتناسب مع طبيعتها التي خلقها الله عليها.

مكانة المرأة التاريخية ونماذج الحاكمات والقائدات في العالم الإسلامي

ولم تقتصر مكانة المرأة في الإسلام على كونها أول مؤمنة في الإسلام (السيدة خديجة رضي الله عنها) وأول شهيدة (السيدة سمية رضي الله عنها) وأول مهاجرة (السيدة رقية مع زوجها سيدنا عثمان رضي الله عنهما ). بل تعدت مكانتها ذلك عبر العصور والدهور.فحكمت المرأة، وتولت القضاء، وجاهدت، وعلمت، وأفتت، وباشرت الحسبة.. وغير ذلك الكثير مما يشهد به تاريخ المسلمين:

فلقد حكم النساء بعض الأقطار الإسلامية في أزمنة مختلفة، وكانت تلقب بألقاب منها: السلطانة، والملكة، والحرة، وخاتون، ويذكر التاريخ الإسلامي أن هناك أكثر من خمسين امرأة حكمن الأقطار الإسلامية على مر التاريخ،بداية من ست الملك في مصر، مرورا بالملكة أسماء والملكة أروى في صنعاء، وزينب النفزاوية في الأندلس، والسلطانة رضية في دلهي، وشجرة الدر ملكة مصر والشام، وعائشة الحرة في الأندلس, وست العرب وست العجم وست الوزراء والشريفة الفاطمية والغالية الوهابية والخاتون ختلع تاركان والخاتون باد شاه وغزالة الشبيبية..وغيرهن كثير.

نماذج تولي النساء القضاء والمظالم والجهاد والعلوم الشرعية

وتروي لنا كتب التاريخ تولى ثمل القهرمانة للقضاء كما في البداية والنهاية لابن كثير والمنتظم لابن الجوزي، وكان يحضر في مجلسها القضاة والفقهاء والأعيان، وقد توفيت سنة ثلاثمائة وسبع عشرة، وكانت بعض من حكمن من النساء تقضي بين الناس في المظالم كذلك، كما كانت تفعل تركان خاتون السلطان، وكانت إذا رفعت إليها المظالم تحكم فيها بالعدل والإحسان.

وأقر النبي صلى الله عليه وآله وسلم مشاركة النساء في الجهاد والغزوات، فغزت المرأة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كأم سليم وأم حرام بنت ملحان، وأم الحارث الأنصارية، والربيع بنت معوذ ابن عفراء، وأم سنان الأسلمية، وحمنة بنت جحش، وأم زياد الأشجعية.. وغيرهن رضي الله عنهن وأرضاهن.

كما نبغ في مختلف مراحل التاريخ الإسلامي الآلاف من العالمات المبرزات والمتفوقات في أنواع العلوم العربية والإسلامية وقد ترجم الحافظ ابن حجر في كتابه الإصابة في تمييز الصحابة لثلاث وأربعين وخمسمائة وألف امرأة، منهن الفقيهات والمحدثات والأدبيات.

ولاية المرأة في الحسبة والشرطة وخلاف الفقهاء في الإمارة والقضاء

ووردت آثار في تولي المرأة السلطة التنفيذية، أو الشرطة، أو ما يسمى في التراث الفقهي الإسلامي الحسبة، وكان ذلك في القرن الأول الهجري، فقد ولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه الشفاء – وهى امرأة من قومه – على السوق، وروى أبو بلج يحيى بن أبى سليم قال:

( رأيت سمراء بنت نهيك- وكانت قد أدركت النبي صلى الله عليه وآله وسلم – عليها درع غليظ وخمار غليظ، بيدها سوط تؤدب الناس، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر )

رواها الطبراني ورجاله ثقات، وعلى خلفية ذلك أجاز بعض علماء المسلمين تولى المرأة هذا المنصب الحساس في الدولة الإسلامية

وقد اختلف فقهاء المسلمين في حكم تولى المرأة الإمارة والحكم والقضاء: فذهب الجمهور إلى عدم جواز توليها الحكم أو القضاء مطلقا، وذهب الأحناف إلى جواز توليها القضاء فيما تصح فيه شهادتها من الأحكام (مع أن هناك قولا ومتأخريهم بصحة قضائها مع إثم من يوليها، لحديث: لن يفلح قوم...) وذهب آخرون إلى الإباحة المطلقة لإمارة المرأة وقضائها في جميع الأحكام، وهم محمد بن جرير الطبري ( رغم أن هناك من لا يصحح نسبة ذلك إليه)،وابن حزم الظاهري، وأبو الفتح ابن طرار، وابن القاسم، ورواية عن الإمام مالك.

استدلال ابن حزم بجواز حكم المرأة وتحليل حديث لن يفلح قوم

يقول الإمام ابن حزم الظاهري في كتابه المحلى: "وجائز أن تلي المرأة الحكم، وهو قول أبى حنيفة، وقد روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه ولى الشفاء – امرأة من قومه – على السوق – فان قيل: قد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لن يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة". قلنا: إنما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الأمر العام الذي هو الخلافة، برهان ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "المرأة راعية على مال زوجها وهى مسئولة عن رعيتها". وقد جاز المالكيون أن يكون وصية ووكيلة، ولم يأت نص من منعها أن تلي بعض الأمور، وبالله تعالى التوفيق" أ هـ.

وقال حافظ ابن حجر في "فتح الباري": والمنع من أن تلي الإمارة والقضاء قول الجمهور, وإجازة الطبري وهي رواية عن مالك، وعن أبى حنيفة: تلي الحكم فيما تجوز فيه شهادة النساء أ هـ.

وهمنا أمور ينبغي التنبيه عليها:

أولا: أن هذا الحديث وارد على سبب فلفظه في صحيح البخاري عن أبي بكر رضي الله عنه قال: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى قال: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"، وذلك أن كسرى لما مزق كتاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم سلط الله تعالى عليه ابنه فقتله، ثم قتل إخوته حتى أفضى الأمر بهم إلى تأمير المرأة، فجر ذلك إلى ذهاب ملكهم ومزقوا كما دعا به النبي صلى الله عليه وآله وسلم،فلما علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتأمير المرأة أخبر أن هذا علامة ذهاب ملكهم وتمزقه، ولم يكن ذلك إخبارا من المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم أن كل قوم يولون عليهم امرأة فإنهم لا يفلحون، وقد تقرر في علم الأصول أن وقائع الأعيان لا عموم لها، ونقل عن الإمام الشافعي قوله: "قضايا الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال كساها ثوب الإجمال وسقط بها الاستدلال"، أي أن هذا الحديث لما كان واردا على قضية عين لم يصح حمله على عمومه ابتداء من غير دليل آخر.

قصة بلقيس والتمييز بين الخلافة ورئاسة الدولة المعاصرة

ثانيا: ومما يستأنس به على كون هذا الحديث واقعة عين لا عموم لها: أن الله تعالى ذكر في كتابه العزيز قصة بلقيس ملكة سبأ، وذكر من حسن سياستها وتدبيرها لمملكتها، ونظرها في عواقب الأمور، وحسن تلقيها لكتاب سليمان عليه وعلى نبينا صلى الله عليه وآله وسلم واستشارتها لأهل الحل والعقد من قومها مع ردهم الأمر إليها،ورجاحة رأيها وعقلها،مع تصديق الله تعالى لها في إخبارها بما يفعله الملوك عند الغلبة والظفر، ما فاقت فيه كثيرا من الملوك، وما أدى بها في نهاية المطاف إلى الإيمان بالله تعالى والاعتراف بظلم نفسها بعبادتها غير الله سبحانه وتعالى، وهذا نموذج من النماذج التي وليت فيها المرأة فأحسنت وقادت قومها إلى الفلاح.

ثالثا: أن هناك فارقا كبيرا بين منصب الخلافة في الإسلام وبين رئاسة الدولة المعاصرة، فالخلافة في الفقه الإسلامي منصب ديني من مهامه إمامة المسلمين في الصلاة وله شروط محددة يذكرها الفقهاء في كتبهم، وقد أصبح هذا المنصب تراثا لا وجود له في الوقت الحالي على الساحة الدولية وذلك منذ سقوط الدولة العثمانية وإنهاء خلافتها عام 1924م، أما دول عالم القرن الحادي والعشرين فهي دول قطرية مدنية لها كياناتها القومية المستقلة التي تم تأسيسها خلال القرن العشرين، ومن ثم فمنصب رئيس الدولة في المجتمع المسلم المعاصر – سواء أكان رئيسا أم رئيس وزراء أم ملكا – منصب مدني، وهو غير مكلف بإمامة المسلمين في الصلاة، وعليه فيحق للمرأة أن تتولى هذا المنصب في ظل المجتمعات الإسلامية المعاصرة على غرار تولى بعض النساء المسلمات للحكم في بعض الأقطار الإسلامية في أزمنة مختلفة،وكانت تلقب بألقاب ليس منها لقب الخليفة، ولا يقدح في توليها الحكم – كما مر – ما نقل من إجماع العلماء على منع المرأة من تولي الولاية الكبرى، لأن مطلق الحكم مغاير لمفهوم الخلافة، وكذلك الحال بالنسبة لما نحن فيه، فان مفهوم منصب رئيس دولة الخلافة كقائد ديني لها.

القطعي والظني في الشريعة وأثر الخلاف على تولي المرأة القضاء

رابعا: أن مسائل الشرع على قسمين:

فمنا القطعي الذي يشكل هوية الإسلام، ويعبر عنه أحيانا بالمعلوم من الدين بالضرورة، وهذا لا يجوز الاختلاف فيه وهو المعنى بخلاف التضاد، والقدح فيه قدح في الثوابت الدينية المستقرة، وفي ذلك يقول تعالى

{وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا }[النساء:115]

.

ومنها الظني الذي اختلف فيه أهل العلم ولم ينعقد عليه الإجماع، وذلك لعدم القطعية في ثبوت دليله أو جهة دلالته، وهذا هو المعنى بخلاف التنوع، وهذا الخلاف ليس خروجا من الشرع، والأمر فيه واسع، واختلاف الأئمة فيه رحمة، وقد علمنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم كيفية التعامل معه، فعن ابن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم الأحزاب:

"لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة".

فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلى، ولم يرد منا ذلك، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم يعنف واحد منهم. متفق عليه واللفظ للبخاري، وفى ذلك إرشاد وتعليم منه صلى الله عليه وآله وسلم للأمة انه لا إنكار في مسائل الخلاف، ولا تحجير على من أخذ بأي الأقوال فيها، وهذا شاهد على مرونة الشرع وصلاحيته للتطبيق عبر الزمان والمكان وعند اختلاف الأحوال والأشخاص.

فمن القواعد المقررة أنه إنما ينكر المتفق عليه ولا ينكر المختلف فيه، ومسألة حكم المرأة وولايتها للقضاء من المسائل المختلف فيها بين الأئمة والفقهاء، حيث قال بجواز ذلك بعض العلماء ممن لهم وزنهم وعملهم واجتهادهم في الفقه الإسلامي، وما دام أنه لا إجماع في المسألة فلا إنكار على المخالف فيها، وإذا كان الأئمة قد وسعهم الخلاف فيها فليسعنا ما وسعهم.

العادات ودور ولي الأمر في تقييد المباح ورفع الخلاف الفقهي

خامسا: لا يصح جعل التقاليد والعادات الموروثة في زمان أو مكان معين حاكمة على الدين والشرع، أو مضيقة لواسعة، أو مقيدة لمطلقه، بل الشرع يعلو ولا يعلى عليه، والإسلام هو كلمة الله تعالى الأخيرة إلى العالمين جميعا على اختلاف ألوانهم وطبائعهم وأعرافهم وتقاليدهم، ولذلك كان العلماء مأمورين بنقله كما انزله الله تعالى: ظنيا في ظنيه،وقطعيا في قطعيه، ولا يجوز اختزال الدين أو قصره على مذاهب أو أقوال معينة يرى أصحابها رجحانها على غيرها، لأن ما لا يصلح لزمان أو مكان معين قد يصلح لزمان أو مكان غيره، وليس لمن سلك طريقة من الورع أن يلزم الناس بها أو يحملهم عليها أو يشدد ويضيق عليهم فيما جعل الله لهم فيه يسرا وسعة.

سادسا: من المقرر شرعا أن حكم الحاكم يرفع الخلاف، وأن لولى الأمر تقييد المباح، فللحاكم أن يتخير في الأمور الاجتهادية والخلافية ما يراه محققا للمصالح الشرعية والمقاصد المريعة، فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد، وحال السياسة الشرعية كحال الفتوى: تتغير بتغيير الزمان والمكان والأشخاص والأحوال.

منهج دار الإفتاء المصرية في الاجتهاد وتعدد المذاهب لخدمة الواقع

سابعا: إن دار الإفتاء المصرية لها منهجها الذي بناه العلماء الأتقياء على مر تاريخها، مستفادا من علماء الأمة الإسلامية – خاصة علماء الأزهر الشريف – عبر القرون المتطاولة، ومفاده: أن الإسلام دين عام يخاطب العالمين في كل زمان ومكان، وأنه شامل في رؤيته لكل مناحي الحياة وأحوالها، فالبشر جميعا من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن بعضهم آمن به نبيا مرسلا من عند الله وهم أمة الإجابة، وآخرون لم يؤمنوا به على هذه الصفة، إلا أن هدية موجه للجميع، حيث قال ربنا في شأنه صلى الله عليه وآله وسلم:

{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107]

وقال في شأنه أيضاً:

{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ} [سبأ:28].

كما أن دار الإفتاء المصرية تأخذ من المذاهب الأربعة الموروثة عند أهل السنة في العالم الإسلامي إلا أنها ومن أكثر من سبعين سنة تأخذ أيضا في بعض المسائل بالفقه الإسلامي الواسع الرحيب بمذاهبه الثرية وأئمته الذين تجاوزوا الثمانين مجتهدا، ثم إلى فقه الصحابة الكرام الذين تصدروا للفقه والفتوى ونقل ذلك عنهم، وفى المستجدات التي لا تجد للسابقين اجتهادا فيها فإنها تنظر في الكتاب والسنة مع مراعاة قواعد الفقه ومقاصد الشرع ومصالح الناس.

ومن هنا، فان اجتهاد دار الإفتاء المصرية في الفتاوى يراعى مصالح الناس وأحوالهم لتحقيق مقاصد الشرعية في العصر الذي نعيش فيه، ودعوى التمسك بمذهب واحد – والتي كانت تصلح لبعض العصور حيث كان التمسك بمذهب واحد هو الذي يتواءم مع مصالح الناس وأحوال معيشتهم – تلك الدعوى لا تصلح لعصرنا، كما لا يصلح الاقتصار أيضا على الأخذ من المذاهب الأربعة السنية أو المذاهب السبعة المنقولة بالتواتر، بل إن الإسلام أوسع من ذلك كله، ومن أراد أن يسحبنا إلى الماضي مع إغفال تلك المعاني فانه لا يدرك مناهج العلماء، ويضيق على الناس واسعا، ويخالف سنة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ويذهب الخير الكثير على الإسلام والمسلمين، بل والعالم أجمع فيما نحن قائمون فيه الآن.

الأساس الفقهي لجواز تعيين المرأة مأذونا شرعيا في النكاح

عمل المرأة في وظيفة مأذون:

سؤال: هل يجوز تعيين المرأة في وظيفة مأذون من الناحية الشرعية؟

الجواب:

ذهب الفقهاء إلى أن الحاكم له أن يتزوج بدلا عن الولي عند فقده أو غيابه، حتى قالوا: الحاكم ولى من لا ولى له. ومعلوم أن المأذون إنما قد أذن من الحاكم ولى الأمر أو القاضي فهو يقوم مقامه، وبذلك لا يقتصر عمل المأذون على التوثيق فقط بل يمتد في بعض الأحيان إلى بعض أعمال الولاية. ولما كان أصل الاعتماد في الديار المصرية لضبط الأحوال الشخصية وأحكامها الشرعية مبينا على الأرجح من مذهب الإمام أبى حنيفة النعمان رضي الله تعالى عنه، ولما كان المقرر في ذلك الفقه أن للمرأة الرشيدة تزوج نفسها وأن تزوج غيرها وأن توكل في النكاح لأن التزويج خالص حقها وهى عندهم من أهل المباشرة كبيعها وباقي تصرفاتها المالية وذلك لأن الله أضاف النكاح والفعل إليهن وذلك يدل على صحة عبارتهن ونفاذها في قوله تعالى:

{فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِى أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْروفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [البقرة:234]

, وفي قوله تعالى:

فَلاَ تَعضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} [البقرة:232].

وفي قوله تعالى:

{ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة:230]

وفى قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

" الأيم أحق بنفسها من وليها".

وكذلك ما أخرجه البخاري "أن خنساء بنت خدام انكحها أبوها وهى كارهة فرد النبي صلى الله عليه وآله وسلم نكاحه وما روى من امرأة زوجت بنتها برضاها فجاء الأولياء فاخصموها إلى على رضي الله عنه فأجاز النكاح, وما روى أن عائشة رضي الله عنها زوجت بنت أخيها عبد الرحمن من المنذر بن الزبير.

استنتاج جواز ولاية المرأة عقد النكاح وتوثيقه بوظيفة المأذون

فما دامت المرأة في ذلك الفقه لها الولاية على نفسها وعلى غيرها فيجوز أن يأذن لها القاضي إنشاء عقد النكاح إذا أحتاج إليها كولي ومن باب أولى أن يأذن لها بتوثيقه لأن التوثيق يرجع إلى العدالة والمعرفة. وهما يتوافران في المرأة العدل العارفة, وهذا من قبيل الحكم الشرعي على أنه ينبغي لولي الأمر إذا أراد أن يصدر المنافع والمضار التي تترتب على ذلك.

موقف الشريعة من عمل المرأة كوكيل للنيابة الإدارية

عمل المرأة كوكيل نيابة.

السؤال: أنا حاصلة على ليسانس الحقوق, وعينت معيدة بكلية الحقوق, ثم عينت وكيلا للنيابة الإدارية, وطبيعة عملي أنى أحقق مع الموظفين العموميين رجالا ونساء ومعي سكرتير أو سكرتيرة تحقيق, وأحيانا أقوم بعرض القضايا على رؤسائي في العمل, وأحيانا يكون الرئيس من الرجال وتكون المناقشة في موضوع القضية فقط؛ حيث أنني ألتزم بالحدود الشرعية, ويكون باب الحجرة في بعض الأحيان مغلقا مع السماح بالدخول لأي أحد في أي وقت, فما حكم الشرع فيما يأتي:

أولا: طبيعة عملي كوكيل للنيابة الإدارية.

ثانيا: في طريقة العمل على النحو سالف البيان.

الجواب:

ساوى الإسلام بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات إلا ما تقتضيه الطبيعة الخاصة لكل منهما؛ فهو قد أعطى المرأة حقوقها كاملة, وأعلى قدرها ورفع شأنها, وجعل لها ذمة مالية مستقلة واعتبر تصرفاتها نافذة في حقوقها المشروعة, ومنحها الحق في مباشرة جميع الحقوق المدنية ما دامت تتناسب مع طبيعتها التي خلقها الله عليها.

جواز عمل المرأة بالوظائف العامة واعتبار النيابة الإدارية من الأمر بالمعروف

وإذا كانت الحقوق السياسية بمفردها الشائع تعنى حق الانتخاب والترشيح وتولي الوظائف العامة فإن مبادئ الشريعة لا تمانع في أن تتولى المرأة هذه الأمور ما عدا وظيفة رئيس الدولة فتتولى المرأة هذه الأمور ما عدا وظيفة رئيس الدولة فإنه لا يجوز للمرأة أن تجوز رئيس للدولة لأن من سلطاته إمامة المسلمين في الصلاة شرعا وهى تكون للرجال.

وعلى ذلك فيجوز للمرأة أن تعمل وكيلا للنيابة الإدارية ما دامت أهلا لذلك طالما أنها تستطيع التوفيق بين العمل في هذه الوظيفة وبين حق زوجها وأولادها وأصحاب الحقوق عليها أن وحدوا, وطالما كان ذلك في إطار أحكام الإسلام الأخلاقية بعيدا عن السفور والتبرج والخلوة غير الشرعية؛ فعملها هذا يكون مكن باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسعي في إقرار النظام العام, والأخذ على يد الفساد والمفسدين.

اشتراك الرجال والنساء في الأمر بالمعروف وأثره على عمل المرأة العام

وأصل هذا الحق داخل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي شرعه الله في حق الرجال والنساء على السواء؛ في حدود ما تقتضيه الطبيعة الخاصة لكل منهما, وذلك في نحو قوله تعالى:

{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ} [التوبة:71]

, وكذلك في التواصي بالحق والتواصي بالصبر الذي جعله الله تعالى مانعا للإنسان من الخسران في قوله تعالى

{وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر:1ـ3].

وكانت المرأة المسلمة تشارك الرجال في الحياة الاجتماعية العامة مع التزامها بلبسها الشرعي ومحافظتها على حدود الإسلام وآدابه؛ حتى إن من النساء الصحابيات من تولت الحسبة, ومن ذلك ما رواه الطبراني في المعجم الكبير بسند رجاله ثقات عن أبى بلج يحيى بن أبي سليم قال:

"رأيت سمراء بنت نهيك ـ وكانت قد أدركت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ـ عليها درع غليظ وخمار غليظ بيدها سوط تأدب الناس وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر".

وعلى ذلك فإنه يجوز للمرأة المشاركة في الحياة العامة اجتماعية كانت أو سياسة طالما كانت هذه المشاركة في حدود الآداب الشرعية ولم تؤد إلى إهمال في حقوق بيتها وأسرتها تصديقا لقوله تعالى

{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ} [التوبة:71].

كما أن لها أن تتولى جميع المناصب الاجتماعية في الوزارات المختلفة طالما كانت هذه الوظائف تتفق مع طبيعتها واختارها ولى الأمر لذلك.

وبالنسبة لتوليها منصب القضاء فجمهور الفقهاء يشترط في القاضي الذكورة لقوله تعالى:

{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [النساء:34].

ويرى أبو حنيفة رضي الله عنه جواز تولى المرأة القضاء في غير الحدود، لأنه تصح شهادة المرأة في غير الحدود، والقضاء مبنى على الشهادة وشروطها. وحكي عن ابن جرير الطبري أنه لا يشترط الذكورة في ولاية القضاء، لأن المرأة يجوز أن تكون مفتية فيجوز أن تكون قاضية، وبه نفتى.

ضوابط الخلوة والاختلاط في عمل المرأة والتفريق بين الحلال والحرام

وأما عن الأعمال التي قد تقتضى طبيعتها وجود الرجل مع المرأة في مكان واحد فإنه لا مانع منها إذا أمنت الريبة وانتفت الخلوة، أما مجرد وجود الرجال مع النساء في مكان واحد فليس حراما في نفسه، بل المحرم هو أن ينفرد الرجل مع المرأة في مكان بحيث لا يمكن الدخول عليهما، قال الإمام ابن دقيق العيد في أحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام في شرح قوله صلى الله عليه وآله وسلم: إياكم والدخول على النساء: مخصوص بغير المحارم وعام بالنسبة إلى غيرهن، ولا بد من اعتبار أمر آخر، وهو أن يكون الدخول مقتضيا للخلوة، أما إذا لم يقتض ذلك فلا يمتنع" أ هـ.

ثم انه ليس كل انفراد واختلاء يعد خلوة محرمة، فقد روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس بن مالك قال: جاءت امرأة من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فخلا بها، فقال:

"والله إنكن لأحب الناس إلى"،

وفى بعض الروايات: "فخلا بها في بعض الطرق أو في بعض السكك"، وبوب الإمام البخاري على ذلك بقوله:

( باب ما يجوز أن يخلو الرجل بالمرأة عند الناس )

قال الجاحظ ابن حجر في فتح الباري: "وفيه أن مفاوضة المرأة الأجنبية سرا لا يقدح في الدين عند أمن الفتنة"، وقال الملا على القاري في "مرقاة المفاتيح": "وفيه تنبيه على أن الخلوة مع المرأة في زقاق ليس من باب الخلوة معها في بيت "، وضابط الخلوة المحرمة كما قال الشيخ الشبراملسي الشافعي في حاشيته على "نهاية المحتاج": "اجتماع لا تؤمن معه الريبة عادة، بخلاف ما قطع بانتفائها عادة فلا يعد خلوة "أ هـ. ومجرد إغلاق الباب إغلاقا من شأنه أن يسمح لأي أحد بفتحه والدخول في أي وقت لا يجعله من باب الخلوة المحرمة.

وبناء على ذلك وفى واقعة السؤال: فعملك كوكيل للنيابة الإدارية حلال شرعا، وما تقتضيه طبيعة العمل أحيانا من إغلاق باب الحجرة مع السماح بالدخول لأي أحد في أي وقت ليس حراما ما دامت الريبة مأمونة ولا يعد ذلك من الخلوة المحرمة.

الأصل في تعليم المرأة للرجال وضوابط الاختلاط في حلقات العلم

عمل المرأة في تعليم الرجال:

سؤال: هل يجوز للمرأة أن تعلم الرجال علم القراءات القرآنية من تلاوة ورسم مصحف ومتون تجويد وغير ذلك لعدم وجود متخصصين من الرجال في هذا العلم في ذلك المكان؟

الجواب:

كون الرجال يتعلمون من المرأة وكون النساء يتعلمن من الرجل مما لا مانع منه شرعا، فالذي عليه عمل المسلمين سلفا وخلفا أن مجرد وجود النساء مع الرجال في مكان واحد ليس حرما في ذاته، وأن الحرمة إنما هي في الهيئة الاجتماعية إذا كانت مخالفة للشرع الشريف، كأن يظهر النساء ما لا يحل لهن إظهاره شرعا، أو يكون الاجتماع على منكر أو لمنكر، أو يكون فيه خلوة محرمة. ونص أهل العلم على أن الاختلاط المحرم في ذاته إنما هو التلاصق والتلامس لا مجرد اجتماع الرجال مع النساء فى مكان واحد.

شواهد السنة على جواز خدمة المرأة للرجال مع أمن الفتنة

وعلى ذلك دلت السنة النبوية الشريفة:

ففي الصحيحين عن سهل بن سعد الساعدى رضي الله عنه قال: لما عرس أبو أسيد الساعدي دعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم،فما صنع لهم طعاما ولا قربة إليهم إلا امرأته أم أسيد، وترجم له البخاري بقوله:

"باب قيام المرأة على الرجال في العرس وخدمتهم بالنفس".

قال القرطبي في التفسير: "قال علماؤنا: فيه جواز خدمة العروس زوجها وأصحابه فى عرسها" أ هـ.

وقال ابن بطال في شرحه على البخاري: وفيه أن الحجاب (أي انفصال النساء عن الرجال في المكان أو في التعامل المباشر) ليس بفرض على النساء المؤمنين، وإنما هو خاص لأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم،كذلك ذكره الله في كتابه بقوله:

وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ؟

وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": وفى الحديث جواز خدمة المرأة زوجها ومن يدعوه، ولا يخفى أن محل ذلك عند أمن الفتنة ومراعاة ما يجب عليها من الستر، وجواز استخدام الرجل امرأته في مثل ذلك.

الاختلاط المشروع في إطعام الضيف ومخاطبة المرأة الأجنبية

وفى الصحيحين أيضا عن أبى هريرة رضي الله عنه في قصة أبى طلحة الأنصاري في إطعامه الضيف: إنهما جعلا يريانه أنهما جعلا يريانه أنهما يأكلان، فباتا طاويين، وفى رواية ابن أبى الدنيا في قرى الضيف من حديث أنس رضي الله عنه: وإن الرجل قال لزوجته: أثردي هذا القرص، وآدميه بسمن ثم قربيه، وأمري الخادم يطفئ السراج، وجعلت تتلمظ هي وهو حتى رأى الضيف أنهما يأكلان وظاهره أنهم اجتمعوا على طبق واحد.

وقد قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

قد عجب الله من صنيعكما يضيفكما الليلة

ونزل فيهما قوله تعالى

{وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } [الحشر:9].

وفي صحيح البخاري عن أبى جحيفة رضي الله عنه قال: آخى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين سلمان وأبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة، فقال لها: ما شأنك ؟ قالت أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا. فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاما.. إلى أخر الحديث.

قال الجاحظ ابن حجر في "فتح الباري": وفي هذا الحديث من الفوائد.. جواز مخاطبة الأجنبية والسؤال عما يترتب عليه المصلحة " أ هـ.

دور النساء العالمات والحسبة ورفض تحكيم العادات على الشرع

وأما بخصوص تلقى الرجال للعلم الشرعي والموعظة من المرأة العالمة فقد كان أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبلغن العلم وينشرن الدين، وهذه دواوين السنة في الرواية عنهن بل وعن الطبقات من النساء بعدهن ممن روى عنهن الرجال وحملوا عنهن العلم، وقد ترجم الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه الإصابة في تمييز الصحابة وحده لثلاث وأربعين وخمسمائة ألف (1543) امرأة منهن الفقيهات والمحدثات والأدبيات.

وكانت المرأة المسلمة تشارك الرجال في الحياة الاجتماعية العامة مع التزامها بلبسها الشرعي ومحافظتها على حدود الإسلام وآدابه، حتى إن من النساء الصحابيات من تولت الحسبة ومن ذلك ما رواه الطبراني في المعجم الكبير بسند رجاله ثقات عن أبي بلج يحيى بن أبى سليم قال:

"رأيت سمراء بنت نهيك – وكانت قد أدركت النبي صلى الله عليه وآله وسلم – عليها درع غليظ وخمار غليظ بيدها سوط تؤدب الناس وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ".

وعلى ذلك فلا يسع أحدا أن ينكر هذا الواقع الثابت في السنة النبوية الشريفة والتاريخ الإسلامي، ولا يصح جعل التقاليد والعادات الموروثة في زمان أو مكان معين حاكمة على الدين والشرع، بل يعلو ولا يعلى عليه، ولا يجوز لمن سلك طريقة في الورع أن يلزم الناس بها أو يحملهم عليها أو يشدد ويضيق فيما جعل الله فيه يسرا وسعة.

ضوابط عمل المرأة كمضيفة جوية وحكم التبرج والسفر بلا محرم

عمل المرأة كمضيفة:

سؤال: ما حكم الشرع في عمل الفتاة كمضيفة جوية يستلزم عملها وضع الزينة وعدم لبس الحجاب والسفر لعدة أيام دون محرم؟

الجواب:

عمل المرأة جائز شرعا إذا كانت ملتزمة بالتعاليم الشرعية الإسلامية من ارتداء الحجاب وترك الزينة خارج بيتها وعدم مبيتها خارج منزلها إلا إذا كان مبيتها لضرورة ملجئة كطبيبة احتاج مرضاها وجودها قريبا منهم. وعلى ذلك فإذا استطاعت المرأة الالتزام بهذه الأمور الشرعية فلا مانع من خروجها للعمل.

وفى واقعة السؤال: فيحرم على النساء الاشتغال بهذه الصفة الواردة في السؤال والتي يتبرجن فيها ويسافرون على رحلات الطيران وحدهن للخدمة.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الاستثناء الوحيد الذي لا يجوز للمرأة توليه من المناصب العامة وفق مبادئ الشريعة؟

منصب رئيس الدولة

ما رأي أبي حنيفة في حكم تولي المرأة القضاء؟

يجوز في غير الحدود فقط

من العالم الذي ذهب إلى الإباحة المطلقة لتولي المرأة القضاء في جميع الأحكام؟

ابن جرير الطبري

في أي سياق قال النبي صلى الله عليه وسلم حديث لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة؟

حين بلغه أن أهل فارس ملّكوا عليهم بنت كسرى

ما الفرق الجوهري بين منصب الخلافة الإسلامية ومنصب رئيس الدولة المعاصر؟

الخلافة منصب ديني يشمل إمامة الصلاة والرئاسة منصب مدني

من الصحابية التي ولّاها عمر بن الخطاب على السوق؟

الشفاء

كم امرأة ترجم لها الحافظ ابن حجر في كتابه الإصابة في تمييز الصحابة؟

ألف وخمسمائة وثلاث وأربعون امرأة

ما ضابط الخلوة المحرمة وفق ما قرره الفقهاء؟

اجتماع لا تؤمن معه الريبة عادة

ما الأساس الفقهي الذي يجيز تعيين المرأة في وظيفة المأذون الشرعي في مصر؟

مذهب الإمام أبي حنيفة

ما الاختلاط المحرم في ذاته وفق ما نص عليه أهل العلم؟

التلاصق والتلامس بين الرجال والنساء

ما الشرط الذي يجعل عمل المرأة مضيفة جوية محرماً وفق الفتوى؟

اشتراط التبرج وخلع الحجاب والسفر وحدها

ما القاعدة الأصولية التي تحكم مسائل الخلاف بين الفقهاء؟

ينكر المتفق عليه ولا ينكر المختلف فيه

ما الذي استدل به ابن حزم على أن حديث لن يفلح قوم خاص بالخلافة لا بكل ولاية؟

حديث المرأة راعية على مال زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها

ما الدليل القرآني الذي استشهد به الفقهاء على صحة عبارة المرأة ونفاذها في عقد النكاح؟

آية {فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف}

متى سقطت الدولة العثمانية وانتهى منصب الخلافة الإسلامية؟

عام 1924م

ما الحقوق السياسية التي تجيزها مبادئ الشريعة للمرأة؟

تجيز مبادئ الشريعة للمرأة حق الانتخاب والترشيح وتولي الوظائف العامة، ما عدا منصب رئيس الدولة المرتبط بإمامة الصلاة.

ما الآية القرآنية التي تُعد أصلاً لحق المرأة في المشاركة السياسية والبيعة؟

آية سورة الممتحنة: {يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً...} التي أشارت إلى بيعة النساء للنبي.

ما موقف جمهور الفقهاء من تولي المرأة القضاء؟

يشترط جمهور الفقهاء الذكورة في القاضي استناداً لقوله تعالى: {الرجال قوامون على النساء}، فيمنعون توليها القضاء مطلقاً.

لماذا يجيز أبو حنيفة تولي المرأة القضاء في غير الحدود؟

لأن شهادة المرأة تصح في غير الحدود، والقضاء مبني على الشهادة وشروطها، فما صحت فيه الشهادة صح فيه القضاء.

ما حجة ابن جرير الطبري على جواز تولي المرأة القضاء مطلقاً؟

قال إنه لا يشترط الذكورة في ولاية القضاء لأن المرأة يجوز أن تكون مفتية فيجوز أن تكون قاضية.

ما الدليل التاريخي على تولي المرأة القضاء في الإسلام؟

تروي كتب التاريخ كالبداية والنهاية لابن كثير تولي ثمل القهرمانة للقضاء، وكان يحضر مجلسها القضاة والفقهاء والأعيان، وتوفيت سنة 317 هجرية.

لماذا لا يصح حمل حديث لن يفلح قوم على العموم؟

لأنه وارد على واقعة عين خاصة وهي تأمير بنت كسرى بعد مقتل أبيها، ووقائع الأعيان لا عموم لها في علم الأصول.

ما الفرق بين منصب الخلافة الإسلامية ومنصب رئيس الدولة المعاصر؟

الخلافة منصب ديني من مهامه إمامة المسلمين في الصلاة وله شروط محددة، أما رئاسة الدولة المعاصرة فمنصب مدني لا يتضمن إمامة الصلاة وانتهت الخلافة عام 1924م.

كيف تستدل قصة بلقيس في القرآن على جواز حكم المرأة؟

ذكر الله قصة بلقيس ملكة سبأ وأثنى على حسن سياستها وتدبيرها ورجاحة رأيها، وهذا نموذج قرآني على امرأة ولّت فأحسنت وقادت قومها إلى الإيمان.

ما الأساس الذي يجيز تعيين المرأة مأذوناً شرعياً في مصر؟

مذهب أبي حنيفة المعتمد في مصر الذي يقرر أن للمرأة الرشيدة أن تزوج نفسها وغيرها وأن توكل في النكاح، والمأذون يقوم مقام القاضي الذي أذن له.

ما الشرط الأساسي لجواز توثيق المرأة لعقد النكاح؟

أن تكون المرأة عدلاً عارفة، لأن التوثيق يرجع إلى العدالة والمعرفة وهما يتوافران في المرأة المستوفية لهذين الشرطين.

ما الشروط الشرعية لجواز عمل المرأة في الوظائف العامة؟

الالتزام بالحجاب وترك الزينة خارج البيت، والتوفيق بين العمل وحقوق الزوج والأولاد، والبعد عن السفور والتبرج والخلوة غير المشروعة.

ما الدليل من السنة على جواز خدمة المرأة للرجال الأجانب؟

حديث أم أسيد في الصحيحين حين خدمت النبي وأصحابه في وليمة زوجها، وبوّب عليه البخاري: باب قيام المرأة على الرجال في العرس وخدمتهم بالنفس.

هل الحجاب بمعنى الانفصال التام بين الرجال والنساء فرض على عموم المؤمنات؟

لا، قال ابن بطال إن الحجاب بمعنى انفصال النساء عن الرجال ليس فرضاً على عموم المؤمنات وإنما هو خاص بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم.

ما منهج دار الإفتاء المصرية في التعامل مع المذاهب الفقهية المختلفة؟

تأخذ من المذاهب الأربعة الموروثة وتأخذ أيضاً من الفقه الإسلامي الواسع بمذاهبه التي تجاوزت ثمانين مجتهداً، وتراعي مصالح الناس وأحوالهم لتحقيق المقاصد الشرعية.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!