اكتمل ✓
الفصل 21

ما هي الصحيفة الصادقة وكيف بدأ تدوين السنة النبوية في عهد النبي والصحابة؟

الصحيفة الصادقة هي أقدم مجموعة مكتوبة من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، دوّنها عبد الله بن عمرو بن العاص بإذن مباشر من النبي، وكانت تضم ما سمعه منه دون واسطة. تدوين السنة في عهد النبي لم يكن رسمياً منظماً، لكنه جرى بإذن نبوي خاص لعدد من الصحابة، وقد نسخ هذا الإذن النهيَ المبكر عن الكتابة الذي كان مؤقتاً لحماية القرآن من الاختلاط. وتؤكد الوثائق التاريخية أن السنة شرع في تدوينها منذ العصر النبوي ذاته، لا في أوائل القرن الثاني الهجري كما يُشاع.

12 دقيقة قراءة
  • هل كان النهي النبوي عن كتابة الحديث نهياً دائماً أم مؤقتاً، وما السبب الحقيقي وراءه؟

  • النهي عن كتابة الحديث كان في بداية الإسلام لمنع اختلاط كلام النبي بالقرآن، ولما زال السبب أذن النبي بالكتابة.

  • الصحيفة الصادقة لعبد الله بن عمرو بن العاص هي أبرز وثيقة مكتوبة في عهد الصحابة، سمعها مباشرة من النبي دون واسطة.

  • صحيفة همام بن منبه المروية عن أبي هريرة تعتبر دليلاً يقينياً على التدوين المبكر للسنة، وقد وصلت إلينا كاملة بإسناد متصل.

  • كتب عدد كبير من الصحابة أحاديث النبي في صحف خاصة، منهم علي بن أبي طالب وأنس بن مالك وجابر بن عبد الله وسمرة بن جندب وغيرهم.

  • يؤكد كبار الباحثين كصبحي الصالح ومحمد عجاج الخطيب أن تدوين الحديث بدأ في العصر النبوي ذاته، لا في أوائل القرن الثاني الهجري.

طبيعة تدوين السنة في عهد النبي وعدم رسميته

لم يكن التدوين في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تدوينًا رسميًا, بمعنى أن الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لم يأمر الصحابة رسميًا بتدوين السنة، ولم يعين لذلك كتبة مثل كتاب الوحي الذين كانوا يدونون القرآن, غير أنه ورد الأمر النبوي لبعض الصحابة رضي الله عنه بالكتابة بصور فردية غير منتظمة, وبإذن خاص من رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

حديث النهي عن كتابة الحديث وتعليل المنع المؤقت

وقد يظن بعضهم أن ذلك الكلام وغيره يتعارض مع قوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:

«لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» .

فإن ذلك الحديث كان في بداية تدوين القرآن فأراد رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ألا ينشغل الصحابة بشيء غير القرآن الكريم. ومن هنا نهي في بدء الإسلام عن كتابة أي شيء غير القرآن الكريم، وكان ذلك لعدة أسباب منها: عدم اختلاط كلام النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بالقرآن، وعدم ركون المسلمين إلي الكتابة وترك الحفظ، وغير ذلك من الأسباب، و لما زالت تلك الأسباب أذن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بعد ذلك في كتابة الحديث لمن أراد من المسلمين.

بداية الإذن النبوي بالكتابة وقصة أبي شاه اليمني

وقد تمثل هذا الإذن النبوي في مجموعة من الأدلة نوجز بعضها فيما يلي:

• لما فتح الله تعالى مكة للمسلمين خطب النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فقام رجل من أهل اليمن اسمه أبو شاه، وقال: يا رسول الله، اكتبوا لي، فقال النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:

«اكتبوا لأبي شاه»

وعند البخاري زيادة، عن الوليد بن مسلم، قال: قلت للأوزاعي، ما قوله، اكتبوا ؟ قال: هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. فدل ذلك علي صريح إذنه بالكتابة.

إذن النبي لعبد الله بن عمرو بكتابة كل ما يسمعه منه

• وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أريد حفظه، فنهتني قريش، فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فقال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:

«أُكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلاّ حقّ؛ وأشار بيده إلي فيه» .

استعانة ضعيف الحفظ بالكتابة وترجيح نسخ النهي بالإذن

• وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كان رجل يشهد حديث النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فلا يحفظه، فيسألني، فأحدثه فشكا قلة حفظه إلي رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:

«استعن بيمينك، وأشار بيده إلي الخط» .

وهناك أدلة غير ذلك كثيرة علي إذنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وقد تعددت آراء العلماء حول العلاقة بين أحاديث الإذن، وحديث النهي المشار إليه في أول هذا المبحث. وأقوى الآراء في ذلك وأرجحها أن أحاديث الإذن ناسخة لحديث النهي، وعلي ذلك فإن آخر الأمرين منه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم هو الإذن بالكتابة، تأكيدا لمشروعية تقييد السنة وتوثيقها.

تلقف الصحابة إذن الكتابة وصحيفة علي بن أبي طالب

وتلقف الصحابة الكرام هذا الإذن النبوي الكريم فشرع كثير، منهم في كتابة الحديث الشريف، فمن الصحابة الكاتبين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقد روى البخاري بسنده إلي أبي جحيفة، قال: قلت لعلي: هل عندكم كتاب ؟ قال: لا إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة. قلت: أو ما في هذه الصحيفة ؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر.

صحيفة عبد الله بن عمرو الصادقة ومكانتها في نفسه

ومن الصحابة الكاتبين عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد أثمرت كتابته هذه صحيفة عبد الله التي أسماها الصادقة، وكانت قريبة جدًا إلي قلبه، فقد قال تلميذه مجاهد: دخلت عليه فتناولت صحيفة تحت رأسه فتمنع عليّ فقلت تمنعني شيئا من كتبك ؟ فقال: هذه الصحيفة الصادقة التي سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ليس بيني وبينه فيها أحد، فإذا سلم لي كتاب الله، وهذه الصحيفة، والوهط: فما أبالي ما كانت عليها الدنيا، والوهط أو الوهطة حديقة كانت لعمرو بن العاص، وآلت من بعده لابنه عبد الله،

حديث الحوض في صحيفة عبد الله بن عمرو وتصديق عبيد الله

ومن أحاديث هذه الصحيفة ما رواه الإمام أحمد في مسنده بسنده إلي أبي سبرة، أنه قال: كان عبيد الله بن زياد يسأل عن الحوض، حوض محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وكان يكذب به بعدما سأل أبا برزة، والبراء بن عازب، وعائذ بن عمرو، ويكذب به، فقلت له ألا أحدثك في شفاء هذا ؟ إن أباك بعث معي بمال إلي معاوية، فلقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، فحدثني بما سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وأملي علي فكتبته بيدي، فلم أزد حرفا ولم أنقص حرفا، حدثني أن رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، قال:

«إن الله لا يحب الفاحش والمتفحش، ولا تقوم الساعة حتى يظهر الفحش والتفاحش، وقطيعة الرحم، وسوء المجاورة، وحتى يؤمن الخائن ويخون الأمين، وقال: ألا إن موعدكم حوض عرضه وطوله واحد، وهو كما بين آيلة ومكة وهو مسيرة شهر، فيه مثل النجوم أباريق شراب أشد بياضا من الفضة، من شرب منه شربة لم يظمأ بعد أبدا»

فقال عبيد الله: ما سمعت في الحوض حديثا أثبت من هذا، فصدق به وأخذ الصحيفة فحبسها عنده.

أبو هريرة وصحيفة همام بن منبه ودلالتها التاريخية

ومن الصحابة الكاتبين أبو هريرة، ورغم أنه لا يعرف الكتابة، فإنه كان يستكتب لنفسه، وقد حفظت لنا صحيفة من صحفه رواها عنه تلميذه التابعي همام بن منبه، ثم نسبت إليه فقيل عنها: صحيفة همام، وعرفت بذلك واشتهرت به، ولقد سمعها من شيخه أبي هريرة المتوفي سنة 59 هـ علي أرجح الأقوال.

ومعنى ذلك أنها كتبت في منتصف القرن الأول الهجري تقريبا. وهذه الصحيفة تعتبر من الأدلة اليقينية علي أن السنة قد شرع في تدوينها منذ مرحلة مبكرة جدا، كما أنها تعتبر وثيقة تاريخية هامة حيث إنها وصلت إلينا كاملة، وقد تتبع الأستاذ سيد صقر سلسلة رواتها، فقال: وقد رواها عن همام رواة كثيرون، آخرهم معمر بن راشد ثم عبد الرزاق، عن معمر بن راشد، ثم آخر من رواها، عن عبد الرازق إسحاق الدبري، ثم آخر من رواها من إسحاق أبو القاسم الطبراني المتوفي 360 هـ، ومن رواها عن عبد الرازق الإمام أحمد بن حنبل، ولقد أتى بها كاملة في مسنده.

اكتشاف نسخ صحيفة همام وعدم استيعاب الصحيحين لكل الصحيح

وقد عثر الباحث المحقق الدكتور محمد حميد الله علي نسختين متماثلتين في دمشق وبرلين لهذه الصحيفة، وعدد أحاديث هذه الصحيفة ثمان وثلاثون ومائة حديث، وهي محققة ومطبوعة

وهذه الصحيفة وإن لم تكتب في عصر النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم إلا أنها كتبت في عصر الصحابة، كاتبها همام، كتبها عن شيخه أبي هريرة مباشرة، ولذلك جعلناها من صحف الصدر الأول. وهذه الصحيفة من بين الأدلة علي أن الصحيحين لم يستوعبا كل الأحاديث الصحيحة، لأنها رويت كلها بإسناد واحد، فدرجة أحاديثها في الصحيفة واحدة، ومع ذلك أخرج البخاري ومسلم بعضها ولم يخرجها كاملة.

كتاب عبد الله بن أبي أوفى وحديث آداب لقاء العدو

ومن الصحابة الكاتبين عبد الله بن أبي أوفي المتوفي بالكوفة سنة 87 هـ، ولقد كتب كتابا إلي عمرو بن عبيد الله بن معمر القرشي أمير فارس عندما وجهه عبد الله بن الزبير إلي حرب الأزارقة، وقد قرأ هذا الكتاب سالم أبو النضر مولي عمرو وكاتبه، وقد حدث بما فيه من أحاديث، وقد روى البخاري في صحيحه بعضها، ومن أحاديث هذه الصحيفة. ما رواه البخاري بسنده، عن موسى بن عقبة، عن سالم أبي النضر مولي عمرو بن عبد الله، وكان كاتبا له، كتب إليه عبد الله بن أوفي فقرأته، أن رسول الله صلي الله عليه وسلم في بعض أيامه التي لقى فيها العدو، انتظر حتى مالت الشمس، ثم قام في الناس، فقال:

" أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف، ثم قال: اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم.

كتابة أبي بكر لفريضة الصدقة وتدوين أحكام الزكاة

والخليفة الأول رضي الله تعالى عنه كتب شيئا من السنة أيضا، فقد ذكر البخاري بسنده إلي أنس بن مالك رضي الله عنه، أن أبا بكر رضي الله عنه كتب له فريضة الصدقة التي أمر بها الله ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. «من بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة، وليست عنده إلا حقة، فإنها تقبل منه الحقة ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهما..... الخ »

كتاب أبي رافع في صفة افتتاح الصلاة النبوية

ومن الصحابة الكاتبين، أبو رافع مولي رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وكان له كتاب دفعه إلي أبي بكر بن عبد الرحمن القرشي أحد الفقهاء السبعة، ومن كتاب أبي رافع هذا: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم إذا قام إلي الصلاة، قال:

«وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين». «اللهم أنت الملك، لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، أنت ربي، وأنا عبدك، لا شريك لك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنوبي، فاغفر لي ذنوبي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، ولا منجى ولا ملجأ منك إلا إليك، أستغفرك وأتوب إليك ثم يقرأ »

أنس بن مالك وكتابة حديث عتبان والحث على تقييد العلم

وكان أنس من الصحابة الكاتبين وقد قابله عتبان بن مالك، فكتب عنه أنس حديث زيارة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، له ونص الحديث عند مسلم: روى مسلم بسنده، إلي أنس بن مالك، عن محمود بن الربيع، عن عتبان بن مالك رضي الله عنهم أجمعين، قال أنس قدمت المدينة فلقيت عتبان، فقلت: حديث بلغني عنك: قاك: أصابني في بصري بعض الشيء، فبعث إلي رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أني أحب أن تأتيني فتصلي في منزلي، وهو حديث طويل وفي آخره، قال أنس: فأعجبني هذا الحديث، فقلت لابنى، اكتبه، فكتبه».

وكان الناس إذا أكثروا علي أنس طلبا للسماع، يلقي إليهم كتبا، ويقول: هذه كتب سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وعرضها عليهم، وكان يقول لبنيه: يا بني، قيدوا العلم بالكتاب.

وقد ورد هذا النص مرفوعا إلي رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وورد موقوفا علي كثير من الصحابة منهم عمر بن الخطاب، وأنس، وغيرهم، وقد استعرض ذلك كله الخطيب البغدادي في كتب تقييد العلم.

سعد بن عبادة وكتابه في القضاء باليمين مع الشاهد

ومن الصحابة الذين كتبوا، الصحابي الجليل سعد بن عبادة، فقد روى الترمذي: قال: قال ربيعة، وأخبرني ابن سعد بن عبادة، قال: وجدنا في كتاب سعد، أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قضى باليمين مع الشاهد.

وابن حجر في تهذيب التهذيب، يجزم بأن سعد بن عبادة كان من كتاب الجاهلية، ونص ابن حجر في ذلك نقلا، عن ابن سعد: كان في الجاهلية يكتب بالعربية، ويحسن العوم والرمي، وكان من أحسن ذلك يقال له الكامل.

رسالة سمرة بن جندب لبنيه وأحاديث صلاة الليل والجمعة

كما أن سمرة بن جندب قد جمع أحاديث كثيرة، ورثها عنه ابنه سليمان ورواها عنه، وهي علي ما يظن الرسالة التي بعثها سمرة إلي بنيه، ومن أحاديثها.: «بسم الله الرحمن الرحيم من سمرة بن جندب إلي بنيه: «إن رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، كان يأمرنا أن نصلي كل ليلة بعد المكتوبة، ما قل أو كثر ونجعله وترًا »

وقد قال ابن سيرين عن هذه الصحيفة، في رسالة سمرة إلي بنيه علم كثير، وقد قال الأستاذ سيد صقر عن صحيفة سمرة هذه: وصلت هذه الرسالة كاملة إلي الحسن البصري المتوفى سنة 110 هـ. وكان يعتمد عليها في روايته، ويبيح نسخها لمن يشاء، ويستمع إلي من يرغب في قراءتها عليه.

وجاء في كتاب العلل، ومعرفة الرجال لأحمد بن حنبل، عن ابن عوف، قال: وجدت عند الحسن كتاب سمرة فقرأته عليه. وروى النسائي منها، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:

«من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل»،

وابن عباس رضي الله عنه كان أيضا من الصحابة الكاتبين، وكان عند كريب مولي ابن عباس كتب كثيرة من كتب ابن عباس، ولقد تعددت الراويات في أن كريبا حمل من عند ابن عباس حمل بعير من الكتب، وكان علي ابنه: ابن عبد الله بن عباس، يبعث إلي كريب إذا أراد كتابا من كتب أبيه، فيبعث كريب إلي علي بما يريد، فينسخها ثم يردها إلي كريب مرة ثاني ة، ويقول الدكتور صبحي الصالح، عن كتب ابن عباس هذه، ويتعاقب الناس علي الرواية عنها، والأخذ منها، حتى امتلأت كتب التفاسير والحديث بمسموعات ابن عباس ومروياته.

جابر بن عبد الله ومنسكه في الحج ووصف حجة الوداع

ومن الصحابة الذين كتبوا: جابر بن عبد الله رضي الله عنه ، وكان له منسك في الحج، كما كانت له حلقة في المسجد النبوي، يلقي إلي تلاميذه من كتبه، وقد روى عنه منسكه في الحج أبو جعفر بن علي بن الحسين، وأخرجه مسلم في صحيحه. وإن أوسع الروايات في وصف حجة الوداع لرسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، كانت من رواية جابر بن عبد الله، وهي تصف تلك الحجة من أول ما عزم علي الحج، وهو بالمدينة إلي أن انتهي من مناسكه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وهذه الرواية عند مسلم.

ويذكر ابن حجر أن أبا ريحانة الأزدي، من الصحابة، كذلك له صحف، فيقول في ترجمته. أبو ريحانة الأزدي من الصحابة الذين نزلوا الشام ومصر، كانت له صحف، وهو أو ل من طوى الطومار، وكتب فيه مدرجا مقلوبا.

كل تلك الصحف السابقة، غير الصحف التي كان فيها بعض من أقوال النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، كان يكتبها لهم، لمناسبة من المناسبات، ومن ذلك ما يرويه ابن أبي ليلى، عن عبد الله بن حكيم، قال: قرئ علينا كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:

«أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب»

صحف متفرقة لعدد من الصحابة وكتب في مسائل فقهية خاصة

وكل ذلك غير تلك الصحف التي كان يكتبها الصحابة لأنفسهم ولغيرهم، ومنها، ما مر عليك ذكره من صحيفة أبي بكر لأنس بن مالك في الصدقة، ومنها ما رواه ابن سعد، وغيره، قال: لما مات محمد بن مسلمة الأنصاري، وجدنا في جراب سيفه كتابا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، سمعت النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، يقول:

«وإن لربكم في أيام دهركم لنفحات، فتعرضوا لها».

وكتبت سبيعة الأسلمية إلي عبد الله بن عتبة، تروي عن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أنه أمرها بالنكاح بعد قليل من وفاة زوجها بعدما وضعت.

كل ما سبق يؤكد لنا أن العصر النبوي المبارك لم يكد ينتهي، إلا وقد شرع في تدوين السنة، بل وتم تدوين كثير منها، في صحائف وكتب، وتلك حقيقة علمية توصل إليها كثير من الباحثين.

شهادة سيد صقر ومحمد عجاج الخطيب على التدوين المبكر

يقول الأستاذ سيد صقر في أول سطور تحقيقه لكتاب فتح الباري: من الحقائق المطوية في الكتب، أن الأحاديث النبوية، قد دونت في حياة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وفي حياة صحابته، فكان لبعض الصحابة كتب تشتمل علي ما سعوا من أحاديث كتبوها بأيديهم، وكتبها عنهم من سمعها منهم، وقد شارك الرسول في تدوين سنته بإملائه علي كتابه ما أملي من كتب في الفرائض وغيرها، أو أرسلها إلي من رأى إرسالها إليه، لتكون تبصرة وتذكرة، فيما افترض من ألوان الفرائض، أو أدبهم به من سنن الأدب.

ويقول الدكتور محمد عجاج الخطيب في تعليقه علي صحيفة همام: ولهذه الصحيفة أهمية تاريخية في تدوين الحديث الشريف، لأنها حجة قاطعة، ودليل ساطع علي أن الحديث النبوي كان قد دون في عصر مبكر، وتصحح الخطأ الشائع، أن الحديث لم يدون إلا في أوائل القرن الثاني الهجري.

تأكيد صبحي الصالح ورد دعوى تأخر تدوين الحديث

ويقول الدكتور صبحي الصالح، ليس علينا إذن أن ننتظر عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز حتى نسمع للمرة الأولى- كما هو الشائع- بشيء اسمه تدوين الحديث، أو محاولة لتدوينه. وليس علينا أن ننتظر العصر الحاضر لنعترف بتدوين الحديث في عصر مبكر، جريا وراء بعض المستشرقين كجولدزيهر وشبرنجر. لأن كتبنا ووثائقنا وأخبارنا التاريخية لا تدع مجالا للشك في تحقيق تقييد الحديث في عصر النبي نفسه، وليس علي رأس المائة الثانية للهجرة.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

لماذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم في البداية عن كتابة الحديث؟

لمنع اختلاط كلام النبي بالقرآن الكريم

ما اسم الصحيفة التي دوّنها عبد الله بن عمرو بن العاص بإذن مباشر من النبي؟

الصحيفة الصادقة

ما الرأي الراجح عند العلماء في العلاقة بين أحاديث الإذن بكتابة الحديث وحديث النهي عنها؟

أحاديث الإذن ناسخة لحديث النهي

من هو الصحابي الذي طلب من النبي أن تُكتب له خطبة فتح مكة؟

أبو شاه اليمني

كم عدد أحاديث صحيفة همام بن منبه؟

مائة وثمانية وثلاثون حديثاً

في أي مدينتين عثر الدكتور محمد حميد الله على نسختين متماثلتين من صحيفة همام بن منبه؟

دمشق وبرلين

ما مضمون صحيفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه؟

العقل وفكاك الأسير وحكم قتل المسلم بالكافر

ما الذي كتبه أبو بكر الصديق وأرسله إلى أنس بن مالك؟

فريضة الصدقة وأحكام الزكاة في الإبل

من روى صحيفة همام بن منبه عن أبي هريرة؟

همام بن منبه تلميذ أبي هريرة

ما الذي وُجد في جراب سيف محمد بن مسلمة الأنصاري بعد وفاته؟

كتاب يتضمن حديثاً نبوياً عن نفحات الله في الدهر

ما الذي كان يقوله أنس بن مالك لبنيه حثاً على حفظ العلم؟

قيدوا العلم بالكتاب

ما أهمية رواية جابر بن عبد الله لحجة الوداع؟

أنها أوسع رواية تصف الحجة من بدايتها حتى نهايتها

ما الخطأ الشائع الذي تصحّحه صحيفة همام بن منبه وفق الدكتور محمد عجاج الخطيب؟

أن الحديث لم يُدوَّن إلا في أوائل القرن الثاني الهجري

ما الذي تضمّنته رسالة سمرة بن جندب لبنيه من الأحاديث؟

الأمر بصلاة الوتر كل ليلة وحديث غسل الجمعة

ما الذي وجده ابن عوف عند الحسن البصري وفق كتاب العلل لأحمد بن حنبل؟

كتاب سمرة بن جندب

ما الفرق بين تدوين القرآن وتدوين السنة في عهد النبي؟

تدوين القرآن كان رسمياً منظماً بكتبة معيّنين، أما تدوين السنة فلم يكن رسمياً بل جرى بإذن خاص لبعض الصحابة بصورة فردية غير منتظمة.

ما الأسباب التي دفعت النبي إلى النهي المبكر عن كتابة الحديث؟

منع اختلاط كلام النبي بالقرآن الكريم، وعدم ركون المسلمين إلى الكتابة وتركهم الحفظ، وغير ذلك من الأسباب المؤقتة.

ما دلالة قول النبي لعبد الله بن عمرو: «اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق»؟

هو إذن صريح من النبي بكتابة كل ما يصدر عنه، وتأكيد على أن كلامه كله حق سواء في الغضب أو الرضا، وهو الأساس الذي قامت عليه الصحيفة الصادقة.

لماذا سُمّيت صحيفة عبد الله بن عمرو بـ«الصادقة»؟

لأن عبد الله سمعها مباشرة من رسول الله صلى الله عليه وسلم دون واسطة بينهما، فهي صادقة في نسبتها إليه مباشرة.

ما الذي جعل عبيد الله بن زياد يصدّق بحديث الحوض بعد أن كان يكذّب به؟

سماعه حديث الحوض من الصحيفة الصادقة لعبد الله بن عمرو، مكتوباً بيد راويه حرفاً بحرف دون زيادة أو نقصان، فاقتنع بثبوته وأخذ الصحيفة.

متى كُتبت صحيفة همام بن منبه تقريباً؟

كُتبت في منتصف القرن الأول الهجري تقريباً، إذ سمعها همام من أبي هريرة المتوفى سنة 59 هـ على أرجح الأقوال.

لماذا تعتبر صحيفة همام بن منبه دليلاً على أن الصحيحين لم يستوعبا كل الأحاديث الصحيحة؟

لأن أحاديثها جميعها بإسناد واحد فدرجتها واحدة، ومع ذلك أخرج البخاري ومسلم بعضها فقط دون أن يخرجاها كاملة.

ما الذي كان يفعله أنس بن مالك حين يكثر عليه طلاب الحديث؟

كان يلقي إليهم كتبه ويقول: هذه كتب سمعتها من رسول الله، ويعرضها عليهم، وكان يحث بنيه على تقييد العلم بالكتاب.

ما الذي يثبته وجود كتاب في جراب سيف محمد بن مسلمة الأنصاري بعد وفاته؟

يثبت أن الصحابة كانوا يحتفظون بكتاباتهم الحديثية بعناية شديدة حتى في أمتعتهم الشخصية، مما يدل على اهتمامهم بتوثيق السنة.

ما الذي كان يفعله علي بن عبد الله بن عباس حين يريد كتاباً من كتب أبيه؟

كان يبعث إلى كريب مولى ابن عباس فيرسل له الكتاب، فينسخه علي ثم يردّه إلى كريب، مما يدل على كثرة كتب ابن عباس وتداولها.

ما الذي قاله ابن سيرين عن رسالة سمرة بن جندب لبنيه؟

قال: «في رسالة سمرة إلى بنيه علم كثير»، مما يدل على أهميتها العلمية الكبيرة في رواية الحديث النبوي.

ما الذي يقصده الدكتور صبحي الصالح بقوله إننا لسنا بحاجة للانتظار حتى عهد عمر بن عبد العزيز؟

يقصد أن تدوين الحديث لم يبدأ في عهد عمر بن عبد العزيز كما يُشاع، بل بدأ في عصر النبي نفسه، وتثبت ذلك الكتب والوثائق والأخبار التاريخية الإسلامية.

ما الذي كتبته سبيعة الأسلمية وأرسلته إلى عبد الله بن عتبة؟

كتبت تروي عن النبي أنه أمرها بالنكاح بعد قليل من وفاة زوجها بعدما وضعت حملها، وهو من الصحف الفقهية المبكرة.

ما الذي يميز كتاب سعد بن عبادة عن غيره من صحف الصحابة؟

تضمّن حكماً قضائياً مهماً وهو أن النبي قضى باليمين مع الشاهد، وكان سعد من كتّاب الجاهلية المعروفين بالكتابة والفروسية.

ما الذي يقصده سيد صقر بقوله إن النبي شارك في تدوين سنته؟

يقصد أن النبي كان يُملي على كتّابه ما يُرسله من كتب في الفرائض وغيرها، أو يرسلها إلى من رأى إرسالها إليه تبصرة وتذكرة.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!