اكتمل ✓
الفصل 13

ما قصة انشقاق القمر في عهد الرسول وكيف تجلت دلائل النبوة في استجابة الكائنات له؟

انشقاق القمر معجزة ثابتة بالقرآن الكريم والأحاديث الصحيحة، حدثت حين طلبت قريش من النبي صلى الله عليه وسلم آية فأراهم انشقاق القمر بإشارته المباركة. وهذه المعجزة واحدة من دلائل النبوة الكثيرة التي تكشف أن الكون بكائناته من جمادات ونباتات وحيوانات مفطور على محبة رسول الله وطاعته، إذ سلّمت عليه الجبال والأشجار، وسجدت له الحجارة، ونبع الماء من بين أصابعه، وتكلمت الشاة المسمومة تحذيرًا له.

16 دقيقة قراءة
  • كيف فطر الله الكائنات غير المكلفة على محبة النبي ومعرفة رسالته، وما دلالة ذلك على عظيم مكانته؟

  • سلّمت الجبال والأشجار على رسول الله وأضاءت المدينة بقدومه وأظلمت بوفاته.

  • انشقاق القمر معجزة ثابتة بالقرآن والسنة الصحيحة، حدثت استجابةً لإشارة النبي حين طلبت قريش آية.

  • نبع الماء من بين أصابعه وتكثير الطعام في الخندق وتفتت الصخرة بضربته من أبرز دلائل النبوة المتواترة.

  • الحيوانات أجلّت النبي وأحبته؛ فسجد له الجمل، وتأدب الوحش في بيته، وأرشد الأسد مولاه بذكر اسمه.

  • نطقت الشاة المسمومة تحذيرًا للنبي، وسقطت الأصنام بإشارته يوم فتح مكة، دلالةً على انقياد الكون له بأمر الله.

فطرة الكائنات على محبة الرسول وتسبيحها ومعرفتها برسالته

من عظم مكانة النبي المصطفي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم عند ربه جل شأنه أن فطر سبحانه جميع الكائنات غير المكلفة من جمادات ونباتات وحيوانات على محبته وطاعته، وجعلها سبحانه وتعالى عارفة به عالمة برسالته، ولا غرابة في ذلك فقد أشار القرآن الكريم إلى إدراك هذه الكائنات وتسبيحها لله العظيم. قال تعالى:

﴿تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾

، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم

« إنه ليس شيء بين السماء والأرض إلا يعلم أني رسول الله إلا عاصي الجن والإنس »

محبة الحجر والشجر والجبال وسلامها على رسول الله

فالحجر والشجر والجبال أحبوا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وفرحوا ببعثته الشريفة، وسلموا عليه واشتاقوا إليه، فقد قال النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم

« إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن »

، وفي رواية أخرى

« كان يسلم علي ليالي بعثت »

، وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال:

« كنا مع النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بمكة فخرجنا معه في بعض نواحينا، فمررنا بين الجبال والشجر، فلم نمر بشجرة ولا جبل، إلا قال السلام عليك يا رسول الله » .

فرح المدينة بقدوم النبي ومحبة جبل أحد للمؤمنين

والمدينة فرحت وأضاءت لقدوم المصطفي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فعن أنس رضي الله عنه قال:

« لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم المدينة، أضاء من المدينة كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أظلم من المدينة كل شيء، وما فرغنا من دفنه حتى أنكرنا قلوبنا» .

وكان أحد من الجبال التي شهد النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بحبها له وللمؤمنين فقال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم عنه:

« هذا جبل يحبنا ونحبه » .

اهتزاز جبل أحد وثباته بأمر النبي ومكانة الصحابة

بل استجاب هذا الجبل الأشم في خضوع وطاعة لأمر حبيبه وسيده النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم عندما ركله برجله الشريفة صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لما اهتز أحد به هو وأصحابه، فقد صح عن أنس رضي الله عنه:

«أن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم صعد أحداً وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم، فضربه برجله وقال: اثبت أحد، فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيدان» .

فاستجاب أحد على الفور محباً مطيعاً لسيده وحبيبه المصطفي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. يشير هذا الموقف إلى تعظيم شأن الصحابة الكرام، وإلى خضوع جبل أحد لأمر النبي، في مشهد يربط بين ثبات الإيمان وثبات الأرض.

تسبيح الحصى في يد الرسول وبركة انتقالها للصحابة

والحصى يحب النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ويفرح به ويسبح في يده الشريفة صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، واستمرت تسبح لله بفرحها وحبها لرسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم حتى وصلت ليد عثمان رضي الله عنه، فعن أبي ذر الغفاريرضي الله عنه قال: إني لشاهد عند النبي في حلقة، وفي يده حصيات، فسبحن في يده ـ وفينا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ـ يسمع تسبيحهن من في الحلقة، ثم دفعن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم إلى عمر، فسبحن في يده، يسمع تسبيحهن من في الحلقة، ثم دفعهن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم إلى عثمان، فسبحن في يده، ثم دفعهن إلينا، فلم يسبحن مع أحد » .

حنين جذع النخلة إلى النبي واختياره أن يكون في الجنة

ولقد أحبه الجذع وتعلق به واشتاق إلى قربه الشريف صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، بل وبكى بكاء شديدا تشوقا للنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وقد تواتر هذا الخبر، وصار العلم به محتم، وروي عن أكثر من صحابي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:

« أنه عندما كان النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يخطب قائمًا معتمدًا على جذع نخل منصوب، فإذا طال وقوفه وضع يده الشريفة على ذلك الجذع، ولما كثر عدد المصلين صنع له الصحابة منبرا، فلما خرج صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم من باب الحجرة الشريفة يوم الجمعة يريد المنبر، وجاوز الجذع الذي كان يخطب عنده، فحن الجذع حنين الناقة، فنزل النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ومسحه، ثم ضمه بين يديه إلى صدره الشريف حتى هدأ، ثم خيره بأن سارره بين أن يكون شجرة في الجنة، تشرب عروقه من أنهار الجنة، وبين أن يعود شجرة مثمرة في الدنيا، فاختار الجذع أن يكون شجرة في الجنة فقال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أفعل إن شاء الله، أفعل إن شاء الله، أفعل إن شاء الله » فسكن الجذع، ثم قال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: « والذي نفسي بيده لو لم التزمه لبقي يحن إلى قيام الساعة شوقا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم » .

شجرة تشق الأرض لتسلم على الرسول بإذن ربها

كما أن الشجرة تشوقت للسلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فاستأذنت ربها عز وجل أن تسلم عليه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فعن يعلى بن مرة الثقفي رضي الله عنه قال ك بينما نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فنزلنا منزلا، فنام النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فجاءت شجرة تشق الأرض حتى غشيته. ثم رجعت إلى مكانها. فلما استيقظ ذكرت له ذلك، فقال:

« هي شجرة استأذنت ربها عز وجل أن تسلم علي، فأذن لها» .

سجود الحجر والشجر للنبي في رحلة الشام ودلالة بحيرا

وقد سجد له الحجر والشجر الذي مر به النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في طريقه وهو مع أبي طالب في رحلة الشام، وهذا السجود سجود تحية للنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وكان مشروعًا من قبل بعثة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم للبشر، فنسخ في شريعة الإسلام في حق البشر، وظل أمرًا كونيا في حق الجمادات ومن لا يعقل، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال:

« خرج أبو طالب إلى الشام، وخرج مع رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وأشياخ من قريش فلما أشرفوا على الراهب هبطوا، فحلوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب ـ وكان قبل ذلك يمرون فلا يخرج إليهم ولا يلتقت إليهم ـ قال: فهم يحلون رحالهم، فجعل يتخللهم، حتى جاء فأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فقال: هذا سيد العالمين، هذا رسول الله رب العالمين، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين، فقال له أشياخ من قريش: ما علمك ؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة، لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجدًا، ولا يسجد إلا لنبي » .

سجود الشجر أمام رجل من بني عامر لإقامة الحجة على النبوة

وقد تكرر سجود الشجر لرسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فعن ابن عباس رضي الله عنه، ولفظه، فعنه رضي الله عنه قال:

« جاء رجل من بني عامر إلى النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ـ كان يداوي ويعالج ـ فقال: يا محمد، إنك تقول أشياء، فهل لك أن أداويك ؟ قال: فدعاه رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، ثم قال له: هل لك أن أريك آية ؟ وعنده نخل وشجر. قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم عذقا منها فأقبل، وهو يسجد ويرفع، ويسجد ويرفع رأسه حتى انتهي إليه، فقام بين يديه ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: ارجع إلى مكانك، فرجع إلى مكانه، فقال: والله لا أكذبك بشيء تقوله بعدها أبدا » .

شهادة الشجرة بالتوحيد والرسالة أمام الأعرابي في السفر

وكما عبر الشجر عن محبته لرسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بسجودها بين يديه وبإلقاء السلام عليه، كذلك عبرت عن حبها الشديد بشهادته له صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بالشهادة، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في سفر، فأقبل أعرابي، فلما دنا منه، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: أين تريد ؟ قال إلى أهلي. قال: هل لك إلى خير ؟ قال: ما هو ؟ قال: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله. قال: هل من شاهد على ما تقول ؟ قال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: هذه السمرة. فدعاها رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وهي بشاطئ الوادي، فأقبلت تخد الأرض خدا، حتى كانت بين يديه فاستشهدها ثلاثا، فشهدت أنه كما قال. ثم رجعت إلى منبتها ورجع الأعرابي إلى قومه. وقال: إن يتبعوني أتيتك بهم، وإلا رجعت إليك، فكنت معك » .

انشقاق القمر كآية كونية على محبة الكائنات واستجابتها للنبي

ومن شواهد محبة الكائنات له صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم استجابة الكائنات له، وتأييدها له بأمر ربها سبحانه وتعالى، ومن هذا ما حدث من انشقاق القمر لإشارته المباركة صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم عندما طلبت قريش منه ذلك، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه:

« أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أن يريهم آية؛ فأراهم انشقاق القمر » .

وفي حديث ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قال لأصحابه:

« اشهدوا. اشهدوا » .

وقد ذكر القرآن الكريم معجزة انشقاق القمر لإشارته المباركة صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فقال عز وجل:

﴿ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ وَإِن يَرَوْا ءَايَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾ .

استجابة السحاب لدعاء الاستسقاء وتحول المطر من شدة القحط إلى كثرة الغيث

ولم تكن استجابة القمر هي الشهادة الوحيدة على محبة الكائنات واستجابتها لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بل استجاب السحاب له صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وتجمع من كل مكان محبا وطاعة له بأمر ربه سبحانه وتعالى، ثم تساقط مطرا فسقى الناس، وهذا ما رواه أنس رضي الله عنه قال:

« أصاب الناس سنة على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: فبينما رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يخطب على المنبر يوم الجمعة، قام أعرابي فقال: يا رسول الله هلك المال، وجاع العيال، فادع لنا أن يسقينا، قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يديه، وما في السماء قزعة، قال: فثار سحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته، قال: فمطرنا يومنا ذلك، وفي الغد، ومن بعد الغد، والذي يليه إلى الجمعة الأخرى، فقام ذلك الأعرابي، أو رجل غيره فقال: يا رسول الله تهدم البناء، وغرق المال، فادع الله لنا، فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يديه وقال: « اللهم حوالينا لا علينا » قال: فلما جعل يشير بيده إلى ناحية من السماء إلى تفرجت، حتى صارت المدينة مثل الجوبة، حتى سال الوادي ـ وادي قناة شهرا، قال: فلم يجئ أحد من ناحية إلا حدث بالجود » .

فها هو السحاب يستجيب لإشارته الشريف ويتفرج لها كما كان حال القمر كذلك، دليلا على أن الكون منقاد لدعائه وتوجيهه بأمر الله.

سقوط الأصنام حول الكعبة مع تلاوة جاء الحق وزهق الباطل

حتى الأصنام التي عبدها الناس من دون الله فهي تسبح بحمد الله، وتحب الله، وتحب من يحبه الله سبحانه وتعالى، فهي تحب رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم كذلك، وتستجيب كباقي الجمادات لإشاراته الشريفة، فكان يوم فتح مكة حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما، فصار صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يشير إليها بعود في يده واحدا واحدا، فتخر الأصنام على وجهها ، وهو يقرأ

﴿وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَٰطِلُ إِنَّ ٱلْبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾

﴿قُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ ٱلْبَٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ .

استجابة التراب لرمي النبي يوم حنين وانهزام الكفار

وقد استجاب التراب كذلك لرغبته وقصده الشريف صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم عندما حمل النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم كفًا من التراب أو من الحصباء، ورمى بها في وجوه الكفار، فلم يبق منهم واحد إلا دخل التراب في عينيه وفمه، فانهزموا جميعا، فعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال:

« غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم حنينا فلما واجهنا العدو، تقدمت فأعلو ثنية، فاستقبلني رجل من العدو، فأرميه بسهم فتوارى عني، فما دريت ما صنع، ونظرت إلى القوم، فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى، فالتقوا هم وصحابة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فولى صحابة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وأرجع منهزما، وعلي بردتان، متزرا بأحدهما، مرتديا الأخرى، فاستطلق إزاري، فجمعتهما جميعا، ومررت على رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم منهزما ـ أي سلمة بن الأكوع ـ وهو على بغلته الشهباء، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: لقد رأي ابن الأكوع فزعا. فلما غشوا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم نزل عن البغلة، ثم قبض قبضة من تراب، ثم استقبل به وجوههم، فقال شاهت الوجوه، فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا بتلك القبضة فولوا مدبرين فهزمهم الله عز وجل، وقسم رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم غنائمهم بين المسلمين» .

نبع الماء من بين أصابع النبي وتواتر هذه المعجزة العظيمة

وإذا كانت حياة القلوب والأرواح نبعت من رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، كذلك نبع الماء الذي هو سبب حياة الأبدان من بين أصابعه الشريفة صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:

« كنا نعد الآيات بركة، وأنتم تعدونها تخويفا، كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في سفر فقل الماء، فقال: اطلبوا فضلة ماء، فجاءوا بإناء فيه ماء قليل، فأدخل يده في الإناء، ثم قال: حي على الطهور المبارك والبركة من الله. قال: فلقد رأيت الماء ينبغ من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم » .

قال الإمام القرطبي رحمه الله: قصة نبع الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تكررت منه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في عدة مواطن، في مشاهد عظيمة، ووردت من طرق كثيرة، يفيد مجموعها العلم القطعي المستفاد من المتواتر المعنوي، ولم يسمع بمثل هذه المعجزة من غير نبينا صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم؛ حيث نبع الماء من بين عظمه وعصبه ولحمه ودمه.

تكثير العجين والطعام في الخندق ببركة النبي في بيت جابر

واستجاب العجين والطعام لبصقه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وكثر كما أراد له صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وهذا تواتر في أزمنة مختلفة وفي أماكن مختلفة داخل المدينة وخارجها، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال:

« لما حفر الخندق، ورأيت بالنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم خمصا شديدا فانكفيت إلى امرأتي فقلت: هل عندك شيء من شعير ؟ ولنا بهيمة داجن فذبحتها، وطحنت الشعير، ففرغت إلى فراغي، وقطعتها في برمتها، ثم وليت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فقالت: لا تفضحني برسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وبمن معه، فجئته فساررته، فقلت: يا رسول الله، ذبحنا بهيمة لنا، وطحنا صاعا من شعير كان عندنا، فتعال أنت ونفر معك. فصاح النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: « يا أهل الخندق، إن جابرا قد صنع سورا، فحي هلا بكم. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: لا تنزلن برمتكم، ولا تخبزن عجينكم حتى أجيء. قال: فجئت وجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يقدم الناس، حتى جاءت امرأتي، فقالت: بك وبك. فقلت: قد فعلت الذي قلت. فأخرجت له عجينا فبصق فيه وبارك، ثم عمد إلى برمتنا فبصق وبارك، ثم قال: ادع خابزة فلتخبز معك، واقدحي من برمتكم ولا تنزلوها. وهم ألف. فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه، وانحرفوا، وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو » .

تفتت صخرة الخندق بضربة النبي وتحولها كثيبًا أهيل

وقد استجاب الحجر لضربته الشريفة صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يوم الخندق، ولم يعص حبيبه المصطفي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فصار له رملا متفتتا، وقد عجز أصاحبه أن يفتتوا منه جزءًا يسيرًا، فعن أيمن المخزومي رحمه الله قال:

« أتيت جابرا رضي الله عنه فقال: إنا يوم الخندق نحفر، فعرضت كدية شديدة، فجاءوا النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق، فقال: أنا نزال ثم قال، وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا، فأخذ النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم المعول، فضرب في الكدية فعاد كثيبًا أهيل ـ أو أهيم» .

نطق الشاة المسمومة لتحذير النبي من السم وحفظ الله له

ونطقت الشاة بعد ذبحها وشيها محبة للنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وخوفًا عليه، بإذن ربها معجزة له صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فأخبرته أنها مسمومة، فأمر النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أصحابه برفع أيديهم عنها، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه:

« أن امرأة يهودية أتت رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، فسألها عن ذلك فقالت: أردت لأقتلك. قال: ما كان الله ليسلطك علي » .

وفي حديث جابر رضي الله عنه عند أبي داود:

« قال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: ارفعوا أيديكم، وأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم إلى اليهودية، فدعاها. فقال لها: أسممت هذه الشاة ؟ قالت اليهودية: من أخبرك ؟ قال: « أخبرتني هذه في يدي » للذراع.

تأدب الوحش في بيت النبي وقصة الأسد مع سفينة مولاه

وكانت الحيوانات تتأدب في حشرة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم محبته له وخوفا على راحته، فعن عائشة رضي الله عنها قالت:

« كان لآل رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وحش: فإذا خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لعب واشتد، وأقبل وأدبر، فإذا أحس برسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قد دخل، ربض فلم يترمرم، ما دام رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في البيت كراهية أن يؤذيه » .

كما كانت الحيوانات تجل ذكره، وتهابه وتحبه حتى في عدم حضرته، فعن سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم قال ركبت البحر، فانكسرت سفينتي التي كنت فيها، فركبت لوحًا من ألواحها، فطرحني اللوح في أجمة فيها الأسد. فأقبل إلى يريدني. فقلت: يا أبا الحارث، أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. فطأطأ رأسه وأقبل إلي، فدفعني بمنكبه حتى أخرجني من الأجمة، ووقفني على الطريق، ثم همهم، فظننت أنه يودعني. فكان ذلك آخر عهدي به » .

سجود الجمل لرسول الله وبيان تحريم السجود للبشر

كما سجد له صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم الحجر والشجر محبة وإجلالا وتحية، كذلك سجد الحيوان، وهذا ما كان من جمل قصته في السنة النبوية متواترة تفيد العلم القطعي، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:

«كان أهل بيت من الأنصار لهم جمل يسنون عليه، وأنه استصعب علينا ومنعنا ظهره، وقد عطش الزرع والنخل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لأصحابه: قوموا. فقاموا فدخل الحائط، والجمل في ناحيته، فمشى النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم نحوه، فقالت الأنصار: يا رسول الله قد صار مثل الكلب الكلب، نخاف عليك صولته، قال: ليس علي منه بأس. فلما نظر الجمل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أقبل نحوه، حتى خر ساجدا بين يديه، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بناصيته أذل ما كانت قط، حتى أدخله في العمل.

فقال له أصحابه: يا رسول الله، هذا بهيمة لا يعقل يسجد لك، ونحن نعقل فنحن أحق أن نسجد لك، قال: « لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها » .

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الآية القرآنية التي تدل على تسبيح جميع الكائنات لله؟

﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ﴾

من طلب من النبي آية فأراهم انشقاق القمر؟

أهل مكة

ما الذي اختاره جذع النخلة حين خيّره النبي؟

أن يكون شجرة في الجنة

ما الذي قاله الراهب بحيرا دليلًا على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم؟

لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجدًا ولا يسجد إلا لنبي

ما الذي حدث للمدينة يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وفق رواية أنس؟

أظلم من المدينة كل شيء

كم عدد الأصنام التي كانت حول الكعبة يوم فتح مكة؟

ثلاثمائة وستون صنمًا

ما الذي قاله النبي حين ضرب جبل أحد برجله لما اهتز؟

اثبت أحد فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيدان

من روى معجزة نبع الماء من بين أصابع النبي؟

عبد الله بن مسعود رضي الله عنه

ما الحكم الشرعي الذي بيّنه النبي حين سجد له الجمل؟

لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر

ما الذي فعله الأسد حين قال له سفينة مولى رسول الله إنه مولى النبي؟

طأطأ رأسه ودفعه بمنكبه حتى أخرجه من الأجمة

ما الذي قاله النبي حين رمى التراب في وجوه الكفار يوم حنين؟

شاهت الوجوه

ما الآية القرآنية التي تلاها النبي حين سقطت الأصنام يوم فتح مكة؟

﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾

كم عدد الذين أكلوا من طعام جابر يوم الخندق ببركة النبي؟

ألف رجل

ما الذي قالته الشاة المسمومة للنبي وفق رواية أبي داود؟

أخبرته أنها مسمومة حين سألها

ما الذي حدث للحصى حين دُفعت إلى سائر الصحابة غير عمر وعثمان؟

لم تسبح مع أحد منهم

ما الحديث النبوي الذي يثبت أن كل شيء بين السماء والأرض يعلم برسالة النبي؟

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنه ليس شيء بين السماء والأرض إلا يعلم أني رسول الله إلا عاصي الجن والإنس».

ما الحجر الذي ذكره النبي وكان يسلم عليه قبل البعثة؟

قال النبي: «إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن»، وهو حجر بمكة المكرمة.

ما الآية القرآنية التي تذكر معجزة انشقاق القمر؟

قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ﴾ في سورة القمر.

ما الذي قاله النبي لأصحابه حين انشق القمر؟

قال النبي لأصحابه: «اشهدوا، اشهدوا»، وهو حديث أخرجه البخاري والطبراني.

ما الذي حدث للسحاب حين أشار النبي بيده ليتفرق عن المدينة؟

تفرق السحاب بإشارة يده حتى صارت المدينة مثل الجوبة وسال وادي قناة شهرًا، ولم يأتِ أحد من ناحية إلا حدّث بالجود.

ما الذي قاله النبي حين ضم جذع النخلة إلى صدره وهدأ؟

قال النبي: «والذي نفسي بيده لو لم التزمه لبقي يحن إلى قيام الساعة شوقًا إلى رسول الله».

ما الذي قاله الرجل من بني عامر بعد أن رأى العذق يسجد للنبي؟

قال: «والله لا أكذبك بشيء تقوله بعدها أبدًا».

ما الذي فعله النبي حين أخبرته الشاة بأنها مسمومة؟

أمر النبي أصحابه برفع أيديهم عن الشاة، ثم استدعى المرأة اليهودية وسألها فاعترفت.

ما الذي قاله النبي للمرأة اليهودية التي سمّت الشاة؟

قال لها النبي: «ما كان الله ليسلطك علي».

ما الذي قاله النبي حين سجد له الجمل وطلب الصحابة السجود له؟

قال: «لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها».

ما الذي قاله الإمام القرطبي عن معجزة نبع الماء من أصابع النبي؟

قال إنها تكررت في عدة مواطن وجاءت من طرق كثيرة تفيد العلم القطعي المتواتر، ولم يُسمع بمثلها من غير النبي صلى الله عليه وسلم.

ما الذي كان يفعله الوحش في بيت النبي حين يدخل النبي؟

كان يربض ولا يتحرك ما دام النبي في البيت كراهية أن يؤذيه، بينما كان يلعب ويشتد في غيابه.

ما الذي حدث لصخرة الخندق الشديدة حين ضربها النبي بالمعول؟

عادت كثيبًا أهيل أي رملًا متفتتًا، بعد أن عجز الصحابة عن كسر جزء يسير منها.

ما الذي فعلته الشجرة السمرة حين دعاها النبي لتشهد للأعرابي؟

أقبلت تخد الأرض حتى وقفت بين يدي النبي، فاستشهدها ثلاثًا فشهدت أنه كما قال، ثم رجعت إلى منبتها.

ما الذي قاله النبي حين أخبره يعلى بن مرة بأن شجرة جاءت وغشيته أثناء نومه؟

قال: «هي شجرة استأذنت ربها عز وجل أن تسلم علي فأذن لها».

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!