ما معنى لا إكراه في الدين وكيف يبني الإسلام منهج الحوار مع الآخر؟
مبدأ «لا إكراه في الدين» يعني أن الإسلام دين بيان وتبليغ لا إجبار، وأن الهداية بيد الله وحده. منهج الحوار في الإسلام مبني على البحث عن الأرضية المشتركة مع الآخر، وإزالة سوء الفهم، والتعاون على أساس الإيمان بالله وحسن الجوار، لا على فرض العقيدة أو الجدل الديني.
- •
هل يتعارض الحوار مع الآخر مع ثوابت الإسلام، أم أنه مبدأ قرآني راسخ منذ أصل الخلق؟
- •
الإسلام دين خاتم وعالمي، وقد خُص القرآن الكريم بالحفظ والإعجاز ليتجاوز الزمان والمكان ويخاطب العالمين.
- •
منهج الدعوة قائم على البلاغ والبيان دون انتظار النتائج، إذ الهداية بيد الله وحده لا بيد الداعية.
- •
مبدأ «لا إكراه في الدين» يؤسس للتعايش مع الخلق والالتزام بمنهج الحوار بعيدًا عن الإكراه أو الصد عن سبيل الله.
- •
الحوار في الإسلام يختلف عن الجدل الديني؛ هدفه البحث عن الأرضية المشتركة والتعاون على الإيمان بالله وحسن الجوار.
- •
التاريخ الإسلامي يؤكد أن الإسلام انتشر بالأسوة الحسنة والبيان، وأن الأمة قادرة على الخروج من كبوتها الحضارية بمنهج الحوار.
- 1
الإسلام دين خاتم عالمي، وقد خص الله القرآن الكريم بالحفظ والإعجاز ليكون معجزة الرسالة الخالدة المتجاوزة للزمان والمكان.
- 2
منهج الدعوة الإسلامية قائم على البيان والتبليغ دون انتظار النتائج، إذ الهداية بيد الله وحده وليست بيد الداعية.
- 3
مبدأ لا إكراه في الدين يؤسس للتعايش مع الخلق، والناس سواسية عند الله وإنما الفضل بالتقوى لا بالجنس أو القوم.
- 4
انتشر الإسلام بالأسوة الحسنة والبيان، والحوار نوع من الجهاد في سبيل الله بمعناه الروحي الشامل للبيان والتبليغ.
- 5
الحوار مبدأ قرآني أصيل يظهر في حوار الملائكة مع الله عند خلق الإنسان، وأساسه الاستكشاف وطلب البيان وتوحيد المصطلحات.
- 6
هدف الحوار إيجاد أرضية مشتركة في التراث الإبراهيمي والتعاون على الإيمان بالله وحسن الجوار، لا فرض العقيدة على الآخر.
- 7
قصة حوار الملائكة مع الله تعلمنا أن السؤال مفتاح الحوار، وأن الله أجاز الاستفهام وأجاب بالمثال تأسيسًا لمنهج الحوار.
- 8
رد الله على استغراب الملائكة بتعليم آدم الأسماء كلها دليلًا على علمه الشامل، ثم أمر بالسجود لآدم فسجدوا إلا إبليس.
- 9
القرآن الكريم يزخر بالحوارات على مستويات متعددة، مما يجعل الحوار صفة أصيلة في المسلم المؤمن بعالمية الإسلام وختمه.
- 10
حوارات النبي ﷺ مع الأقوام والملوك كنز يحدد أسس الحوار، وفي عالم القرية الكونية لا مكان للعزلة بل للتعايش والحوار.
- 11
الحوار يختلف عن الجدل الديني في الهدف والمكان؛ فهدفه البحث عن المشترك والتعاون، والإسلام يعرض الحق دون إكراه.
- 12
الصابئة طائفة قرآنية تتطهر بالماء، والإسلام واضح لا يخفي شيئًا، لكنه يميز بين مقام الحوار التعاوني ومقام الجدل الأكاديمي.
- 13
تاريخ المسلمين المشرف وقدرتهم على الخروج من الكبوات الحضارية يؤكد ضرورة منهج الحوار المنطلق من عالمية الرسالة ونسقها المفتوح.
ما معنى عالمية الإسلام وكيف ترتبط بختم النبوة والقرآن الكريم؟
الإسلام دين خاتم عالمي، بعث الله نبيه محمدًا ﷺ للناس كافة لا لقوم بعينهم. ولأن الرسالة عالمية خاطبت كل زمان ومكان، خص الله القرآن الكريم بالحفظ والإعجاز ليكون معجزة الرسالة الخالدة. وبذلك تجاوز الإسلام حدود الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، وأصبح نسقًا مفتوحًا يستطيع كل أحد في الأرض أن يؤمن به.
ما منهج الإسلام في الدعوة وهل على الداعية انتظار نتائج دعوته؟
منهج الإسلام في الدعوة هو البلاغ والبيان دون انتظار النتائج؛ فما على الرسول إلا البلاغ، والهداية بيد الله وحده. الداعية يقوم بواجبه ثم يترك الأمر لله، فإن جاءت الثمار حمد الله، وإن لم تأت فهو لا يعبد النتائج بل يعبد رب النتائج. وقد تكون الكلمة سببًا في هداية أقوام بعد عشرات السنين.
ما دلالة لا إكراه في الدين وكيف يؤسس للتعايش مع الآخر؟
مبدأ «لا إكراه في الدين» يعني أن الإسلام يلتزم بمنهج التعايش مع الخلق، وأن الأمر في قبول الدين أو رفضه مرده إلى الله في الآخرة. القرآن يعلم الإنصاف ويهاجم الأفعال لا الأقوام، والناس جميعًا سواسية وإنما الفضل بالتقوى. ومن هذا المنطلق لا يُهاجَم أحد بسبب دينه أو جنسه، بل يُنكر الفعل الخارج عن منهج الله.
كيف انتشر الإسلام تاريخيًا وما علاقة الحوار بالجهاد في سبيل الله؟
انتشر الإسلام بوسائط الحياة والأسوة الحسنة لا بالإكراه، وقد جعل الله المسلمين أمة وسطًا شهداء على الناس. الحوار نوع من أنواع الجهاد في سبيل الله بمعناه الروحي الشامل للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والبيان والتبليغ. ومنهج بناء مفهوم الحوار يستلزم الرجوع إلى الكتاب والسنة والتجربة التاريخية.
هل الحوار مبدأ قرآني أصيل وكيف يظهر في قصة خلق الإنسان؟
الحوار مبدأ قرآني راسخ يظهر منذ أصل الخلق؛ إذ حاورت الملائكة ربها عند إعلانه خلق الإنسان خليفة في الأرض. أساس الحوار هو الاستكشاف وطلب البيان والفهم، وهو يذيب جبال الثلج بين الأطراف. وقد أشار ابن حزم إلى أن توحيد المصطلحات وحده كفيل بإنهاء ثلاثة أرباع اختلاف أهل الأرض.
ما الهدف الحقيقي من الحوار مع الآخر وما الأرضية المشتركة التي يقوم عليها؟
الحوار ليس خداعًا للآخر ولا فرضًا للعقيدة عليه، بل هو محاولة لإيجاد أرضية مشتركة راسخة الجذور في التراث الإبراهيمي المشترك. هدفه القضاء على الشكوك المتبادلة والاطلاع على رأي الآخر اطلاعًا حقيقيًا، ثم التعاون فيما اتُّفق عليه تحت أساسين: الإيمان بالله وحسن الجوار. والمشترك العظيم الجامع هو حب الله وحسن الجوار.
ماذا تعلمنا قصة حوار الملائكة مع الله حول أسس الحوار المشروع؟
قصة حوار الملائكة مع الله عند إعلان خلق الإنسان تعلمنا أن السؤال هو مفتاح الحوار، وأن الله سمح لمخلوقاته بالاستفهام وأجاب بالمثال. هذا يؤسس لمبدأ أن الحوار الحقيقي يقوم على طلب الفهم لا على الرفض المسبق. والله بذلك يربي الملائكة ويعلمنا نحن كيف نضع أسس الحوار.
كيف رد الله على استغراب الملائكة من خلق الإنسان وما دلالة تعليم آدم الأسماء؟
استغربت الملائكة من خلق كائن يفسد في الأرض ويسفك الدماء بينما هم يسبحون بحمد الله ولا يعصونه. فرد الله بأنه يعلم ما لا يعلمون، ثم علّم آدم الأسماء كلها وعرضها على الملائكة فعجزوا، فأنبأهم آدم بها. وبعد ذلك أمر الله الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين.
كيف يظهر الحوار في القرآن الكريم وما علاقته بصفة المسلم الحق؟
القرآن الكريم مليء بالحوارات: بين الله وملائكته، وبين الله وإبليس، وبين الله وآدم وزوجته، وبين الأنبياء وأقوامهم، وبين أهل الجنة وأهل النار. وأساس الحوار هو الاستبيان والاستفهام، وقد أجاب الله الملائكة ولم يحرمهم من السؤال. والحوار صفة من صفات المسلم الذي يؤمن بأن الإسلام دين عالمي خاتم بنسق مفتوح.
ما الدروس المستفادة من حوارات النبي ﷺ مع الأقوام والملوك في ظل عالم القرية الكونية؟
حوارات النبي ﷺ مع أهل مكة والطائف واليهود في المدينة وصلح الحديبية والوفود والملوك تمثل كنزًا يحدد أسس الحوار مع الآخرين. وفي عالم اليوم الذي أصبح قرية صغيرة برفع الحدود عبر الاتصالات والتقنيات، لم يعد ممكنًا العزلة والانعزال. ولأن الإسلام دين بيان وخاتم وعالمي، فلا بد من الحوار ووضع أسسه كما أرادها الله.
ما الفرق بين الحوار والجدل الديني وكيف يتعامل الإسلام مع أتباع الأديان الأخرى؟
الحوار يختلف جوهريًا عن الجدل الديني؛ فالجدل الديني مكانه الأكاديميات والجامعات، أما الحوار فهدفه البحث عن المشترك والتعاون لا إلزام الآخر بتغيير دينه. الإسلام دين واضح ليس فيه أسرار ولا ما يُخفى، ويعرض الحق دون إكراه وفق مبدأ «لا إكراه في الدين». والنبي ﷺ وسّع الأمر حتى مع المجوس فقال: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب».
من هم الصابئة وما موقف الإسلام منهم ومن الجدل الديني داخل إطار الحوار؟
الصابئة طائفة من أتباع يحيى عليه السلام ذكرهم القرآن مع اليهود والنصارى، وكلمتهم مأخوذة من الصبغ لأنهم يتطهرون بالماء في الأنهار. الإسلام ليس فيه ما يُخفى أو يُخجل منه، لكنه لا يدعو إلى الجدل الديني في مقام الحوار بل يضع له مكانًا آخر هو الأكاديميات. الحوار مقامه البحث عن المشترك والتعاون لا المناظرة العقدية.
كيف يؤكد تاريخ المسلمين وكبوتهم الحضارية ضرورة منهج الحوار؟
تاريخ المسلمين تاريخ ناصع مشرف استطاع الخروج من الكبوات الحضارية المتكررة كالمغول والحروب الصليبية، ثم النهوض عبر الدولة العثمانية. هذا التاريخ يؤكد أن المسلمين قادرون على إعادة صياغة أنفسهم من جديد. ومن مبادئ الكتاب والسنة ودراسة هذا التاريخ معًا تتأكد ضرورة منهج الحوار في ظل عالمية الرسالة ونسقها المفتوح.
لا إكراه في الدين مبدأ قرآني يجعل الحوار مع الآخر واجبًا إسلاميًا قائمًا على البيان والبحث عن المشترك.
لا إكراه في الدين ليس مجرد آية قرآنية بل هو الأساس الذي يقوم عليه منهج الحوار الإسلامي بأكمله؛ فالإسلام دين عالمي خاتم، ومهمة المسلم هي البلاغ والبيان لا الإجبار، والهداية بيد الله وحده كما قال تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾.
الحوار في الإسلام مستمد من القرآن الكريم ذاته؛ إذ حاورت الملائكة ربها عند خلق الإنسان، وامتلأ القرآن بحوارات الأنبياء مع أقوامهم. وهو يختلف جوهريًا عن الجدل الديني؛ فهدفه البحث عن الأرضية المشتركة في التراث الإبراهيمي، وإزالة الشكوك المتبادلة، والتعاون على أساس الإيمان بالله وحسن الجوار في عالم أصبح قرية واحدة.
أبرز ما تستفيد منه
- لا إكراه في الدين يعني أن الدعوة بيان لا إجبار والهداية بيد الله.
- الحوار مبدأ قرآني بدأ من خلق الإنسان وحوار الملائكة مع الله.
- هدف الحوار البحث عن المشترك والتعاون لا تغيير دين الآخر.
- الحوار يختلف عن الجدل الديني الذي مكانه الأكاديميات لا مؤتمرات التعاون.
ختم النبوة وعالمية رسالة الإسلام ومعجزته الخالدة
الإسلام دينٌ خاتم، وقد ختم الله سبحانه وتعالى بنَبِيّـِهِ صلى الله عليه وآله وسلم النبوات والرسالات، وهـذه الخاصيـة مناسـبةٌ لقضيـة «عَالَمِيَّـة الْإسْـلَام»؛ فالإسـلام ديــنٌ عـالمـيٌّ، يقول الله تعالى:
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةًۭ لِّلنَّاسِ بَشِيرًۭا وَنَذِيرًۭا﴾ [سبأ: 28]
ويقول النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم:
«وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمـِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّـةً»(1).
إذن، فنحن نؤمن أنَّ الإسلام دينٌ خَاتَم، فليس هناك نَبِيٌّ ولا رَسُول بعد سيدنا رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم، ونؤمـن أنَّـه ديـنٌ قد خاطب العالمين؛ ومن أجل ذلك اختص الله سبحانه وتعالى القرآن بالحفظ «فهو محفوظ إلى يوم الدين»، واختصه بالإعجاز «فهو إعجاز رسالة».
وكُلُّ نَبِيٍّ أتى بمعجزة إنَّما هي معجزة رَسُول، يراها قومه ولا يراها سواهم، لكن مُـحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم أتى بمعجزة الرِّسَالة وبمعجزة الرَّسُول. أما معجزة الرَّسُول فقد عدُّوا له ألف معجزة(2) مما ورد إلينا من معجزاته صلى الله عليه وآله وسلم، شاهدها الناس، وعلى مثلها آمن الخلق، ثم أتى زيادةً على ذلك بمعجزة الرِّسَالة «وهي الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ»؛ من أجل أن يتجاوز بالإسلام «الزمانَ» و«المكانَ» و«الأشخاصَ» و«الأحوالَ»، وأن يكون نَسَقًا مفتوحًا، وأن يكون رسالةً للعالمين يستطيع كل أحدٍ في الأرض أن يؤمن بها، وأن يدخل الناس في دين الله أفواجًا، وهذا الذي قد تمَّ فعلًا بفضل الله.
منهج البلاغ والبيان وترك النتائج لله في الدعوة
من هذا المبدأ ومن هذا المنطلق، ومن إيماننا بختمية الرسالة وبعالميتها، وبأنَّها نَسَقٌ مفتوح، وبأنَّه ينبغي علينا ألَّا نكون حجابـًا بين الخلق والخالق، وألَّا نصد عن سبيل الله بغير علم -بَنَـيْنا مفهوم «الْحِوَار»؛ فنحن نفتح أيدينا وقلوبنا من أجل البيان، ونحن لا نرد على كل أحد -وهذا منهجٌ من مناهجنا- لأنَّ الرد على كل شبهةٍ وكل هجومٍ وكل افتراءٍ يُخرجنا عن المقصود، ولأنَّ الله -سبحانه وتعالى- قال لنبيـه:
﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 21، 22]
فما علينا إلَّا أن نَمْتَـثِل، وأن نُذكِّر، ونعلم أنَّه
﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَٰغُ ۗ﴾ [المائدة: 99]
نعلم أنَّنا نقول كلمة ثم نتركها بعد ذلك تسعى في العالمين، قد يؤمن بها أحدهم بعد عشرات السنين، وقد تكون ســبـبًا في هداية أقوامٍ بعد ذلك؛ فنحن لا نعبد إلَّا الله، ولا ننتظر النتائج من الأعمال؛ إذا أتت فرحنا بها فرح الـمُمْتَنِّ لربه والشاكر له، وإذا لم تأت فنحن لسنا في انتظارها؛ لأنَّنا نقوم بواجبنا دون أن ننتظر النتائج، ولا نعبد النتائج بل نعبد رب النتائج سبحانه وتعالى، هو فعَّال لما يريد، يهدي من يشاء ويضل من يشاء:
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ﴾ [القصص: 56]
منهج القرآن هكذا:
﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 137]
فالله سبحانه وتعالى سيكفي الداعيةَ الذي قال له النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم:
«بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيـَـةً»(1).
الإنصاف والمساواة بين البشر ورفض الهجوم الشخصي
عندما هُوجم النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم ووصفوه بأنَّه كذَّاب أو بأنَّه مجنون أو كذا... إلخ؛ أمره ربُّه بألَّا يلتفت إلى هؤلاء، وألَّا يرد عليهم؛ فنحن أيضًا -اقتداء بالنَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم- لا نرد على كل من هاجم أو افترى أو اشتبه عليه أو شكَّك، وكذلك نحن لا نُهاجم أحدًا من الناس؛ بل إنَّنا ننكر تلك السلوكيات والأفعال الخارجة عن منهج الله؛ فالقــرآن يُعَلِّمنا الإنصاف، ويصف الواقع بدقة، ويهاجم الأفعال والصفات لا الأقوام والأجناس؛ بل إنَّ الناس جميعًا عنده سبحانه وتعالى سواسية، متساوون من حيث أصلهم؛ إنَّما الفضل بالتقوى، قال تعالى:
﴿وَجَعَلْنَٰكُمْ شُعُوبًۭا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓا۟ ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ﴾ [الحجرات: 13]
وبين رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم هذا المعنى حين قال:
«أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ, وَلَا لِأَحْـمَـرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْـمَرَ؛ إِلَّا بِتَــقْوَى اللهِ»(1)
وكما جاء في الحديث النَّـبَوِيِّ الشريف:
«النَّاسُ كَأَسْنَانِ الْمُشْطِ»(2).
كل هذا دعانا إلى أن يكون منهجنا هو «البيان»، وأن نكونَ -من أجل ختمية وعالمية الإسلام، ومن أجل أنَّه نسق مفتوح، ومن أجل عدم الصد عن سبيل الله- ملتزمين بمنهج التعايش مع الخلق، مؤمنين بأنَّه
﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ ۖ﴾ [البقرة: 256]
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]
﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ﴾
وأنَّ الأمر مَرَده إلى الله في الآخرة:
﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلظَّٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا۟ يُغَاثُوا۟ بِمَآءٍۢ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِى ٱلْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: 29]. إذن، الأمر ليس بيدنا، إنَّما الأمر بيد الله.
بناء مفهوم الحوار وانتشار الإسلام بالأسوة الحسنة
ومن هذه النصوص وغيرها بنينا «مَفْهُومَ الْحِوَارِ»؛ لأنَّنا عندما نريد أن نبني مفهومًا ما ينبغي علينا أن نرجع إلى الكتاب وإلى السُّنَّة، وأن نستأنس بالتَّجْرِبة التَّارِيـخِيَّة؛ فلننظر مثلًا: كيف انتشر الإسلام؟ لقد انتشر الإسلام بوسائط الحياة، وبوسائط الأسوة الحسنة:
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَٰكُمْ أُمَّةًۭ وَسَطًۭا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًۭا ۗ﴾ [البقرة: 143]
﴿وَجَٰهِدُوا۟ فِى ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦ ۚ هُوَ ٱجْتَبَىٰكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍۢ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَٰهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا۟ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ ۚ فَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعْتَصِمُوا۟ بِٱللَّهِ هُوَ مَوْلَىٰكُمْ ۖ فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ﴾ [الحج: 78].
﴿وَجَٰهِدُوا۟ فِى ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾، والْحِوَارُ نوعٌ من أنواع الجهاد في سبيل الله؛ لأنَّ الجهاد في سبيل الله له معنًى روحي يشمل دائرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويشمل البيان والتبليغ، ويشمل «كَلِمَة حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِـرٍ»(1)، ويشمل فريضة الحج للصغير وللمرأة وللشيخ ولغير القادر في جسده أو في ماله؛ فإنَّ فريضة الحج تُعَدُّ جهادًا بالنسبة لهم، ويشمل الجهاد بمعنى القتال في سبيل الله، وله شروطه التي وضحها القرآن: ﴿وَقَٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾
وليس في سبيل أي شيءٍ آخر من الدنيا،
﴿ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]
فحين نرجع إلى القرآن نجد أنَّ المفاهيم مُؤصَّلة. وهذا أيضًا منهج من مناهجنا: أنَّنا دائمًا «مقيدون بالكتاب والسُّنَّة»، وأنَّنا نذهب فنبحث فيهما عن أصول أيِّ مسألة.
الحوار في أصل الخلق وحوار الملائكة مع ربهم
فإذا ما رجعنا إلى الكتاب والسُّنَّـة، وبحثنا فيهما عن قضية «الْحِوَار»، وهل أمرنا ربُّنا به، وعلَّمنا إياه، وذكره لنا؛ أم أنَّنا قد استحدثناه أو ابتدعناه؟ لوجدنا أمرًا غريبًا غايةً في الغرابة، فإنَّ القـرآن الكريم يكاد يذكر حتى في أصل الخلق: أنَّ الأمر في هذا الكون -كما أراده الله- مبنيٌّ على الحوار؛ فنجد أنَّ الملأ الأعلى في الحضرة القدسية، وعندما يأمرهم ربهم -وهم الذين جُبِلُوا على الطاعة- يحاورون الله سبحانه وتعالى.
والْحِوَارُ فيـه نوعٌ من أنواع الاستكشاف، فيه نوعٌ من أنواع طلب البيان، وهذا أساسٌ أول من أسس الحوار: وهو أنَّني عندما أجلس مع الآخر أريد أن أكتشف، أريد أن أبحث عن المشترك، أريد أن أصحح بعض الصور القائمة في ذهني؛ وتلك الصور إما أنَّها أتت من التاريخ وتراكماته بأحداثه، وإما أنَّها أتت من اطِّلاعي على كتب غيرنا من الذين ينتقدونه وينقضونه، وإما أنَّها أتت من أيِّ سببٍ آخر؛ فلذلك كلِّه أريد أن أعلمَ الحقيقة، وبذلك الحوار تتكشف الحقائقُ، وعندما أقوم بالاستماع يذوب كثيرٌ من جبل الثلج الذي بيني وبينه، عندما نوحد اللُّغة والمصطلحات يذوب كثيرٌ جدًّا من الاختلاف؛ حتى قال ابن حزم: إنَّه إذا ما ضُبطت المصطلحاتُ واتُّفِقَ عليها؛ فإنَّ ثلاثة أرباع اختلاف أهل الأرض سينتهي، وسنكتشف أنَّ المساحة التي بيننا وبين الآخر -في حالة الاتفاق والاشتراك- أوسع بكثير جدًّا من مساحة الاختلاف.
أهداف الحوار مع الآخر والإيمان بالمشترك الإبراهيمي
والْحِوَارُ ليس خِدَاعًا للآخر، أو فَرْضًا للعقيدة الإسلامية عليه، أو التدني بمستوى أدياننا إلى الوحدة المصطنعة؛ وإنَّما هي محاولة لإيجاد أرضية مشتركة -وهي بالفعـل موجودة، وراسخة الجذور في التراث الإبراهيمي المُشْتَـرَك-؛ وذلك للقضاء على الشكوك المتبادلة فيما بيننا؛ فنحن لا نبتغي بالحوار أن نُغيِّر رأيَ الآخر، وإنَّما نريـد أن نطَّلع على رأيـه اطلاعًا حقيقيًّا منه، ثم بعد ذلك نبحث عن المشترك، ثم بعد ذلك نتعاون فيما اتفقنا عليه تحت أساسين كبيرين: «الْإيمَان بِالله»، و«حُسْن الْجِوَار»؛ والنَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم يقول:
«مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِيـنِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنـَّـهُ سَيُوَرِّثـُـهُ»(1)
فالمشترك العظيم الذي يجمعنا: هو «حُب الله» و«حُسْن الْجِوَار».
حوار الملائكة حول الخلافة وتعليم أسس السؤال المشروع
إذن، لا بد علينا أن نؤسِّس لهذا الحوار، وقد بدأ هذا التأسيس بما فعلتْه الملائكةُ مع ربنا سبحانه وتعالى، فيحكي لنا القرآن ذلك؛ إذ يقول الله تعالى:
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌۭ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةًۭ ۖ قَالُوٓا۟ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ﴾ [البقرة: 30]
إذن، هناك سؤال من الملائكة، وعندما يحكي الله لنا هذا من عالم الغيب ومن المـلأ الأعلى، حاشاه أن يكون ذلك عبثًا؛ لكنه يعلمنا -نحن- كيف نضع الأسس التي بها يكون الحوار، وأنَّ السؤال هو مِفْتَاح هذا الحوار، وأنَّ الله -سبحانه وتعالى، وجلَّ جلالُه- مع هذه المخلوقات التي خُلقت من نور
﴿لَّا يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6]
قد سمح لهم بالسؤال، وأجاب لهم بالمثال، وكأنَّه يربيهم؛ فهو رب العالمين سبحانه وتعالى.
استغراب الملائكة من خلق الإنسان وقصة تعليم الأسماء وسجودهم
وهذا الاستغراب الذي وقع من الملائكة هو: كيف أنَّ الله يجعل في الأرض من يفسد فيها ويسفك الدماء؛ نعم قد يعبد، لكن بعضهم يعبدون وبعضهم يعصون، بعضهم يؤمنون وبعضهم يكفرون، ونحن هنا في المـلأ الأعلى يا ربَّنا، نسبح بحمدك ونقدس لك، ونؤمـن بك ونعبُدُك على كل حال، ولا نعصيك أبدًا، فلِمَ تخلق خلقًا منهم العاصي ومنهم الطائع، منهم المؤمن ومنهم الكافر؟! ما حكمة هذا؟!
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: 30-33]
وبعد ذلك أمرهم أن يسـجدوا لآدم
﴿فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 34].
الحوار كاستبيان واستفهام وحضوره في قصص القرآن
إذن، يُعَلِّمنا ربنا -سبحانه وتعالى- أنَّ حوارًا ما قد دار بين الملائكة وبين رب العزة سـبحانه، وأنَّ الْحِـوَارَ أساسه: الاستبيان -وهو طلب البيان-، وأساسه: الاستفهام -وهو طلب الفَهْم-، وأنَّـه سبحانه وتعالى لم يحرم الملائكة من هذا الاستفهام، كما أنَّه لم يحرمهم من الإجابة.
بعـد ذلك رأينا حـوارًا طويلًا بين إبليس العاصي الآبي المستكبر وبين الله سبحانه وتعالى.
وإذا تتبَّعنا الكتاب الكريم؛ لوجدنا كلامًا طويلًا في الْحِوَار بين الله وملائكته، وبين الله وإبليس، وبين الله وآدم وزوجته، وبين الله وأنبيائه، وبين الأنبياء وأقوامهم، وبين أهل الجنة وأهل النار؛ فعرفنا من ذلك أنَّ الأمر قائمٌ على الْحِوَار، وأنَّنا تعلمناه من خـلال قراءتنا للقـرآن الكريم، وأنَّ الْحِوَارَ صفـةٌ من صفات المسلم الذي يزعـم -عن حق ويقين- أنَّ الإسلام دينٌ ارتضاه الله لكل العالمين، وأنَّ الإسلام دينٌ بنسقٍ مفتوح، وأنَّ الإسلام دين خاتم لا دين بعده. وإذا كان الأمر كذلك؛ فلا بد عليه من أن يضع هذا الحوار نُصب عينيه.
حوارات النبي مع الأقوام والملوك في عالم القرية الكونية
لو تأملنا الْحِوَارَ في القرآن الكريم، ثم تأملنا الْحِوَارَ الذي حدث بين النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وبين أهله في مَـكَّةَ، أو الذي دار بينه وبين أهل الطَّائِـفِ، أو بينه وبين اليهود في الْمَدِينَـة، أو الذي دار في صُلْحِ الْحُدَيْبِيَـة، أو الذي دار بينه وبين الوفود الذين جاءوا إليـه صلى الله عليه وآله وسلم، أو بينـه وبين المـلوك الذين أرسـل لهم رُسُـلَـه ورسائـلـه -لو رأينا هذه التفاوضات والحوارات؛ لعرفنا أنَّنا معنا كَنْزٌ كبيرٌ يُحدِّدُ لنا أسسَ الحوار بيننا وبين الآخرين، في ظــلِّ عالَمٍ أصبح يعيشُ في جوارٍ مسـتمرٍّ، وقد رُفعت الحدودُ عن طريق الاتصالات والمواصلات والتِّـقْنِيَّات الحديثة، وأصبح الجميعُ يتداخل في الجميع، وانسالت الأفكـارُ من كل مكـان، وأصبحنـا نعيش في عـالمٍ سُـمِّـي بالقرية الصغيرة أو القرية العالمية، أصبحنا وكل تصرف في أي مكان يؤثر في الآخرين سلبًا أو إيجابـًا؛ لذلك لم يعد هناك مكان ولا إمكانية للعزلة ولا الانعزال، لم يعد هناك إلَّا أن نعيش سويًّا على هذه الأرض في وئـام وســلام؛ فمـاذا نفعـل إزاء هـذا الواقـع، لا سيما إذا علمنا أنَّ دِينَنا دينُ بيان؟ قال تعالى:
﴿هَٰذَا بَيَانٌۭ لِّلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 138]
فهذا نصٌّ بأنَّ دينَنـا ديـنُ بيـان؛ ودينَنا خاتمٌ، ودينَنا عالميٌّ؛ مـاذا نفعـل مع كـل هذه المعطيات؟ لا بد إذن من أن نحاور، وأن نضعَ أسسَ الحـوارِ كما أرادها اللهُ سبحانه وتعالى.
تصحيح مفهوم الحوار والتمييز بينه وبين الجدل الديني
عندما بدأنا الْحِوَارَ منذ أكثر من ربع قرن وجدنا مفاهيمَ مختلفةً قائمةً في أذهان الناسِ؛ فهناك من ظنَّ أنَّ الْحِوَارَ معناه: الجدل الديني، وأنَّه يبشرني بدينه حتى أنتقلَ إليه؛ أي إنَّ هدفَ الحوار -في ذهنه- أن نجلس، ثم بعد ذلك نتناقشُ ونتحاور من أجل أن يغلبَ أحدُنا الآخر ويُغيِّـر دينَه؛ قلنا لهم: هذا مكانه في «الْأَكَادِيمِيَّـات»، وليس مكانـه في «الْمُؤْتـَـمَـرَات» التي نسعى فيها من أجـل البحـث عن المشترك، من أجل البيان، من أجل التعاون.
فنحن نريد أن نسمع حتى نصحِّحَ الصورَ، ونريد أن نزيل جبالَ الثلجِ من بيننـا، ونريـد أن نبحـث عن المشــترك، ونريــد أن نتعــاون في ســبيل عبـادةِ الله، وعِمارةِ الأرض، وتزكيةِ النفس. أما أن نتناقش ونتجادل في الأمور الدينية؛ فنحن على استعداد، ولكن ليس في هذا المقام: «مقام البحث عن المشترك، مقام التعاون»؛ ليس هذا مكان الجدل، لكن إذا ما أردتم أن نُقيم الحجج على صحة ما نعتقد، وأنَّنا ندعو على بصيرةٍ نحن وعلماؤنا؛ فتعالوا إلى الأكاديميات والجامعات، وعندنا منها كثير، وتعالوا للمناقشة إذا أردتم، إذا كان عندكم هوًى ورغبةٌ في الجدل الديني فنحن على استعداد؛ دينُنا ديـنٌ واضح، ليس عنـدنا أسـرار، وليس عندنا ما نخفيـه، ولا ما نخجل منه، نحن نعرض عليكم من غير إكراه
﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]
هذا مبدؤنا، لكن سنعرض عليكم الذي نراه أنَّه الحق، ومع هذا ومع مخالفتِكم لنا في العقيدة؛ فإنَّنا مع هذا يمكن أن نتعاونَ معكم؛ فنحن نؤمن بكل الرُّسُل، ولقد وسَّع رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم الأمرَ في ذلك -حتى لو لم نتيقن من كونهم رُسُلًا- فلما عُرض عليه شأن المجوس؛ قال:
«سُنُّوا بِهِمْ سُنَّـةَ أَهْلِ الْكِتَابِ»(1)
لأنَّ عندهم كتابـًا.
التعريف بالصابئة ووضوح الإسلام ورفض الجدل داخل إطار الحوار
وكذلك الأمر مع الصَّابِئَـة، وهم طائفةٌ قليلة من أتباع يَـحْيَـى ع، تكلم عنهم القرآن وذكرهم مع اليهود والنصارى، وإن كان أمة النصارى وأمة اليهود أكبر بكثير جدًّا من الصَّابِـئِين، وكلمة الصَّابِئَـة مأخوذة من الصبغ؛ لأنَّهم كانوا يصبغون أنفسهم بصبغة الله؛ بأن يستحموا أو يُعَمَّدوا في نهر الأردن، كما عمَّد سيدُنا يَـحْيَـى سيدَنا عِيسَى «وهو ابن خالته»؛ فالصَّابِئُون: الصابغون، ولأنَّ الغين والهمزة من مخرجٍ واحد -من الحلـق- تبادل الحرفان، والعلماء يسمون ذلك: تعاور الحـروف؛ فبعض الحروف تأتي مكان بعض؛ من أجل قربها في المخرج، وما زال الصَّابِئَـة إلى الآن على نهر الفرات، وهم دائمًا يسعون لِأَنْ يكونوا بجوار الأنهار؛ لما يلزم من تطهر مستمر عندهم.
لكن على كل حال، ليس في الإسلام ما نخفيه أو نخجل منه، وعلى الرغم من ذلك؛ فإنَّنا لا ندعو إلى الجدل الديني في الْحِوَار، وأيضًا لا نرفضه؛ إنَّما مكانه مكان آخر غير مكان الْحِوَار.
منهج الحوار في ضوء تاريخ المسلمين وكبوتهم الحضارية
فمن مبادئنا المنطلقة من فهمنا للكتاب والسُّنَّة، المنطلقة من دراستنا لتاريخ المسلمين؛ والكلام يطول جدًّا في هذا المجال «في تاريخ المسلمين»، وهو تاريخٌ ناصع مشرف ناجح، استطاع -وسيستطيع إن شاء الله- أن يخرج من كبوته الحضارية؛ لأنَّ هذه الكبوة الحضارية تكررت عنده، وعرف كيف يُعيد مرةً أخرى صياغةَ نفسه بعد المغول وما أحدثوه، بعد الحروب الصليبية وما أحدثوه، وانتشر بعد ذلك عن طريق الدولة العثمانية.
فمن تلك المبادئ المنطلقة من فهمنا للكتاب والسُّنَّة، المنطلقة من دراستنا لتاريخ المسلمين؛ كل ذلك يؤكد أنَّنا -بعالميـة الرسالة ونسقها المفتوح- لا بد لنا من منهج الْحِوَارِ.
ما شعورك تجاه هذا الفصل؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفصل؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
ما المقصود بمعجزة الرسالة في الإسلام؟
القرآن الكريم
ما الآية القرآنية التي تؤكد مبدأ لا إكراه في الدين؟
﴿لا إكراه في الدين﴾
ما الأساس الأول من أسس الحوار كما يظهر في حوار الملائكة مع الله؟
الاستكشاف وطلب البيان
ما المشترك العظيم الذي يجمع المسلمين مع الآخرين في الحوار؟
حب الله وحسن الجوار
ما الفرق الجوهري بين الحوار والجدل الديني في المنهج الإسلامي؟
الحوار يبحث عن المشترك والجدل مكانه الأكاديميات
ما الذي قاله ابن حزم عن أثر توحيد المصطلحات في الخلاف بين الناس؟
ينهي ثلاثة أرباع اختلاف أهل الأرض
ما موقف الإسلام من الصابئة؟
ذكرهم القرآن مع اليهود والنصارى
ما الذي قاله النبي ﷺ في شأن المجوس؟
سنوا بهم سنة أهل الكتاب
ما الذي يميز الإسلام عن الرسالات السابقة من حيث نطاق الخطاب؟
الإسلام دين عالمي خاتم للناس كافة
ما الكبوات الحضارية التي مر بها المسلمون وأعادوا بعدها صياغة أنفسهم؟
المغول والحروب الصليبية
ما معنى كلمة الصابئة لغويًا؟
الصابغون المتطهرون بالماء
ما الأساسان الكبيران اللذان يقوم عليهما التعاون في الحوار الإسلامي مع الآخر؟
الإيمان بالله وحسن الجوار
لماذا خُص القرآن الكريم بالحفظ والإعجاز دون سائر الكتب السماوية؟
لأن الإسلام دين عالمي خاتم يخاطب كل زمان ومكان، فاحتاج إلى معجزة خالدة تتجاوز الأشخاص والأحوال وتبقى حجة للعالمين إلى يوم الدين.
ما الفرق بين معجزة الرسول ومعجزة الرسالة؟
معجزة الرسول هي المعجزات الحسية التي شاهدها قوم النبي في حياته، أما معجزة الرسالة فهي القرآن الكريم الخالد الذي يشهده كل إنسان في كل زمان.
لماذا لا يرد الداعية على كل شبهة أو هجوم يوجه للإسلام؟
لأن الرد على كل شبهة يُخرج عن المقصود، ومنهج القرآن هو التذكير والبيان لا المجادلة في كل صغيرة وكبيرة، والله سيكفي الداعية.
ما معنى قول النبي ﷺ: «الناس كأسنان المشط»؟
يعني أن الناس متساوون في الأصل والكرامة الإنسانية، لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى.
ما الأرضية المشتركة التي يبحث عنها الحوار الإسلامي مع الآخر؟
الأرضية المشتركة هي التراث الإبراهيمي المشترك بين الأديان السماوية، وتقوم على الإيمان بالله وحسن الجوار.
ما الذي يذوب عند توحيد اللغة والمصطلحات في الحوار؟
يذوب كثير من الاختلاف بين الأطراف، وقد قال ابن حزم إن ضبط المصطلحات والاتفاق عليها ينهي ثلاثة أرباع اختلاف أهل الأرض.
ما الدليل القرآني على أن الإسلام دين بيان لا إكراه؟
قوله تعالى: ﴿هذا بيان للناس﴾، وقوله: ﴿لا إكراه في الدين﴾، وقوله: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾.
ما الذي تعلمناه من حوار الملائكة مع الله عند خلق الإنسان؟
تعلمنا أن السؤال مفتاح الحوار، وأن الله أجاز الاستفهام لمخلوقاته وأجاب بالمثال، وأن الحوار مبني على الاستكشاف وطلب الفهم.
ما الذي حدث بعد أن عجزت الملائكة عن الإجابة في قصة تعليم الأسماء؟
أنبأ آدم الملائكة بأسماء المخلوقات، فأقر الله حكمته وعلمه الشامل بغيب السماوات والأرض، ثم أمر الملائكة بالسجود لآدم.
لماذا أصبح الحوار ضرورة في عالم اليوم؟
لأن العالم أصبح قرية صغيرة برفع الحدود عبر الاتصالات والتقنيات، وكل تصرف في أي مكان يؤثر في الآخرين، فلم يعد ممكنًا العزلة والانعزال.
ما الحوارات التي خاضها النبي ﷺ وتمثل كنزًا لأسس الحوار؟
حواراته مع أهل مكة والطائف واليهود في المدينة وصلح الحديبية والوفود التي جاءته والملوك الذين أرسل إليهم رسائله.
ما الهدف الذي لا يسعى إليه الحوار الإسلامي مع الآخر؟
لا يسعى الحوار إلى تغيير دين الآخر أو فرض العقيدة الإسلامية عليه أو التدني بمستوى الأديان إلى وحدة مصطنعة.
ما الكبوات الحضارية التي مر بها المسلمون وكيف تعاملوا معها؟
مروا بكبوة المغول وكبوة الحروب الصليبية، وفي كلتيهما استطاعوا إعادة صياغة أنفسهم والنهوض من جديد، ثم انتشروا عبر الدولة العثمانية.
ما الأهداف الثلاثة التي يسعى إليها الحوار الإسلامي مع الآخر؟
تصحيح الصور الخاطئة المتبادلة، والبحث عن الأرضية المشتركة، والتعاون في سبيل عبادة الله وعمارة الأرض وتزكية النفس.
ما الحوارات التي يذكرها القرآن الكريم على مستويات متعددة؟
يذكر القرآن حوارات بين الله وملائكته، وبين الله وإبليس، وبين الله وآدم وزوجته، وبين الأنبياء وأقوامهم، وبين أهل الجنة وأهل النار.