اكتمل ✓
الفصل 22

ما موقف الإسلام من البيئة وما حقوق الأكوان التي أوجبها الله على الإنسان؟

الإسلام يوجب الاهتمام بالبيئة استنادًا إلى الكتاب والسنة، إذ جعل الله الإنسان سيدًا في الكون لا سيدًا له، وألزمه بعمارة الأرض وعدم الإفساد فيها. وللكون حقوق تشمل حق الإنسان والحيوان والنبات والجماد، والعلاقة بين الإنسان والأكوان مبنية على الرحمة التي هي طريق الجنة.

9 دقائق قراءة
  • هل يُعدّ الاهتمام بالبيئة مبدأً إسلاميًا أصيلًا أم مجرد تأثر بالفكر الغربي المعاصر؟

  • الكون كله يسبح لله ويسجد له، والإنسان مطالب بالانسجام مع هذا التيار الكوني العبادي.

  • الله جعل الإنسان سيدًا في الكون لا سيدًا له، وأوجب عليه عمارة الأرض وتجنب الإفساد فيها.

  • السنة النبوية تحث على الرفق بالنبات والحيوان، ومن غرس شجرة فأكل منها طير أو إنسان كان له بذلك صدقة.

  • قصة نسخ الأمر بقتل الكلاب تُجسّد مبدأ التوازن الطبيعي والمحميات قبل أن يعرفها العالم الحديث.

  • الحضارة الإسلامية طبّقت حماية البيئة فعليًا بالزِّير والصوامع ومساقي الكلاب، وصولًا إلى محاربة التلوث السمعي والبصري.

تعريف مبدأ الاهتمام بالبيئة واصله في الكتاب والسنة

هذا مبدأٌ من مبادئنا التي أحب أن أستفيض في بيانها وشرحها؛ آملًا أن تعم هذه الأفكار، وأن تشيع هذه المبادئ.

«الِاهْتِمَامُ بِالْبِيئَـةِ» هو من المبادئ التي أرى أنَّه يجب على المسلمِ المعاصرِ أن يتفهمها وأن يعيشها؛ فهي قضية مهمة، وهي قضيةٌ بيِّـنة في الكتاب والسُّنَّـة، ولنا من كتاب الله ومن سُنَّـة رَسُولـِـهِ صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك أساسٌ ومُنْطَلَق.

لما تأملنا كتاب الله وسُنَّـة رَسُولـِـهِ صلى الله عليه وآله وسلم خرجنا بالأسس الآتية:

تسبيح الكون وسجوده وغاية خلق الانسان للعبادة

أولًا: أنَّ الله -سبحانه وتعالى- بَيَّن لنا أنَّ هذا الكون الذي حولنا بيننا وبينه عَلاقة، وهذه العَلاقة حدَّدها -سبحانه وتعالى- بأنَّ هذا الكون بما فيه من أرضٍ وسماء مسبحٌ بحمد ربه، ذاكرٌ لـه، وأنَّ هذا الكون خاشعٌ لربه عابدٌ له، فهو في سجود أبديٍّ لله الواحد القهار. بهذا تنطق الآيات، كما قال تعالى:

﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ۗ﴾ [الإسراء: 44]

وقال أيضًا:

﴿وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: 6]

؛ أي إنَّ ما في السماوات وما في الأرض كله يسجد لله سبحانه وتعالى. وقد بينت النصوص كذلك أنَّ الغاية الأولى والكبرى من خَلْقنا في هذا الكون: هي العبادة، قال تعالى:

﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]

الانسجام مع تيار العبادة الكوني وعدم الشذوذ عنه

فمن هذه الآيات وغيرها نعلم أنَّ الكون كلَّه في خشوع وخضوع لله تعالى، وأنَّنا ينبغي أن نكون كذلك حتى نكون مع التيار العام في هذا الكون، فمن لم يكن كذلك كان شاذًّا عن هذا الكون بما فيه من جزئيات وكليات، وكان كمن يسبح ضد التيار.

ثانيًا: أنَّ الله تعالى سخر للإنسان هذا الكون بما فيه، وجعل الإنسانَ سيِّـدًا في الكون، وهناك فرق بين أن يكون سيِّدًا في الكون وأن يكون سيِّدًا للكون؛ فسيد الكون هو الله تعالى. أمَّا الإنسان فقد جعله الله -تعالى- سيِّـدًا في الكون لا سيدًا له، وقد سخر الله الكونَ بما فيه لهذا السيد الإنسان، كما قال تعالى:

﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: 13]

وهذا من مظاهر تكريم الإنسان في هذه الحياة.

وجوب رعاية الكون وعمارة الارض وحقوق الاكوان

وحيث إنَّ الإنسان سيدٌ في الكون؛ فقد أوجب الله علينا وجوبًا مؤكدًا أن نرْعَى هذا الكونَ المحيط بنا؛ لما له علينا من حقوق، وهذه الكلمة «حُقُوق» قد لا تكون مُنْضَبِطَةً بالمعنى القانوني، بل ربما اعتـرض القانونيون على أن نسمي هذه العَلاقة بالحقوق، لكننا هنا نستعمل الكلمة العربية في دَلالتها المعجمية، ونعني بها: الحق الثابت على أحد لغيره؛ فقد أوجب الله علينا عمارة الأرض، وحذرنا من الإفساد فيها، كما في قوله تعالى:

﴿وَلَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَٰحِهَا﴾ [الأعراف: 56]

وفي البيان القرآني أنَّ الله تعالى لما خلق هذا الإنسان في هذه الأرض طلب منه عمارتها، وهذا هو المفهوم من دخول الألف والسين والتاء على الفعل في الآية الكريمة:

﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]

؛ أي طلب منكم أن تعمروها، والآية -كذلك- تفيد أنَّنا وإن كنا جزءًا من هذا الكون، إلَّا أننا قد فُضِّلنا على هذا الكون كلِّه منذ اللحظة الأولى لخلق الإنسان، فقد أسجد الله ملائكتَه لآدم، كما قال تعالى:

﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِءَادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 34]

إذن، خلق الله آدم وفضله على كثيرٍ ممن خلق تفضيلًا،

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ وَحَمَلْنَٰهُمْ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَرَزَقْنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلْنَٰهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍۢ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًۭا﴾ [الإسراء: 70]

تسخير الكون للانسان واداء حقوقه بالتعمير وعدم الافساد

ومن هذه التوجيهات القرآنية وغيرها، يعلم الإنسان أنَّه وإن كان مخلوقًا من مخلوقات الله في هذا الكون، إلَّا أنَّ الله تعالى سخر هذا الكونَ له، وجعله في خدمته، ولأنَّه مسخرٌ لنا؛ فيجب علينا أن نؤدي إليه بعض حقوقه في مقابل ما يقوم به تجاهنا من التسخير، وهذا الأداء يكون عن طريق التعمير.

ومن مظاهر تعمير الأرض: ما أُمرنا به في القرآن من تلك النصوص التي ترشدنا إلى أنَّه يجب علينا ألَّا نفسد في الأرض بإهلاك الحــرث والنسـل، مثـل قولـه تعـالى:

﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُۥ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ ۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ﴾ [البقرة: 204-205]

وما ورد من نصوصٍ تأمر بأداء الزكاة عن الزروع والثمار التي هي من نعم الله تعالى علينا، وما أمرنا به الشرع الشريف من عدم الإسراف في قوله سبحانه:

﴿وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]

وغير ذلك من الآيات الكثير.

مظاهر التعمير في السنة والرفق بالنبات والحيوان

ومن مظاهر التعمير أيضًا: الأوامر الواردة في السُّنَّة المشرفة عند حديثها عن النباتات وعن الحيوانات.

النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم يأمرنا بأن نراعي النبات، ويأمرنا بألَّا نفسد في الأرض بإهلاك الحرث والنسل، ويأمرنا بأن نحترم الحيوان وأن نعمل على حياته، وإذا تأملنا في هذا المعنى وجدنا الأحاديث كثيرة؛ فوجدنا أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يأمر مَن بيده فسيلة زرع أن يغرسها ولو كانت الساعة قد أتته، وأنَّه ما من زارعٍ لزرعٍ يأكل منه الطير والحيوان والبشرُ إلَّا أُجِرَ بهذا، وكان ذلك ثوابًا له، من مثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم:

«مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْـهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ؛ إِلَّا كَانَ لَـهُ بِهِ صَدَقَـةٌ»(1)

وفي الحديث:

«إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةً، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَلَّا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا؛ فَـلْـيَغْرِسْهَا(2)

قصص سقي الكلب وحبس الهرة وبيان حقوق الحيوان

وتأمل حديث الرجـل الذي سَقَى الكلب فدخل به الجنـة(3)، وحديث المـرأة التي دخلت النار في هرة ربطتها؛ فلا هي أطعمتها، ولا هي أرسـلتها تأكـل مـن خَشاش(4) الأرض(5).

فهذه النصوص وغيـرها تدل دلالة واضحـة على ما أردنـا قولـه، من أنَّ هـذا الكون له عَلاقةٌ بالإنسـان، وأنَّ الإنسان سيِّـدٌ فيه، وأنَّ للكون حقوقًا يجب على ذلك السيد مراعاتها.

ثالثًا: بعد أن وضحنا أنَّ هذا الكون له عَلاقة بما يعيش فيه، وما يدب على أرضِه، أو يطير في سمائه، ومنه الإنسان، وعرفنا أنَّ هناك حقوقًا اسمها: «حُقُوق الْأَكْوَان»، يدخل فيها حق الإنسان، وحق الحيوان، وحق النبات، وحق الجماد.

مفهوم حقوق الاكوان والادب مع الجماد عند المتصوفة

فهذا هو الذي يدفع أهل التَّصَوُّف لِأَنْ يقولوا -كما ورد في كتبهم-: إنَّ هذا الجماد يُسبح؛ ولذلك فعليك ألَّا تُهِينَـهُ؛ بل عليك إكرامه، فمثلًا من الأدب: أنَّك إذا دخلت بيتك أو ركبت سيارتك ألَّا تدفع الباب دفعًا شديدًا؛ لأنـَّه يسبح.

فلا بد أن يكون تعاملك رقيقًا مع الأكوان، فيكون سلوكك حسنًا، لا عنف فيه ولا إسراف ولا تدمير، وهذا هو الأساس في التعامل مع البيئة عند المسلمين.

بعد ذلك يـأتي الحديث عن قضيـةٍ مهمـة، وهي فكـرة: «التَّوَازُن الطَّبِيعِي»، وهذه قضية اهتم بها الإسلام كثيرًا، ولنا أن نذكر على ذلك مثالًا بأحد الحيونات، وهو الكلب.

قصة الكلاب والتوازن الطبيعي ونسخ الامر بقتلها

عندما وجد رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم أنَّ الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلبٌ أو تمثالٌ أو صورة؛ ففي السُّنَّة من حديث عَبْدِ اللهِ بـْنِ عُمَرَ 3 أنَّه قال: وَعَدَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم جِبْرِيلُ، فَرَاثَ عَلَيْـهِ حَتَّى اشْتَدَّ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم؛ فَخَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم فَـلَقِيَهُ، فَشَكَا إِلَيْـهِ مَا وَجَدَ، فَقَالَ لَـهُ:

«إِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ وَلَا كَلْبٌ»(1)

لما رأى صلى الله عليه وآله وسلم ذلك أمر بقتل الكلاب؛ بناءً على اجتهادٍ منه صلى الله عليه وآله وسلم في أنَّ هذا الحيوان كأنَّه يضايق الملائكة، أو لا يُعجب الملائكةَ، بعد ذلك أوحى الله إليه بأنَّ هــذه الكلابَ أمَّــةٌ من الأمم، وأخرج مسلم في «صحيحه» عـدةَ أحاديث في «بابِ الأمـرِ بِقَـتْـلِ الكــلاب وبيــان نســخِه...»- يتبين لمن يُطالِعُها أنَّ النَّبِـيَّ صلى الله عليه وآله وسلم أمر بقـتـل الكلاب في أول الإسلام، منها: حديث ابـْنِ عُمَرَ 3:

«كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَأْمُرُ بِقَتْـلِ الْكِلَابِ، فَـنَـنْـبَـعِثُ فِي الْمَدِينَـةِ وَأَطْرَافِهَا، فَلا نَـدَعُ كَلْبًا إِلَّا قَتَـلْنَـاهُ، حَتَّى إِنَّا لَـنَـقْتُـلُ كَلْبَ الْمُرَيـَّـةِ(2) مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ يَتْــبَعُهَا»(1)

ومنها أيضًا: ما رواه عن ابـْنِ الْمُغَفَّلِ ر، قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم بِقَتْلِ الْكِلَابِ، ثُمَّ قَالَ:

«مَا بَالُـهُمْ وَبَالُ الْكِلَابِ»(2)

؛ أي إنَّ الأمر نُسِخَ بعد أن أوحى الله إلى نبيه ألَّا تفعل ذلك؛ لأنَّها أمَّةٌ من الأمم(3). وبذلك نُسِخَ الأمرُ بقتل الكلاب.

فكرة الحماية والمحميات الطبيعية وتحريم افساد البيئة

فهذا مثالٌ واضح على فكرة «الْحِمَايـَة»، وهي الفكرة التي لم يتوصل إليها الناس في زماننا هذا إلَّا بعد معاناةٍ ومكابدةٍ شديدةٍ مع البيئة، حتى توصَّلوا إلى فكرة «الْـمَحْمِـيَّات الطَّبِيـعِيَّـة» التي يُحمى فيها النبات، ويُحمى فيها الحيوان، ويُحمى فيها غيرُ ذلك من المخلوقات؛ حتى لا تندثر.

رابعًا: أنَّ الله -سبحانه وتعالى- حَرَّم علينا أن نفسد البيئة من حولنا؛ فإحداث ما يلوث البيئةَ في البـرِّ أو في البحرِ أو في الجـوِّ، وكل ما يؤدي إلى ذلك -هو ممنوعٌ في دين الله.

لي كلمة قد لا يتفق معي فيها كثيرٌ من الناس، وهي أنَّ هذه المُخترعات الحديثة كلها، من: القطار، والسيارة، والطائرة... لو أنَّها تمَّت على أيدي المسلمين؛ لما كان لها هذه الآثار السيئة على البيئة؛ فهذا حال المسلمين عبر القرون والعصور.

نماذج حضارية اسلامية في حفظ البيئة والماء والحيوان

فإذا دخلتَ المُتْحَف الإسـلامي -مثـلًا- في «بـَاب الْخَلْق» في القاهرة؛ وَجَدْت هذا «الزِّير» الذي يُملأ بالماء، وقد اخترعه المسلمون الأوائل بهدف الحفاظ على الماء وعدم السَّرَف فيه، على الرغم من وجود النيل، ومن قلة السكان في مصر عبر التاريخ الإسلامي.

ولو تأمَّلت في هذه الصوامع التي بأعلى مسجد «مُـحَمَّد بك أَبـُو الدَّهَب»، وقد كانت تُملأُ حتى يأكل منها طيرُ السماء.

لو تأملت ما كان في منطقة بيت القاضي -وراء مسجد سيدنا الْحُسَيْن ر- من «مَسَاقِي الْكِلَاب» التي وُضعت كوقفٍ؛ من أجل أن تشرب منها الكـلابُ الضالَّةُ رِعايةً لها. لو تأملت كل ذلك؛ لعلمت أنَّ المسلمين حافظوا دائمًا على البيئة؛ كل ذلك لأنَّ أحد مفردات النَّمُوذَج الْمَعْرِفـِي عند المسلم حديثُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم:

«فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِـدٍ رَطْـبَـةٍ صَدَقَـةٌ»(1)

تطبيق المسلمين لمبادئ البيئة والتعاون على خطط الرشد

هذا بعض ما كان من المسلمين على مستوى التطبيق الفعلي الواقعي، فلم تكن دعوة الإسلام مجرد شعارات، وإنَّما عرفت طريقها إلى التطبيق الواقعي والعملي، حتى وصل المسلمون إلى درجة الإحسان.

وهذا يدلك على أنَّ المسلمين حافظوا على البيئة من مجرد الاختلال أو التلوث، فضلًا عن التعرضِ للخطر أو الضياع.

وهذه نتيجة يصِل إليها كلُّ مُنْصِفٍ حين يتأمل حضارة المسلمين، وهي القضية التي لم يتنبه إليها الناس في عصرنا إلَّا أخيرًا، ونحن ندعو إلى ذلك، وهذه يدُنا ممدودة لكل من يسعى إلى المحافظة على البيئة من الهلاك والبوار، وهذه الاستجابة منطلقة من الحديث الشريف:

«وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْأَلـُونِي خُطَّـةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللهِ إِلَّا أَعْطَيْتُـهُمْ إِيَّاهَا»(2)

؛ أي: المشركون. وفي رواية:

«أَمَّا وَاللهِ لَا يَدْعُونِي الْيَوْمَ إِلَى خُطَّةٍ يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرْمَةً، وَلَا يَدْعُونِي فِيهَا إِلَى صِلَةٍ إِلَّا أَجَبْتُـهُمْ إِلَيْهَا»(1)

؛ فنحن نوافق على كل خطة رشدٍ من كل أحد.

الامر الشرعي بالاهتمام بالبيئة ومحاربة التلوث بانواعه

ونقول: إنَّ الاهتمام بالبيئة قد أُمرنا به في الكتاب والسُّنَّة، وقد نفَّذْنَاهُ في تاريخنا، ونحن لا نوافق فقط؛ بل ندعو إلى كل ما يحمي البيئة من تلوُّثٍ أو تدمير، أو يؤدي إلى تعمير، أو إلى توازن طَبَعي كما خلقها الله سبحانه وتعالى، أو يؤدي إلى منفعة الإنسان، وإلى أن يعيش أكثر استقرارًا.

كذلك نريد أن نقضي على التلوث السَّمْعِي، وقد منع الإسلام رفع الصوت ولو بالدعاء، كما في الحديث الشريف، يقول النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم:

«يَا أَيُّها النَّاسُ، أَرْبـِعُوا عَلَى أَنـْفُسِكُمْ؛ فَإِنَّـكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِـبًا، إِنَّـهُ مَعَكُمْ، إِنَّـهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ، تَـبَارَكَ اسْمُهُ، وَتَعَالَى جَدُّهُ»(2)

إنَّنا نريد أن نقضي على كل ما من شأنه إيذاء الناس، من التلوث البِيئِي أو البَصَرِي أو السَّمْعِي، ولكلِّ ذلك أدلةٌ وكلامٌ طويلٌ، ينبني فيه على أسسٍ خاصَّةٍ ومهمةٍ، ليس ذاك موضِع تفصيله.

خلاصة نظرة المسلمين للاكوان وحقوقها وطريق الرحمة

هذه هي نظرتنا لعالم الأكوان من حولنا: نرى أنَّ الإنسان الذي خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكتَه تكريمًا له؛ إنَّما هو سيدٌ في الكون وليس سيِّدًا له.

ونرى أنَّ هذا الكونَ له حقوق تسمى بحقوق الأكوان، وهي تفوقُ حقوقَ الإنسان؛ بمعنى: أنَّها تشتمل على حـقوق الإنسان، وحقوق الحيوان، وحـقوق النبات، وحقوق الجمادات.

ونرى أنَّ العَلاقة بيننا وبين الكون مَبْـنيَّـةٌ على الرحمة، وأنَّ الرحمة طريقُ الجنة، كما أنَّ العنف والقسوة وإيذاء الخلق من طرق النار، وفي حديث عَائِشَةَ 1 عند مسلمٍ:

«إِنَّ الرِّفْـقَ لَا يَكُونُ فِي شَـيْءٍ إِلَّا زَانَــهُ، وَلَا يُنْــزَعُ مِنْ شَـيْءٍ إِلَّا شَـــانَـهُ»(1)

وفي السُّنَّـة أيضًا:

«بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيـقٍ، وَجَدَ غُصْنَ شَــوْكٍ عَلَى الطَّـرِيــقِ فَـأَخَّــرَهُ؛ فَشَكَرَ اللهُ لَـهُ، فَغَفَرَ لَـهُ»(2)

الاحسان للاكوان رمزا لطريق الجنة والعنف رمزا لطريق النار

ونفهم من هذه النصوص وغيرها أنَّ الإحسان إلى الأكوان والكائنات طريقُ الجنة، ولو تأملنا حديث الرجل الذي سَـقَى الكلب فدخل به الجنة(3)؛ لوجدنا أنَّ الرجل في الحديث ليس مقصودًا لذاته؛ بل هو رمزٌ لعالم الإنسان، وكذلك الكلب ليس مقصودًا لذاته؛ بل هو رمزٌ للأكوان، والحديث يبين أنَّ العَلاقة بين الأكوان والإنسان لما كانت عَلاقة رحمة؛ كان هذا طريق الجنة.

وكذلك في حديث:

«دَخَلَتِ امْــرَأَةٌ النَّــارَ فِي هِــرَّةٍ رَبـَـطَـتْـهَا؛ فَــلَا هِــيَ أَطْـعَمَتْـهَا، وَلا هِيَ أَرْسَلَتْهَا تَـأْكُـلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ»(4)

فالمرأة في الحديث هي رمز يمثل عالم الإنسان، والـهِرَّة -هذه- تُـمَثِّـلُ عالم الأكوان، والحديث يبين أنَّ العَلَاقة بين الأكوان والإنسان لما كانت عَلاقة عنف؛ كان هذا طريق النار.

هذه هي وجهة نظر المسلمين، نَـنْـشُد الحق وندعو إليه، ونستجيب لكلِّ من دعا إلى ما فيه الخير والرشاد، والمحافظة على الإنسان والأكوان(5).

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الفرق بين كون الإنسان سيدًا في الكون وسيدًا للكون؟

سيد الكون هو الله، والإنسان سيد فيه مكلَّف برعايته

ما الغاية الكبرى من خلق الإنسان وفق القرآن الكريم؟

العبادة

ما معنى قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾؟

طلب منكم أن تعمروها

ما الحكم الشرعي لإحداث ما يلوث البيئة في البر أو البحر أو الجو؟

ممنوع في دين الله

لماذا نُسخ الأمر النبوي بقتل الكلاب؟

لأن الله أوحى بأنها أمة من الأمم

ما الحديث النبوي الذي يدل على أن الزراعة صدقة جارية؟

«مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةٌ»

ما الذي اخترعه المسلمون الأوائل للحفاظ على الماء وعدم الإسراف فيه؟

الزِّير

ما المقصود بـ«مساقي الكلاب» التي وُضعت في منطقة بيت القاضي بالقاهرة؟

أوعية ماء وُقفت لتشرب منها الكلاب الضالة

ما أنواع التلوث التي يدعو الإسلام إلى محاربتها؟

التلوث البيئي والبصري والسمعي

ما الرمز الذي يمثله الكلب في حديث الرجل الذي سقاه فدخل به الجنة؟

عالم الأكوان بأسره

ما حقوق الأكوان التي ذكرها الإسلام؟

حق الإنسان والحيوان والنبات والجماد

ما الحديث الذي استند إليه المسلمون في رعاية كل ذي روح؟

«فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ صَدَقَةٌ»

ما الذي كانت تُملأ به الصوامع الموجودة أعلى مسجد محمد بك أبو الدهب؟

الطعام ليأكل منه طير السماء

ما تعريف مبدأ الاهتمام بالبيئة في الإسلام؟

هو مبدأ إسلامي أصيل له أساس في الكتاب والسنة، يوجب على المسلم رعاية الكون المحيط به وعمارة الأرض وعدم الإفساد فيها.

ما معنى قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾؟

تعني أن كل شيء في الكون من أرض وسماء يسبح بحمد الله ويذكره، وإن كنا لا نفقه تسبيحه.

ما الفرق بين السيادة في الكون والسيادة للكون؟

سيد الكون هو الله وحده، أما الإنسان فجعله الله سيدًا في الكون أي مكلَّفًا برعايته وعمارته لا مالكًا له يتصرف فيه كيفما شاء.

ما معنى الانسجام مع التيار الكوني في الإسلام؟

يعني أن يكون الإنسان في خشوع وخضوع لله كما يخشع الكون كله، فمن لم يكن كذلك كان شاذًا عن الكون كمن يسبح ضد التيار.

ما حكم إهلاك الحرث والنسل في الإسلام؟

محرّم، لأنه من الإفساد في الأرض الذي نهى عنه القرآن بقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾.

ما دلالة حديث: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةً فَلْيَغْرِسْهَا»؟

يدل على أن العناية بالنبات وغرسه عبادة مستحبة حتى في آخر لحظة، وأن الإسلام يحث على الاستمرار في تعمير الأرض.

ما المقصود بـ«حقوق الأكوان» في الفكر الإسلامي؟

هي الحقوق الواجبة على الإنسان تجاه الكون، وتشمل حق الإنسان وحق الحيوان وحق النبات وحق الجماد.

كيف يتعامل المسلم مع الجماد وفق مفهوم حقوق الأكوان؟

يتعامل معه برفق وإكرام لأنه يسبح لله، فلا يدفع الباب دفعًا شديدًا ولا يتعامل مع الأشياء بعنف أو تدمير.

ما علاقة نسخ الأمر بقتل الكلاب بمفهوم التوازن الطبيعي؟

نسخ الأمر بقتل الكلاب لأنها أمة من الأمم يُجسّد مبدأ حماية الأنواع من الانقراض، وهو ما يعرفه العالم الحديث بالمحميات الطبيعية.

ما الدليل النبوي على النهي عن التلوث السمعي؟

قول النبي: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَرْبِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا»، إذ نهى عن رفع الصوت حتى في الدعاء.

ما الرمز الذي تمثله المرأة في حديث حبس الهرة؟

المرأة رمز لعالم الإنسان، والهرة رمز لعالم الأكوان، والحديث يبين أن علاقة العنف والقسوة بين الإنسان والأكوان طريق النار.

ما الحديث الذي يدل على أن الرفق يزين كل شيء؟

حديث عائشة عند مسلم: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ».

ما الدليل القرآني على النهي عن الإسراف في الأكل والشرب؟

قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.

ما موقف الإسلام من خطط حماية البيئة التي يطرحها غير المسلمين؟

الإسلام يوافق على كل خطة رشد تحمي البيئة من أي أحد، استنادًا إلى حديث النبي: «لَا يَدْعُونِي إِلَى خُطَّةٍ يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرْمَةً إِلَّا أَجَبْتُهُمْ إِلَيْهَا».

ما دلالة حديث: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ فَأَخَّرَهُ فَشَكَرَ اللهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ»؟

يدل على أن إزالة الأذى عن الطريق وهو من أبسط صور الإحسان للأكوان سبب للمغفرة، وأن الإحسان للبيئة طريق الجنة.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!