ما هي النظريات الأساسية في علم أصول الفقه وكيف تُثبت حجية السنة وتُستنبط الأحكام الشرعية؟
علم أصول الفقه يقوم على ست نظريات متتالية في ذهن الأصولي: نظرية الحجية التي تُثبت أن الكتاب والسنة هما الدليل الشرعي، ونظرية التوثيق التي تبحث في كيفية وصول النصوص إلينا، ونظرية الفهم المتعلقة بدلالات الألفاظ العربية. ثم تأتي نظرية القطعي والظني لتحديد مجال الإجماع والخلاف، ونظرية الإلحاق والقياس لاستنباط أحكام المسائل غير المنصوصة، وأخيرًا نظرية التعارض والترجيح للتعامل مع النصوص المتعارضة في ظاهرها.
- •
كيف يمكن فهم منطق الأصوليين وطريقة تفكيرهم بدلًا من الاكتفاء بقراءة نتائج أفكارهم المدوّنة في الكتب؟
- •
أسهم علماء محدثون كأبي زهرة والزرقا في استخراج النظريات الضابطة من الفقه الإسلامي ونشرها في ثوب معاصر.
- •
استطاع السنهوري وشلتوت توظيف التراث الفقهي الإسلامي حتى اعتُمد الفقه الإسلامي مصدرًا من مصادر القانون الدولي.
- •
علم أصول الفقه يتكون من ست نظريات متتالية: الحجية، والتوثيق، والفهم، والقطعي والظني، والإلحاق، والتعارض والترجيح.
- •
حجية السنة تُستمد من القرآن الكريم ذاته بآيات صريحة تأمر بطاعة الرسول واتباعه، فضلًا عن توثيق نقلها.
- •
الدين علم له منهج وقواعد، والخلط بينه وبين المجالات الأخرى يُفضي إلى فتاوى مشوشة وأحكام بلا أساس.
- 1
الدعوة إلى الغوص في عقول العلماء الأولين لمعرفة منطقهم ومقدماتهم في علم أصول الفقه، لا الاكتفاء بقراءة نتائج أفكارهم.
- 2
أبو زهرة والزرقا وغيرهم أسسوا مدرسة لاستخراج النظريات الضابطة من الفقه الإسلامي كنظرية العقد والالتزام والضرورة.
- 3
السنهوري درس ستة عشر تشريعًا عالميًا ووجد أن جميعها تتوخى العدل، وسعى للإجابة عن كيفية تحقيقه من خلال الفقه الإسلامي.
- 4
بمجهودات السنهوري وشلتوت في مؤتمر لاهاي اعتُمد الفقه الإسلامي مصدرًا من مصادر القانون الدولي، مما أثار تساؤلًا عن إمكانية رحلة مماثلة في ذهن علماء الأصول.
- 5
طرح أسئلة حول كيفية تفكير الأصوليين من الشافعي إلى الأسنوي هو المدخل الصحيح لفهم مراحل تطور علم أصول الفقه.
- 6
انطلق الشافعي من سؤال: ما الدليل وما الحجة التي تثبت الأحكام؟ وهو السؤال المؤسس لعلم أصول الفقه.
- 7
حجية القرآن الكريم تقوم على حفظه في الصدور بأسانيد متواترة وفي السطور بالرسم العثماني، مما يجعل الثقة به مطلقة.
- 8
إعجاز القرآن يتجلى في قراءاته العشر المتواترة ولغته الفريدة وتركيبه المركب وصدق كل ما تكلم عنه في كل العصور.
- 9
حجية السنة ثابتة بنصوص القرآن الكريم الآمرة بطاعة الرسول واتباعه والتأسي به، فالكتاب والسنة معًا هما الحجة.
- 10
السنة نُقلت بصورة موثوقة، والنبي لا يقول إلا حقًا بنص القرآن، وهذا يُكمل نظرية الحجية في علم أصول الفقه.
- 11
نظرية التوثيق هي السؤال الثاني في ذهن الأصولي: كيف وصل الكتاب والسنة إلينا؟ وتولى الإجابة علماء القراءات والمحدثون.
- 12
نظرية الفهم تستلزم الاهتمام باللغة العربية حروفًا ومفردات وتركيبًا، والرسم القرآني الفريد شاهد على إعجاز القرآن في كتابته.
- 13
الأصوليون اقتصروا على دراسة أحد عشر حرفًا من حروف المعاني لأنها المتعلقة باستنباط الأحكام الفقهية خدمةً لنظرية الفهم.
- 14
الأصوليون زادوا على اللغويين بأدوات فهم لا توجد في كتب اللغة كدلالة صيغ الأمر والنهي والعموم، مستقرئين ذلك من كلام العرب.
- 15
نظرية القطعي والظني تُفرّق بين مسائل الإجماع القطعية التي لا تقبل الخلاف وبين المسائل الظنية التي يسوغ فيها الاجتهاد.
- 16
الدين علم يُؤخذ عن المتخصصين ولا يجوز الكلام في قطعياته بلا تأهيل، خلافًا للمجالات الأخرى التي تحتمل الرأي والإبداع.
- 17
غياب التخصص الشرعي يُفضي إلى فتاوى مشوشة تُبيح المحرمات، وتحويل الدين إلى مجال للأهواء يهدم المنهج العلمي.
- 18
نظرية الإلحاق تعالج المسائل غير المنصوصة بآلية القياس، وهو إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه لاشتراكهما في العلة.
- 19
نظرية التعارض والترجيح تُعالج النصوص المتعارضة بالنسخ أو الجمع أو الترجيح، وتستلزم معرفة المقاصد الشرعية وشروط الاجتهاد.
- 20
النظريات الست رحلة في عقل الأصولي تكشف كيف بُني علم أصول الفقه، وفهمها يُيسّر دراسته بترتيبه الحالي والموروث.
لماذا لا يكفي قراءة نتائج أفكار العلماء بل يجب معرفة كيف كانوا يفكرون في علم أصول الفقه؟
الاكتفاء بقراءة نتاج أفكار العلماء المسطور في الكتب لا يكفي؛ إذ لا بد من معرفة المقدمات التي استعملوها للوصول إلى تلك النتائج. الهدف هو معرفة كيف يفكر الأصولي والفقيه والمحدث والمفسر، وما هي التصورات الأساسية التي كان يرى بها كل منهم الكون. هذا الغوص في عقول الأولين هو السبيل لاستكشاف منطقهم ومناهج تفكيرهم الإسلامي.
من هم العلماء المحدثون الذين استخرجوا النظريات الضابطة من الفقه الإسلامي وما أبرز هذه النظريات؟
أسهم علماء محدثون كالشيخ محمد أبي زهرة والأستاذ مصطفى الزرقا في التأمل في الفقه الإسلامي واستخراج نظرياته الضابطة. ومن أبرز هذه النظريات: نظرية العقد، ونظرية الالتزام، ونظرية التعسف في استعمال الحق، ونظرية الضرورة. وقد أنشأ هؤلاء الأعلام مدرسة تضم كثيرًا من الفقهاء المعاصرين الذين يغوصون في التراث الفقهي الإسلامي ويبحثون عن نظرياته.
كيف وظّف السنهوري الفقه الإسلامي في مقارنته بالتشريعات العالمية وما الهدف المشترك بين جميع التشريعات؟
درس القانوني عبد الرزاق السنهوري أكثر من ستة عشر تشريعًا عالميًا من بينها الهندي والفرنسي والأمريكي والإنجليزي، سعيًا لإيجاد مكانة للتشريع المصري في القانون العالمي. وجد أن جميع التشريعات تتوخى العدل ولا خلاف في ذلك، لكن الخلاف بينها يكمن في الإجابة عن سؤال واحد: كيف نصل إلى العدل؟ وقد حاول السنهوري الإجابة عن هذا السؤال من خلال التراث الفقهي الإسلامي ومبادئه.
كيف أصبح الفقه الإسلامي مصدرًا من مصادر القانون الدولي وما دور شلتوت في ذلك؟
قدّم الشيخ محمود شلتوت بحثه عن «المسئولية المدنية والجنائية في الشريعة الإسلامية» إلى مؤتمر لاهاي، وكان بحثًا بديعًا أتى فيه بالجديد الذي لا يعرفه العالم عن الموضوع. وقد استند في ذلك إلى ما تركه الفقهاء المسلمون في تراثهم الفقهي. وبهذه المجهودات المشتركة من السنهوري وشلتوت تمّ اعتماد الفقه الإسلامي مصدرًا من مصادر القانون الدولي، مما وضع أقدام الفكر الإسلامي على خريطة العالم الفكرية.
ما الأسئلة التي يجب طرحها لفهم طريقة تفكير الأصوليين عبر التاريخ من الشافعي إلى الأسنوي؟
لفهم طريقة تفكير الأصوليين يجب أن نسأل: كيف فكر كل إمام في مرحلته حتى وصل إلى ما وصل إليه؟ فكيف فكر الشافعي حتى يصل إلى كتاب الرسالة؟ وكيف فكر الغزالي والرازي والأسنوي وغيرهم من أئمة الأصول؟ هذه الأسئلة تُطرح بنفس الصيغة أو بصيغ مختلفة عند الحديث عن كل إمام، والهدف هو استكشاف المنطق الذي قاد كل منهم إلى نتائجه في علم أصول الفقه.
ما السؤال الأول الذي انطلق منه الإمام الشافعي في بناء علم أصول الفقه وكيف صاغه؟
انطلق الإمام الشافعي من سؤال جوهري: ما هو الدليل وما هي الحجة التي تثبت بها الأحكام؟ وقد نشأ هذا السؤال لأن الشافعي وأهل زمانه لم يتلقوا عن رسول الله مباشرة، فكيف تثبت الأحكام؟ وكيف يطمئن المسلم أن ما يصل إليه من أحكام هو مراد الله سبحانه وتعالى؟ هذا السؤال هو نقطة الانطلاق في رحلة ذهن الأصولي عبر مسائل علم أصول الفقه كلها.
كيف أثبت الأصوليون حجية القرآن الكريم وما الذي يجعل الثقة به مطلقة؟
أثبت الأصوليون حجية القرآن الكريم من خلال المجهودات العظيمة التي بذلها المسلمون في حفظه؛ فحفظوه في الصدور بأسانيد متصلة متواترة متكاثرة، وحفظوه في السطور مكتوبًا بالرسم العثماني الذي أصبح علمًا بحاله. هذه الصورة التي يستحيل معها الخطأ — لا يصعب فحسب — تجعل ناشد الحق يثق ثقةً مطلقةً في هذا الكتاب الكريم. وهذا هو أساس نظرية الحجية في علم أصول الفقه.
ما وجوه إعجاز القرآن الكريم في قراءاته ولغته وتركيبه التي تجعله حجة على العالمين؟
للقرآن الكريم عشر قراءات أسانيدها متواترة، وهناك أكثر من تسعين قراءة غير معتمدة لعدم موافقتها خط المصحف أو العربية أو الرواية. وإعجاز القرآن يتجلى في أن حديثه ليس خطيًا بل مركّب كما أن الحياة مركبة، وأنه صيغ بلغة ليست لغة البشر المعتادة لا في عصره ولا في العصور التالية. فضلًا عن ذلك فكل ما تكلم عنه القرآن قد صدق فيه، وعباراته توافق جميع الأسقف المعرفية وإن اختلفت.
كيف تُثبت حجية السنة النبوية من خلال القرآن الكريم وما الآيات الدالة على ذلك؟
حجية السنة تُستمد من القرآن الكريم ذاته الذي ثبتت حجيته أولًا؛ إذ يأمر بأخذ ما آتى الرسول والانتهاء عما نهى عنه في قوله تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا). ويأمر بطاعة الله وطاعة الرسول، وباتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وبالتأسي به. فعُلم من هذا كله أن السنة أيضًا حجة، وهكذا كانت الإجابة عن السؤال الأول في علم أصول الفقه: الحجة هي الكتاب والسنة.
كيف نُقلت السنة النبوية بصورة موثوقة وما الدليل على أن النبي لا يقول إلا حقًا؟
نُقلت السنة النبوية بصورة معتمدة موثوق بها ولافتة للنظر. والدليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقول إلا حقًا هو قوله: «والله إني لا أقول إلا حقًا»، وهو شرح للآية الكريمة: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى). فهو لا يقول شيئًا من عند نفسه ولا يخطئ في التبليغ عن ربه، مما يؤكد أن حجية السنة راسخة في نظرية الحجية عند الأصوليين.
ما نظرية التوثيق في علم أصول الفقه ومن تولى الإجابة عن سؤال كيف وصل إلينا الكتاب والسنة؟
نظرية التوثيق هي النظرية الثانية في علم أصول الفقه، وتبحث في كيفية وصول الكتاب والسنة إلينا. تولى الإجابة عن هذا السؤال علماء القراءات والمحدثون الذين وضعوا مباحث التوثيق الموجودة في علم أصول الفقه. وقد جاءت هذه النظرية بعد نظرية الحجية مباشرةً؛ لأن إثبات أن الكتاب والسنة حجة يستلزم بالضرورة إثبات أنهما وصلا إلينا بصورة موثوقة.
ما نظرية الفهم في علم أصول الفقه وكيف اهتم الأصوليون باللغة العربية لفهم النصوص الشرعية؟
نظرية الفهم هي النظرية الثالثة في علم أصول الفقه، وتبحث في كيفية قراءة الكتاب والسنة وفهمهما. تحقيقًا لهذه النظرية اهتم الأصوليون باللغة العربية على مستوى تركيب الجملة ومفرداتها وحروف المباني الثمانية والعشرين. ومن مظاهر هذا الاهتمام ملاحظتهم أن الرسم القرآني رسم فريد يحافظ على نفسه ولا يُقاس عليه، فوجدوا عجائب في هذه الكتابة فحافظوا عليها كما هي، مما يثبت أن القرآن معجز في رسمه كما هو معجز في لفظه.
لماذا اقتصر الأصوليون على دراسة أحد عشر حرفًا من حروف المعاني دون سائرها في علم أصول الفقه؟
حروف المعاني في اللغة العربية تصل إلى نحو تسعين حرفًا، والمذكور في القرآن منها نحو أربعة وثلاثين حرفًا. غير أن الأصوليين بحثوا فقط نحو أحد عشر حرفًا تقريبًا؛ لأن هذه الحروف تحديدًا هي التي تتعلق باستنباط الأحكام الفقهية الواردة في الكتاب. فمنهجهم قائم على الانتقاء الوظيفي لما يخدم نظرية الفهم وغرضها الأساسي وهو استنباط الأحكام الشرعية.
بم زاد الأصوليون على اللغويين في مباحث الفهم وما الأدوات التي أوجدوها لاستنباط الأحكام؟
بحث الأصوليون في مسائل السياق والسباق ودلالات الألفاظ والمجاز والحقيقة والاشتراك وخصائص اللغة، وتكلموا عن العموم والخصوص والإطلاق والتقييد والاستثناء والمخصصات. والأعجب أنهم أتوا بأشياء لم يتكلم عنها أهل اللغة أصلًا، فزادوا على مقالة اللغويين بأدوات مساعدة على الفهم كدلالة صيغة «افعل» على الوجوب و«لا تفعل» على التحريم، وكون «كل» وأخواتها للعموم، وهي أشياء لا توجد في كتب اللغة والنحو.
ما نظرية القطعي والظني في علم أصول الفقه وما علاقتها بالإجماع؟
نظرية القطعي والظني تُميّز بين نوعين من المسائل: مسائل اتفق عليها جميع العلماء ولم يوجد من يخالفهم وهي القطعية، ومسائل اختلفوا فيها ولم ينكر بعضهم على بعض وهي الظنية. والإجماع مبني على المسائل القطعية الدلالة التي لا تصح مخالفتها، ومن أمثلتها: كون الصلوات المفروضة خمس، وأن الوضوء قبل الصلاة، وأن الزكاة واجبة، وأن الحج هو الركن الخامس.
ما الفرق بين الدين والمجالات الأخرى ولماذا لا يجوز الكلام في القطعيات بلا تخصص علمي؟
الدين علم له منهج وقواعد يُؤخذ عن العلماء المتخصصين، أما المجالات كالفنون والآداب والرياضة والسياسة فلكل أن يقول ما يراه لأنها تحتمل الرأي والرأي الآخر. ومن لم يذق مر التعلم ويصبر على مره لا يصح له أن يجلس على أريكة المعلمين والموجهين وإلا ضل وأضل. والمسائل المجمع عليها القطعية لا يجوز بحال الخلاف فيها أو الخروج على إجماع علماء المسلمين فيها.
ما نتائج غياب المنهج العلمي في الفتوى وكيف يؤدي تحويل الدين إلى مجال للأهواء إلى الضلال؟
غياب المنهج العلمي في الفتوى يُفضي إلى طامات كإباحة ما حرّم الله بلا دليل، كمن يبيح القبلة أو الدخان في نهار رمضان. هذا الفكر المشوش ناتج من عدم التخصص وعدم بناء الذهن بطريقة تعلّم فيها الأدوات. ومن يحوّل الدين إلى مجال تأتيه الخواطر فيتكلم كيف يشاء ثم يغير رأيه في اليوم الثاني، يُراد بذلك هدم المنهج العلمي الذي يضبط الفكر الإسلامي.
ما نظرية الإلحاق والقياس في علم أصول الفقه وكيف يتعامل الفقيه مع المسائل غير المنصوصة؟
نظرية الإلحاق هي النظرية الخامسة في علم أصول الفقه، وسببها أن الفقيه لا يجد في الكتاب والسنة حكمًا صريحًا لكل فعل بشري. فبدلًا من جعل كل شيء مباحًا دون نظر في المصلحة والمقاصد، يلجأ إلى إلحاق الشبيه بشبيهه والنظير بنظيره عبر آلية القياس. والقياس معناه إلحاق أمر مسكوت عنه بأمر منصوص عليه، كما في مثال إلحاق الإجارة بالبيع في حكم عدم التأجير على إيجار الأخ.
ما نظرية التعارض والترجيح في علم أصول الفقه وما الأدوات التي يستخدمها الفقيه للتعامل مع النصوص المتعارضة؟
نظرية التعارض والترجيح تتعامل مع النصوص المتعارضة في ظاهرها، ويلجأ فيها الفقيه إلى عدة مسالك: معرفة أي النصين أسبق في الزمان فيجعله منسوخًا والآخر ناسخًا، أو الجمع بينهما بإيقاع كل نص على حالة مختلفة، أو الترجيح بين النصين من حيث الصحة والضعف. ولا بد للفقيه القائم بذلك أن يكون عالمًا بالمقاصد الشرعية والمآلات المرعية والمصالح الإنسانية، وأن تتوفر فيه شروط الاجتهاد.
كيف تُيسّر النظريات الست فهم علم أصول الفقه ودراسته بترتيبه الموروث؟
النظريات الست — الحجية والتوثيق والفهم والقطعي والظني والإلحاق والتعارض والترجيح — هي محاولة للقيام برحلة في عقل الأصولي لمعرفة كيف كُتب علم الأصول. فهم هذه النظريات يجعل دراسة علم أصول الفقه أيسر وأسهل سواء بترتيبه الحالي أو بترتيبه الموروث. فهي ليست مجرد تصنيف أكاديمي بل هي مفاتيح لفهم المنطق الداخلي لهذا العلم.
علم أصول الفقه منظومة من ست نظريات متكاملة تبدأ بإثبات حجية الكتاب والسنة وتنتهي بضوابط الاجتهاد والترجيح.
علم أصول الفقه في جوهره رحلة منطقية في ذهن الأصولي تنطلق من سؤال واحد: ما هو الدليل؟ فتُثبت نظرية الحجية أن القرآن الكريم حجة بإعجازه وتواتر نقله، وأن حجية السنة مستمدة من القرآن ذاته بآيات صريحة تأمر بطاعة الرسول واتباعه، ثم تأتي نظرية التوثيق لتبحث في كيفية وصول هذه النصوص إلينا عبر علماء القراءات والمحدثين.
تتكامل نظريات علم أصول الفقه الست لتشكّل منهجًا متكاملًا: فبعد الحجية والتوثيق تأتي نظرية الفهم التي تستوعب دلالات الألفاظ والمجاز والعموم والخصوص، وقد زاد الأصوليون على اللغويين في هذا الباب. ثم تُميّز نظرية القطعي والظني بين مسائل الإجماع التي لا تقبل الخلاف وما دونها، فيما تُعالج نظرية الإلحاق المسائل غير المنصوصة بآلية القياس، وتختتم نظرية التعارض والترجيح المنظومة بأدوات التعامل مع النصوص المتعارضة في ظاهرها.
أبرز ما تستفيد منه
- الحجة في الشريعة هي الكتاب والسنة، وحجية السنة ثابتة بنص القرآن الكريم.
- الأصوليون زادوا على اللغويين في فهم دلالات الألفاظ كالعموم والخصوص والإطلاق.
- القياس هو إلحاق أمر مسكوت عنه بأمر منصوص عليه لاشتراكهما في العلة.
- الدين علم له منهج وقواعد، ولا يصح الكلام فيه بلا تخصص وتأهيل علمي.
أهمية الغوص في عقول العلماء لفهم مناهج التفكير الإسلامي
من مبادئنا: أنَّنا ندعو إلى الْغَوْصِ في عُقُولِ الْأَوَّلـِين، من الْعُلَمَاءِ الْمُتَّـقِين، والْـمُفَـكِّرِينَ الْمُسْلِمِين، في رحلةٍ نحاول فيها استكشاف منطقهم، ونحاول أن نعرف كيف كانوا يفكرون.
فهم قد كَتَـبُوا نِتَاجَ فكرهم كنتائجَ توصلوا إليها، وعلينا اليوم ألَّا نكتفيَ بأن نقرأ نتاج أفكارهم المسطور في الكتب فحسب؛ بل علينا أن نَعْرِفَ كيف توصلوا إليها، وما هي المقدِّمات التي استعملوها حتى بَنَوْا عليها هذه النتائج. نريد أن نَعْرِفَ كيف يفكر الْأُصُولِيُّ، وكيف يفكر الْـفَقِيه، وكيف يفكر الْمُحَدِّث، وكيف يفكر الْمُفَسِّر؛ بالإضافة إلى المعلومات الأساسية التي كان يتصور بها الكونَ كلٌّ منهم.
مدرسة الفقهاء المحدثين في استخراج النظريات الفقهية
نَظَرَ كَثِيرٌ مِنَ العلماء في الْفِقْهِ الْإسْلَامِيِّ وحاولوا أن يستخرجوا منه النظريات الضابطة، وكان المُحْدَثُون من أمثال: الشيخ مُـحَمَّد أَبِي زَهْـرَة [1]، والأستاذ مُصْطَفَى الزَّرْقَا [2]، وغيرهم، قد ساهموا كثيرًا في التأمل في الفقه، والقارئ لهم يرى في كتبهم كثيرًا من هذا، فيجد مثلًا: «نظرية الْعَـقْد»، و«نظرية الالْتِزَام»، و«نظرية التَّعَسُّف في استعمال الْحَـقِّ»، و«نظرية الضَّرُورة»... إلخ، وهؤلاء الأعلام لم يكونوا وحدهم؛ بل أنشأوا مدرسة تضم كثيرًا من الفقهاء المعاصرين، أصبح دَيـْدَنَهُمْ الْغَوْصُ في هذا التراث والبحث عن النظريات التي أتى بها الفقهاء المسلمون، ونشرها في ثوبٍ خَلَّابٍ بحيث تسر النَّاظِرِين، وهي -والحمد لله- كثيرة.
السنهوري وشلتوت واستخدام الفقه الإسلامي في القانون العالمي
وفي كثيرٍ من الأحيـان تتشابـه هـذه النظريات مع الفكـر العالمـي، وهذا هو الذي شعر بـه القانونيُّ العظيم: عبد الرَّزَّاق السَّنْـهُورِيُّ [3] عندما أراد للتشريع الْمِصْرِيِّ أن يجـد قدمًا بين التشريعات الأخـرى في القانـون العالمي، فأخـذ يقـرأ أكثر من سِتَّـةَ عَشَرَ تشريعًا عالميًّا، منها: التشريع الهندي، والبلجيكي، والفرنسي، والأمريكي، والإنجليزي، وغيـر ذلك من التشـريعـات، سـواءٌ تـلك التي اعتمدت على القانون الثابت، أو على السوابـق القضائية، أو التي اعتمدت على غير ذلك؛ فجميع التشريعات إنَّما تتوخى العدل ليس في هذا خـلاف، ولكـن الخـلاف بيـن كـل التشـريعات هو في الإجابـة عن هذا السؤال: كيـف نصـل إلى العدل؟
اعتماد الفقه الإسلامي في القانون الدولي وطرح رحلة ذهن الأصولي
وقد حاول الأسـتاذ السَّنْهُورِيُّ أن يجيب عن هذا السؤال من خـلال تراثنا الفقهـي ومبادئنا الإسلامية؛ وبذلك استطاع أن يضع أقدامنا على خريطة العالم الفكرية، وهذا هو ما كان يبتغيه الأستاذ السَّنْهُورِيُّ، وأيَّده في ذلك الاتجاه الشيخُ مَحْمُود شَلْتُوت [4] عندما قدَّم بحثه عن «المسئولية المدنية والجنائية في الشريعة الإسلامية» إلى مؤتمر لاهاي، وكان بحثًا بديعًا أتى فيه بالجديد الذي لا يعرفه العالَم عن الموضوع، وكان كُلُّ ذلك من خلال ما تركه لنا الفقهاء المسلمون في هذا التراث الذي بين أيدينا، وحينئذٍ تمَّ اعتماد الفقه الإسلامي مصدرًا من مصادر القانون الدولي.
هذه المجهودات التي تمَّت كانت فيها محاولة لما نسميه: «رحلة في ذهن العالِم المسلم». فهل يمكن أن نُـفَعِّلَ مثل هذه الرحلة في ذهن علماء الأصول؟
الأسئلة حول طريقة تفكير الأصوليين من الشافعي إلى الأسنوي
إذا ما حاولنا أن نُـفَعِّلَ ذلك في علم الأصول، فسوف نبدأ بالأسئلة الآتية:
كيف فكر الْأُصُولـِيُّونَ في مراحلهم المختلفة التي مَـرَّ بها هذا العلم؟ فكيف فكر الشَّافِعِيُّ -مثلًا- حتى يصل إلى كتاب «الرِّسَالَة»؟ ونفس السؤال يُطرح بنفس الصيغة أو بصيغ مختلفة عند الحديث عن الإمام الْغَـزَالِيِّ [5]، وكذلك عند الحديث عن الإمام الرَّازِيِّ [6]، وكذلك الإمام الْأسْنَوِيِّ [7]، وغيرهم من أئمة الأصول.
تصور شامل لمسائل الأصول كرحلة أسئلة في ذهن الأصولي
وهكذا على مر التاريخ وإلى يومنا هذا، نريد من هذا الغوص في عقول الأصوليين أن نقف مع كل عَلَمٍ منهم، فنعرف: كيف فكر كلٌّ منهم؟ ولماذا أثار هذه الموضوعات في هذا العلم؟ فإذا غُصْت في علم الأصول، وحاولت أن تُلَمْلِمَ أطرافه ومسائله في كل أبوابه وكتبه من القرآن والسنة، ثم الإجماع والقياس، ثم التعارض والترجيح... وهكذا، حتى تصل إلى كتاب الاجتهاد، إذا فعلنا هذا، وحاولنا أن نرحل هذه الرحلة في ذهن الأصولي؛ فسنجده وكأنَّه قد سأل نفسه أسئلةً منطقيَّـةً متتالية، وأراد أن يضع الأدوات التي يستطيع بها أن يُجيب عن هذه الأسئلة.
فإذا بدأنا بالإمام الشَّافِعِيِّ -واضع هذا العلم- فسنجده وكأنَّه قد سأل نفسه: ما هو الدليل؟ وما هي الحُجَّة التي تثبت بها الأحكام؟ فالشَّافِعِيُّ ر تُوفي عام أربعةٍ ومئتين من الهجرة في مطلع القرن الثالث، وهذا معناه: أنَّه هو وأهل زمانه لم يَـتَلَـقَّوْا عن رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة، فكيف تثبت الأحكام؟ وكيف نَطْمَـئِن ونثق أنَّ هذا الذي نصل إليه من أحكام هي مراد الله سبحانه وتعالى؟
نظرية الحجية وبداية البحث في الدليل الشرعي عند الشافعي
1- نَظَرِيَّـةُ الْحُجِّـيَّـة هذا هو السؤال الأول الذي أراد الإمام الشَّافِعِيُّ الإجابةَ عنه: ما هي الحُجَّة؟ وأخذ الشَّافِعِيُّ يحاول الإجابة عنه؛ فوجد أنَّ المسلمين بذلوا غاية الْجُهْدِ في الحفاظ على القرآن الكريم، فحَفِظُوه في الصدور بأسانيدَ متصلة ومتواترة ومتكاثرة، وحَفِظُوه كذلك في السطور مكتوبًا؛ بل حافظوا عليه في شكل هذه الكتابة حتى سُمِّيت هذه الكتابة بـ «الرَّسْمِ الْعُثْمَانِيِّ»، وأصبح رسم المصحف فنًّا برأسه، وعِلمًا بحالِه، وبهذه الصورة التي يستحيل معها الخطأ -ونقول: يستحيل وليس يصعب- بهذه الصورة التي انْـبَـنَتْ على هذه المجهودات العظيمة، والتي ليس لها مثيل في البشرية كلِّها؛ يستطيع ناشد الحق أن يثقَ ثقةً مطلقةً في هذا الكتاب الكريم.
توثيق القراءات ووجه إعجاز القرآن في تركيبه ولغته
ففي القرآن قراءاتٌ عَشْر، أسانيدها متواترة، وهناك أكثر من تسعين قراءة غير معتمدة؛ لأنَّها لا توافق خط المصحف، أو لأنَّها لا توافق العربية، أو لأنَّها لا توافق الرواية، وعدم الموافقة هذه لم يكن في كل القرآن؛ بل كان فقط في مواطن معينة، ومع هذا لم يعتبروها أو يعتمدوها!.
وأيضًا، فَإِنَّ الحديث في القرآن المجيد ليس خَطِّـيًّا؛ بمعنى أنَّه يقول مثلًا: إنَّه في سنة واحد حصل كذا، وفي سنة اثنتين حصل كذا، وفي سنة عشرين سوف يحصل كذا؛ بل أتى الحديث فيه مُرَكَّبًا، كما أنَّ الحياة أمامه مُرَكَّبَـة هي الأخرى وليست خطًّا؛ لأنَّ الإنسان مع الواقع في تَغَـيُّرٍ وجَدَلِـيَّـةٍ مستمرة.
وفوق هذا الذي ذكرناه، فقد كان هذا الكتاب دالًّا في نفسه على صدقه؛ حيث إنَّه صِيغَ بصيغةٍ وكُتِبَ بلغةٍ ليست هي لغة البشر المعتادة، لا في عصره ولا في العصور التالية له.
وأيضًا، فَإِنَّ كل ما تكلم القرآنُ عنه فقد صدق فيه، وليس فيه من عبارةٍ إلَّا وهي توافق جميع الأسقف المعرفية وإن اختلفت.
تكامل الكتاب المسطور والكون المنظور وإثبات حجية السنة
إذن، فهذا القرآن لا تقوم به الحجة فحسب؛ بل هو معجِزٌ لكل العالمين في كل العصور وفي كل النواحي، سواءٌ في صياغته، أو في أسلوبه، أو في ترتيبه، أو في عرضه. ونتج عن هذا كله أن وافق هذا الكتابُ المسطورُ كتابَ الكون المنظورِ، ووافقهما معًا هذا الكتابُ المقدور «الذي هو الإنسان».
فليس بعد ذلك برهانٌ على أنَّه من عند الله، وعلى أنَّه نُقِلَ إلينا بصورة لافتة للنظر، موثقة معتمدة؛ فنتج عن ذلك كله أنَّه حُجَّة.
ثم تأملوا بعد ذلك في هذا الكتاب -الذي تيقنوا أنَّه حُجَّة- فوجدوا قوله تعالى:
(وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)[الحشر: من الآية 7]
ونجد فيه الأمر بطاعة الله تعالى وطاعة رَسُولـِهِ صلى الله عليه وآله وسلم:
(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) [التغابن: من الآية 12]
وفيــه أيضًا الأمر باتباع النَّبِــيِّ صلى الله عليه وآله وسلم:
(قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) [آل عمران: من الآية 31]
وفيه:
(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) [الأحزاب: 21]
؛ فعُلِم من هذا أنَّ السُنَّـةَ أيضًا حُجَّة.
نقل السنة بالثقة التامة وربطها بالوحي في نظرية الحجية
وكذلك فإنَّ السُّنَّـة قد نُقِلَتْ بصورةٍ معتمدةٍ موثوقٍ بها، لافتةٍ للنظر؛ مصداقًا للحديث الذي رواه عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قال:
«وَاللهِ إِنِّـي لَا أَقُـولُ إِلَّا حَقًّا» [8].
وهذا الحديث هو شرح للآية الكريمة:
(وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) [النَّجم: 3-5]
؛ فهو صلى الله عليه وآله وسلم لا يقول شيئًا من عند نفسه، ولا يخطئ في التبليغ عن ربه:
(وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ) [الحاقَّة: 44-46]
... إلى آخر ما هنالك من آيات.
والشَّافِعِيُّ في هذا كله في محاولة للإجابة عن السؤال الأول: «ما الـحُجَّة؟»، وكانت الإجابة: أنَّ الحجة هي الكِتَابُ والسُّنَّـةُ.
نظرية التوثيق في أصول الفقه وسؤال وصول النصوص
2- نَظَرِيَّةُ التَّوْثِيقِ وبعد هذا جاء السؤال الثاني: كيف وصل إلينا الكِتَابُ والسُّنَّـة؟ وهو سؤال عن التوثيق، وقد تولى الإجابة عنه علماء القراءات والْمُحَدِّثُون.
إذن، فالسؤال الثاني الذي خطر في بال ذلك الأصولي وهو يحاول أن يضع أداةً لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، كان عن «نَظَرِيَّة التَّوْثـِيـق» بعد النظرية الأولى: «نَظَرِيَّة الْحُجِّيَّة»، وإجابة هذا السؤال كانت مباحث التوثيـق الموجودة والمبثوثة في علم أصول الفقه.
نظرية الفهم وأهمية اللغة العربية وحروف المباني
3- نَظَرِيَّـةُ الْفَهْمِ وبعد ثبوت النظريتين السابقتين «الْحُجِّيَّـة» و«التَّـوْثـِيـق»، جاء السؤال الثالث عن كيفية فَهْمِ هذه النصوص المنقولة إلينا، وهو ما يمكن أن نسميه بـ «نَظَرِيَّة الْفَهْم». كيف نقرأ الكِتَابَ وَالسُّنَّة؟ وكيف ندرسهما؟
وتحقيقًا لهذه النظرية كان لا بد من الاهتمام باللُّغة العربية على مستوى تركيب الجملة، وعلى مستوى مفرداتها، بل على مستوى الحرف البنائي للكلمة العربية، وعددها -كما هو معلوم- ثمانيـة وعشرون حرفًا، كانت تُجمعُ قديمًا طـبـقًا للأبجديات الْعِبْرَانِيَّـة والسُّــرْيَانِيَّـة وغيرها في قولهم: «أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت ثخذ ضظغ».
ومن هذا الاهتمام ما رأوه من أنَّ الرسم القرآني كان رسمًا فريدًا، فهو في ذاته يحافظ على نفسه ولا يُقاس عليه، فمثلًا: كلمة «إبراهيم» في سورة البقرة ليس فيها ياء بخلافها في كل القرآن؛ حيث أثبتت فيها الياء، وكذلك كلمات مثل «امرأة»، و«رحمة»، و«شجرة» فهي مرة تُكتب بالتاء المفتوحة ومرة أخرى تكتب بالتاء المربوطة، ومن مثل لفظة: «أن لا» مرة تكتب مفصولة: «أن لا»، ومرة أخرى تكتب: «ألَّا» من غير نون... وهكذا. وجدوا عجائبَ في هذه الكتابة فحافظوا عليها كما هي؛ وبهذا ثبت أنَّ القرآن معجزٌ في رسمه كما أنَّه معجزٌ في لفظه.
حروف المعاني واختيار الأصوليين لما يرتبط باستنباط الأحكام
وبعد حديثهم عن حروف المباني يأتي الحديث عن حروف المعاني [9]، وعددها في اللُّغة العربية قد يصل إلى نحو تسعين حرفًا، المذكور في القرآن منها نحو أربعة وثلاثين حرفًا فقط، وتجد الحديث عن هذه الحروف ومعانيها مبسوطًا في كتب اللُّغة، مثل «مغني اللبيب» لابن هِشَام، وغيره.
أما الْأُصُولـِيُّون فقد بحثوا فقط نحوًا من أحد عشر حرفًا تقريبًا؛ لأنَّها تتعلق باستنباط الأحكام الفقهية الواردة في الكتاب، كلُّ ذلك من أجل «نَظَرِيَّة الْفَهْم».
توسع الأصوليين في دلالات الألفاظ فوق ما قرره أهل اللغة
ومن الأشياء التي بحثوها أيضًا في محاولتهم الإجابة عن سؤال «نظرية الفهم» مسائلُ: السباق، والسياق، ودَلالات الألفاظ، والمجاز، والحقيقة، والاشـتراك، وخصائص اللُّغة، وأيضًا تكلموا عن العموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، وعن الاستثناء، وعن المخصصات، وعن الخاص والعام، وكيف يكون هذا التخصيص وما أحواله. كل ذلك من أجـل أن يكون الْفَهْمُ لما بين أيديهم من نصوصٍ فَهْمًا سليمًا، والأعجب من ذلك أنَّهم قد أَتـَوْا بأشياءَ لم يتكلم عنها أهل اللُّغـة، مع أنَّ اللُّغة مصدرها النقل عن العرب! لكنهم فكروا فأوجدوا هذه الأدوات المساعِدة على الْفَهْم، والتي يتمكنون بها من استنباط الأحكام الشرعية؛ فزادوا على مقالة اللُّغويين: العموم، والخصوص، والإطلاق... إلخ [10].
وعلى ذلك فالنظرية الثالثة هي: كيف نفهم الْـكِتَابَ والسُّنَّة؟
نظرية القطعي والظني ومجال الإجماع والخلاف في الأحكام
4- نَظَرِيَّـةُ الْقَطْعِيِّ وَالظَّـنِّيِّ هناك مسائلُ اتفق جميع العلماء على قول واحد فيها ولم يُوجد من يخالفهم، وهناك مسائل أخرى لم يتفقوا فيها على قول واحد بل اختلفوا فيها، ومع ذلك لم ينكر بعضهم على بعضٍ؛ وهو ما يسمى بالقطعي والظني في كلٍّ من الدَّلالة والثبوت؛ فالأول هو ما يسمى بـ «القطعي» والثاني هو ما يسمى بـ «الظني»، كلاهما من حيث الدَّلالة. أما من حيث الثبوت فقد سبق الحديث عنه.
والأول هو ما أُخِذَ منه الإجماع، فكل مسائل الإجماع قطعيةُ الدَّلالة، لا تصح مخالفتها، ومن أمثلته: كون الصلوات المفروضة خمسٌ، وأنَّ الوضوء قبل الصلاة، وأنَّ الزكاة واجبة، وأنَّ الحج هو الركن الخامس.
خطر الكلام في القطعيات بلا علم والتمييز بين الدين والمجالات الأخرى
ومن العجيب أنَّ هذه المسائل المجمع عليها والتي لا يجوز بحالٍ الخلاف فيها أو الخروج على إجماع علماء المسلمين فيها، من العجيب أن يُخالف فيها الآن بعض الناس المساكين الذين لم يذهبوا إلى الأكاديميات العلمية المتخصصة، ويقولون: ما الحاجة إلى أن ندرس في الجامعات؟! ويَنْسَوْنَ أو يَـتَـنَاسَوْنَ أنَّ من لم يذق مُـرَّ التعلم ويصبر على مُـرِّه؛ لا يصح له أن يجلس على أريكة المُعَلِّمِين والمُوَجِّهِين، وإلَّا ضَلُّوا وأَضَلُّوا، على نحو ما قال القائل:
وَمَنْ لَمْ يَذُقْ مُرَّ التَّعَلُّمِ سَاعَةً
تَجَرَّعَ ذُلَّ الْجَهْـلِ طُولَ حَيَاتِـهِ
وَمَنْ فَاتَهُ التَّعْلِيمُ وَقْتَ شَبَابِـهِ
فَكَبِّرْ عَلَيْهِ أَرْبـَعًا لِوَفَاتِهِ
وَذَاتُ الْفَتَى -وَاللهِ- بِالْعِلْمِ وَالتُّـقَى
إِذَا لَمْ يَكُونَا لَا اعْتِبَارَ لِذَاتِـهِ
فهناك فَـرْقٌ كبيـر بيـن الدِّيـن والمجـالات؛ فالـدِّيـن عِـلْـمٌ يُؤخـذ عن العلمـاء، أما المجالات -كالفنـون والآداب والرياضة والسياسة- فلكلٍّ أن يقول ما يـراه؛ إذ كلها مسائل تحتمـل الـرأي والـرأي الآخـر، ومطلوب فيها الإبـداع وإطلاق العِنان. أمَّا الدين فعِلمٌ، والعلم له منهج وقواعد، وبهذا العلم يمكننا وَضْع الفكر في ضوابط وقوالب يمكن نقلها لمن بعدنا.
نتائج غياب المنهج العلمي في الفتوى وتحويل الدين إلى مجال للأهواء
ولو أنَّنا فرقنا بين العلم والمجالات؛ لَمَا وجدنا هذه الطَّامَّات التي نسمعها بين الْفَيْنَةِ والْفَيْنَة؛ فأحدهم يُبيح القُبْلَة، أو يُبيح الدخان في نهار رمضان، أو يُبيح كذا وكذا... إلى آخر هذا الفكر الْمُشَوَّش، وهذا الفكر نتج من عدم التخصص؛ لأنَّه لم يَبْنِ ذهنه بطريقةٍ يتعلم فيها الأدوات؛ بل أراد أن يُحَوِّل الدِّين إلى مجال، تأتيه الخواطر فيتكلم كيف يشاء، ثم يغيِّرُ رأيَه في اليوم الثاني، ثم يتأثر به أو لا يتأثر به بعضُهم، وإذا أردنا أن نُبَـيِّنَ له الصواب وندُلَّـهُ على الطريق؛ اتُّهمنا بأنَّنا علماء السلطان، وعَلِمَ اللهُ أن ليس هذا إلَّا الشغب الذي يُراد به هَدْمُ المنهج.
نظرية الإلحاق والقياس كحل لمسائل الأفعال غير المنصوصة
5- نَظَرِيَّـةُ الْإلْحَاقِ نأتي بعد ذلك إلى النظرية الخامسة، وهي: «الْإلْحَاق»، وسببها: أنَّ الفقيه لَمَّا أراد أن يستنبط لكل فعلٍ بَشَرِيٍّ حُكمًا من الكتاب والسنة لم يجد؛ فكان بين أمرين:
الأول: أن يجعلَ كلَّ شيء مباحًا دون النظر إلى المصلحة أو المقاصد أو المآلات، ما دام أنَّه ليس مذكورًا في الكتاب أو السُّنَّـة.
الثاني: أن يُلحق الشبيهَ بشبيهه، والنظيرَ بنظيره؛ ومن هنا جاءت آلية ضخمة تَوَسَّعُوا فيها جدًّا في كل مراحلها ودرجاتها وخطواتها، وهي «آلية القياس»، ومعناه: إلحاق أمر مسكوت عنـه بأمر منصوص عليه، فمثـلًا حديث:
«لَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَـيْـعِ أَخِيـهِ وَلَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْـبَةِ أَخِيـهِ إِلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَـهُ» [11]
؛ فهل يُلحـق الفقيهُ بابَ الإجارة مثلًا بالبيع، فيُـفتي بأنَّـه لا يصح للمسلم أن يُؤجر على إيجار أخيه أم لا؟ «هذا هو القياس».
نظرية التعارض والترجيح وشروط المجتهد في التعامل مع النصوص
6- نَظَرِيَّـةُ التَّـعَارُضِ وَالتَّـرْجِيحِ بعد ذلك تأتي النُّصوص المتعارضة في ظاهرها، وهذا فنٌّ عظيم من فنون العلم، ألَّف فيه العلماء، فيجتهد الفقيه حتى يعرف أيَّ النَّصَّيْنِ أسبق في الزمان، فيجعله منسوخًا ويجعل الآخر ناسخًا، أو يجمع بينهما، بأن يُوقِـع كلًّا من النَّصَّين على حالتين مختلفتين، أو الترجيح بين النَّصَّيْنِ من حيث الصحة والضعف، أو غير ذلك من المسالك المتَّبعـة في التعامل مع النصوص المتعارضة، وحتى يتسنَّى للفقيه أن يقوم بذلك، لا بد أن يكون عالمًا بالمقاصد الشرعية، وبالمآلات المـرعية، وبالمصالح الإنسانية، وأن يكون عنده من الأدوات ومن العلم ما يُمكِّنه من أن يكون مجتهدًا؛ فوضعوا شروط الاجتهاد.
خاتمة: النظريات كرحلة مبسطة في عقل الأصولي لتيسير دراسة الأصول
هذه النظريات إنَّما هي محاولة للقيام برحلة في عقل الْأُصُولِيِّ، أردنا منها أن نعرف كيف كُتِب عِلْمُ الْأُصُول. إذا فَهِمْنَا هذه النظريات؛ أصبحت دراسة علم الأصول أيسر وأسهل بترتيبها الْحَالِيِّ وبترتيبها الموروث.
ما شعورك تجاه هذا الفصل؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفصل؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
ما السؤال الأول الذي انطلق منه الإمام الشافعي في تأسيس علم أصول الفقه؟
ما هي الحجة التي تثبت بها الأحكام؟
كم عدد التشريعات العالمية التي درسها السنهوري في بحثه المقارن؟
أكثر من ستة عشر
ما الآلية التي يلجأ إليها الفقيه لاستنباط حكم مسألة غير منصوص عليها في الكتاب والسنة؟
القياس
كم عدد القراءات القرآنية المعتمدة ذات الأسانيد المتواترة؟
عشر قراءات
ما النظرية الثانية في ترتيب نظريات علم أصول الفقه؟
نظرية التوثيق
من تولى الإجابة عن سؤال نظرية التوثيق في علم أصول الفقه؟
علماء القراءات والمحدثون
كم عدد حروف المعاني التي بحثها الأصوليون من أصل ما يقارب تسعين حرفًا؟
أحد عشر حرفًا
ما الذي يُميّز المسائل القطعية عن الظنية في علم أصول الفقه؟
القطعية اتفق عليها جميع العلماء ولا تصح مخالفتها
ما البحث الذي قدّمه شلتوت إلى مؤتمر لاهاي وأسهم في اعتماد الفقه الإسلامي مصدرًا للقانون الدولي؟
المسئولية المدنية والجنائية في الشريعة الإسلامية
ما الذي يُثبت أن القرآن معجز في رسمه وفق ما ذكره الأصوليون؟
وجود عجائب في كتابته حافظوا عليها كما هي دون قياس عليها
ما المسالك التي يتبعها الفقيه في التعامل مع النصوص المتعارضة في ظاهرها؟
النسخ أو الجمع بين النصين أو الترجيح بينهما
ما الفرق الجوهري بين الدين والمجالات الأخرى كالفنون والسياسة؟
الدين علم له منهج وقواعد يُؤخذ عن المتخصصين
ما معنى القياس في علم أصول الفقه؟
إلحاق أمر مسكوت عنه بأمر منصوص عليه
ما الذي يجعل الثقة بالقرآن الكريم مطلقة وفق نظرية الحجية؟
حفظه في الصدور بأسانيد متواترة وفي السطور بالرسم العثماني
ما الذي يُثبت حجية السنة النبوية وفق منهج الأصوليين؟
نصوص القرآن الكريم الآمرة بطاعة الرسول واتباعه
ما النظريات الست لعلم أصول الفقه بالترتيب؟
الحجية، والتوثيق، والفهم، والقطعي والظني، والإلحاق، والتعارض والترجيح.
لماذا نشأ سؤال الحجية عند الإمام الشافعي تحديدًا؟
لأن الشافعي وأهل زمانه لم يتلقوا عن رسول الله مباشرة، فاحتاجوا إلى إثبات كيفية ثبوت الأحكام والطمأنينة بأنها مراد الله.
ما الآية القرآنية التي تُثبت حجية السنة بصورة مباشرة؟
قوله تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا).
ما الفرق بين القراءات المعتمدة وغير المعتمدة في القرآن الكريم؟
القراءات العشر المعتمدة أسانيدها متواترة وتوافق خط المصحف والعربية والرواية، أما القراءات غير المعتمدة فتخالف أحد هذه الشروط الثلاثة.
ما الذي يُميّز نظرية الفهم عند الأصوليين عن مباحث اللغويين؟
الأصوليون زادوا على اللغويين بأدوات لا توجد في كتب اللغة كدلالة صيغة الأمر على الوجوب والنهي على التحريم وكون كل وأخواتها للعموم.
ما مثال القياس الذي ذُكر في نظرية الإلحاق؟
إلحاق الإجارة بالبيع في حكم النهي عن التأجير على إيجار الأخ، قياسًا على حديث النهي عن البيع على بيع الأخ.
ما شرط الفقيه الذي يتصدى لنظرية التعارض والترجيح؟
يجب أن يكون عالمًا بالمقاصد الشرعية والمآلات المرعية والمصالح الإنسانية، وأن تتوفر فيه شروط الاجتهاد.
ما أمثلة المسائل القطعية التي لا يجوز الخلاف فيها؟
كون الصلوات المفروضة خمس، وأن الوضوء قبل الصلاة، وأن الزكاة واجبة، وأن الحج هو الركن الخامس.
ما الهدف المشترك بين جميع التشريعات العالمية وفق ما توصل إليه السنهوري؟
جميع التشريعات تتوخى العدل، والخلاف بينها ليس في الهدف بل في الإجابة عن سؤال: كيف نصل إلى العدل؟
ما الكتاب الذي قدّمه شلتوت إلى مؤتمر لاهاي وما نتيجته؟
قدّم بحثًا عن «المسئولية المدنية والجنائية في الشريعة الإسلامية»، وكانت نتيجته اعتماد الفقه الإسلامي مصدرًا من مصادر القانون الدولي.
لماذا اقتصر الأصوليون على دراسة أحد عشر حرفًا من حروف المعاني؟
لأن هذه الحروف تحديدًا هي المتعلقة باستنباط الأحكام الفقهية الواردة في الكتاب، وما عداها لا يخدم غرض نظرية الفهم.
ما الرسم العثماني وما أهميته في علم أصول الفقه؟
هو طريقة كتابة المصحف التي أصبحت علمًا بحاله، وهو رسم فريد لا يُقاس عليه، ويُثبت أن القرآن معجز في رسمه كما هو معجز في لفظه.
ما نتيجة تحويل الدين إلى مجال للأهواء بدلًا من التعامل معه كعلم؟
يُفضي إلى فتاوى مشوشة تُبيح المحرمات، وإلى تغيير الآراء من يوم ليوم، وهدم المنهج العلمي الذي يضبط الفكر الإسلامي.
ما الذي يعنيه الغوص في عقول الأصوليين بدلًا من قراءة نتائج أفكارهم فقط؟
يعني معرفة المقدمات التي استعملوها وكيف توصلوا إلى نتائجهم، لا مجرد قراءة ما كتبوه من أحكام ونتائج في كتبهم.
ما النظريات الفقهية التي استخرجها أبو زهرة والزرقا من الفقه الإسلامي؟
نظرية العقد، ونظرية الالتزام، ونظرية التعسف في استعمال الحق، ونظرية الضرورة.