ما هي خصائص اللغة العربية وكيف تؤثر في فهم القرآن الكريم وتحقيق التفكير المستقيم؟
خصائص اللغة العربية تقوم على ترابط حروف الجذر الواحد في معنى جامع، مما يمنح المتكلم خريطة دلالية واسعة تعينه على فهم القرآن الكريم فهمًا عميقًا. اللغة العربية تُعدّ الوجه الآخر للفكر، فكلما استقامت اللغة استقام الفكر وزاد الإبداع. وقد أحصى العلماء أن جذور ألفاظ القرآن والسنة لا تتجاوز ثلاثة آلاف وستمئة جذر من أصل أربعين ألف جذر في اللغة، وهو القدر الكافي لتعلم اللغة وإتقانها.
- •
كيف تؤثر خصائص اللغة العربية في استقامة الفكر وفهم القرآن الكريم وتحقيق الإبداع الحقيقي؟
- •
اللغة العربية لا يحيط بها إلا نبي كما ذكر الإمام الشافعي، والنقاط المطروحة أمثلة تدل على ما وراءها لا استقصاء شاملًا.
- •
هناك فرق جوهري بين اللغة المقدسة وقدسية اللغة؛ فاللغة كائن حي يتطور بينما النص المقدس ثابت يستوجب معرفة قواعد لغته.
- •
جذور ألفاظ القرآن الكريم لا تتجاوز 1810 جذرًا، وجذور القرآن والسنة معًا لا تتجاوز 3600 جذر من أصل 40000 جذر في القاموس المحيط.
- •
ترابط حروف الجذر العربي في معنى جامع — كجذر «م ل ك» الذي تجمع مشتقاته معنى القوة — يمنح العربي خريطة دلالية تعينه على فهم القرآن بعمق.
- •
معرفة خصائص اللغة العربية تكشف دلالات ألفاظ القرآن الخفية وتعمّق الشعور بإعجازه وأحكامه.
- 1
اللغة العربية لغة القرآن والحديث، وهي الوجه الآخر للفكر؛ استقامتها تستقيم به الأفكار وتعمّق فهم القرآن وإعجازه.
- 2
الفلسفة اللغوية للعربية لا يحيط بها إلا نبي، والنقاط المطروحة أمثلة تدل على ما وراءها من تفكير مستقيم وفهم صحيح للقرآن.
- 3
الاهتمام بالدراسات اللغوية العربية واجب من كل جانب، غير أن الإحاطة الكاملة بها متعذرة لاتساع الأمر فيها.
- 4
اللغة المقدسة هي التي كُتبت بها نصوص مقدسة كالتوراة بالعبرية والأناجيل بالسريانية والقرآن بالعربية، وتستوجب دراسة خصائصها.
- 5
دراسة خصائص لغة النصوص المقدسة وقوانينها ومفرداتها ضرورة لفهم الوحي فهمًا صحيحًا والوصول إلى مراده.
- 6
اللغة كائن حي يتطور ولا قدسية لها في ذاتها، والفرق بين اللغة المقدسة وقدسية اللغة جوهري يستوجب التمييز الدقيق.
- 7
معلقة امرئ القيس مثال على تطور اللغة العربية؛ مفرداتها عربية لكن كثيرًا من الناس اليوم لا يفهمون شيئًا منها.
- 8
الإيقاع العربي يُحسّ به حتى من لا يعرف العربية، واللغة تتطور لكن تطورها لا يمس اللغة المقدسة التي كُتبت بها النصوص المقدسة.
- 9
جذور ألفاظ القرآن الكريم لا تتجاوز 1810 جذرًا من بين آلاف الجذور العربية، وهذا هو القدر المقدس من اللغة.
- 10
جذور القرآن والسنة معًا لا تتجاوز 3600 جذر من أصل 40000 جذر في القاموس المحيط، أي أقل من 10% من اللغة العربية.
- 11
الدراسات اللغوية الحديثة تؤكد أن 3000 جذر تكفي لتعلم أي لغة، وهذا يفسر انتشار العربية والإسلام عبر القرآن والسنة.
- 12
اللغة العربية من اللغات العالمية المتمكنة المعترف بها في الأمم المتحدة، بينما تموت لغة كل 25 يومًا في العالم.
- 13
خاصية ترابط حروف الجذر العربي تجعل كل مشتقات الجذر الواحد تشترك في معنى جامع، كجذر ملك الذي تجمع مشتقاته معنى القوة.
- 14
الجذر العربي لكلمة ملك يحمل معنى القوة، مما جعل العربي يتصور الملائكة أقوياء فور سماع الآية دون تفكير مسبق.
- 15
ابن جني في الخصائص، والخليل في العين، وابن فارس في مقاييس اللغة، وابن دريد في الجمهرة — أئمة أسّسوا لدراسة خصائص اللغة العربية.
- 16
جذور هرج ورهج وهجر وجهر تجمعها دلالة الحركة والاضطراب والانتقال، وهذا نموذج على خاصية الترابط الدلالي في اللغة العربية.
- 17
شبكة الدلالات الجذرية تمنح العربي خريطة معانٍ تعينه على فهم القصص القرآني بعمق واستشعار ما وراء الألفاظ من دلالات.
- 18
قلة القيود في الألفاظ القرآنية تتسع بها الدلالة، كآية الذين يعلمون التي أطلقت العلم ليشمل كل صنوفه دون تقييد.
ما أهمية اللغة العربية في استقامة الفكر وفهم القرآن الكريم؟
اللغة العربية هي الوجه الآخر للفكر، فكلما استقامت اللغة استقام الفكر وزاد الإبداع. الاهتمام بها يؤثر في فهم كتاب الله والتأثر بإعجاز القرآن الكريم والخشوع عند تلاوته. والفكر المستقيم فكر منفتح مبدع، أما تشويش الفكر فيؤدي إلى الابتداع لا الإبداع.
ما المقصود بالفلسفة اللغوية للعربية وهل يمكن الإحاطة بها؟
الفلسفة اللغوية للعربية تعني ما تنطوي عليه هذه اللغة من عجائب وغرائب تدل على ما وراءها. لا يحيط باللغة إلا نبي كما ذكر الإمام الشافعي في الرسالة، لذا فالنقاط المطروحة أمثلة لا استقصاء شاملًا. وهذه الفلسفة تؤدي إلى التفكير المستقيم وتعظيم إعجاز القرآن والفهم الصحيح والإبداع وخير الحياة الدنيا.
لماذا يجب الاهتمام بالدراسات اللغوية العربية وهل يمكن استقصاؤها؟
يجب الاهتمام باللغة والدراسات اللغوية من كل جانب لاتساع الأمر فيها. لا يمكن الإحاطة بهذه المسألة إحاطة كاملة، لذا تُضرب الأمثلة المتتالية لا على سبيل الحصر.
ما الفرق بين اللغة المقدسة وقدسية اللغة وما أمثلة الكتب المقدسة ولغاتها؟
اللغة المقدسة هي اللغة التي كُتبت بها نصوص مقدسة، وهي محصورة في لغات بعينها. فالتوراة كُتبت بالعبرية، والأناجيل بالسريانية، والفيدا عند الهندوس بالسنسكريتية، أما القرآن فكُتب بالعربية. وهذا التحديد يستوجب معرفة خصائص هذه اللغات وقوانينها لفهم نصوصها المقدسة.
لماذا يجب دراسة خصائص لغة النصوص المقدسة لفهم الوحي فهمًا صحيحًا؟
لا بد من الاطلاع على خصائص اللغة المقدسة وقوانينها ومفرداتها من أجل استعمال ذلك في فهم النص المقدس الذي كُتب بها. بعض الناس يقدسون اللغة التي كُتبت بها الكتب المقدسة، مما يجعل دراستها ضرورة لا ترفًا.
هل اللغة العربية مقدسة في ذاتها وما الفرق بين اللغة المقدسة وقدسية اللغة؟
اللغة كائن حي يتطور كما يقول علماؤها، فكل عصر له طريقته في الكلام وأسلوبه كما أوضح الجاحظ. اللغة في ذاتها ليس لها قدسية بمعنى أنها تتغير وتتطور بتطور الأقوام، أما اللغة المقدسة فهي التي كُتب بها نص مقدس مما يستوجب معرفة خصائصها وقواعدها للتوصل إلى الفهم الصحيح.
كيف يتجلى تطور اللغة العربية في صعوبة فهم معلقة امرئ القيس اليوم؟
لغة امرئ القيس في الجاهلية هي اللغة العربية ذاتها التي يتكلم بها الناس اليوم، إلا أن كثيرًا من الناس لا يفهمون مفرداتها وتراكيبها وأخيلتها الآن. هذا يدل على أن اللغة تتطور عبر الأجيال حتى يصعب فهم نصوصها القديمة، مما يؤكد ضرورة دراسة اللغة في سياقها الزمني لفهم النصوص المقدسة.
كيف يشعر غير العربي بإيقاع الشعر العربي وما علاقة تطور اللغة بثبات لغة القرآن؟
حتى من لا يفهم العربية قد يشعر بإيقاعاتها الصوتية، كما حدث مع المستشرق الذي أدرك من إيقاع بيت امرئ القيس أنه يصف حصانًا يجري. اللغة العربية تتطور، لكن في تطورها هذا لا تمس اللغة المقدسة التي كُتبت بها النصوص المقدسة، فهذه تبقى ثابتة تستوجب الدراسة والحفظ.
كم عدد جذور ألفاظ القرآن الكريم وما المقصود بالقدر المقدس من اللغة؟
القرآن الكريم يحتوي على نحو ستة وستين ألف كلمة مردّها إلى ما لا يزيد على ألف وثمانمئة وعشرة جذرًا لغويًا بما في ذلك الأعلام. هذا العدد هو القدر المقدس من اللغة الذي يمثل الأساس الذي يقوم عليه فهم القرآن الكريم.
كم عدد جذور اللغة العربية في القاموس المحيط وما نسبة جذور القرآن والسنة منها؟
جذور السنة النبوية تبلغ نحو ثلاثة آلاف وستمئة جذر، وهي تضم الألف والثمانمئة التي في القرآن. أما القاموس المحيط فيحتوي على نحو أربعين ألف جذر للغة العربية، مما يعني أن جذور القرآن والسنة لم تتجاوز عشرة بالمئة من هذا العدد، وأن أكثر من تسعين بالمئة من اللغة يطرأ عليه التغيير والإهمال، لكن الذي به قوام التفكير هو ثلاثة آلاف وستمئة جذر.
كيف فسّرت الدراسات اللغوية الحديثة انتشار اللغة العربية والإسلام عبر القرآن والسنة؟
الدراسات اللغوية الحديثة تقول إن الإنسان يستطيع تعلم أي لغة إذا أدرك منها ثلاثة آلاف جذر وتسعمئة جملة مفيدة. وهذا يفسر كيف انتشر الإسلام واللغة العربية عبر القرآن الذي حُفظ وتُلي وفُسِّر، فتغلغل في الأتراك والأردو والملايو وغيرهم. الاهتمام بالقرآن يفيد اللغة، واللغة تفيد الاهتمام بالقرآن، فهما دائرة واحدة لا تنفصل.
ما مكانة اللغة العربية بين لغات العالم ولماذا لا تندثر كغيرها من اللغات؟
البشر يتكلمون بأكثر من خمسة آلاف لغة، وتموت لغة كل خمسة وعشرين يومًا بموت آخر من كان يتكلم بها كما رصدت اليونسكو. أما اللغة العربية فهي من اللغات العالمية المتمكنة التي أُقرّت في الأمم المتحدة ومكتبة الكونجرس الأمريكي، لأنها لغة لها حضارتها وثقافتها ودستورها ونسقها.
ما خاصية ترابط حروف الجذر العربي وكيف يتجلى ذلك في جذر ملك وتباديله؟
من أبرز خصائص اللغة العربية أن كل كلمة تتكون من حروف جذر واحد لا بد أن تشترك مع الكلمات الأخرى المشتقة من نفس الحروف في معنى جامع. فجذر «م ل ك» يجمع الملك والمالك والملاك، وكلها تشترك في معنى القوة والسلطان بدرجات مختلفة. وعند تبديل الحروف تنتج ست صور، بعضها مستعمل كلكم وكلم، وبعضها مهمل كمكل ولمك، والمستعمل منها يجمعه معنى القوة.
كيف أثّر الجذر العربي لكلمة ملك في تصور العربي للملائكة عند سماع آية تسعة عشر؟
معنى القوة الجامع في جذر «م ل ك» جعل العربي الجاهلي حين سمع قوله تعالى (عليها تسعة عشر) يتصور فورًا أن ألف رجل لن يكفوا لمواجهة ملَك واحد. هذا التصور نابع من مردود الكلمة ومردود الحروف في طبيعته العربية، إذ اعتاد استعمال هذه الحروف في سياق القوة. وهذا يدل على أن خصائص اللغة العربية تعمّق فهم القرآن وتجعل دلالاته حاضرة في الوجدان.
من أبرز العلماء الذين ألّفوا في خصائص اللغة العربية ومعاجم جذورها؟
ألّف أبو الفتح ابن جني كتابه «الخصائص» الذي يبحث في خصائص اللغة وظواهرها. وألّف الخليل بن أحمد كتاب «العين» مرتبًا على مخارج الحروف. وألّف ابن فارس «معجم مقاييس اللغة» الذي يجمع الكلمات ويبحث عن الرابط الجامع بينها بإبداع بالغ. وألّف ابن دريد «الجمهرة» بالطريقة ذاتها.
ما المعنى الجامع بين جذور هرج ورهج وهجر وجهر وكيف يكشف ذلك عن خاصية اللغة العربية؟
جذور هرج ورهج وهجر وجهر تتشارك في الحروف ذاتها وتجمعها دلالة مشتركة تشمل الحركة والانتقال والاضطراب. فهرج معناه الاضطراب والقتل والفتن، وهجر تعني السفر والمباعدة وفيها ألم واضطراب، وجهر فيه تحريك للصوت وعلو وضجيج، ورهج يصف النار ذات الحركة والتماوج. وهذا المعنى الجامع هو ما يربط هذه الجذور رغم اختلاف صورها.
كيف تساعد شبكة الدلالات الجذرية في اللغة العربية على فهم القصص القرآني بعمق؟
شبكة دلالات الألفاظ المتخرجة من حروف واحدة تضع بين يدي المتكلم خريطة المعاني وتقرّب المدلولات. فالعربي حين يسمع قوله تعالى (إني ذاهب إلى ربي سيهدين) يشعر بأن إبراهيم كان متألمًا مفارقًا للأوطان بينه وبين قومه نزاع، لأن جذر الذهاب مرتبط في ذهنه بشبكة الهجرة والاضطراب. معرفة خصائص اللغة تكشف دلالات ألفاظ القرآن الخفية التي قد تمر دون أن تُلاحَظ.
كيف تؤثر القيود اللغوية في اتساع دلالة الألفاظ القرآنية وما مثال ذلك في آية الذين يعلمون؟
من خصائص اللغة العربية أن قلة القيود تؤدي إلى اتساع الدلالة كما يقول ابن جني. ففي قوله تعالى (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) لم يُقيَّد العلم بنوع معين، فأصبح مطلقًا يشمل كل العلوم. وهذا الإطلاق المقصود يجعل الآية تستوعب كل صور العلم النافع، مما يدل على عمق دلالات ألفاظ القرآن التي تستوجب معرفة خصائص اللغة لإدراكها.
خصائص اللغة العربية تجعلها أداة لا غنى عنها لفهم القرآن الكريم، إذ تربط جذورها بشبكة دلالية متماسكة تعمّق الإدراك وتستقيم به الأفكار.
خصائص اللغة العربية تقوم على مبدأ الترابط الجذري؛ فكل حروف الجذر الواحد تجمعها دلالة مشتركة تمتد عبر جميع مشتقاته. وقد أحصى العلماء أن جذور ألفاظ القرآن الكريم لا تتجاوز ألفًا وثمانمئة وعشرة جذرًا، وأن جذور القرآن والسنة معًا لا تتجاوز ثلاثة آلاف وستمئة جذر من أصل أربعين ألف جذر في القاموس المحيط، وهو القدر الكافي لتعلم اللغة وإتقانها.
ثمة فرق جوهري بين اللغة المقدسة وقدسية اللغة؛ فاللغة كائن حي يتطور عبر الأجيال كما أوضح الجاحظ، غير أن هذا التطور لا يمس النصوص المقدسة التي كُتبت بها. ومعرفة خصائص اللغة العربية — من ترابط الجذور، وشبكة الدلالات، وأثر القيود في اتساع المعنى أو ضيقه — تفتح للقارئ أبواب الفهم العميق لألفاظ القرآن وقصصه وأحكامه، وتجعل إعجازه حاضرًا في الوجدان.
أبرز ما تستفيد منه
- اللغة العربية هي الوجه الآخر للفكر، واستقامتها تستقيم به الأفكار.
- جذور القرآن والسنة لا تتجاوز 3600 جذر من 40000 جذر عربي.
- حروف الجذر الواحد تجمعها دلالة مشتركة تمتد في جميع مشتقاته.
- معرفة خصائص اللغة العربية تعمّق فهم القرآن وتكشف دلالاته الخفية.
أهمية اللغة العربية في استقامة الفكر وفهم القرآن الكريم
إنَّ اهتمامنا باللُّغة العربية نابعٌ من كونها اللُّغةَ التي نزل بها القرآن الكريم، ومن كونها اللُّغةَ التي كُتِبَ بها الحديث الشريف؛ واللُّغة تُعَدُّ الوجه الآخر للفكر، وكلما استقامت اللُّغة استقام الفكر، وليس هناك استقامة للفكرِ دون اسْتِقَامَةٍ للُّغَةِ؛ ولذلك فإنَّ اهتمامنا باللُّغَـة العربية له أَثـَـرُهُ في استقامة الفكر والتفكير المستقيم، وله أثرُهُ في فَهْمِ كتاب الله سبحانه وتعالى، وله أَثـَـرُهُ في التَّأثُّر بإعجاز القرآن الكريم، والخشوع والخضوع والسجود لله سبحانه وتعالى عند قراءة هذا الكتاب العظيم، وله أَثـَـرُهُ أيضًا في الحياة؛ فإنَّ الفكرَ المستقيم إنَّما هو فكرٌ منفتح مبدعٌ لا نهايةَ لإبداعه، وكلما استقام هذا الفكر زاد الإبداع لا الابتداع، وإذا ما شُوِّشَ الفكر حصل الابتداع لا الإبداع.
الفلسفة اللغوية للعربية وحدود الإحاطة بها عند العلماء
هناك فلسفةٌ للُّغَةِ خاصَّةً اللُّغة العربية؛ فاللُّغة العربية بها عجائب وغرائب نريد أن نتأملها في نقاطٍ هي أمثلة لما وراءَها، وليست فيها إحاطة للفلسفة اللُّغَوِيَّة؛ فإنَّ اللُّغة لا يحيط بها إلا نبيٌّ، كما ذكر ذلك الإمام الشَّافِعِيُّ في «الرسالة» [1]، إنَّما نتكلم عن نقاطٍ تدلُّ على ما وراءَها، وكيف أنَّ هذه اللُّغة تؤدي إلى التفكير المستقيم، تؤدي إلى تعظيم إعجاز القرآن، تؤدي إلى الفهم الصحيح، تؤدي إلى الإبداع، تؤدي إلى خير الحياة الدنيا في عبادة الله، وعِمارة الأرض، وتزكية النفس.
ضرورة العناية بالدراسات اللغوية العربية وحدود الاستقصاء فيها
ولذلك يجب علينا أن نهتمَّ باللُّغَة وبالدراسات اللُّغوية من كل جانب، ونضرب لذلك أمثلةً متتالية وإن لم تكن على سبيل الحصر؛ فلا يمكن أن نحيط بهذه المسألة لاتساع الأمر فيها، والله أعلم بما هنالك.
تعريف اللغة المقدسة وأمثلتها بين الديانات الكبرى
من هذه النقاط التي تدلُّ على ما وراءَها -ونحن نتكلم حول «الفلسفة اللُّغوية»- يتبين لنا أنَّ هناك فَارِقًا بين اللُّغَة المقدسة وبين قُدسية اللُّغَة؛ فاللُّغَة المقدَّسَة هي اللُّغَة التي كُتِبَت بها نصوصٌ مقدسة. وهذه اللُّغَات محصورة، فقد كُتبت «التوراة» في أصلها بالعبرية، وكتبت «الأناجيل» في أصلها بالسُّرْيَانِـيَّـة [وهي لهجةٌ من لهجات «الآرَامِيَّـة»] [2]، وكتبت «الْفِيدَا» [3] عند الْـهِنْــدُوس [4] -وهو كتابٌ مقدَّسٌ عندهم- بالسَّنِسْكِرِيـتِـيَّـة. أما «القرآن» فكتب بالعربية.
الحاجة لدراسة لغة النصوص المقدسة لفهم الوحي فهما صحيحا
هذه كتبٌ مقدَّسةٌ عند البشر، وبعض الناس يقدِّسون اللُّغة التي كتبت بها تلك الكتب، أي يجعلون اللُّغةَ لغةً مقدَّسةً؛ ولذلك لا بد أن نَطَّلِـعَ على خصائص هذه اللُّغة، وعلى قوانين هذه اللُّغة، وعلى مفردات هذه اللُّغة؛ من أجل أن نستعمل ذلك في فَهْمِ النَّـصِّ المقدَّس الذي كُتب بهذه اللُّغة.
اللغة كائن حي متطور والتمييز بين اللغة المقدسة وقدسية اللغة
لكن اللُّغة -كما يقول علماؤُها- كائنٌ حيٌّ يتطور؛ فنجد الْجَاحِظ [5] يتكلم على أنَّ كلَّ عصرٍ له طريقةٌ في الكلام وله أسلوبه؛ ولذلك فإنَّه مَنْ عاش في الجاهلية ليس كَمَنْ عاش في الإسلام، وليس كَمَنْ عاش بعد ذلك بخمسمئة عامٍ؛ فكلُّ جيلٍ من هذه الأجيال، وكلُّ قومٍ من هؤلاء الأقوام يتكلمون بطريقةٍ مختلفةٍ حتى لو اتَّحدت اللُّغة، فاللُّغة ليس لها قُدسيَّـة في ذاتها، فهناك فرق بين اللُّغة المقدَّسة -بمعنى: أنَّ نصًّا مقدَّسًا كُتب بها؛ ومن أجل ذلك لا بد أن نعرفَ خصائصها، ونعرفَ قواعدَها، ونعرفَ قوانينَها؛ من أجل التَّوصل إلى الفهم الصحيح- وبين قُدْسية اللُّغة؛ فإنَّ اللُّغَةَ في ذاتها ليس لها قدسية، بمعنى أنَّها تتغير وتتطور بتطور الأقوام والأشياء... وهكذا.
اختلاف لغة امرئ القيس عن لغة الناس اليوم وصعوبة فهم المعلقة
وهذا الفرق الذي بين اللُّغَـة المقدسة وقُدسية اللُّغة يشير إليه المفكِّرون والعلماء عَبْر التاريخ.
فالجَاحِظُ يوضح أنَّه إذا قُمتَ في قومٍ، فلا بد أن تتكلمَ بلسانهم وعلى طريقتهم.
وهناك فارقٌ بين لغـة الناس اليـوم، ولغـة امْـرِئِ الْقَيْسِ [6] وهو في الجاهليـة؛ حيث يقول:
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ
بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ
فَـتُوْضِحَ فَالْمِقْرَاةُ لَمْ يَعْفُ رَسْمُهَا
لِمَا نَسَجَتْهَا مِنْ جَنُوبٍ وَشَمْأَلِ
فمفردات هذا الكلام من اللُّغة العربية ذاتها التي يتكلم بها الناس اليوم، إلَّا أنَّ كثيرًا من الناس قد لا يفهمه الآن.
تَرَى بَعَرَ الْأَرْآمِ فِي عَرَصَاتِهَا
وَقِيعَانِهَا كَأَنـَّهُ حَبُّ فُــلْـفُلِ
وُقُوفًا بِهَا صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيَّهُمْ
يَقُولُونَ لَا تَهْلِكْ أَسًى وَتَجَمَّـلِ
إلى آخر ما هنالك من هذه المعلَّقة الرائعة، والتي يَـتَـنَـدَّر بها كثيرٌ من الناس الآن؛ لأنَّهم لا يفهمون شيئًا منها، في مفرداتها وفي تراكيبها وفي أخيلتها.
إيقاع شعر امرئ القيس وتطور اللغة مع ثبات لغة القرآن
وَلَيلٍ كَمَوْجِ الْبَحْرِ أَرْخَى سُدُولَــهُ
عَــلَـيَّ بَأَنْوَاعِ الْهُمُومِ لِيَبْتَلِي
فَقُلْتُ لَـهُ لَمَّا تَمَطَّى بِصُلْبِــهِ
وأَرْدَفَ أعْجَازًا وَنَاءَ بِكَلْكَلِ
أَلَا أَيُّهَا اللَّيْـلُ الطَّوِيلُ أَلَا انْجَلِي
بِصُبْحٍ وَمَا الْإصْبَاحُ مِنْكَ بِأَمْثَلِ
مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِـلٍ مُدْبِرٍ مَعًا
كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّـهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ
لا يفهم كثيرٌ من النَّاس من ذلك شيئًا إلَّا أنَّه يتكلم باللُّغة العربية، مع أنَّه قد يشعر بإيقاعاتٍ معينة كما شعر أحد المستشرقين بذلك، فقد ذكر لنا الدكتور مَهْدِي عَلَّام: أنَّ أحدَهم أتاه في يومٍ وقال له:
اذكر لي بيتًا من العربية؟ قال: فلم أجد في ذهني إلَّا:
مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِـلٍ مُدْبِرٍ مَعًا
كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّـهُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ
فقال: «هل هذا حِصَانٌ يَجْرِي؟!» لأنَّه شَعَرَ بإيقاع وَقْعِ الْحِصَانِ على الأرض من طريقة نطق الدكتور مَهْدِي عَلَّام ح لهذا البيت.
إذن، فاللُّغَة العربية تتطور، ولكن في تطورها هذا لا تَمَسُّ اللُّغَـة المقدسة التي كتبت بها النصوص المقدسة.
عدد جذور ألفاظ القرآن الكريم وتحديد القدر المقدس من اللغة
ونستخلص من هذه الحقيقة أمرًا آخر:
نحن نَعْرف أنَّ الكتاب الكريم فيه ستٌّ وستون ألف كلمة تقريبًا، وهذه الكلمات مَرَدُّها إلى ما لا يزيد على ألف وثمانمئة وعشرة من الجذور، فـ «ضَرَبَ»: جذر، تتفرع منه شجرة المشتقات، فيتأتى منـه: ضَارِب، ومَضْرُوب، وضَرَّاب، ومَضْرب... إلى آخره.
فلو أتينا بجذور الألفاظ التي وردت في القرآن الكريم، لوجدناها ألفًا وثمانمئة وعشرة من الجذور اللُّغَوِيَّـة بما في ذلك الأعلام، مثل: إبراهيم، وإسماعيل، وإدريس أيضًا، فإنَّ هذه الأعلام تدخل معنا في هذا؛ لأنَّ بعض النَّاس لا يعد الأعلام؛ باعتبار أنَّها -أو أغلبها- أعلامٌ أعجمية؛ ولذلك تُمْنَع من الصرف (إذ العَلَم الأعجمي يُمنع من الصرف)؛ لكن لو عددناها أيضًا وجعلنا لها جذورًا، فإنَّه لا يزيد على هذا العدد المذكور. فهذا هو القدر المقدَّسُ من اللُّغة.
مقارنة جذور ألفاظ السنة والقرآن بعدد الجذور في القاموس المحيط
ولو ذهبنا إلى السُّنَّة وفعلنا فيها مثل ذلك، وأحصينا جذور ألفاظها؛ لوجدناها ثلاثة آلاف وستمئة تقريبًا، فكأنَّها ضعف ما في القرآن، والعجيب أنَّ الألف والثمانمئة التي في القرآن موجودة في الثلاثة آلاف والستمئة أيضًا؛ فنستطيع أن نقول: إنَّ ثلاثة آلاف وستمئة جذر تكفي للقرآن والسُّنَّة؛ حيث إنَّ ما ورد في القرآن مضمَّن أيضًا في السُّنَّـة النَّبَـوِيَّة الشريفة.
والسؤال التالي هو: كم عدد جُذُور اللُّغة العربية؟
لو نظرنا إلى كتاب ضخم كبير جامع مثل «القاموس المحيط»، لوجدنا به نحو أربعين ألف جذر للغة العربية، وهذا يعني: أنَّ جذور القرآن والسُّنَّـة لم يزيدا على (10%) من هذا العدد؛ بل أقل من ذلك.
إذن، فهناك أكثر من (90%) من اللُّغة يطرأ عليه الإهمال، يطرأ عليه التغيير، يطرأ عليه التَّـأخُّر؛ لكن الذي به قِوُام التفكير هو ثلاثة آلاف وستمئة جذر.
دراسات تعلم اللغات وانتشار العربية عبر القرآن والسنة
ولو أنَّـنا رأينا الدراسات اللُّغويــة الحديثـة التي تُبين كيف نتعلم لغـةً كالإنجليزية أو غيرها، لوجدناهم يقولون: إنَّ الإنسان يستطيع أن يتعلم أي لغة إذا أدرك منها ثلاثة آلاف جذر وتسعمئة جملة مفيدة؛ فإنَّـك تستطيع بهذا القدر أن تتكلم الإنجليزية، أو الفرنسية، أو الصينية، أو العربية... وهذا القدر يكفي لتَـعَلُّم اللُّغة وإتقانها.
إذن، فلقد فُسِّرَ لنا عن طريق الدِّرَاسَات اللُّغَوِيَّة العامة كيف انتشر الإسلام، وكيف انتشرت اللُّغة العربية. إنَّه عن طريق القرآن، هذا القرآن الذي حُفِظَ وتُلِيَ وفُسِّرَ، وتَغَلْغَلَ في الْأَتـْرَاك، والْأُرْدُو، والْمَلَايـُو... وغيرهم؛ فأصبحت اللُّغَـة العربية من خلال هذا القدر من الجذور لغةً مقبولةً، فلما أن أرادوا أن يتعلموها لم يجدوا عائقًا كبيرًا أمامهم، لكن لو حاولوا مِنْ غير تَعَلُّمِ القرآن الكريم ومِنْ غير شُيوع السُّنَّة؛ فسيكون هناك عائقٌ كبيرٌ جدًّا في تعلم اللُّغة العربية.
إذن، فالاهتمام بالقرآن يُفيد اللُّغة، واللُّغة تفيد الاهتمام بالقرآن؛ فهما يمثلان دائرةً واحدة لا تنفصل.
خَصَائِصُ اللُّغَـةِ الْعَرَبِيَّـةِ
مكانة اللغة العربية بين لغات العالم واستمرارها الحي
نحن أمام لغة لها خصوصية ولها تميز، ولها دُسْـتُـورٌ ونَـسَـق، والبشر يتكلمون بأكثر من خمسة آلاف لُغَـة، وهذه اللُّغات -كما رَصَدَت الْيُونـِسْكُو- تموت، لدرجة أنَّهم رصدوا أنَّه في كل خمسة وعشرين يومًا تموت لغـة بموت آخِرِ من كان يتكلم بها، ولكنَّ اللُّغَة العربية ليست معدودة في هذا؛ بل هي معدودة من اللُّغات العالمية المتمكِّنة؛ ولذلك أُقِرَّتْ في الأمم المتحدة، وأُقِرَّتْ في مكتبة الكونجرس الأمريكي؛ لأنَّها لغة لها حضارتها ولها ثقافتها، بينما لغات الهنود الحمر -مع لغات كثيرة في الهند- تخبو وتنتهي.
ترابط حروف الجذر العربي ومثال الجذر ملك وتباديله
تعالوا بنا لنرى لمحة من خصائص هذه اللُّغة؛ إذ ليس هناك لغة مثل اللُّغة العربية في الرابطة الموجودة بين حروفها، فمثلًا كلمة «مَلَكَ» ثلاثة أحرف: «الميم»، و«اللام»، و«الكاتف»، فكل كلمة تتكون من هذه الحروف -بغض النظر عن ترتيبها- لا بد من أنَّها تشترك مع الكلمات الأخرى في معنًى جامع يجمع كل هذه التقلُّبات، فمنها: «الْمَلِك»، ومنها: «الْمَلَاك»، ومنها: «الْمَالِك».
و«الْمَلِك»، و«الْمَلَاك»، و«الْمَالِك» فيها قُوَّةٌ بدرجات مختلفة؛ فالمَلِك من المُلْك، والْمَالِك من المِلْك. ففيهما قوة وسلطان؛ لأنَّ الْمَلِك هو الذي بيده الأمر والنهي، وقيادة المجتمع وتنظيمه، وقيادة الجيوش والدفاع عن الناس، والْمَالِك له قُوَّةٌ أخرى من طرفٍ آخر؛ فإنَّ «المَلِك» يَمْلِك لكنه ليس بمَالِك، فلا يملك بيتي، ولا يملك رقاب الناس. أما «المَالِك» فهو يَمْلِكُ البيت ويكون مخصوصًا به؛ ولذلك فمن هذه الناحية هو أقوى من «المَلِك»، و«المَلِك» من ناحية العلو والرتبة هو أقوى من «الْمَالِك»، ثم تأتي كلمة «الْمَلَاك» وفيها أيضًا نوعٌ من القوة.
وعند تبديل الحروف في تلك الكلمة الثلاثية تنتج سِتُّ صور، منها: «مَـكَلَ»، فما معنى مَـكَلَ؟ لو بحثنا عن «مَـكَلَ» نجد أنَّه لا معنى لها؛ فيسمُّون ذلك بالمُهْمَل، والمُهْمَل في اللُّغة العربية أكثر من الْمُسْتَعْمَل.
ومنها: «لَمَكَ»، وليس عندنا شيء يسمى «لَمَكَ»، فهي من الْمُهْمَل.
ثم: «لَــكَمَ» وهي الصورة الثالثة، وهي مستعملة ومفهومة.
ثم: «كَلَمَ»، فمنها الكلام «والكلام قوة»، والسكوت مقابل هذه القوة. و«كَلَمَ» أيضًا تعني: جَرَح، ففيها عدوان وهو فِعْلٌ فيه قوة.
دلالة القوة في جذر ملك وتأثيرها في تصور الملائكة وآية تسعة عشر
إذن، «مَلَكَ» فيها قوة، و«لَـكَمَ» فيها قوة، و«كَلَمَ» فيها قوة، و«لَمَكَ» مهملة، و«مَـكَلَ» مهملة.
فنتج من تباديل الكلمة: كلمات مهملة وكلمات مستعملة، والـمستعمل منها يجمعه معنى القوة؛ فعندما نقرأ القرآن ونجد أنَّه يتكلم عن الملائكة، فإنَّنا بذلك نتخيلهم أقوياء؛ ولذلك فهم يؤيدون المؤمنين في الحرب، ويثبِّــتون الأقدام، وينزلون مُسَوِّمِينَ ومُرْدِفِينَ وأقوياء، يُعينون المؤمنين في حربهم.
ولذلك عندما يَسْمَعُ الْعَرَبِيُّ الْجَاهِلِـيُّ
(عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ)[المدثر:30]
فإنَّه مباشرة يقول: «أَلْفٌ مِنَّا لواحد»، فما الذي يجعله يتصور هذا التصور: أنَّ ألف رجل سيذهبون للإمساك بالْمَلَك؟! إنَّه بمجرد سماعه هذه الحروف: «الميم»، و«اللام»، و«الكاتف»؛ حدث في قلبه أنَّ القرآن يتكلم عن شيءٍ قوي، والذي دفعه إلى هذا التصور هو: مردود الكلمة ومردود الحروف؛ لأنَّه بطبيعته العربية يستعمل هذه الحروف في شيءٍ قويٍّ.
إسهام أئمة اللغة في بيان خصائص العربية ومعاجم الجذور
وخصائص هذه اللُّغة قضية مهمَّةٌ جدًّا، أَلَّفَ فيها أَبـُو الْفَتْحِ بْنُ جِنِّي [7] كتابه الماتع: «الخصائص»، وقد سمَّاه بذلك لأنـَّه يبحثُ في خصائص اللُّغة وظواهرها، وأَلَّفَ فيها الْخَلِيلُ بْنُ أَحْـمَدَ [8] كتابَهُ «الْعَيْن» على هذه الجهة، وجعله مرتبًا على مخارج الحروف؛ فهناك حروف الحَلْق، ثم حروف أقصى اللسان، وطرف اللسان، وأوسط اللسان، ثم الحروف الشفوية، ورتبه بطريقةٍ عجيبةٍ لعلنا نتكلم عنها بعد ذلك، وأَلَّفَ فيها ابـْنُ فَارِسٍ [9] كتابه «معجم مقاييس اللُّغة» بهذه الطريقة، وأَلَّفَ فيها ابـْنُ دُرَيْدٍ [10] كتابه «الْجَمْهَرَة»، وبهذه الطريقة يتأتى جَمْع الكلمات ثم البحث عن الرابط الذي يربطها، وقد تَفَنَّنَ ابـْنُ فَارِسٍ في ذلك في «معجم مقاييس اللغة» وأبدع، وفي بعض الأحيان لم يجد رابطًا، لكنها أحيان قليلة جدًّا تكاد تُعَـد على أصابع اليد أو اليدين في كل خِضَم اللُّغة العربية [11]؛
تحليل الجذور هرج ورهج وهجر وجهر والمعنى الجامع بينها
فمثلًا وهم يتكلمون عن «هَرَجَ» تساءلوا: ما معناه؟ فأجيب بأنَّ معناه: الاضطراب، والقتل، والفتن، وهو ضد الاستقرار والهدوء. ولكن ماذا عن كلمة «رَهَجَ»؟ فتوقف اللُّغَوِيُّ للتفكير فيها، فوجد أنَّنا نَصِفُ النَّارَ بأنَّها ذات رَهَجٍ، ولكن ما هو الرَّهَج؟ ثم ماذا عن هَجَرَ؟ فهَجَرَ مثلًا تعني سافر؛ أي باعد، فالهجرة فيها انتقال وفيها حركة، وفيها أَلَم، وفيها اضطراب؛ لأنَّني أترك الوطن وأذهب إلى السفر الذي هو قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَاب، وأذهب إلى بلاد الغُربة التي كان من شأنها أنَّ
«مَنْ مَاتَ غَرِيبًا فقَدْ مَاتَ شَهِيدًا» [12]
ففيها شيء من الألم؛ ولذلك كان التَّغْرِيبُ نوعًا من أنواع العقوبة، بأن نُغَرِّب العاصي، وأن نعزله، وأن ننفيه نفيًا، فالهجرة هكذا.
وكلمة «جَهَرَ» فيها نفس الحروف، والْجَهْرُ فيـه تحريكٌ للصوت وفيه عُلُوٌّ، ويقال: رَجُـلٌ جَـهْـوَرِيُّ الصَّوْتِ؛ لِعُـلُـوِّ صَوْتـِهِ. وهذا العلو قد يكون فيه ضجيج، وقد يكون علو الصوت نوعًا من أنواع الإنذار، أو نوعًا من أنواع التوبيخ، أو نوعًا من أنواع الغضب.
إذن، هناك شيءٌ جامعٌ بين كل هذه المعاني يشمل الحركة، ويشمل الانتقال، ويشمل الاضطراب، فيمكن أن تكون هذه المعاني هي المعاني الجامعة لهذه الحروف؛ فعندما يقول: «نَارٌ ذَاتَ رَهَجٍ» يدلُّ ذلك على الاضطراب؛ لما في حركة النَّار من التماوج والتذبذب، فيسمون هذه الهيئة: «الرَّهَج».
شبكة الدلالات الجذرية وأثرها في فهم القصص القرآني
فهذا النَّسَقُ اللُّغَوِيُّ مرتبطٌ في ذهن الْعَرَبِيِّ وفي تكوين شبكة عقله بالهَرْجِ، وبالجَهْر، وبالهِجْرَة... وهكذا. كذلك هو مرتبط بنفس الحروف في معاني كلماتٍ أخرى لكنها من مجموعتها، ومثـل هذا النظر في شـبكة دلالات الألفـاظ التي تتخرج من حروف واحدة يضع بين يدي المتكلم خريطة المعاني، ويقرب من ذهنه المدلولات.
إذن، عندما كان العربي يسمع
(إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ)[الصَّافات: من الآية 99]
يشعر بأنَّ إبراهيم -وهو يقول هذا- كان مُتألمًا، وكان مُفارقًا للأوطان، وكان بينه وبين قومه نزاع. كان يفهم القرآن على هذا المستوى.
فمعرفة خصائص اللُّغة تساعدنا في الْفَهْمِ، وفي الوقوف على المعاني التي قــد لا تكون ظاهرة وقد تَـمُرُّ علينا مَرَّ الكِرَام؛ فألفاظ القرآن من غير أن نراعي عُمْقَ دَلَالات الألفاظ فيها تأخذ وضعًا آخر غير الذي تأخذه مع مراعاة هذا العمق، فإذا رأينا هذا العمق شعرنا أكثر بالقرآن، وشعرنا أكثر بقصصه وأحكامه وما فيه، والكلام يطول جدًّا في هذا المعنى.
أثر القيود اللغوية في اتساع الدلالة ومعنى الذين يعلمون
كذلك من خصائص اللُّغة التي نهتم بها: قضية «القيود» وأثرها في اتساع الدَّلَالة أو ضيقها، كما يقول ابـْنُ جِنِّي. انظر إلى قوله تعالى:
(قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) [الزُّمر: من الآية 9]
فلما أن قَـلَّتْ القيود كَـثُـرَ الموجود، فنحن نتفكر في قوله سبحانه: (الَّذِينَ يَعْلَمُونَ) يعلمون ماذا؟ يعلمون الشريعة، أم يعلمون الحق، أم يعلمون في الكون، أم في أي علمٍ؟ سكت عن ذلك ولم يقيده، فلم يقل أيَّ علم هو. إذن هو مطلق؛ وعلى ذلك فكل العلوم تدخل في ذلك.
خصائص كثيرة ينبغي علينا أن نلتفت إليها؛ من أجل فَهْمِ الكتاب والسُّنَّـة، ومن أجل أن نعيش في إعجازهما وفي أحكامهما، ومن أجل المعرفة الدقيقة لتطبيقها في حياتنا الدنيا.
ما شعورك تجاه هذا الفصل؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفصل؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
كم عدد الجذور اللغوية التي تعود إليها ألفاظ القرآن الكريم تقريبًا؟
ألف وثمانمئة وعشرة جذور
كم عدد الجذور اللغوية في القاموس المحيط للغة العربية؟
أربعون ألف جذر
ما اللغة التي كُتبت بها الأناجيل في أصلها؟
السريانية
ما اللغة التي كُتب بها كتاب الفيدا المقدس عند الهندوس؟
السنسكريتية
وفقًا للدراسات اللغوية الحديثة، كم عدد الجذور الكافية لتعلم أي لغة وإتقانها؟
ثلاثة آلاف جذر وتسعمئة جملة مفيدة
ما المعنى الجامع الذي يربط مشتقات جذر «م ل ك» في اللغة العربية؟
القوة والسلطان
من ألّف كتاب «الخصائص» في خصائص اللغة العربية وظواهرها؟
أبو الفتح ابن جني
على أي أساس رتّب الخليل بن أحمد كتابه «العين»؟
مخارج الحروف
ما نسبة جذور القرآن والسنة من مجموع جذور اللغة العربية في القاموس المحيط؟
أقل من 10%
ما الذي جعل العربي الجاهلي يتصور فور سماع آية (عليها تسعة عشر) أن ألف رجل لن يكفوا لمواجهة ملَك واحد؟
مردود حروف كلمة ملك الدالة على القوة
ما الفرق بين الملك والمالك في اللغة العربية؟
الملك له علو الرتبة والمالك له ملكية خاصة
ما المقصود بالمهمل في اللغة العربية؟
الكلمة التي لا تُستعمل في الكلام
ما المعنى الجامع الذي يربط جذور هرج ورهج وهجر وجهر؟
الحركة والانتقال والاضطراب
ما أثر قلة القيود في الألفاظ القرآنية على دلالتها؟
تتسع الدلالة وتشمل أكثر
كم عدد الكلمات التقريبي في القرآن الكريم؟
ستة وستون ألف كلمة
ما العلاقة بين اللغة العربية والفكر المستقيم؟
اللغة العربية هي الوجه الآخر للفكر، فكلما استقامت اللغة استقام الفكر وزاد الإبداع، وإذا شُوِّش الفكر حصل الابتداع لا الإبداع.
ما قول الإمام الشافعي في الإحاطة باللغة العربية؟
ذكر الإمام الشافعي في الرسالة أن لسان العرب أوسع الألسنة مذهبًا وأكثرها ألفاظًا، ولا يحيط بجميع علمه إنسان غير نبي.
ما الفرق بين اللغة المقدسة وقدسية اللغة؟
اللغة المقدسة هي التي كُتب بها نص مقدس فتستوجب دراسة خصائصها لفهمه، أما قدسية اللغة فمعناها أن اللغة في ذاتها مقدسة وهذا غير صحيح لأن اللغة كائن حي يتطور.
ما اللغة التي كُتبت بها التوراة في أصلها؟
كُتبت التوراة في أصلها باللغة العبرية.
ما كتاب ابن فارس في خصائص اللغة العربية؟
ألّف ابن فارس كتاب «معجم مقاييس اللغة» الذي يجمع الكلمات ويبحث عن الرابط الجامع بين مشتقات الجذر الواحد.
ما كتاب ابن دريد في اللغة العربية؟
ألّف ابن دريد كتاب «الجمهرة» في اللغة، وهو من الكتب التي تبحث في خصائص اللغة العربية وجذورها.
ما معنى كلمة «هرج» في اللغة العربية؟
هرج تعني الاضطراب والقتل والفتن، وهي ضد الاستقرار والهدوء.
ما معنى «رهج» وكيف يرتبط بالمعنى الجامع لجذره؟
الرهج يصف النار ذات الحركة والتماوج والتذبذب، وهو مرتبط بالمعنى الجامع للجذر الذي يشمل الحركة والاضطراب.
كيف انتشرت اللغة العربية بين الأتراك والملايو وغيرهم؟
انتشرت اللغة العربية عبر القرآن الكريم الذي حُفظ وتُلي وفُسِّر وتغلغل في هذه الشعوب، فأصبحت العربية لغة مقبولة لديهم بفضل هذا القدر من الجذور.
ما الذي يحدث للغات البشرية وفق رصد اليونسكو؟
تموت لغة كل خمسة وعشرين يومًا بموت آخر من كان يتكلم بها، بينما اللغة العربية معدودة من اللغات العالمية المتمكنة.
ما الفرق بين الملك والمالك من حيث القوة؟
الملك له علو الرتبة وقيادة المجتمع والجيوش، والمالك له قوة الملكية الخاصة؛ فالملك أقوى من حيث الرتبة والمالك أقوى من حيث الملكية الشخصية.
ما الذي يعنيه مصطلح «القدر المقدس من اللغة»؟
هو الجذور اللغوية التي وردت في القرآن الكريم والبالغة ألفًا وثمانمئة وعشرة جذرًا، وهي الأساس الذي يقوم عليه فهم النص المقدس.
كيف يساعد فهم شبكة الدلالات الجذرية في فهم قصة إبراهيم في القرآن؟
حين يسمع العربي (إني ذاهب إلى ربي سيهدين) يشعر بألم إبراهيم ومفارقته للأوطان لأن جذر الذهاب مرتبط في ذهنه بشبكة الهجرة والاضطراب والانتقال.
ما أثر إطلاق لفظ «الذين يعلمون» في الآية القرآنية دون تقييده؟
قلة القيود أدت إلى اتساع الدلالة، فأصبح العلم مطلقًا يشمل كل العلوم النافعة دون تخصيص بنوع معين.
ما الذي يميز اللغة العربية عن غيرها من اللغات في خاصية الجذور؟
اللغة العربية تتميز بأن حروف الجذر الواحد تجمع مشتقاتها في معنى جامع مشترك، وهذا الترابط الدلالي لا مثيل له في كثير من اللغات الأخرى.