اكتمل ✓
الفصل 17

ما معنى ذهاب المحل في الفقه الإسلامي وكيف يؤثر على تطبيق الأحكام الشرعية؟

ذهاب المحل يعني انعدام موضوع الحكم الشرعي مع بقاء الحكم نفسه ثابتًا، فإذا زال المحل تعذّر تطبيق الحكم دون أن يُلغى. والفرق جوهري بين إيقاف الحكم لغياب محله وبين إلغائه كليًّا؛ فالإيقاف نوع من تطبيق الشريعة، أما الإلغاء فخروج عنها. ومتى عاد المحل عاد الحكم معه كما كان.

11 دقيقة قراءة
  • كيف تتعامل الشريعة مع الأحكام التي لا يمكن تطبيقها لانعدام موضوعها في عصرنا؟

  • نظرية ذهاب المحل تُفرّق بين إيقاف الحكم الشرعي لغياب محله وبين إلغائه كليًّا، وهو فرق جوهري في الفقه الإسلامي.

  • مثال الوضوء مع قطع اليد يوضح أن الحكم يبقى ثابتًا ويعود بعودة المحل، وكذلك الكفارات بعد انتهاء عصر الرق.

  • ذهاب الخلافة الإسلامية أفضى إلى تحوّل وظيفي، إذ يقوم رئيس الدولة ببعض مهام الخليفة دون أن يستوفيها كاملة.

  • الذهب والفضة كانا نقودًا سلعية ثابتة القيمة، فلما حلّ البنكنوت محلهما نشأت إشكاليات الربا والزكاة والتضخم في الفقه المعاصر.

  • إحياء النظريات الفقهية المنسية كنظرية ذهاب المحل ضرورة لبناء عقل فقهي معاصر يواجه تحديات العصر دون قطيعة مع التراث.

مدخل إلى النظريات الفقهية المنسية وتحديد أثر ذهاب المحل

لا يزال الحديث متصـلًا عن «النَّظَرِيَّات الْمَنْسِيَّـة»، وهي نظرياتٌ ذكرها الفقهاء، أو ذكرها الأصوليون، أو ذكرها علماء الإسلام؛ لكنها لم تلق من الرواج بين طلاب العلم، ولم تلق من الاستفادة من علماء القانون، ولم تلق من التأثير في العقلية العلمية والقانونية المعاصرة ما تستحقه من التفات؛ ولذلك نرى كثيرًا من طلبة العلم يتعجبون منها.

ومن هذه النظريات: نظرية «أثر ذَهَابِ الْمَحَلِّ».

أثر ذَهَابِ الْمَحَـلِّ: ذكرها الأصوليون، وسـمَّاها الإمام الـرَّازِيُّ: «النَّسْــخ بِالْعَـقْــل»، واعتــرض عـلـيــه بعـض الأصـولييــن، كالإمــام الشَّـوْكَـانِـيِّ بأنَّ النســخ لا يكون أبدًا بالعقل، وأنَّ الذي يَحْدُثُ إنَّما هو: «ذَهَاب الْحُكْم بذَهَاب الْمَحَلِّ».

القرآن الكريم صورة الشريعة الأولى ومصدر الاستنباط

يرى المسلمون أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم قد ترك شريعته متمثِّلةً في صورتين:

الأولى: كِـتَـابُ الله الذي حفظـه الله -سبحانه وتعالى- من عـنده:

(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)[الحجر: 9].

وصـدق الله؛ فحـفـظ كتابـه إلى يومـنـا هذا من غير زيادةٍ ولا نقصان، وهو المصدر الأول للتشريع الإسلامي، وهـو الذي يتأملـه الفقيـه، ويسـتنبط منـه الأحـكام كما يسـتنبط الإنسـان الماء مـن الأرض؛ وذلك لأنَّ الفقيه يريد أن يستخرج ثمرات هذا الكتاب وثمرات هذه الشريعة؛ فسَمَّوْا ذلك استنباطًا.

السنة النبوية الصورة الثانية للشريعة ومنهج حفظها

الثانية: السُّنَّـةُ النَّبَوِيَّة التي لاقت ما لم تلقه أقوال أيِّ أحدٍ في العالمين من العناية والرعاية؛ لم يلق أحدٌ في العالمين مثل ما لقي رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم في كلامه، وسيرته، وسنته، وكيفية نقل ذلك لمن بعده، بطريقةٍ علميَّةٍ محضة فريدة مبتكرة مبدعة، لم تكن في تاريخ البشرية لأحدٍ من الأنبياء، ولا العظماء ولا الأدباء، ولا الأباطرة ولا الأغنياء، ولم يُحافَظ على أقـوال أيِّ أحد من الناس مثلما حافظ المسلمون -بعون الله تعالى- على أقوال نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم؛ فقد فرزوا كلَّ الروايات، وصنفوا الرجال، وأخذوا الصحيح فقَبِلُوهُ، ونَحَّوُا الضعيف فتركوه.

ترابط الكتاب والسنة والعترة ووعد حفظ نسل النبي

والكتاب والسُّنَّة قال عنهما النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم:

«خَلَّـفْتُ فِيكُمْ شَيْـئَــيْـنِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّتِي، وَلَنْ يَفْتَـرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَى الْحَوْضِ» ،

وفي رواية:

«كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي» ،

ومعناها: أنَّ الله -سبحانه وتعالى- وَعَدَ نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بالحفاظ على نسله الشريف، فقد قال تعالى:

(إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) [الكوثر: 1-3]

فحافظ على نسله، وليس في مقدور سيدنا مُـحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم، ولا في مقدور المسلمين أن يحافظوا على نسل نبيهم؛ بل هذا إنَّما جاء من تأييد الله له، وصدق وعده له سبحانه وتعالى:

(وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا) [النساء: من الآية 87].

المحجة البيضاء وثبات الأحكام مع رخصة المضطر

نعم، تركنا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم على الْمَحَجَّـةِ الْبَـيْضَاءِ، ليلها كنهارها، بشريعةٍ ثابتـة، حرَّمت علينا الخمر والخنزير، والسرقة والزنا، والربا والفاحشة، والسب والقذف، والحقد والحسد، والكذب والغيبة والنميمة. وأوجبت علينا الصلاة والصيام، والحج والزكاة. وأوجبت علينا القول الحسن، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأباحت لنا البيع والشراء والسَّلَم، والاستصناع والزواج والطلاق؛ أباحت لنا الشريعة أشياء، وأمرتنا بأشياء، ونهتنا عن أشياء.

وكلها أحكام ثابتة لا تتغير؛ وأحكام الله سبحانه وتعالى -تلك المجمع عليها، هذه الدائرة اليقينية المقطوع بها التي لم يختلف فيها أحدٌ من المسلمين- هي هوية الإسلام وأساس الدين، باقية ثابتة لا تتغير أبدًا؛ فلا يقول أحدٌ أبدًا بحِلِّ الخمر. أما قوله تعالى:

(فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) [البقرة: من الآية 173]

فهذه قضية أخرى؛ فالخمر حرام، إنَّما هذا الذي اضطر بإكراهٍ، أو اضطر بأنَّه احتاج إليها بحيث يحافظ على حياته، أو اضطر كما يقول الفقهاء ويمثلون: رجل أصابته غُصَّة، إن لم يتناول الخمر -لذهاب تلك الغصة- هلك، فإنَّه يفعل ذلك مع بقاء الحكم بأنَّ الخمر حرام، وهذا الفعـل الذي فعله ذلك الفاعل تحت الاضطرار لا إثم عليه، فهو قد عُفي عنه؛ لكن الخمر حرام قبل ذلك وستظل بعد ذلك حرامًا.

الإكراه ورفع الإثم ومعنى ثبات الأحكام وهوية الإسلام

كذلك الإكراه: شخصٌ أَكْرَه آخرَ على شرب الخمر، فخاف من أن يقتله فشرب الخمر؛ فلا إثم عليه. لكن ستظل الخمر قبل الإكراه وبعد الإكراه موصوفة بأنها حرام، الإثم هنا نُزع للحالة التي كان فيها هذا المضطر من احتياج، أو من ضرورة، أو من إكراه، أو نحو ذلك. فالأحكام ثابتة، وهذه حقيقة مُسَلَّمَة.

وكلمة «الْأَحْكَام ثَابِتَـة» نعني بها: هذا القدر من اليقين المُجمع عليه، والذي يُمثل هُوِيَّة الإسلام.

نأتي لصورةٍ أخرى: الأحكام فيها ثابتة ولكن المحل غير موجود، فماذا نفعل؟ وهذا هو الذي دفع الإمام الرَّازِيَّ لأن يُعبِّر عن ذلك بـ «النَّسْخ بِالْعَقْل».

ثبات الحكم مع غياب المحل والفرق بين الإلغاء والإيقاف

وهو تعبيرٌ خطأ؛ لأنَّ النسخ هو إزالة الحكم، والحكم هنا لم يَزُل؛ إنما تعذر تطبيقه، وهناك فرق بين إلغاء الحكم وبين عدم تطبيقه، هناك فرق بين تعطيل الشريعة وبين إيقاف الشريعة؛ لأنَّها -نفس الشريعة- شرعت هذا الإيقاف، فالإيقاف نوعٌ من أنواع تطبيق الشريعة، لكن التعطيل نوع من أنواع إلغاء الشريعة؛ وهنا يُفَرِّقُ العلماء بين الحالتين: حالة إلغاء الشريعة «فهذا خروج عن حكم الله»؛ حتى قال الله -سبحانه وتعالى- قولًا عامًّا في شأننا وفي شأن الأمم السابقة:

(وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [المائدة: من الآية 44]

هؤلاء هم الذين يريدون أن يُلغوا الشريعة. أما إيقاف الشريعة لعدم توفر الشروط، فهذا أمرٌ آخر، مارسه سيدنا عُمَرُ، الخليفة الراشد الفقيه، الذين أُمِرْنَا أن نتخذ سنته؛ تنفيذًا لأمر النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم:

«فَعَلَـيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَـفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ...» ،

[والنَّاجِذَة: هي ضرس العقل].

عام الرمادة وإيقاف الحدود ودور العقوبات التربوي

سيدنا عُمَرُ ر لَمَّا لم تتوفر شروط الحد في عام الرَّمَادَةِ أوقف الحدود؛ لقول النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم:

«ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» .

فمن شروط إقامة الحد: ألَّا تكون هناك شبهة. فلما قامت شبهة أوقف الحد، فهو الآن يطبق الشريعة في إيقافه لبعض أحكامها؛ لكنه لم يقم بإلغاء الشريعة، لم يقل: إن الحدود مسألة وحشية، أو غير إنسانية، أو كذا... إلخ؛ بل إنَّه آمن بها، وآمن بفوائدها، وأنها زاجرة، وأنها تصف الأفعال المنوطة بها من سرقة وزنا وغير ذلك بأوصافٍ تربوية تُنشئ في النفس الأنَفَة من السرقة ومن الزنا ومن الفاحشة، وتُعْلِم أنَّ هذه الأمور فيها عقوبة شديدة تصل إلى قطع اليد، أو جلد الظهر، أو رجم النفس.

هذه العقوبات الشديدة هي عقوبات تربوية زاجرة مانعة من الوقوع في المعصية أيضًا. وعندما تشيع هذه المعاني في المجتمع جيلًا بعد جيل تستقر الأمور.

إذن، فإلغاء الشريعة يختلف عن إيقاف بعض أحكام الشريعة.

وهنا نأتي إلى الحديث عن «ذَهَابِ الْمَحَلِّ»

مثال ذهاب المحل في الوضوء مع فقدان اليد وعودة الحكم بعودتها

جاءني الشرع فأمـرني بالوضوء: اغسل وجهك بعد المضمضة والاستنشاق، ثم اغسل يديك إلى المرفقين؛ لكن اليد قُطعت في حادث، فماذا أغسل؟ لا شيء.

هل بعد قطع اليد أصبحت فروض الوضوء ناقصة فرضًا؟! أو بمعنًى آخر: هل أُلغِيَ ذلك الفرض؟ لا، فلو تصورنا -مجرد تصور خيالي- أنَّ اليدين رجعا مرة ثانية، التصور الخيالي هذا يتأتى من أنهما نبتا مرة أخرى «وهذا خَيَال»، أو أنهما زُرعا مرةً أخرى «وهذا قد يحدث»؛ فقد تُقطع اليد ثم توصل أو تزرع بعملية جراحية فتلتئم مرة ثانية؛ حينها يجب عليه غسلها.

لكن وهي مقطوعة ليس عليه غسلها؛ لأنَّـه لا توجد يد حتى تُغسل، لكن إن رجعت مرة ثانية؛ رجع الحكم كما كان.

إذن، ذَهَبَ الْمَحَلُّ فذهب الحكم معه، وهو مرتبطٌ به؛ بحيث لو عاد المحل لعاد الحكم مرةً أخرى.

ذهاب المحل في الكفارات بعد انتهاء الرق وتقسيم الحالات

مثال ثان: أمرنا الشرع بالكفارات؛ وذلك بأن نعتق رقبة في الحَلِف، وفي الظِهَار، وفي صوم رمضان، وفي الدِّيات، وفي غير ذلك... إلخ؛ أمرنا الشرع بعتق رقبة في مثل هذه الأمور، ولكن المحل ذهب، فالمحل لا وجود له؛ لأنَّ عصر الرقيق انتهى، ودخلنا في اتفاقية «تحرير العبيد» في أواسط القرن التاسع عشر، وانتهى الأمر.

أين أجد العبيد من أجل أن أفعل ما تشوَّف الشرع له من إعتاقهم؟ لا أجد العبيد. إذن، فقد ذَهَبَ الْمَحَلُّ.

ومع ذَهَابِ الْمَحَلِّ، ينتقل الإنسان إلى شيءٍ آخر يقوم مقامه، قد يكون هذا الشيء نَصَّ عليه الشرع، وقد يكون شيئًا لم يَنُصَّ عليه الشرع؛ لكنه يؤدي وظائفه. فلما أن تم التحرير التَّام، والحمد لله رب العالمين، فلم أجد الرقبة؛ فإنَّني أنتقل إلى الإطعام، وأنتقـل إلى الكسـوة. فإذا فـقدت الإطعام وفقدت الكسوة؛ أنتقـل إلى الصيام، فهذا شأن الكفارات، وأيضًا شأن الدية.

لكن في بعض الأحيان إذا ذَهَبَ الْمَحَلُّ لا أجد له بديلًا.

نظرية «أثر ذَهَابِ الْمَحَلِّ في الْحُكْمِ» تقول: هناك وضع يذهب المحل ولا بديل له، وهناك وضع يذهب المحل فيذهب الحكم أيضًا، ولكن له بديل يمكن أن أقوم به.

ذهاب محل الخلافة الإسلامية وأحكام الإمامة العظمى

مثال ثالث: الخلافة الإسلامية الجامعة -الإمامة العظمى- التي كانت تجمع أمة المسلمين شرقًا وغربًا، ذهبت هذه الخلافة بخروج أتاتورك عنها، وتخلِّيه عن الخلافة الإسلامية، وإعلانه أن تركيا أصبحت مستقلة لا عَلاقة لها بالإسلام؛ بل هي دولة علمانية، وانتهت الخلافة الإسلامية.

حاول كثيرٌ من الناس بصور مختلفة أن تعود الخلافة في هذه الأيام التي سقطت فيها -في العشرينيات (1925م)- فحاولت «جمعية الخلافة» بالهند، وحاول «مؤتمر الخلافة» بالقاهرة الذي أقامه الملك فؤاد ح، وحاولت بعض الأحزاب أن تقيم الخلافة؛ لكنها محاولات باءت بالفشل.

حاولوا أن يُوجدوا صورًا أخرى تحل محل الخلافة، مثل: «منظمة المؤتمر الإسلامي»، ومثل: «جامعة الدول العربية»؛ أي منظمة تجمع بدلًا من أن تكون رئاسةً لهيئةٍ أو ما أشبه، كما كانت الخلافة عبر القرون؛ أيضًا لم تقم هذه المنظمات بواجب الوقت، ولا بكيفيته.

ذهبت الخلافة، فماذا عن أحكام الخلافة والتي منها: أن أطيع الخليفة ولو ضرب ظهري وأخذ مالي، ومنها: أنه راعى جدًّا الاستقلال، وقدَّمه على الاضطراب؛ بحيث إنَّه نظَّم لي كيفية النصيحة، وأمرني بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والفرق بين النصيحة والفضيحة، وأن النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، وأمرَنا بقبولها، وكيفية جريانها... إلى آخر ما هنالك؟ فماذا نفعل إزاء تلك الأحكام وقد ذهب الخليفة ولا وجود له؟

دور رئيس الدولة المعاصرة بين وظائف الخليفة ووحدة الأمة

يقوم ببعض مهام الخليفة -وليس كلها- رئيسُ الدولة؛ فرئيس الدولة يقوم مقام الخليفة في تجييش الجيوش، في الدفاع عن الأوطان، في إدارة البلاد والعباد، في تسيير النُّظم وتطبيق العدالة. يقوم مقام الخليفة في هذا؛ لكنه لا يقوم مقام الخليفة في وَحدة الأمة؛ فقد أصبحت المصالح إقليمية، وأصبحت الوطنية مقدمة على القومية، والقومية مقدمة على الرابطة الأعلى منها... وهكذا، وأصبحت هذه كأنها مسلَّمات سار فيها الناس في شتى الأقطار، بحيث إنَّنا لا نرى وَحدةً حقيقية في أي مجالٍ كان؛ مع أنَّ العالم قد اخترع أنظمة للوحدة، مثل: «الاتحاد الأوروبي» وما حدث فيه اقتصاديًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا ودفاعيَّا، وهناك أشياء أخرى مشتركة كـ «السوق المشتركة»، و«الدفاع المشترك»، و«الاتحاد» الذي يُسَهِّل الانتقال في دول معينة داخل هذا الاتحاد، و«توحيد العملة»، و«توحيد المقاييس»، و«توحيد مناهج التعليم»، و«توحيد القوانين». كل هذه أشياء لا نجدها الآن في واقع المسلمين.

إذن، فرئيس الدولة وإن قام بأشياء هي من وظيفة الخليفة، وأشياء مهمة غاية في الأهمية، وأشياء أساسية غايـة في كونها أساسية؛ إلَّا أنَّنا نرى أنَّ بقية وظيفة الخليفة ليست محققة في رئيـس الدولـة؛ فرئيـس الدولـة قـام بجـزء ولم يقــم بكـل مـا كـان عليه الخليفة.

الذهب والفضة كنقود سلعية والتضخم في الأوراق النقدية

مثال آخر: الذهب والفضة كانا وسيط التبادل عبر القرون؛ الذهب في صورة الدينار، والفضة في صورة الدرهم، كان الدينار يزن أربعة جرامات وربع الجرام، والدرهم يزن ثلاثة جرامات وثمن، أو جرامين وتسعة أعشار الجرام، طبقًا لاختلاف المذاهب في ضبطه؛ فالجمهور على أنَّه جرامين وتسعة أعشار الجرام، والحنفية على أنَّه ثلاثة جرامات وثُمن الجرام .

الذهب والفضة لهما خصائص معينة، منها: أنَّهما سـلعة؛ فالذهب سلعة، والفضة سلعة. ومن المعلوم أنَّ النقود السلعية لا يحدث معها تضخم إلَّا بسبب خارج عن النظام النقدي، كالكوارث الطبيعية، الحروب، المجاعات، الأوبئة... إلخ؛ لكن البنكنوت -الذي حل محل الذهب والفضة الآن- قام بوظيفة كونه وسيطًا للتبادل، ويتمتع بكونه مقبولًا قبولًا عامًّا؛ لكن لا يوصف بأنَّه سلعة، كما أنَّه ليس مخزونًا للقيمة؛ فقديمًا كانت الأسعار ثابتة لا تتغير؛ فكانوا يقومون بتخزين الذهب في «القدور»؛ لأنَّهم يعلمون أنَّه ثروة باقية.

لكن لو قمنا بتخزين ورق البنكنوت في بداية السنة، وكان يشتري مائة متر من الأرض، ففي نهاية السنة -مثلًا- سيشتري سبعين فقط، والسنة التي بعدها سيشتري خمسة وثلاثين فقط، والسنة التي بعدها نفس المبلغ سيشتري خمسة أمتار فقط... وهكذا.

وهذا الذي يُسمى بالتضخم.

أحكام الربا والزكاة بين النقدين والبنكنوت المعاصر

هذه الخاصِّية -التضخم- غير موجودة في الذهب والفضة؛ ولذلك لما فرض الله الزكاة، ولما تكلم الفقهـاء عن الشـركات، وعن المهور، وعن أشــياء من هـذا القبيل -ربطوها بالذهب والفضة؛ فكان كلامًا منطقيًّا واضحًا، يحافظ على مقاصد الشريعة ومصالح الناس.

لكن لما استُحدِثت هذه الأوراق، وأصبحت تقوم ببعض هذه الوظيفة -حيث إنَّها تتصف بالمالية؛ فهي تُغني الفقير، ولكن لا تتصف بالثبات في المديونية- احتاج هذا الأمر إلى نظامٍ آخر يُحيط به؛ فالربا -مثلًا- تعلق بالذهب والفضة؛ حفاظًا على قيمتهما داخل النظام النقدي؛ فلا يزيد مال بمال دون مقابل، لكن البنكنوت مختلف تمامًا في هذه القضية، وإن لم يكن مختلفًا في كونه مقبولًا قبولًا عامًّا، ولا أنَّه وسيط للتبادل؛ لكنه مختلف في كونه ليس مخزونًا للقيمة، وبِنَاءً على ذلك؛ فإنَّ قيمته تتغير عبر العصور.

وقد يقول شخص: إذن، فــلا ربا في الفلوس، ولو راجت رواج النقـديـن؟ أقـول: هـذا كـلام الإمـام الشَّافِـعِيِّ والشَّافِـعِيَّـة .

فيقول: بِنـاءً على هـذا؛ فلا زكاة في البنكنوت؟ أقول له: لا، البنكنوت فرض الله فيه الزكاة أيضًا؛ لأنَّه مال. فهو مال بالفعل، لا يُنكر ماليَّـتَه أحد؛ فإذا صَعَدتُ الأتوبيس -مثلًا- وأعطيتُ المحصل البنكنوت؛ فإنَّه يقبله أجرًا للنقل.

وإذا ذهبتُ إلى البقَّال لآخذ منه الخبز وأعطيته البنكنوت؛ فإنَّه يقبله، فهو مال دون شك. وعندما أُعطي الفقير وأُسدد ديونه وأُعالجه وأُعلمه؛ فإنَّه يشعر بالسعادة، والواقع أنَّه مال.

فما زالت الزكاة متعلقة بالماليَّـة، وإن كان الرِّبا متعلقٌ بالنقدية.

دعوة لإحياء دراسة ذهاب المحل وبناء عقل فقهي معاصر

«ذَهَابُ الْمَحَلِّ» لا بد علينا من دراسته دراسةً واضحة، وقد تكلَّم الأصوليون عنه باستفاضة، إلَّا أنه لم يأخذ حظَّـهُ في العقل المعاصر، لم يأخذ حظَّه لا عند الفقهاء، ولا عند الأصوليين بالدرجة المناسبة، لم نَرَهُم وهم يُفَعِّلُونه ويطبِّــقونه في مجال السياسة، أو في مجال الاقتصاد، أو في مجال الاجتماع، أو في الحياة.

علينا أن نُـفَـتِّشَ عن النظريات التي أنتجها العقل المسلم المفكر العالِم في مجال الفقه، في مجال الحديث، في مجال الأصول، في مجال التفسير، في كل مجال.

ونحاول أن نُـكوِّن بها عقلَنا المفكِّرَ الذي يواجه عصرنا، ويريد أن يعيشه ولا يريد أن يخرج من تراثه، ولا من هويته، ولا من تاريخه، ولا من ذاته، لا يريد أن يجلد نفسه، ولكنه أيضًا لا يَـجْمُد على الماضي؛ بل يسحب ذلك الماضي إلى الحاضر.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

كيف عبّر الإمام الرازي عن ظاهرة ذهاب المحل؟

النسخ بالعقل

ما الاعتراض الذي أبداه الإمام الشوكاني على تعبير الرازي؟

أن النسخ لا يكون بالعقل وإنما يحدث ذهاب الحكم بذهاب المحل

من قُطعت يده في حادث، ماذا يكون حكم غسل اليد في الوضوء؟

يبقى الفرض ثابتًا ويعود بعودة اليد

ما الفرق الجوهري بين إيقاف الشريعة وإلغائها؟

الإيقاف تطبيق للشريعة لأنها شرّعته، والإلغاء خروج عنها

لماذا أوقف عمر رضي الله عنه الحدود في عام الرمادة؟

لقيام الشبهة التي تدرأ الحد

ما الذي يحدث لكفارة عتق الرقبة بعد انتهاء عصر الرق؟

ينتقل المكلف إلى البدائل كالإطعام والكسوة والصيام

ما الخاصية التي يتميز بها الذهب والفضة عن البنكنوت؟

أنهما سلعة ومخزون للقيمة لا يصيبهما التضخم

ما موقف الشافعية من الربا في الفلوس التي راجت رواج النقدين؟

يرون أنه لا ربا فيها

هل تجب الزكاة في البنكنوت وما العلة؟

تجب لأنه مال حقيقي تتعلق به المالية

ما الذي يقوم به رئيس الدولة المعاصرة من وظائف الخليفة؟

يقوم بالدفاع والإدارة والعدالة دون تحقيق وحدة الأمة

ما المقصود بالنقود السلعية؟

النقود التي هي في ذاتها سلعة ذات قيمة كالذهب والفضة

متى ألغى أتاتورك الخلافة الإسلامية وأعلن علمانية تركيا؟

عام 1924م

ما المصدر الأول للتشريع الإسلامي الذي يستنبط منه الفقيه الأحكام؟

القرآن الكريم

ما معنى قوله تعالى (إن شانئك هو الأبتر) في سياق حفظ نسل النبي؟

أن الله وعد بحفظ نسل النبي وإبقائه

ما الهدف من إحياء النظريات الفقهية المنسية كنظرية ذهاب المحل؟

بناء عقل فقهي معاصر يواجه تحديات العصر دون قطيعة مع التراث

ما تعريف نظرية ذهاب المحل في الفقه الإسلامي؟

هي نظرية أصولية تقرر أن انعدام موضوع الحكم الشرعي يُوقف تطبيقه دون أن يُلغيه، فإذا عاد المحل عاد الحكم كما كان.

ما الفرق بين النسخ وذهاب الحكم بذهاب المحل؟

النسخ إزالة الحكم كليًّا، أما ذهاب المحل فيُوقف تطبيق الحكم مع بقائه ثابتًا، وهو ما أوضحه الشوكاني ردًّا على تعبير الرازي.

ما مثال ذهاب المحل في الوضوء؟

من قُطعت يده لا يغسلها في الوضوء لغياب المحل، لكن لو عادت بزراعة جراحية وجب غسلها، فالحكم لم يُلغَ بل أُوقف.

كيف تُطبَّق كفارة عتق الرقبة في عصرنا بعد انتهاء الرق؟

ينتقل المكلف إلى البدائل الشرعية: الإطعام ثم الكسوة ثم الصيام، لأن المحل ذهب وله بديل نصّ عليه الشرع أو يؤدي وظيفته.

ما الدور التربوي للعقوبات الشرعية كالحدود؟

هي عقوبات زاجرة مانعة تُنشئ في النفس الأنفة من المعاصي كالسرقة والزنا، وتُرسّخ هذه المعاني في المجتمع جيلًا بعد جيل.

لماذا كانت الأسعار ثابتة في عصر الذهب والفضة؟

لأن الذهب والفضة نقود سلعية ومخزون للقيمة، فلا يصيبهما التضخم إلا بأسباب خارجية كالحروب والمجاعات.

ما الفرق بين الزكاة والربا في تعلقهما بالبنكنوت؟

الزكاة متعلقة بالمالية فتجب في البنكنوت لأنه مال حقيقي، أما الربا فمتعلق بالنقدية وحكمه في البنكنوت يختلف عن الذهب والفضة.

ما البدائل التي حاول المسلمون إيجادها بعد سقوط الخلافة؟

حاولوا إعادة الخلافة عبر جمعية الخلافة بالهند ومؤتمر الخلافة بالقاهرة، ثم أوجدوا منظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية، لكنها لم تستوفِ وظيفة الخلافة.

ما وظائف رئيس الدولة التي تقابل وظائف الخليفة؟

يقوم رئيس الدولة بتجييش الجيوش والدفاع عن الأوطان وإدارة البلاد وتطبيق العدالة، لكنه لا يحقق وحدة الأمة الإسلامية الشاملة.

ما معنى الاستنباط في الفقه الإسلامي؟

هو استخراج الأحكام من القرآن الكريم، شبّهه العلماء باستخراج الماء من الأرض، إذ يسعى الفقيه لاستخراج ثمرات الكتاب والشريعة.

ما الميزة العلمية الفريدة في حفظ السنة النبوية؟

فرز المسلمون جميع الروايات وصنّفوا الرجال وقبلوا الصحيح وتركوا الضعيف، بطريقة علمية لم تُعرف لأحد في تاريخ البشرية.

ما حكم شرب الخمر تحت الإكراه وهل يتغير وصف الخمر؟

يرتفع الإثم عن المكره لكن الخمر تبقى حرامًا قبل الإكراه وبعده، فالإكراه يرفع الإثم عن الفاعل ولا يغيّر الحكم الشرعي.

ما وزن الدينار الذهبي وما الخلاف في وزن الدرهم الفضي؟

الدينار يزن أربعة جرامات وربع الجرام، والدرهم عند الجمهور جرامان وتسعة أعشار الجرام، وعند الحنفية ثلاثة جرامات وثُمن الجرام.

ما المقصود بهوية الإسلام في سياق ثبات الأحكام؟

هي الأحكام المجمع عليها المقطوع بها التي لم يختلف فيها أحد من المسلمين، كتحريم الخمر والزنا والسرقة، وإيجاب الصلاة والصيام والحج والزكاة.

ما الحديث النبوي الذي استند إليه عمر في درء الحدود؟

حديث «ادرءوا الحدود بالشبهات»، إذ من شروط إقامة الحد انتفاء الشبهة، فلما قامت الشبهة في عام الرمادة أوقف الحدود.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!