اكتمل ✓
الفصل 9

ما المقصود بتجديد أصول الفقه وكيف يمكن تحويله إلى منهج علمي شامل؟

تجديد أصول الفقه يعني حذف المسائل الدخيلة التي شُحن بها العلم، وإعادة هيكلة مباحثه وفق نظريات الأصول المعروفة كالحجية والتوثيق والفهم والمقاصد، ثم إضافة أدوات منهجية مستمدة من العلوم الاجتماعية والإنسانية لإدراك الواقع المعاصر. والهدف تحويل أصول الفقه من مجرد علم نظري إلى منهج ذي رؤية كلية تنبثق عنه إجراءات عملية لتنزيل الأحكام على الواقع.

9 دقائق قراءة
  • هل يمكن تجديد أصول الفقه في شكله ومضمونه دون المساس بثوابته؟ الجواب نعم، وهذا ما تسعى إليه حركة التجديد الأصولي المعاصرة.

  • أنشأ المسلمون علومًا كثيرة كالنحو والصرف والعقيدة والفقه وأصوله خدمةً للقرآن الكريم بوصفه محور الحضارة الإسلامية.

  • توقف توليد العلوم الإسلامية بعد القرن الرابع الهجري تقريبًا، مما يستوجب العودة إلى منهج السلف في توليد العلوم وتجديدها.

  • المنهج العلمي الذي نسبه الغرب إلى روجرز بيكون مأخوذ في جوهره من تعريف مدرسة الرازي لأصول الفقه: مصادر البحث وكيفيته وشروط الباحث.

  • تجديد أصول الفقه يتضمن ثلاث خطوات: حذف المسائل الدخيلة، وإعادة ترتيب المباحث وفق نظريات الأصول الثماني، وإضافة أدوات لإدراك الواقع المعاصر.

  • تجديد أصول الفقه سيمكّن الفقيه من تنزيل الأحكام على واقع العولمة مع الحفاظ على المقاصد الشرعية وعالمية الدعوة الإسلامية.

حتمية تجديد العلوم ومحورية القرآن كمحور للحضارة الإسلامية

إنَّنـا نـرى أنَّ الدنيـا تتطـور وتتغـير وتتبدل، ونـرى أنَّ الواقـع ليس ثابتًا؛ فكان لزامًا علينا أن نُجَدِّدَ علومنا؛ فمن سمات الحضارة الإسلامية توليدُ العلوم، فلم يَكْتَـفِ المسلمون بالنَّقل كتابـًا وسُنَّـةً؛ بل إنَّهم فكروا فتدبروا، وقاموا بإنشاء علومٍ كثيرة لخدمة «مِحْوَر الْحَضَارة» الذي هو كتاب الله، وكلمـة «مِحْوَر الْحَضَارة» معناها: أنَّ منه المنطلقَ، وأنَّ منه الهداية، وأنَّ منه توليدَ الأفكار، وأنَّه معيارُ التقويم. فهذا معنى المحور.

جعلوا كتاب الله محورَ حياتهم؛ ولذلك فقد أنشأوا علمًا يسمى بـ «عِلْمِ النَّحْوِ» وظيفته: ضبط آخر الكلمة، وعلمًا آخر يسمى بـ «عِلْمِ الصَّرْفِ» يهتم بضبط الكلمة في هيكلها؛ من نحو: اسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، واسم الآلة... إلى آخر ما هنالك من اشتقاقات.

جعلوا هناك علمًا آخر لِمَـتْنِ اللُّغة، ولدَلالات الألفاظ، وقام الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَـدَ بتأليف كتابه الماتع «الْعَيْن»، وجعله مرتبًا على مخارج الحروف؛ فهناك حروف الحَلْق، ثم حروف طرف اللسان، ووسط اللسان، وأقصى اللسان، ثم الحروف الشفوية، ورتبه بطريقةٍ عجيبةٍ؛ فقد حافظوا على اللُّغة التي كُتِبَ بها هذا النصُّ العظيم، الذي أنزله الله -سبحانه وتعالى- هدايةً للعالمين، وجعله كتابـًا خالدًا.

توليد علم العقيدة وعلم الفقه ومنهج تفكير المجتهد

وَلَّـدُوا أيضًا علمًا أسْمَوْهُ بـ «عِلْمِ الْعَقِيدَةِ»، أو «عِلْمِ الْكَــلَامِ»، أو «عِلْمِ التَّوْحِيدِ»، أو «أُصُولِ الدِّيــنِ»، وهكذا تتعدد أسماؤه لشرفـه وعلوه، ووضعوا فيـه المعرفة التي اهتم بها الفَلَاسِفَة عبر القرون: كيف يُعلَّم الإنسان؟ ماذا يُعلَّم الإنسان؟ كيف تنتقل المعلومات من الـحِسِّ إلى الدماغ؟ كيف تتم عملية التفكير، وهو المسمى بالإنجليزية: الـ «Epistemology»؟ وهذا الـ «Epistemology» نراه في مقدمات علم الكلام، وهم يؤلفون فيه.

وأنشأوا «عِلْمَ الْفِقْه»، ثم بعد ذلك أنشأوا «الْكَامِن» في علم الفقه، وأخرجه الإمام الشَّافِعِيُّ في «الرِّسَالَة»: كيف يفكر المجتهد؟ فصار منهجًا من المناهج العلمية التي قلدها الناس عبر التاريخ، والتي أثَّرت في حضارة أوروبا.

تأثير تعريف أصول الفقه في المنهج العلمي وروجرز بيكون

وعلى سبيل المثال: «رُوجرز بِيكون» عندما تكلم عن المنهج العلمي، نقل تعريف الإمام الرَّازِيِّ ومدرسته -كالإمام الْـبَـيْضَاوِيِّ والْأسْـنَوِيِّ... وغيرهم- إلى العالم الحسي.

الإمــام الْـبَـيْـضَــاوِيُّ يقــول في تعــريـف أُصُــول الْفِــقْـــه: «معـرفـة دلائــل الفقــــه إجمالًا، وكيفية الاســتفادة منها، وحال المستفيد»؛ يعني: «مصادر البحث»، و«كيفيـة البحـث»، و«شــروط البـاحــث». وهي الثــلاثــة التي تكلــم عنـها «روجـرز بيكــون» دون أن يشير من أين أخذ هذا.

المنهج العلمي الذي ملأ الأرض بعد ذلك، معتقدين أنَّ روجرز بيكون هو الذي أتى به؛ فتحديد المصادر، وكيفية البحث، وشروط الباحث، هذه الثلاثة بهذا الترتيب هي بعينها تعريف مدرسة الرَّازِيِّ لأُصُول الْفِقْه.

تكييف منطق أرسطو مع العربية وعلاقته بالفكر والنحو

أنشأوا «أُصُول الْفِقْه»، وأنشأوا أيضًا «عِلْمَ الْأَخْلَاقِ» الذي سُمِّيَ بـ«التَّصَوُّفِ»، وتفاعلوا مع العالم عندما رأوا وعَلِمُوا أنَّ كلامهم لن يصل إلَّا بعد أن يتكلموا لغة العالم، فترجموا «الأرجانون العظيم» لأَرِسْطُو، وأخذوا مـنــه «الْمَنْـطِق» بعد أن حذفوا منه أبوابـًا؛ لأنَّـه كان تسعة أبواب، اكتـفَوْا منها بـ«التَّصَوُّر» و«التَّصْدِيق»، وجعلوا هناك مقدماتٍ لغويةً في دلالات الألفاظ المُطابقية، والالتزامية، والوضعية، والتضمنية... إلى آخر ما يذكرونه في المنطق. وتكلموا كلامًا واسعًا في هذا المجال، حتى إنَّـهم أضافوا بابـًا كاملًا اسمه: «الْمُوَجِّهَات».

إذن، فقد حذفوا وأضافوا وقدَّمُوا وأخَّرُوا ورَتَّبُوا؛ حتى يتواءَمَ هذا المنطقُ مع لغة العرب، وحتى يعبـرَ تعبيرًا صادقًا عن ما أرادوا من ترتيب الأفكار ومن ضبطها بهذا القانون؛ فنسبة المنطق للجَنَان كنسبة النَّحْوِ إلى اللِّسَان.

تاريخ توليد العلوم لخدمة القرآن والحاجة لتجديد أصول الفقه

أنشأوا علومًا كثيرة؛ خدمةً لهذا المحور «الْقُرْآن الْكَرِيم»، وتوقف توليد العلوم بعد القرن الرابع أو كاد.

نعم، تَوَلَّدَ علم «الْوَضْع» مثلًا مع الْإيـجِيِّ في القرن السابع، وتَوَلَّدَ أيضًا في أواخر القرن الثامن مع الزَّرْكَشِـيِّ قضية «عُلُوم الْقُرْآن»؛ لكن العلوم الكثيرة المتكاثرة من التفسير، ومن العلوم اللُّغوية المختلفة، ومن الفقه، والأصول، والأخلاق، والتوحـيد، وعلوم الحديث التي هي أكثر من عشرين نوعًا من أنواع الحديث: الجرح والتعديل، ومصطلح الحديث، والرواية، والدراية... كل ذلك كان في القرون الأربعة الأولى.

وإذا ما أردنا أن نعود مرةً ثانية لمنهج السلف الصالح؛ فعلينا أن نولد العلوم، وأن نُجَدِّدَ هذه العلوم.

ومن هذه العلوم التي نريد تجديدها: علم «أُصُول الْفِقْه».

فما الذي نفعله إذن حتى نقوم بذلك؟

الخطوة الأولى في تجديد أصول الفقه بحذف المسائل الدخيلة

أولًا: نريد أن نحذف من أصول الفقـه كُـلَّ المسائـل التي تُـعَدُّ عاريةً، وأنَّها جاءت فيه على سبيل الاستطراد، أو على سبيل استكمال الفائدة؛ فإنَّ كثيرًا ما نجد مسائل قد تكون لغويةً، وقد تكون منطقيةً، وقد تكون كلاميَّةً شُحِنَ بها علم الأصول، ولو أنَّنا خلَّينا علم الأصول من هذه الزيادات، وجعلناه مقصورًا على ما وُضِعَ له -من كونه أداة للفَهْم وكيفية البحث؛ لاستنباط الأحكام الشرعية المرعية من مصادرها الموثقة من الكتاب وصحيح السُّنَّـةِ- لكان ذلك أجدى.

الخطوة الثانية: ترتيب مباحث أصول الفقه وفق نظريات الأصول

ثانيًا: نريد أن نقوم برحلة في نظريات أُصُول الْفِقْه، في عقل الفقيه، ونرى كيف يفكر؛ لأنَّنا عندما فعلنا هذا خرجنا بنظريات أسميناها بـ «نَظَرِيَّات الْأُصُول».

نريد في «تَـجْدِيدِ أُصُولِ الْفِقْهِ» أن نرتب مباحثه طبقًا لهذه النظريات بترتيبها المعروف المشهور، وهو: «الْحُجِّـيَّة»، ثم بعد ذلك: «التَّوْثـِيق»، ثم بعد ذلك: «الْـفَهْم»، ثم بعد ذلك: «الْقَطْعِي والظَّــنِّي»، ثم بعد ذلك: «الْإلْحَـاق»، وبعد ذلك: «التَّعَارُض والتَّـرْجِيح»، وبعد ذلك: «الْمَـقَاصِد»، وبعد ذلك: «شُرُوط الْبَاحِث». نريد أن نرتب الأصول على هذه النظريات حتى يكون أدعى للقَـبُول وللفَـهْم، ويكون فيه منطقٌ واضحٌ، وهنا سوف تتم عملية تقديم وتأخير، وتصنيف وتفصيل وتقسيم لما لدينا من مادةٍ أصوليَّـةٍ.

الخطوة الثالثة: إدخال أدوات لإدراك الواقع بين الماضي والعولمة

ثالثًا: «تَجْدِيدُ أُصُولِ الْفِقْهِ» يتمثل في إضافة أصول يستطيع بها الفقيه أن يدرك الواقع؛ حيـث إنَّ الواقـع جـزءٌ لا يتجـزأ من عملية الفتوى، فالواقـع الذي عاشـه عُمَرُ ابـْـنُ الْخَطَّابِ ر (ت23هـ)، أو الإمام مُحَمَّدُ بـْـنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ (ت 204هـ)، أو الإمام إِبـْرَاهِيم الْبَاجُورِيُّ شيخ الأزهر (ت 1277هـ)؛ أي في أواسط القرن التاسع عشر الميلادي -واقعٌ واحدٌ، وحياةٌ واحدةٌ لا تتغير، فالبَرنامَج اليومي لكل أولئك كان واحدًا.

فإذا أراد الإمـام الْبَـاجُـورِيُّ -مثـلًا- أن يزور أخًا له أو رَحِمًا له في الإسكندريـة؛ فإنــه سـوف يتخذ من الوســائـل ما كان يتخـذه ســيدنا عُـمَــرُ بـْـنُ الْخَطَّابِ ر، فالبَرنامَــج واحــد، وطريقة نـقــل الأخبــار واحدة، وبعد هذا العصرِ -عصرِ الإمام الْبَاجُورِيِّ؛ أي في النصف الثاني من القرنِ التاسعَ عَشَرَ الميلادي، وفي أواخر القرنِ الثالث عشر وبدايات القرنِ الرابع عشر الهجري- وجدنا العالم يتغير في المواصلات، والاتصالات، والتِّـقْنِيَّات الحديثة، وتَغَـيُّـرُ العالم تَغَـيَّر معه الواقع، حتى وصلنا في عصرنا هذا -بعد مئةٍ وخمسين سنة تقريبًا من عصر الإمام الْبَاجُورِيِّ- إلى العولمة؛ فالحدود قد رفعت، وأصبحنا نعيش في جوار، أحداث أمريكا يراها مَنْ في اليابان في نفس اللحظة، فالاتصالات والمواصلات والتِّـقْنِيَّات الحديثة جعلتنا جميعًا نطلع على كل شيء فورًا ومباشرةً، فما هذه الحال؟

هذه حالٌ جديدة، حالٌ أنشأت تعقيدًا في العَلَاقات البينية الاجتماعية، أنشأت مفهومًا جديدًا للمصالح، أنشأت مفهومًا جديدًا للقـوة، أنشأت مفهومًا جـديدًا لسـيـر الحياة، أنشأت عناصر جديدة لا بد علينا من أن ندركها؛ ورأينا أنَّ مجموعة العلوم الاجتماعية والإنسانية نشأت في منتصـف القـرنِ التاسـع عشــر من أجــل تفســيـر ذلــك الواقــع، كـ «عِلْمِ النَّـفْسِ»، و«الِاجْتِمَاعِ»، و«الِاقْتِصَادِ»، و«السِّيَاسَةِ»، و«الْإدَارَةِ»... وغيرها.

ضرورة دراسة عوالم الواقع وإمكان بناء علوم اجتماعية إسلامية

التعامل مع هذا الواقع بمفرداته، وعوالمه المختلفة: عالم الأشياء، وعالم الأشخاص، وعالم الأحداث، وعالم الأفكار؛ بل وعالم النُّظُم أيضًا، هذه العوالم التي تُـكَـوِّن الواقع -لا يمكن إدراكها على ما هي عليه إلَّا من خلال دراسة؛ حتى نُنزل عليها أحكام الله، وحتى لا نخرج بهذا الإدراك عن المقاصد الشَّرْعِيَّـة، ولا عن المصالح الْمَرْعِيَّـة.

وللأسف، فَإِنَّ مجموعة العلوم الإنسانية والاجتماعية كانت من نموذجٍ معرفيٍّ آخر غير النموذج المعرفي الإسلامي، فهل بإمكاننا أن ننشئ علومًا اجتماعية وإنسانيةً منطلقةً من النموذج المعرفي الإسلامي؟ وهل بإمكاننا أن نستخدم نتائجَ هذه العلوم، وقواعدَها التي يمكن أن تُستخلص منها؛ فنضعها في أُصُول الْفِقْه كنوعٍ من أنواع تدريب الفقيه على إدراك الواقع؟

تعريف تجديد أصول الفقه وتحويله إلى منهج ذي رؤية كلية

هذا هو الذي نعنيه بكلمة «تَـجْدِيد أُصُول الْفِقْه»: أن يكون هناك حذف، وإضافة، وإعادة هيكلة، وترتيب، وأن يكون هناك نوع من أنواع معرفة الأداة، وأن نُحَوِّلَ أصول الفقه إلى منهج.

والْمَنْهَجُ: هو الرؤية الكلية التي تنبثق عنها إجراءات. وهذا موجود في أُصُول الْفِقْـه؛ في استمداده مثــلًا، فهـو يُسْتَمَدُّ من عـلـم العقيـدة والكـلام، ويُسْـتَمَدُّ من اللُّغـة العربيـة، ويُسْتَمَدُّ من الفقـه الإسلامي؛ هذه هي العلوم التي يُسْتَمَدُّ منها أُصُول الْفِقْه.

استقلال أصول الفقه كعلم وحدوده مع العلوم الأخرى وتأثيره المتبادل

حتى إنَّ بعضهم يظن أنَّ أُصُولَ الْفِقْهِ عِلْمٌ بَيْـنِـيٌّ؛ بمعنى أنَّه أخذ شيئًا من هذا، وشيئًا من هذا، وشيئًا من هذا، حتى صار علمًا؛ ولكنَّ الإمامين: التَّاجَ السُّبْـكِيَّ والْبَدْرَ الزَّرْكَشِـيَّ، وأنا معهم، نرى أنَّ علم أُصُول الْفِقْه هو عِلْمٌ قائم بذاته، وإن كان له -كشأن كل العلوم- استمدادٌ من العلوم الأخرى .

أُصُولُ الْفِقْهِ له استمدادٌ، ولكن ينبغي علينا أن نحذف منه ما دخل فيه وليس منه، وأن نضيف إليه أداةً جديدة، وأن نُـرَتـِّبَ ما فيه، ثم بعد ذلك نعتبره منهجًا.

وأخيرًا، وكما استفدنا من العلوم الإنسانية والاجتماعية، نريد أن يُفيد أُصُولُ الْفِقْهِ بترتيب نظرياته عقلَ المفكر الإنساني والاجتماعي؛ فتَجْدِيدُ أُصُولِ الْفِقْهِ سوف يجعله قادرًا على التأثير في العلوم الإنسانية والاجتماعية، وترتيب أفكار الباحثين فيهما. ومن جهة أخرى يستفيد هو من هذه العلوم في نتائجها؛ من أجل إدراك الواقع بعوالمه المختلفة.

نماذج محاولات تجديد الأصول ودراسة الدكتورة جميلة بو خاتم

هذا نموذج من تَـجْدِيدِ أُصُولِ الْفِقْهِ، وإن كان قد حاول كثيرٌ من الناس أن يقترحوا مقترحاتٍ، إلا أنَّهم لم يقاربـوا أُصُولَ الْفِقْهِ.

هذه المقترحات جمعتها باحثةٌ في جامعة قُسْطَـنْطِينَـة/«الأمير عبد القادر» في الجزائر، وكنت مشرفًا عليها في رسالةٍ جيدة، جمعت أكثر من خمسٍ وثلاثين محاولة للتجديد، لكنها لم تجد أيَّ محاولةٍ منها تقترب من أصول الفقه؛ إنَّما هي مجرد دعوة للتجديد، وليست تَجْدِيد أُصُول الْفِْقْهِ.

ولكنْ هذه الخمس والثلاثون محاولة نَقَضَتْهَا وفَـنَّدَتْـهَا تلك الباحثة في رسالتها، وقد حصلت بتلك الرسالة على درجة «الدكتوراه» من جامعة الأمير عبد القادر تحت عـنـوان «تَـجْدِيد أُصُول الْفِـقْـهِ»، واسـمـها: الدكتورة/جميلة بـو خـاتـم الْعَــلَاوِي. وطبعت هذه الرسالة في صورة كتاب بدار الفاروق بالقاهرة، تحت عنوان: «تجديد أصول الفقه».

إمكان تجديد أصول الفقه في الشكل والمضمون وأدواته المنهجية

«تَـجْدِيدُ أُصُولِ الْفِقْهِ» لا يحتاج إلى أن ندعوَ إليه، فهذه ينبغي أن نتجاوزها إلى العمل. وكثير جدًّا من إخواننا يقول: كيف نطور أو نجدد أُصُولَ الْفِقْهِ، وأُصُولُ الْفِقْهِ غير قابل للتجديد؟

أبدًا، أصول الفقه قَابِلٌ للتجديد في الشكل وفي المضمون أيضًا:

  • أما من ناحية الشكل: فبالحذف، وبإعادة الهيكلة، وبالأسلوب السهل في العـرض، والذي بـدأه أمثال الشيخ محمد الْخُضَرِي، وانتهى بشيخنـا الشيخ محمــد أبي النُّور زُهَيْر .

  • وأما من ناحية المضمون: فينبغي أن تضاف إليه هذه الأداةُ المنهجية من العلوم الاجتماعية والإنسانية، وكذلك يفيد بوصفه منهجًا، وهذه الإفادة ستجعله يؤثر ويتأثر بمجموعة العلوم.

أثر تجديد أصول الفقه على تنزيل الأحكام وحفظ عالمية الدعوة

هذا هو المقصود بـ «تَـجْدِيد أُصُول الْفِقْهِ»، كتبنا فيه بعض الكتابات، ولكن الأمر في بداياته يحتاج إلى مزيدٍ من الجهد، ويحتاج إلى اقتناعٍ من الشرعيين؛ حتى ننطلق في هذا التوجه، وهذا سوف يؤثر كثيرًا في إنزال الأحكام على الواقع، مع الحفاظ دائمًا على المقاصد الشرعية العظمى، وعلى مصالح الناس والمسلمين، وعلى مراعاة طبيعة هذه الدعوة: من أنَّها دعوة مفتوحة، ليس فيها كَهَـنُـوت، ولا سِـرٌّ، ولا عِرْقِـيَّـةٌ؛ ولكنها دعوة عَالَمِيَّـة.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما المقصود بكون القرآن الكريم «محور الحضارة الإسلامية»؟

أنه المنطلق والهداية وتوليد الأفكار ومعيار التقويم

ما الوظيفة الأساسية لعلم النحو كما أنشأه المسلمون؟

ضبط آخر الكلمة في الجملة

من الذي أخرج منهج تفكير المجتهد في كتابه الرسالة؟

الإمام محمد بن إدريس الشافعي

ما تعريف الإمام البيضاوي لأصول الفقه؟

معرفة دلائل الفقه إجمالًا وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد

ما الأبواب التي أبقاها المسلمون من منطق أرسطو بعد تكييفه؟

التصور والتصديق

متى توقف توليد العلوم الإسلامية الكبرى تقريبًا؟

بعد القرن الرابع الهجري

ما الخطوة الأولى في تجديد أصول الفقه؟

حذف المسائل الدخيلة اللغوية والمنطقية والكلامية

ما ترتيب نظريات أصول الفقه الثماني الصحيح؟

الحجية ثم التوثيق ثم الفهم ثم القطعي والظني ثم الإلحاق ثم التعارض والترجيح ثم المقاصد ثم شروط الباحث

ما العوالم الخمسة التي يتكون منها الواقع وفق هذا المنهج؟

عالم الأشياء والأشخاص والأحداث والأفكار والنظم

ما رأي الإمامين التاج السبكي والبدر الزركشي في طبيعة علم أصول الفقه؟

أنه علم قائم بذاته وإن كان له استمداد من العلوم الأخرى

كم محاولة للتجديد رصدتها الدكتورة جميلة بو خاتم في رسالتها؟

أكثر من خمس وثلاثين محاولة

ما النتيجة التي توصلت إليها الدكتورة جميلة بو خاتم بشأن محاولات التجديد؟

أنها كانت مجرد دعوات للتجديد لا تجديدًا حقيقيًا

ما العلوم التي يُستمد منها أصول الفقه؟

علم العقيدة والكلام واللغة العربية والفقه الإسلامي

ما الباب الذي أضافه المسلمون إلى منطق أرسطو ولم يكن فيه أصلًا؟

باب الموجهات

ما الذي يميز الدعوة الإسلامية وفق ما يُستهدف من تجديد أصول الفقه؟

أنها دعوة عالمية مفتوحة ليس فيها كهنوت ولا سر ولا عرقية

ما معنى كون القرآن الكريم «محور الحضارة الإسلامية»؟

يعني أن القرآن هو المنطلق والهداية ومصدر توليد الأفكار ومعيار التقويم لكل العلوم والمعارف الإسلامية.

ما الفرق بين علم النحو وعلم الصرف؟

علم النحو وظيفته ضبط آخر الكلمة في الجملة، أما علم الصرف فيهتم بضبط هيكل الكلمة واشتقاقاتها كاسم الفاعل واسم المفعول واسم الآلة.

على أي أساس رتّب الخليل بن أحمد كتابه «العين»؟

رتّبه على مخارج الحروف، فبدأ بحروف الحلق ثم طرف اللسان ووسطه وأقصاه ثم الحروف الشفوية.

ما الـ Epistemology وأين يظهر في التراث الإسلامي؟

هو علم المعرفة الذي يبحث في كيفية تعلم الإنسان وانتقال المعلومات وعملية التفكير، ويظهر في مقدمات علم الكلام الإسلامي.

ما الثلاثة المحاور التي تضمنها تعريف البيضاوي لأصول الفقه؟

مصادر البحث (دلائل الفقه إجمالًا)، وكيفية البحث (كيفية الاستفادة منها)، وشروط الباحث (حال المستفيد).

ما الصلة بين نسبة المنطق للجَنان ونسبة النحو إلى اللسان؟

كما أن النحو يضبط اللسان في الكلام، فإن المنطق يضبط الجَنان (العقل) في التفكير؛ كلاهما أداة ضبط وتقنين.

لماذا كان واقع الإمام الباجوري مشابهًا لواقع عمر بن الخطاب رغم الفارق الزمني الكبير؟

لأن البرنامج اليومي وطرق المواصلات والاتصالات ظلت واحدة لم تتغير من عهد عمر بن الخطاب حتى منتصف القرن التاسع عشر الميلادي.

متى بدأ تغيّر الواقع الجذري الذي أوجب إضافة أدوات جديدة لأصول الفقه؟

في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي مع ظهور التقنيات الحديثة في المواصلات والاتصالات، حتى وصلنا إلى العولمة.

ما المفاهيم الجديدة التي أوجدتها العولمة وتحتاج إلى إدراك فقهي؟

أوجدت مفهومًا جديدًا للمصالح، ومفهومًا جديدًا للقوة، ومفهومًا جديدًا لسير الحياة، وعناصر جديدة في العلاقات البينية الاجتماعية.

ما المقصود بالمنهج في سياق تجديد أصول الفقه؟

المنهج هو الرؤية الكلية التي تنبثق عنها إجراءات عملية، وتحويل أصول الفقه إلى منهج يعني جعله رؤيةً شاملةً تنتج إجراءات للبحث والاستنباط.

ما العلوم الاجتماعية والإنسانية التي نشأت في منتصف القرن التاسع عشر لتفسير الواقع الجديد؟

علم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم الاقتصاد، وعلم السياسة، وعلم الإدارة، وغيرها من العلوم الإنسانية.

ما الإشكالية المطروحة بشأن العلوم الاجتماعية الغربية وأصول الفقه؟

هذه العلوم نشأت من نموذج معرفي غير إسلامي، فالسؤال هو: هل يمكن إنشاء علوم اجتماعية إسلامية، أو توظيف نتائج العلوم القائمة في أصول الفقه لتدريب الفقيه على إدراك الواقع؟

ما الفرق بين تجديد أصول الفقه في الشكل وتجديده في المضمون؟

التجديد في الشكل يكون بالحذف وإعادة الهيكلة والأسلوب السهل في العرض، أما التجديد في المضمون فيكون بإضافة الأدوات المنهجية من العلوم الاجتماعية والإنسانية.

أين طُبعت رسالة الدكتورة جميلة بو خاتم وما عنوانها؟

طُبعت في صورة كتاب بدار الفاروق بالقاهرة تحت عنوان «تجديد أصول الفقه».

ما الأثر المتوقع لتجديد أصول الفقه على العلوم الإنسانية والاجتماعية؟

سيجعل أصول الفقه قادرًا على التأثير في العلوم الإنسانية والاجتماعية وترتيب أفكار الباحثين فيها، كما يستفيد هو من نتائجها لإدراك الواقع بعوالمه المختلفة.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!