اكتمل ✓
الفصل 21

كيف يستفيد المسلمون من الحضارات الأخرى ويُسهمون في بناء الحضارة الإنسانية؟

الإسلام نسق مفتوح يُوجب الاستفادة من الحكمة حيثما وُجدت، وقد جسَّد المسلمون هذا المبدأ عملياً بتطوير الحرف العربي بالتعاون مع شركات غربية، وإحياء الزخرفة الإسلامية بمساعدة معاهد بريطانية، وتوظيف التقنيات الحديثة في الإفتاء والتعليم عن بُعد. هذا التبادل الحضاري مبناه أن الإسلام أُرسل رحمةً للعالمين، وأن المسلمين مأمورون بالإفادة والاستفادة من جميع الأمم.

16 دقيقة قراءة
  • كيف يُوفِّق المسلم بين انتمائه الحضاري وضرورة الاستفادة من إنجازات الآخرين دون ذوبان أو انعزال؟

  • الإسلام نسق مفتوح في مصادره وتاريخه، يُوجب الاستفادة من الحكمة حيثما وُجدت شرقاً وغرباً.

  • تطوير الحرف العربي تمَّ بالتعاون مع شركة ألمانية للطباعة، وأسفر عن طباعة الكتب الحديثية السبعة بأجمل صورة.

  • إحياء الزخرفة الإسلامية المملوكية استفاد من كتاب مارتن لينجز ومعهد فيتا البريطاني، وأُنتجت منه أربع وعشرون لوحة فنية.

  • توظيف التقنيات الحديثة في دار الإفتاء المصرية عبر الرقم المختصر والذكاء الاصطناعي يُجسِّد مبدأ الاستفادة الحضارية في خدمة الفتوى.

  • التعليم عن بُعد ثنائي الاتجاه والمشاركة في بناء الحضارة الإنسانية واجبٌ على المسلمين الذين يمتلكون حضارة باقية لم تمت.

مبدأ النسق المفتوح والاستفادة من الحضارات الاخرى

الاستفادة من الحضارات الأخرى، والاستفادة من الحكمة حيثما وجدناها، وأَنَّى حَصَلْنَا عليها -هو مبدأٌ مبناه: أنَّ الإسلامَ نَسَقٌ مفتوح في مصادره «الكتاب والسُّنَّة، وفي تاريخه «تجربة المسلمين وواقعهم»؛ حيث إنَّـهم فتحوا قلوبهم وعقولهم للعالم، واستفادوا من كل حكمةٍ في الشرقِ والغرب وأفادوا، ولَم يَمنعوا أيَّ علمٍ أن ينتشر وينتقل إلى العالمين.

هذا هو حالهم في الكتاب والسُّنَّة؛ حيثُ أُمِرُوا بذلك، وهذا هو أيضًا حالُهُم في واقعهم التاريخي.

عالمية الاسلام ورب العالمين ورحمة للعالمين

إنَّ أول آية في الفاتحة بعد البسملة، هي:

﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]،

ومن هنا تأتي عَالَـمِيَّـةُ الإسلام؛ حيثُ وَجَّه اللهُ خطابـَهُ إلى العالَـمِين، ورسولنا صلى الله عليه وآله وسلم قد أُرْسِلَ إلى الجِنِّ والإنس:

﴿وَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]،

نعم هو رحمة، حتى للسابقين عليه واللَّاحقين به، مَن آمَنَ به ومَن لَمْ يُؤْمِن، لم يكن رحمةً لبعضهم ونـِقْمَةً على بعضهم؛ بل هو رحمة للعالمين.

مشهد الشفاعة الكبرى وتجلي الرحمة المحمدية يوم القيامة

ويظهر هذا جليًّا وواضحًا في عقيدة المسلمين؛ فرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم -كما أخرَجَ الْـبُخَارِيُّ- سوف يشفعُ في العالمينَ كُلِّهِمْ يَومَ القيامة؛ حيثُ يأتي الناس إلى آدم، ثُمَّ يأتي الناس إلى نوح، ثم إلى إبراهيم، وموسى وعيسى، وكل واحدٍ منهم يعتذر ويُرْشِد إلى أخيه، حتى يَصِلَ الأمرُ إلى سيد الخلق؛ فيقول: أنا لها، أنا لها.

ويذهب فيسجد تحت عَرْش الرحمن، ويشفع في الخلائق أجمعين(1).

الاحاديث مؤسسة لنسق مفتوح في التعامل مع العالمين

فهذه الأحاديث التي تَصِفُ مشهدًا من مشاهد يوم القيامة تؤسسُ للعمل في الدنيا، فهي تؤسسُ لِأَنْ نقول: إنَّ قلوبَنا مبناها هذا النَّسَق المفتوح، وإنَّنا نُـفيد ونستفيد من العالمين، وإنَّ هذا مبدأ أساسي في سَيْـرِنا في هذه الحياة الدنيا، ومن المبادئ التي نُؤكدها وندعو الناس إليها.

لكن كيف تحدثُ تلك «الِاسْتِفَادَة مِنَ الْحَضَارَاتِ الْأُخْرَى» من الناحية العملية؟

تجربة المكنز الاسلامي في خدمة الخط والقرآن والسنة

لي في ذلك تَـجْرِبـة؛ فـقـد مَـنَّ الله عليَّ بأن اشــتركت في تأســيس مؤســسة تُســمـى بـ «الْمَكْنَزِ الْإسْلَامِيِّ»، وهي تهتمُّ بأمورٍ خادمةٍ للقرآن والسُّنَّة، ومن جملة ذلك: الانطلاق من القِمَم التي وَصَلَ إليها الخطُّ العربي الذي كُتب به المصحف الشريف، الانطلاق من القمم التي وصل إليها التجليد «تجليد الكتب المملوكية»، الانطلاق من الزخرفة التي وصلت إلى غايتها وإلى منتهاها في العصر المملوكي، أو في الفن المُغْلي، أو في الفن التركي.

الانطلاق من أمثال هذا؛ لإعادة هذه الحضارة وإعادة اليقظة لها؛ لأنَّها لـَم تَـمُت، وإن كانت قد خَبَت ولم يعد لها الرِّيادة، إلَّا أنَّ الإنسانيةَ كلَّها -في اعتقادنا- تحتاجُ إلى هذه الحضارة، وإلى أن تعود مرةً ثانية بما تشتملُ عليه من رموز، وبما تشتملُ عليه من جمال، وبما تشتملُ عليه من رِقَّة في المشاعر والأحاسيس؛ ولذلك قامت هذه المؤسسة -والحمد لله رب العالمين- بتطوير الحرف العربي؛ من أجل خدمة المصحف الشريف. فكيف كان ذلك؟

تنوع اشكال الحرف العربي وصندوق الحروف الطباعية

لقد قمنا بالبحث في الحرف العربي في الطباعة؛ فوجدْنَا أنَّ صُندوق الحرف العربي -الذي كانت تستعمله المطابعُ الأميرية في أولِ أمرِهَا قبل تطويره- كان يشتمل على أكثر من ألف شكل للحرف «لكل حرف»؛ بمعنى: أنَّ كل حرف من حروف المعجم له عندهم ألف صورة في رسمه، أو ألف شكل في كتابته، وهذا العدد جاء من أنَّ الحرف العربي يختلف شكلُـهُ، فمثلًا الألف المفردة تختلف عن الألـف التي هي متصلة بآخر الكلمة، أو التي في وسط الكلمة، والكاف في أول الكلمة بخلافِ منتصف الكلمة، بخلاف آخر الكلمة وهي متصلة، وبخلافها في آخر الكلمة وهي منفصلة.

فهناك حروف تتصلُ بما قبلها ولا تتصل بما بعدها، مثل:

  • «الواو»
  • «الدال»
  • «الذال»
  • «الراء»
  • «الزَّاي»،

وهناك حروف تتصلُ بما قبلها وبما بعدها، مثل:

  • «السين»
  • «الشين»
  • «العين»
  • «الغين»،

وهناك حروف لا تتصلُ بما بعدها لكنها تتصلُ بما قبلها، مثل: «الألف».

انواع الخطوط العربية والبحث عن اجمل خط للمصحف

إذن، الحروف على أنواع، وتختلف في الرسم باختلاف مكانها في الكلمة؛ ولذلك تفنَّن الفنان المسلم قديمًا في رسم هذا الحرف، فيرسم الكاف مثلًا بطرقٍ مختلفة، فتجد من الخطوط خطًّا يسمى بخط الرقعة، وخطًّا يسمى بخط النسخ، وخطًّا يسمى بالخط الديواني، والريحاني، والتاجي... إلى آخر أنواع الخطوط، وهي نحو أربعين نوعًا من أنواع الخطوط.

بحثنا فيما كُتِبَ به المصحف الشريف؛ لنعرف أيَّ الخطوط أحلى وأجمل؟ وأيَّ الخطوط تكون به العين أكثر انجذابـًا لبهائه ورونقه؟ فوجدنا ذلك متوفرًا بجلاء في مصحف الملك فُؤَاد(1) رَحمهُ الله تعالى، مَلِك مصر.

قصة مصحف الملك فؤاد والخطاطين بين مصر وتركيا

وهنا جئنا لنبحـث عن صندوق حــروف هــذا المصحف الشريف الذي كُتِبَ في آخره: «كَتب أصلَه بخطه: الشيخُ مُـحَمَّد خَلَف الْحُسَيْنِي، شيخ المقارئ المصرية»(2)، وإن كان في هذه المعلومة نِقاش، إلَّا أنَّها مكتوبة في آخر المصحف الذي أصدره الملك فُؤَاد سنة (1921م)، وقد فاز هذا المصحف في إتقانه وجماله بجائزة معرض فرانكفورت للمطبوعات على مستوى العالم.

وكان بعض الخطاطين يُشَكِّكُ في أنَّ كاتبه هو الشيخ الْـحُسَيْـنِي، ويقول: إنَّما كَتب الشيخ مُـحَمَّد خَلَف الْـحُسَيْـنِي أصلَهُ الرَّسمي؛ بمعنى أنَّ الرسم العثماني بخطه، أما هذا فهو خط الخطاط المشهور جَعْفَر بك(1). هذه معلومة يتناقَلها الخطاطون شفويًّا فيما بينهم، وربما كان لهم عليها أدلة وبراهين، ولكن المكتوب فعلًا أنَّ هذا خط مُحَمَّد خَلَف الْحُسَيْـنِي.

وعلى كل حال، سواءٌ أكان بخط فضيلة الشيخ مُحَمَّد خَلَف الْحُسَيْـنِي «شيخ المقارئ المصرية»، وأنَّ هذا خطُّـهُ فعـلًا، أم هو بخط جَعْفَر بك الخطاط المشهور -فإنَّه خطٌ بديعٌ رائقٌ، وله قصة، وهي: أنَّ الملك فُـؤَاد أرادَ أن يُخْرِجَ المصحف على أحسن وجه؛ فأتى بالشيخ مُحَمَّد عَبْد الْعَزِيزِ الرِّفَاعِيِّ(2) من تركيا -وهو خطاطٌ عظيم- وأمرَهُ أن يَخُطَّ له مصحفًا، فكأنَّ الخطاطين المصريين غَضِبُوا أو أحفظهم ذلك، فكيف تستورد لنا خطَّاطًا من تركيا، ونحن هنا عندنا من الخطاطين الفنانين ما الله به عليم؛ وهم بالفعل قد وصلوا إلى الغاية في فنِّ الكتابة.

البحث عن نسخ المصحف وصندوق الحروف بين المطابع العربية

وكان الخطَّاطون في هذا العصر يعتمدون الخـطَّاطَ، ويسلمون لــه بأنَّـه قــد صـار خطَّاطًا عندما يصل إلى كتابة المصحف؛ بمعنى أنَّ مَن كتبَ المصحف يُعدُّ حينئذٍ خطَّاطًا.

وكـان هـذا الخــط قد وضعــه ابـْنُ مُقْـلَـةَ(1)؛ من أجـل كتابــة كتــاب الله، يـقــول أَبـُو حَيَّانَ التَّوْحِيدِيُّ(2): «إنَّ ابـْنَ مُقْلَةَ قد أوحى الله تعالى إليه تسديسَ الخط، كما أوحى إلى النَّحْلِ تسديس بيوتها».

وللفنان العالمي الدكتور أَحْـمَد مُصْطَـفَى(3) رسالةٌ علمية في تفسير هذا التسديس، وكيف كان من الْمُسَدَّس داخل الدائرة، وكيف أنَّ الألف هي ميزان الحروف -حصل بها على درجة «الدكتوراه» من جامعة لندن، وتُـتَـرْجَم الآن إلى العربية؛ حتى يعلم الناسُ مَدَى الفلسفة الكامنة وراء الخط العربي، وأنَّه كُتِبَ بنسبةٍ إلهيةٍ فاضلة، تُناسِبُ كتاب الله الذي نَـزَلَ -أيضًا- بنسبةٍ إلهيةٍ فاضلة، جعلتهُ يختلفُ عن الشـعر، ويختلفُ عن النثر، ويختلفُ عن كلام الناس، على الرغم من كونـه مصوغًا من نفس الألفاظ العربية التي يستعملها الـخَلْق، وهو مسموعٌ ومفهوم، وعلى الرغم من ذلك؛ فإنَّ سيَاقَـهُ وسِبَاقَـهُ ونَظْمَهُ يختلفُ اختلافًا كُليًّا عن كلام البشر، يَعْرِفُ هذا العلماء والراسخون؛ بل ويعـرف هذا كُلُّ مَن رُتـِّـلَ أمامَهُ القرآن، فحتى الأداء الصوتي يؤكد أنَّه ليس من كلام البشر. هذه عقيدة المسلمين، وهذا هو الذي نَلْقَى الله -سبحانه وتعالى- عليه.

ضياع صندوق الحروف وبناء الحرف العربي بالحاسوب وطباعة كتب الحديث

غَضِبَ الخطَّاطون من مَجِيء مُحَمَّد عَبْد الْعَزِيز الرِّفَاعِيِّ الذي أمرَهُ الملك فُؤَاد أن يَخُطَّ لَـهُ مصحفًا.

وفي الحقيقة، كنتُ أظن أنَّ هذا المصحف -الذي هو بخط مُحَمَّد عَبْد الْعَزِيز الرِّفَاعِيِّ - محفوظ في دار الكتب المصرية، كما وردت لنا الأخبار مستفيضة بأنَّه أكمله فعلًا، وأنَّه أتمه في عهد الملك فُؤَاد؛ لكن بالبحث في دار الكتب المصرية لَم نَحْصُل على هذا المصحف؛ فربما كان في الخزائن التي لَم تُصَنَّف بعْد، أو قد يكون في مكتبة الملك فُؤَاد احتفظ به لنفسه، أو شيء آخر من هذا القبيل، لكن على كل حال عندما بحثنا عنه حديثًا لَم نَجِدْه في دار الكتب المصرية.

طبع الملكُ فُؤَاد ما كان بخط مُـحَمَّد خَلَف الْحُسَيْـنِي ح وهو المطبوع الآن، وهو الذي فيه نزاع: هل هو لمُحَمَّد خَلَف الْحُسَيْـنِي أم لجَعْفَر بك؟ بحثنا عن صندوقِ حروف هذا الكَنْز الذي يُعَدُّ أعلى حَرْف كُتِبَت به الطباعة العربية، مِن نَحْو أكثر من خمسين مطبعة في بيروت وفي مصر، تبدأ بالأميرية، ثم تطوير الأميرية الذي وصل إلى (425) حرفًا، ثم تطوير ذلك إلى أن وصلنا إلى الآلة الكاتبة التي كان فيها (140) شكلًا فقط للحروف، فبعد أن كانت الحروف (1375) حرفًا، أصبحت (140) حرفًا، وكُلَّما اختُصِرَت أشكال الحروف ذهب جمال الخط، ولكن كُتِبَت باللُّغة العربية كِتابات كثيرة في المطبعة العربية، والمقصود: أنَّنا لَمَّا أن رأينا أعلاها هو ما كُتِبَ به مصحف الملك فُؤَاد؛ انطلقنا منه وكنا نُريد شكل الحروف فلم نجدها؛ ووجدنا أنَّ المطابع الأميرية قد تصرفت فيها ولم تحتفظ بها باعتبارها شيئًا من المستعملات التي تُباع، وإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون؛ فعملنا أكثر من أربع سنوات بواسطة الكمبيوتر -الذي اخـترعَـهُ الغــرب- متعاونين مع شركـة ألمانيــة في الطباعـة -حيث نشأت المطبعة هناك في القرن الخامس عشر الميلادي- فاستفدنا من هذه الحضارة، ووصلنا إلى فَكِّ الحروف، بحيث أمكننا بعد ذلك أن نكتُب بهذه الحروف أيَّ كتابةٍ نريدها، وطبعنا بها الكتب الحديثية السبعة:

  • «صحيح البخاري»،
  • و«صحيح مسلم»،
  • و«السُّنن الأربعة»،
  • و«الموطأ»

بعد تحقيقها على المخطوطات، طبعناها بهذا الحرف، وخرجت هذه الكتب في نحو ستة عشر مجلدًا، مضافًا إليها ثلاثة مجلدات أخرى هي عبارة عن تصوير للنسخة البُولَاقِيَّـة المشهورة بـ «السلطانية» لـ «صحيح البخاري»، صوَّرناها كما هي بأخطائها، وبأحوالها، وبشكلها، ووصلت المجموعة إلى تسعة عشر مجلدًا، وتنظُر إلى الفرق ما بين صندوق حروف الأميرية الذي كان هو أعلى أنواع الجمال مقارنةً بصندوق حروف الملك فُؤَاد؛ فتجد البَـوْن الشاسع، وأنَّ مصحف الملك فُؤَاد كُتِبَ بطريقة أجمل بكثير جدًّا من صندوق الحروف المطبعية بالمطبعة الأميرية في أعلى حالات كماله وجماله، فكان هذا أعلى منها؛ فانطلقنا منه، واستطعنا بواسطة الكمبيوتر أن نستفيد من حضارة الآخرين؛ من أجل تطوير شكل الحرف المطبعي العربي.

القيمة الحضارية لتطوير الحرف وعلاقة الرياضيات بدلالة الخلق

هذا العمل ربما يستهين به بعضهم ولا يقدر له قدرَه، ولكننا وصلنا إلى مرحلة حضارية، يُمكننا أن نكتُبَ بها كلَّ المطبوعات، وكل الكتب التي تصدُر عندنا؛ نتيجة تَمكُّنِنا وامتلاكِنا لهذا الحرف العربي الجميل الذي يُعَبِّـر عن فلسفةٍ كامنةٍ في هذا الحرف؛ لأنَّه بين كل حرفٍ وآخر نسبة إلهية فاضلة تُشْبه النسبة الثابتة للدائرة، والتي هي (22/7)(1)، والتي نستطيع أن نَصِل من خلالها إلى مساحة الدائرة، وإلى محيط الدائرة، وإلى التفاضل والتكامل، وكل هذه العلوم التي بُـنِيَت من تأمل الكون، ومن استخلاص ما وراء هذا الكون من تدبير الحكيم سبحانه؛ ولذلك كان فيثاغورث يرى أنَّ الرياضة هي الدالَّة على وجود الله سبحانه وتعالى، وأنَّه -سبحانه- حكيمٌ ومُبدع؛ لأنَّنا كلما فكَّرنا بالتفكير المجرد في أذهاننا، وجدنا ما فكَّرنَا فيه مطابقًا للخارج الموجود في الكون، فكيف وقع هذا التطابق وأنا لم أنشئ الكون؛ فهناك إذن مَن أنشأني وأنشأ الكون، والذي أنشأني وأنشأه هو الذي وضع هذا الإحكام خلال هذه العملية.

المساحة المشتركة مع الاخر والتعاون على الجمال والحضارة

إذن، تطوير الحرف العربي استفدنا فيه من الآخرين، فنشأت علاقة وتعارف بيني وبين ذلك الرجل الألماني -غيـر المسلم- الذي نَعْمَل معه على تطوير هذا الحرف، ووصلنا معه إلى هذه الغاية، فهناك مساحة مشتركة بيني وبين الناس، ليس فقط أن يقتلوني وأقتُـلَهُم، أو أن يُرهِبُوني وأرهبَـهُم، أو أن يهددوني وأهددهم؛ بـل هناك مساحة مشتركة يُمكن بها شُيوع الجمال، ورِقَّة الإحساس، وحُسن الهيئة، وحضارة ينبغي علينا أن نَمنحَهَا للعالمين؛ فكل الناس في حاجةٍ إليها.

اسهام مارتن لينجز والزخرفة الاسلامية في خدمة المصحف

فَعَلْـنَا مثل هذا مع الزَّخْرَفَة، والزخرفة أدخلناها من كتاب ماتع ألَّـفَـهُ مدير المتحف البريطاني السيد: «مَارْتِن لِينجِز»(1)، وهو رجل إنجليزي وصل إلى مرتبة مدير المتحف البريطاني، كما أنَّ له اهتمامًا بالمصحف الشريف؛ أسلم مارتن لينجز عندما كان عمره نحوًا من ثلاثين أو ثمانية وعشرين عامًا، وحَسُنَ إسلامُهُ، وألَّف في السيرة النبوية كتابـًا ماتعًا بالإنجليزية، وهو كتاب يحتوي على فوائد وعجائب وغرائب حول سيرة المصطفي صلى الله عليه وآله وسلم، فوائد ليست في غيره من الكتب.

وقد ألَّف أيضًا كتابـًا حول روائع الخط العربي من خلال المصاحف المكتوبة، مثل: مصحف السلطان شَعْـبَان(2)، والمصحف الذي كَـتَـبَـهُ يَاقُوتُ الْمُسْتَعْصِمِيُّ(3)، والمصحف الذي كتبَـهُ ابـْنُ الْبَـوَّابِ(4) «الخطاط المشهور»، ومن خلال الزخرفة التي تطورت عَبْر التاريخ، حتى وصلت إلى العصر المملوكي، ثم العصر التركي، وقد تأمل في الألوان وفي فلسفتها، وتأمل في روائع هذا الخط العربي.

ترجمة كتاب لينجز وفلسفة الالوان والتفاعل الحضاري

فهذا رجــلٌ إنجليزي، لكنه أســلم وخدم الإســلام والمصحف الشريف، فالإسلام نَسَقٌ مفتوح، وهناك مُشْتَرَكٌ بيني وبين الآخرين، أستطيع أن أستفيد منهم. فما الذي فعله ذلك الرجل؟ ترك لنا شيئًا عظيمًا جميلًا، لا يُنْـكِر أحد جَمَالَـهُ، وقد طُبِـــعَ هذا الكتاب باللُّغة الإنجليزية، وكُنتُ حريصًا أن يُترجَم إلى اللُّغة العربية، فتُرجم -بفضل الله- وقدَّمْتُ له بمقدمة أتكلَّمُ فيها عن ملخص ما توصَّل إليه من فلسفة الألوان ودَلالاتها عند المسلمين.

وهذه حضارات يستفيدُ بعضُهَا من بعض أخذًا وعطاء، غير منفصلة عن عِمَارة الأرض.

الاستفادة من معهد فيتا وتحليل الزخرفة الهندسية والنباتية

هذا الكتاب أخذنا منه الأشكال الزخرفية، وقمنا بتسجيلها على الكمبيوتر، ووجدنا معهدًا في بريطانيا، اسمه: «معهد فيتا»، وهو معهد مهتم بهذه الزخرفة المملوكية وبتطويرها؛ فهناك برامج لتحليل اللوحة التي أمامنا، وهناك برامج من أجل تعليم الناس كيف يُنشئون لوحة جديدة لم تكن مِن قبل، فإذا رأيتَهَا نسبتَها إلى الفن المملوكي، وهناك برامج تستطيع بها أن تجمع بين خصائص لوحات مختلفة دون تنافر لا في الألوان ولا في الخطوط، ونحنُ في هذه الزخرفة أمام استعمال الخطوط الهندسية، كالنقطة، والخط، والدائرة، والمربع، والمثلث، وتركيبات كل هذا من المُخمَّسات، والمسدَّسات، والمسبَّعات، والمُثَمَّنات... إلى آخره، وعالم آخر من الخطوط الهندسية يُستعمل في الزخرفة، وهناك أيضًا التعشيبات النباتية، وكيف تتوافق بعضها مع بعض من ناحية، وكيف تتوافق أيضًا من ناحية الألوان، ومن عناصر أخرى كثيرة لا أُريد أن أستفيض فيها هنا.

رموز الكليم التركي وتجلي الصفات الالهية في الكون والالوان

هناك أيضًا رموز وجدناها في «الْـكِلِيم التُّركي» كشجرة الحياة، وعين الحياة، والطائر، وأشياء لها دَلالات تشهد بأنَّه:

وأنَّ الله -سبحانه وتعالى- تجلَّى أمامنا في هذا الكون بصفاته، فنحنُ نرى الحكمةَ والإبداعَ والإحياءَ والإماتةَ والرِّزْق والخَالِقِيِّـة والرَّحمة. نراها بأعيُــنِنَا في عالم النبات، وفي عالم البحار، وفي عالم الحيوان، وفي عالم الإنسان، وفي أفلاك السماء، وفي تخوم الأرض.

نراها بأعيُـنِنَا، ونرى كيف نستطيع أن نستفيد من خِلْقَةِ الله لسمكـة ملونـة، وإبـداع هذا الخالق العظيم في الألوان ما بين البرتقالي والبني، أو بين الأزرق والأحمر، أو بين الأخضر والأصفر. هذا الإبداع الإلهي كيف نستفيد منه، ونُحوِّلُـهُ إلى لوحات فنية تُخرِجُ إبداعات الإنسان بعد معاناة، وبعد تدريب، وبعد عِلم، وبعد مَلَـكَة، وبعد موهبة ربانية يُعطيها ربنا -سبحانه وتعالى- لمن يشاء من عباده.

اخراج اللوحات الزخرفية وطباعتها في كوريا واستمرار التبادل الحضاري

عَمِلْـنَا في هذا الجانب، واستفدنا من تراثنا، واستفدنا أيضًا من «معهد فيتا»، ومن هذا الاهتمام البالغ الذي ينبغي أن نبدَأَهُ نحنُ؛ لأنَّنا أبناء هؤلاء الذين أبدعوه وصنعوه وعلَّموه ونشروه. نحن أبناؤهم، ولكن ما دام غيرُنا قد سَبَـقنا إلى هذا؛ فيجب علينا أن نهتم به، وأن ندْرُسه.

أخرجنا أربعًا وعشرين لوحة من كتاب «مارتن لينجز»، ولأنَّ كتابه به كثير من اللوحات، قد تصل إلى (200) لوحة، فقد أخرجنا نحو(10%) أو (11%) مما في الكتاب كإصدارٍ أول، لوحات يفتَخِر بها الإنسان، سواء في مقام الزخرفة، أو في مقام كتابة المصحف، وهو الأمر الذي اختص به كتاب «مارتن لينجز» الذي سَمَّى نفسَـــهُ بعدما أسلم «أبا بكر سِرَاج الدين»، رحمه الله تعالى.

ذهبنا وطبعنا هذه اللوحات في «كوريا»؛ لأنَّنا وجدنا هذا المكان أنسب الأماكن وأعلاها من ناحية التِّـقْنِيَّات الحديثة، وأعلاها من ناحية نوعية الورق في هذا المقام.

المبدأ العام للاستفادة والافادة والتحول الى فن التجليد

إذن، هناك مسـاحة مشـتـركة يُمكن أن نعمـل عليها، قد يستهين بها بعضُ الناس، وقد يرى في ذلك أمرًا ثانويًّا أو قد لا يراه مُطلقًا؛ فهو حُرٌّ. ولكن نحنُ نُبيِّـنُ مبادئنا التي سِرنَا عليها، والتي نَلْقَى الله -سـبحانه وتعالى- بها، والتي نُوجِدُ من خلالها المُشْتَرَك الذي نتحدَّث عنه كثيرًا، فنحنُ نستفيد من الحضارات في كل مكان ونُفيدها.

وبالإضافة إلى «تَطْوِير الْحَرْف الْعَرَبِي»، وإلى «الزَّخْرَفَة الْمَمْلُوكـِيَّـة وَالتُّـرْكـِيَّـة»، وإحيائها، والبحث في فلسفتها، وبالإضافة إلى تدريب الناس عليها، وانطلاقها واستمرارها بواسطة الكمبيوتر وفنيَّاتِـهِ؛ من أجل إحْدَاث شيء هو منها، ولكن ليس مشابِهًا لها، أو ليس تقليدًا لها؛ إنَّما هو غوص في مناهجها واستعمالها، والغوصُ في المناهج، وعدم الوقوف عند المسائل والأشكال يمثل جزءًا من فلسفتِنا ومن مبادئنا -أضفنا إلى كل ذلك «تَـجْلِيد الْـكُتُب».

رحلة الشيخ محمد راشد وفن تجليد الكتب كقيمة روحية وجمالية

فبعد تطوير الحرف والزَّخْرَفَة طوَّرنا الكتاب وتجليده، وأتذكر أنَّ شيخي: الشيخ أَحْـمَد مُـحَمَّد مُرْسِي -رحمه الله تعالى- كان يتحدث عن شيخه الشيخ مُحَمَّد رَاشِد ح: بأنَّه عندما تكوَّنت هيئة كِبار العلماء سنة (1911م)، كان الشيخ مُحَمَّد رَاشِد هو الاسم الأول في هيئة كِبار العلماء، وقد كان الشيخ مُحَمَّد رَاشِد هو أستاذ التفسير في الجامع الأزهر الشريف قبل إنشاء الكليات بربع قـرن، وكان إمامًا للخـاصَّـة الخديويـة أيام الخديوي عَبَّاس حِلْمِي، وكان ح من الأتقياء الأنقياء.

أقول كل هذا؛ من أجل شيء مهمٍّ في حياة هذا الشيخ الجليل يتعلَّقُ بمقامنا الذي نتكلمُ فيه، وهو أنَّه قد ذهب إلى تركيا حتى يتعلم تجليد الكتب وتذهيبها، وليرى كيف تُذَهَّب الكتب وكيف تُجَـلَّد؛ فسافر إلى تركيا في شبابه ليتعلَّم ذلك، وكانت عنده مكتبة كبيرة ضخمة، كُلُّها مجلَّدة، وكُلُّها من تَجْلِيدِهِ، هو الذي جلَّدَهَا، فما الذي يجعلُ عالمًا من هيئة كِبار العلماء، ومن المفسرين العِظام، وممن يثق فيهم الخديوي فيجعله إمامًا له -يذهب إلى تركيا ليتعلم تجليد الكتب؛ مع أنَّ تجليد الكتب مسألة مِهَنية، لكنه يأبى إلَّا ذلك؛ لأنَّه كان عنده من الحسِّ، ومن المشاعر، ومن تقدير الجمال، وكان عنده من الحالة الروحية مع الكتب التي يجب أن نحترِمَها، وأن نجلدها على وجهها بمنظرٍ جميل -ما دفعه إلى ذلك، ثم إنَّ ذلك أيضًا للحفاظ على الكتاب.

تدهور صناعة التجليد ومحاولة احياء التجليد المملوكي

وقد تدهورت صِناعة التجليد عندنا، وأصبحت ظاهرًا وباطنًا لا تؤدي وظيفتها، وأصبح التجليد لا عَلاقة له بفن التجليد الذي سبقنا، سبقنا في الماضي وسبقنا في الحاضر؛ فكان لا بد علينا أن نَـرْجِـع إلى ذلك مرةً ثانية.

واهتمام الشيخ مُحَمَّد رَاشِد بالتجليد كان اهتمامًا يُبين لنا أنَّ هذا الأمر أمر جليل، وأنَّه ليس من نافلة القول، وأنَّه له عَلاقة بالإنسان -الذي هو في مبادئِنَا مُـقَدَّمٌ على البُـنـيان- ولذلك اهتممنا في «الْمَـكْنَز» -بعد الحرف والزخرفة- بإحياء القمة التي وَصَــلَ إليها التجـليـد المملوكي؛ فدرسـنا وافتتحـنا ورشـة لعمــل التجليــد، وجئنـا لنـدرب النـاس فيها؛ فتعثَّرنا وفشـلنا لبعض الصفات التي شاعت في عصرنا من الاستهانة، ومن عدم الرغبــة في التعلُّم، وغير ذلك؛ لكننا مسـتمرون على قول ابـْنِ الْوَرْدِيِّ(1) في منظومَتِهِ اللَّامية:

ونحن في عالمٍ أصبحنا نعيشُ فيـه في قريةٍ واحـدة كما نقـول،

استخدام التكنولوجيات الحديثة في الافتاء عبر الرقم المختصر

ونحن في عالمٍ أصبحنا نعيشُ فيـه في قريةٍ واحـدة كما نقـول، ولمَّا كان مبـدؤنا: «أن نَسْــتَـفِيد وأن نُفِيد»؛ فإنَّنا رأينا أن نستفيد من «التِّــقْـنِيَّات الْحَدِيثَة فِي الِاتِّصَالَات»، وأنَّه لا بد وأن تكون في بؤرة الاهتمام؛ لذلك زودنا دار الإفتاء المصرية بما يُسمَّى بـ «الرقم المختصر» «Short Number» أو ما يسمى بالـ «Call Center»؛ أي: «مركز الاتصالات»، وفي مركز الاتصالات هذا تتصل بالرقم (107) مجَّانًا؛ فيجاب عليك آليًّا بطريقة تُرْشِدُك إلى كيفية التعامل، فتسأل سؤالك، وتأخذُ لهذا السؤال رقمًا، ويستمع إلى هذه الأسئلة أُمَنَاءُ الفتوى، ثم يُجيبون عنها بأصواتهم، ثم بعد أربع وعشرين ساعة تتصل بالرقم، وتُدخل رقم سؤالك، فتسمع الإجابة بصوت أمين الفتوى، فكنَّا خلال أربع وعشرين ساعة نُجيب على الأسئلة؛ أليس في هذا استفادة بهذه التِّـقْنِيَّات الموجودة، أليس في هذا تعمير بدلًا من التدمير؟ أليس في هذا قيام لهذه المؤسسة بواجبها الاجتماعي؟

تطوير نظام الفتوى والذكاء الاصطناعي في خدمة الاسئلة المتكررة

اسـتخـدام هـذه التِّــقْـنِـيَّات الحـديثـة والاسـتـفـادة منها لا اعـتـراض علـيـه شرعًا ولا عقلًا، كما أنَّه يجب علينا أن نتأكَّد من استعمال هذه التِّــقْنِيَّات فيما يُفيد.

إذا نظرنا إلى الـ «Short Number» هذا، نجد أنَّنا طَـوَّرْناه طبقًا لكل التطورات في التِّــقْنِيَّات الحديثة، واستطعنا -باستعمال هذه التِّــقْنِيَّات- أن تكون الإجابة بعد (12) ساعة فقط، وبعد مزيد من التطوير وصلنا الآن -بحمد الله- إلى أن تكون الإجابة بعد ساعة واحدة، ونحاول بعد ذلك أن تكون الإجابة فورية بإذن الله.

ونحن نقوم بتخزين هذه الأسئلة وهذه الإجابات، ونحاول إنشاء ذكاء صناعي يستطيع أن يُجيب عن السؤال إذا كان مُـكَرَّرًا؛ لأنَّ هناك أسئلةً كثيرة عن الموسيقى، وعن الغناء، وعن اللِّحية، وعن تقصير الثوب، وعن زيارة الأضرحة، وعن التوسل بسيدنا رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم... وهكذا، ونريد أن نُنشئ نظامًا يُجيب عن أسئلة الميراث. وكل هذه تِقْنِيَّات.

انفتحنا على الحضارات الأخرى، واستفدنا منها، ونطوِّر أنفسنا كلما تطوَّرت هذه الأمور؛ بل ونحاول أن نبتكر وأن نخترع طُرقًا جديدة في إنشاء هذا الذكاء الصناعي، قد لا تكونُ موجودة حاليًّا، وبذلك نُشارك في بناء الحضارة الإنسانية.

تخزين تلك المعلومات فنٌّ له أصولُه، والتصنيف والاسترجاع والاستفادة منها فنٌّ له أيضًا أصولُـهُ، وكلُّ هذا عِلْمٌ يشغل الناس، ولكنه يشغلهم في عمارة الأرض، ولا يشغل فكرهم في كيفية تدمير الأرض وتدمير الإنسان.

التعليم عن بعد ثنائي الاتجاه وتجاوز حدود المكان

أيضًا، الاستفادة من التِّـقْنِيَّات الحديثة والاتصالات نراها في «التعليم عن بُعْد»، والتعليم عن بُعْد يَظُنُّ بعض الناس أنَّه سيكون في اتجاهٍ واحدٍ، والأمرُ ليس كذلك؛ بل إنَّ التعليمَ عن بُعْد -الذي نقصده- إنَّما هو في اتجاهين؛ بمعنى: أنَّ الطالب الذي سيتلقَّى مِنِّي، سوف يُحادثني وأحادِثُه، ويراني وأراه؛ فهناك نوع من هذا التعليم يكونُ في اتجاهٍ واحد، وهناك نوع يكون في اتجاهين، وهذا الذي يكون في اتجاهين قد تجاوز المكان، وهذا ما يسمى بالإنجليزية الـ «Conference Call»؛ بمعنى: أن يكون -مثلًا- ثلاثة في بلدان مختلفة يتكلَّمون سـويًّا وكأنَّهم في مؤتمـرٍ واحدٍ وفي مكانٍ واحد، وإن تباعَدَت الأقطار، وإن تباعَدَت الأميال فيما بينهم.

كيف نُنشِئُ هذا؟ ونحوِّل الكتب الدراسية الورقية إلى مادة إلكترونية تَدخلُ في هذا المقام؟ وهذا فَنٌّ له أصوله.

كيف نقوم بهذا الحوار وهذه المحادثة التي تسمى الآن: الـ «Chat»؛ أي: محادثة من طرفين «dialogue»، وليست «monologue». هذا فنٌّ وله أصوله، وبعض الإخوة الذين يعترضون على «التعليم عن بُعدْ» لم يَطَّلِعُوا على حقيقة الأمـر، وأنَّه سيكون في اتجاهين، وأنَّ الامتحان سيكون بوضعٍ معين مناسب لهذه القضية؛ حتى نتأكد من التحصيل الصحيح، وأنَّ الأمر لن يكون كمن يُشاهد التلفاز، أو يُشاهد البرامج، يُحَصِّلُ ما يُحَصِّل ويفوته ما يفوت. أبدًا، لا يكونُ كذلك، إنَّما هو بطريقةٍ معينة لها أصولٌ فنيَّة، ينبغي للمعترض أن يطَّلِـع عليها أولًا ثم بعد ذلك له رأيـُـهُ وحُريَّـتُـهُ فله أن يقول: أنا أرفض التعليم عن بُعد، أو أنا أوافق على التعليم عن بُعْد، ولكن ليعلمْ أنَّ التِّـقْنِيَّات قد سارت في طريقها مسارًا عجيبًا غريبًا، وقَطَعَت أشواطًا كبيرة، وليعلمْ أنَّ هذه الأصول الفنيَّـة الآن قد انتشرت في العالم، واتُّخِذَت واعتُمِدَت من الأكاديميات العالمية، ومن الجامعات التقليدية، ولأنَّنا قد أُمرنا بالعلم، والعلمُ أساس ديـنِنا؛ فينبغي علينا ألَّا تفوتنا هذه المشاركة، وهذا التدريب، وهذا التجاوز للمكان، وأنَّنا ينبغي علينا أن نستفيد من الحضارات الأخرى كما أنَّنا نُحِبُّ أن يستفيدوا منَّا، ولا يكونُ ذلك إلَّا بالمشاركة وبالبحث عن المشتَـرَك كما قدَّمت.

تأكيد مبدأ الاستفادة والمشاركة الحضارية وبقاء الحضارة الاسلامية

مبدؤنا واضحٌ صريحٌ محددٌ، هذا المبدأ يقول: يجب علينا أن نستفيد من الحضارات الأخرى، كما يجبُ علينا أن نُشارِكَ في بناء الحضارة الإنسانية؛ حتى يستفيد الناس منَّا.

هذه لمحة عن كيفية استفادتنا من الحضارات الأخرى، وأهمية وجودنا في المشاركة العالمية، وأهمية لفت النظر إلينا باعتبارنا أصحاب حضارات، وأصحاب حضارة باقية، حتى لو نامت فإنَّها لم تَـمُت أبدًا، وستستيقظُ قويةً تُفيدُ العالمين.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما المقصود بكون الإسلام «نسقاً مفتوحاً»؟

أنه يستفيد من الحكمة حيثما وُجدت ويُفيد العالمين

بماذا فاز مصحف الملك فؤاد على المستوى العالمي؟

جائزة معرض فرانكفورت للمطبوعات

كم شكلاً كان يشتمل عليه صندوق الحرف العربي في المطابع الأميرية في أول أمرها؟

أكثر من ألف شكل لكل حرف

مع أي شركة تعاون المكنز الإسلامي لتطوير الحرف العربي بالكمبيوتر؟

شركة ألمانية للطباعة

ما الكتب التي طُبعت بالحرف العربي المطوَّر في المكنز الإسلامي؟

الكتب الحديثية السبعة بعد تحقيقها على المخطوطات

من مارتن لينجز وما صلته بالإسلام؟

مدير المتحف البريطاني أسلم وألَّف في السيرة النبوية والخط العربي

لماذا طُبعت اللوحات الزخرفية الإسلامية في كوريا؟

لأنها أنسب الأماكن وأعلاها في التقنيات الحديثة ونوعية الورق

ما الرقم المختصر الذي زُوِّدت به دار الإفتاء المصرية للإجابة عن الأسئلة الشرعية؟

107

ما الهدف من إنشاء الذكاء الاصطناعي في دار الإفتاء المصرية؟

الإجابة عن الأسئلة المتكررة تلقائياً

ما الذي وضعه ابن مقلة وما الذي قاله عنه أبو حيان التوحيدي؟

وضع الخط العربي لكتابة كتاب الله، وقال إن الله أوحى إليه تسديس الخط كما أوحى إلى النحل تسديس بيوتها

ما الذي يميز التعليم عن بُعد ثنائي الاتجاه عن غيره؟

أن الطالب والأستاذ يتحادثان ويتراءيان كأنهما في مكان واحد

ما الآية القرآنية التي تُؤسِّس لعالمية الإسلام وفق السياق المذكور؟

﴿الحمد لله رب العالمين﴾ و﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾

ما الذي كان يرى فيثاغورث في الرياضيات؟

أنها دالَّة على وجود الله لأن التفكير المجرد يُطابق الخارج الموجود في الكون

ما الذي دفع الشيخ محمد راشد إلى السفر إلى تركيا لتعلُّم تجليد الكتب؟

الحس الجمالي الرفيع والحالة الروحية مع الكتب والرغبة في الحفاظ عليها

كم لوحة زخرفية أُخرجت من كتاب مارتن لينجز كإصدار أول؟

أربع وعشرون لوحة

ما تعريف النسق المفتوح في الإسلام؟

هو مبدأ يقوم على أن الإسلام يستفيد من الحكمة حيثما وُجدت شرقاً وغرباً، ويُفيد العالمين، ولا يمنع أي علم من الانتشار والانتقال.

ما المؤسسة التي أُسِّست لخدمة القرآن والسنة عبر إحياء الحرف والزخرفة والتجليد؟

المكنز الإسلامي، وهي مؤسسة تهتم بأمور خادمة للقرآن والسنة، انطلقت من قمم الخط العربي والزخرفة المملوكية وفن التجليد.

ما النسبة الإلهية الفاضلة الموجودة بين حروف الخط العربي؟

نسبة تشبه النسبة الثابتة للدائرة (22/7)، وهي نسبة إلهية فاضلة تُناسب كتاب الله الذي نزل بنسبة إلهية فاضلة.

ما الخلاف الدائر حول خطاط مصحف الملك فؤاد؟

المكتوب في آخر المصحف أن خطه للشيخ محمد خلف الحسيني، لكن بعض الخطاطين يرون أنه بخط جعفر بك الخطاط المشهور.

ما الاسم الذي اتخذه مارتن لينجز بعد إسلامه؟

أبو بكر سراج الدين.

ما معهد فيتا وما اهتمامه؟

معهد بريطاني مهتم بالزخرفة المملوكية وتطويرها، يمتلك برامج لتحليل اللوحات وتعليم إنشاء لوحات جديدة تُنسب إلى الفن المملوكي.

ما الكتب الحديثية السبعة التي طُبعت بالحرف العربي المطوَّر؟

صحيح البخاري وصحيح مسلم والسنن الأربعة والموطأ، بعد تحقيقها على المخطوطات في نحو ستة عشر مجلداً.

ما الفرق بين التعليم عن بُعد أحادي الاتجاه وثنائي الاتجاه؟

أحادي الاتجاه كمشاهدة التلفاز يتلقى فيه الطالب دون تفاعل، أما ثنائي الاتجاه فيتحادث فيه الطالب والأستاذ ويتراءيان كأنهما في مكان واحد.

ما الذي أثبته الدكتور أحمد مصطفى في رسالته من جامعة لندن؟

أثبت تفسير تسديس الخط العربي وكيف كان من المسدَّس داخل الدائرة، وأن الألف هي ميزان الحروف، مبيِّناً الفلسفة الكامنة وراء الخط العربي.

ما الرموز الموجودة في الكليم التركي وما دلالتها؟

رموز كشجرة الحياة وعين الحياة والطائر، لها دلالات تشهد بتجلِّي الله سبحانه في الكون بصفاته من حكمة وإبداع وإحياء وإماتة ورزق ورحمة.

ما الذي يُميِّز القرآن الكريم عن الشعر والنثر وكلام الناس؟

القرآن مصوغ من نفس الألفاظ العربية لكن سياقه وسباقه ونظمه يختلف اختلافاً كلياً عن كلام البشر، حتى الأداء الصوتي يؤكد أنه ليس من كلام البشر.

ما الذي حدث لصندوق حروف مصحف الملك فؤاد في المطابع الأميرية؟

تصرفت فيه المطابع الأميرية ولم تحتفظ به باعتباره من المستعملات التي تُباع، فلم يُعثر عليه عند البحث عنه.

ما المساحة المشتركة التي اكتُشفت في التعاون مع الخبير الألماني؟

مساحة قوامها شيوع الجمال ورقة الإحساس وحسن الهيئة وحضارة ينبغي منحها للعالمين، تتجاوز منطق الصراع والتهديد.

ما الوظيفة التي كان يشغلها الشيخ محمد راشد في عهد الخديوي عباس حلمي؟

كان إماماً للخاصة الخديوية، فضلاً عن كونه أستاذ التفسير في الجامع الأزهر والاسم الأول في هيئة كبار العلماء سنة 1911م.

ما الهدف النهائي من تطوير نظام الفتوى بالتقنيات الحديثة؟

الوصول إلى إجابة فورية عن الأسئلة الشرعية، وإنشاء ذكاء اصطناعي يُجيب عن الأسئلة المتكررة، مما يُمثِّل مشاركة في بناء الحضارة الإنسانية.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!