اكتمل ✓
الفصل 12

ما الفرق بين الفتوى والفقه والقضاء وكيف يدرك المفتي الواقع لإصدار الفتوى الصحيحة؟

الفتوى تختلف عن الفقه بأنها تضم ثلاثة عناصر: استنباط الأحكام، ومعرفة الواقع، والوصل بينهما، بينما الفقه عنصر واحد هو العلم بالأحكام الشرعية. أما القضاء فيزيد على الفتوى بسلطة الإلزام وتغيير الواقع. ويمر المفتي بأربع مراحل: تصوير المسألة، وتكييفها، ومعرفة حكمها، ثم إصدار الفتوى مع مراعاة المقاصد والمصالح والمآلات.

10 دقائق قراءة
  • هل تعرف الفرق الحقيقي بين الفتوى والفقه والقضاء، وأيها يلزمك قانونًا وأيها يبقى اختياريًا؟

  • الفتوى تقوم على ثلاثة عناصر لا عنصر واحد: استنباط الأحكام، وإدراك الواقع، والوصل بينهما.

  • القاضي يملك سلطة تغيير الواقع وإلزام المتخاصمين، وهي سلطة لا يملكها المفتي ولا الفقيه.

  • يمر المفتي بأربع مراحل متتالية: تصوير المسألة، وتكييفها، ومعرفة الحكم، ثم إصدار الفتوى مع مراعاة المقاصد والمصالح والمآلات.

  • الواقع الذي يجب على المفتي إدراكه يتكون من أربعة عوالم: الأشياء، والأشخاص، والأحداث، والأفكار.

  • الاجتهاد مستمر في كل عصر حتى لو لم تنشأ مذاهب جديدة، كما يدل على ذلك نموذج ابن دقيق العيد والسيوطي.

تعريف الفتوى وبيان علاقتها بالواقع والفقه والقضاء

كَجُـزْءٍ لَا يَتَجَـزَّأُ مِنَ الْفَتْـوَى ثَمَّة مسألةٌ مهمةٌ، وهي: عَـلَاقَة الفتـوى بالواقع. فالفتوى: هي بيان حكم الله -سبحانه وتعالى- في واقعةٍ معينة؛ ولذلك فهي تختلف عن الفقه، وتختلف أيضًا عن القضاء، كما نص العلماء على ذلك، ومنهم: صِدِّيق حَسَن خَان الْقِنَّوْجِي(1)، وابن تَيْمِيَّـةَ -رحمهما الله تعالى- وغيرهما. فما الفرق بين الفتوى والفقه والقضاء؟

تعريف علم الفقه وموضوعه والأحكام التكليفية الخمسة

الْفِقْهُ له عنصرٌ واحد، هو: «العلمُ بالأحكامِ الشرعيةِ العمليةِ المكتسبُ من أدلتها التفصيلية»، وقولنا: «المكتَسبُ» بالرفع، وليس «المكتسبةِ» كما يقع كثيرًا على سبيل الخطأ في بعض الكتب، فهذا العلم مكتسبٌ من الأدلة التفصيلية؛ أي معرفة أحكام الله سبحانه وتعالى، كالصلاة واجبة، والخمر حرام، والبيع جائز... إلى آخر ذلك من الأحكام الشرعية.

وموضوع علم الفقه الذي نتكلم عنه هو «الْفِعْلُ الْإنْسَانِـيُّ»؛ فكل فعل إنساني له حكم، والأحكام خمسة: «الواجب، والمندوب، والحرام، والمكروه، والمباح»، وتتكون جملٌ مفيدةٌ من الفعل البشري ومن أحد الأحكام الخمسة، فنقول: السرقة حرام، والحج واجب على من استطاع إلى بيت الله سبيلًا، وصيام شهر رمضان يجب على القادر، وعلى المرأة أثناء الحيض والنفاس أن تُفْطِـرَ في رمضان، ثم تُعيد ما أفطرت بعد ذلك. فهذه كلها تفاصيـل تتكون منها جمـلٌ مفيدة، فيها: المبـتدأُ فِـعْـلٌ من أفعال الإنسان، والخبر حُكْمٌ من أحكام الله يصفها.

تمييز الفتوى عن الفقه وضرورة إدراك الواقع للمفتي

إذن، فالفقه له عنصر واحد، وهو: العلم بالأحكام الشرعية.

لكـن إذا تحدثنـا عن الفتـوى، فـلا بـد أن نُـدْخِـلَ إدراك الواقع في المسـألة، ولا بد -أيضًا- أن نُدْخِلَ كيف نُوْقِـعُ هذا النص على ذلك الواقع. إذن، فيمكننا أن نقول: إنَّ عناصر الفتوى تختلف عن الفقه بزيادة؛ فلا بد على المفتي أن يكون فقيهًا، مطَّلِعًا على الواقع، عارفًا بكيفية إنزال ذلك المطلق -وهو النَّصُّ الشَّرْعِيُّ الذي تجاوز الزمان، والمكان، والأشخاص، والأحوال- على الواقع.

ثلاثة أمور ينبغي أن تتوفر في المفتي، ليس فقط أن ينظر في الكتاب، بل ولا أن يُدَرِّسَهُ للطلَّاب، ويكون فقيهًا بذلك، لكنه غير قادر على إدراك الواقع، وإذا أدرك الواقع يكون غير قادر على كيفية إيقاع هذه الأحكام على الواقع تحت مظلةٍ معينة، مكونة من المقاصد الشرعية، ومن المصالح، ومن مراعاة المآلات، واللغة العربية، والإجماع... وهكذا.

مراجعة المفتي لفتواه وربطها بالمقاصد والمصالح والمآلات

فالمفتي عندما يقوم بعملية الإفتـاء؛ فإنَّه يراعي الواقع المحيط، ويرى إذا ما طبقنا هذا الحكم في ذلك الواقع بطريقةٍ معينة، هل يَكِرُّ ذلك على مقاصد الشريعة بالبطــلان؟ فـإذا وجـد نفسـه كذلـك أعـاد حساباتـه، ولا يستطيع أن يُخْرِجَ الفتوى إلَّا بعد مراجعة مع النفس، وإعادة لعملية الاستنباط ولعملية الإيقاع؛ حتى يتبين له أين الخلل؛ لأنَّ الشريعةَ لا ينقض بعضُهَا بعضًا، والتمسكَ بها لا يَكِرُّ على الأحكام الشرعيـة ولا على مقاصـد الشـريعة بالبطـلان، وهذه المقاصد المـرعيـة -التي أمـرنا الله أن نراعـيَـها- لا يمكـن أن تكـون الأوامر الإلهـيـة ناقضةً وهادمـة لها، ولذلـك يراجع نفسه مرةً أخرى؛ لأنَّ هناك خللًا ما، قد يكون هذا الخلل هو الصُّورية (أي أخذ الأمور بصورها لا بحقائقها)، وقد يكون الخلل: أنَّه أخذ جزءًا ونسي جزءًا، أو أنَّه لم يراع المآلات، أو أنَّه خالف الإجماع، أو خرج عن مقتضى دلالات الألفاظ في اللغة العربية، أو لم يراعِ في ذهنه المصالحَ التي يتوخَّاها الشرع، أو المقاصد التي أمـرنا بها؛ لـذا فإنَّ المفتيَ عندما يرى هذا، ويرى أنَّ فتــواه لو طُــبِّــقَـتْ لَـكَـرَّتْ على المقاصد أو المصالح أو المآلات المـرعـيـة بالبطلان؛ فإنَّه يعيد حساباتِه، ويعيد عمليةَ الإفتاء مرةً أخرى.

فالفقه مكونٌ من عنصر واحد، يُضاف إليه في الفتوى عنصران؛ فتصير الفتوى كأنَّـها مبنية على ثلاثة عناصر: «استنباط الأحكام، معرفة الواقع، الوصل بينهما».

الفرق بين الفتوى والقضاء وسلطة القاضي في تغيير الواقع

وإذا كُنَّا قد بَيَّـنَّا الفرق بين الفقه والفتوى، فما الفرق بين الفتوى والقضاء؟

القاضي لا بد أن يعلم الأحكام الشرعية حتى لا يخرج عنها؛ لأنَّه لو خرج عن الحكم الشَّرْعِيِّ فحكمه باطل؛ وعلى هذا فإذا صدر الحكم من القاضي مخالفًا للإجماع فهو باطل، أما لو كان فيه اختيارٌ فقهيٌّ فهو صحيح ويُنفَّذ ظاهرًا (أي أمام الناس)، وباطنًا (أي عند الله)؛ ولذلك فـلا بد على كل الناس أن تلتزم بالحكم القضائي؛ لأنَّ الله أعطى للقاضي سلطة لم يعطها للمفتي ولا للفقيه، وهي سلطة تغيير الواقع؛ ولذلك فالقاضي ينبغي عليـه أن يكون فقيهًا ومدركًا للواقع؛ لأنَّ له سلطة إضافية: هي تغيير ذلك الواقع، وإنشاء واقع جديد.

مثال النزاع على الأرض وحديث الوعيد في اغتصاب الحقوق

فلو ترافع اثنان يتنازعان على قطعة أرض، وكلاهما يظن بينه وبين ربه أنَّ هذا حقه فعلًا -لأنَّه لو كان أحدهما صادقًا والآخر كاذبـًا؛ لكان الكاذب مرتكبًا كبيرة، وهي الاغتصاب- فترافعا إلى القاضي، ورأى القاضي أنَّها لأحدهما؛ فهذا القرار من القاضي يُنْهِي النزاع، ويرفع الخصام، ويجعل هذه الأرض ملكًا حقيقيًّا له، ولا يجوز للآخَرِ أن يطالب بها، لا عند الناس ولا عند الله.

أما لو كان أحدهما كاذبـًا والآخر صادقًا -وعلى الرغم من ذلك فإنَّ الأوراق وقرائن الأحوال والشهادات والبيِّـنات والأيمانات جعلت القاضي يظن خطأ أنَّـها للكاذب، فحكم بذلك-؛ فهي عند الناس له، ولا بد على الجميع أن يتعاملوا معه على أساسٍ من ذلك، ولكن حذره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ديانةً في العلاقة بينه وبين ربه، فقال:

«مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُـلْمًـا فَإِنَّـهُ يُطَـوَّقُـهُ يَـوْمَ الْقِيَامَـةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»

أي إنَّه سيطوق في عنقه سبع أرَضين [وأرَضين: جمع أرض]؛ لأجل شبرٍ من الأرض اغتصبه بغير الحق؛ ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

«إِنَّمَـا أَنـَا بَشَرٌ، وَإِنَّـكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَـيَّ، ولَعَـلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْـحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ؛ فَـأَقْضِي نَحْوَ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَـهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَـلَا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَـا أَقْطَعُ لَـهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ» .

حسم القاضي للنزاعات والطلاق القضائي ونفاذ حكمه

أمَّا لو كان الأمرُ غيرَ ذلك، والأمور ملتبسة، وهناك نزاع وخصام؛ فإنَّ القاضي من سلطته -ومما أقامه الله فيه- أن يتدخل وينهي هذا النزاع، ويَـحكم حُكمًا ينفذ في الظاهر والباطن.

مثال آخر: رجلٌ وامرأة ذهبا إلى القاضي، تطلب المرأة الطلاق، والرجل لا يريد أن يطلق، ورأى القاضي أنَّ المرأة عندها حق في طلب الطلاق، وأنَّه على الرجل أن يطلقها. فقال الرجل: أنا لا أطلق، فطلَّق عليه القاضي؛ فنقول: يَنْفُذ هذا الحكم ظاهرًا وباطنًا، فإذا لم يقبل الزوج حكم القاضي، وقال: لا، هذه ما زالت زوجتي. فهو مخطئ؛ لأنَّه لا يجوز له هذا، والمرأة بعد ذلك تعتد وتتزوج.

إذن، فالقاضي غَـيَّـر الواقع، ولا عبرة باعتراف الزوج أو عدم اعترافه بالطلاق أمام الله وأمام المجتمع؛ لأنَّ القاضي لديه سلطة للتغيير.

عدم إلزامية الفتوى للفرد وتمهيد لمنهجية تفكير المفتي

في حين أنهما لو ذهبا إلى المفتي، وأفتى لهما بوقوع الطلاق مثلًا، فلم يقتنع الزوج وقال: أبدًا. لم يقع الطلاق، وأنت أيها المفتي قد أخطأت في فتواك؛ فإنَّ المفتي لا يستطيع أن يلزم السائل، بخلاف القاضي الذي يلزم المتخاصِمَيْن بما يراه من أحكام.

إذن، فهناك عنصر آخر أُضيف إلى القاضي، وهو: عنصر الإلزام في الحكم، وهذا لا يتوفر في الفتوى؛ فهي ليست ملزمة.

ولكن كيف يفكر المفتي؟

مراحل عمل المفتي في تصوير المسألة وتكييفها ومعرفة حكمها

إنَّ أول شيء يفعله المفتي هو: «تصوير المسألة تصويرًا صحيحًا»، وعبء هذا التصوير يقع على عاتق المفتي والمستفتي؛ فالمفتي يجلس يسأل المستفتي، ويُعينه على استخراج الحقيقة للوصف الواقعي غيرِ المتحيز للحادثة، ويحاول بقدر الإمكان أن يفهمها فَهْمًا دقيقًا بكل جوانبها. وهذه خبرة لا توجد عند كثير من الناس، وهي: كيفية السؤال حتى نصل إلى الحقيقة، فالمفتي لا بد عليه أن يكون مُدَرَّبـًا على كيفية سـؤال المسـتفتي، والوصول إلى صورة صحيحة أقرب ما تكون إلى الواقع، وهذا ما يفتقده كثيرٌ ممن يتعلمون الفقه؛ لأنَّهم لا يتعلمون كيفية الفتوى؛ فالفتوى تحتاج إلى تدريب.

بعد مرحلة «التَّصْوِير» تأتي مرحلة أخرى تسمى: «التَّــكْيِيف»، فبعد أن أسمع السؤال، أنظر: هذا السؤال من الممكن أن يتبع أيَّ باب؟ هل هو هبة أم وصية؟ هل هو زواج أم طلاق؟ هل هو بيـع أم سَـلَم أم اسـتـصناع؟ هل هو من بـاب العبادات أم المعاملات أم العلاقات؟... إلى آخره. «هذا هو التكييف».

وبعد مرحلة التكييف -وهي على عاتق المفتي- يأتي دور «مَعْرِفَة الْحُكْم»، ومعرفة الحكـم إما أن يقـوم المفتي بمعرفتـه من المصـادر «هذا إذا كان مجتـهـدًا»، أو بالاطلاع على المذاهب ومعرفة آراء العلماء فيما هو مُدوَّن تحت أيدينا من ثروة ضخمة، وصلت إلى مليون ومئة وسبعين ألف فرع فقهي في مذاهب تزيد على خمسة وثمانين مذهبًا من مذاهب أئمة الاجتهاد عبر العصور.

استمرار الاجتهاد ونماذج ابن دقيق العيد وجلال الدين السيوطي

وكما ذكرنا سابقًا، فقد كان ابـْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ يقول -وهو يشير إلى استمرار الاجتهاد: «ما قلدنا الشَّافِعِيَّ، ولكن وافق اجتهادُنا اجتهادَه»؛ أي كأنَّ ابـْنَ دَقِيقِ الْعِيدِ اعتبر نفسه مجتهدًا، لكنه لَـمَّا اجتهد وجد اجتهادَه مثل اجتهاد الإمام الشَّافِعِيِّ؛ فنسب نفسَهُ إلى المذهب الشَّافِعِيِّ.

وكذلك الإمام السُّيُوطِيُّ ألَّف كتابـًا في هذا الشأن، سماه: «الرد على مَن أخْلَدَ إلى الأرض، وجهل أنَّ الاجتهاد في كل عصر فرض»؛ للدَّلالة على استمرار الاجتهاد على الرغم من عدم استمرار المذاهب؛ أي إنَّ هناك فارقًا بين استمرار الاجتهاد واستمرار المذاهب. وفي كتاب «التحدث بنعمة الله» قال -ما معناه-: إنَّه اجتهد وحده، فوجد نتيجة اجتهاده هي المذهب الشَّافِعِي إلَّا في سبع عَشْرَةَ مسألةً، سبع عشرة مسألة فقط هي التي خالف فيها المذهب الشَّافِعِي، ثم وجدها أقوالًا ضعيفة في المذهب، فكأنَّه لم يخرج عن المذهب الشَّافِـعِيِّ، فكان يقول: أنا جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ الشَّافِـعِيُّ؛ أي إنَّه لم يُنْشِئ مذهبًا جديدًا؛ لأنَّـه بتطبيقه للقواعد التي اختارها وجد نفسه مطابقًا للمذهب الشَّافِعِيِّ، فالاجتهاد مستمر حتى ولو لم تكن المذاهب مستمرة؛ لأنَّ الاجتهاد قد يتوافق مع السابق، وحينئذٍ ليس هناك داعٍ لأن نُـنْشِئَ مذهبًا جديدًا باسمٍ جديد؛ لأنَّـه لم يخرج في مجمله أو في جُلِّ مسائله عن المسائل القديمـة، ولا القواعد القديمـة، ولا المناهج القديمة؛ وهنا تتحقـق هذه المعـادلة -أيضًا- في استمرار الاجتهاد حتى مع عدم زيادة المذاهب.

المرحلة الرابعة وهي الفتوى ومراعاة حال الاضطرار والواقع

المرحلة الرابعة تأتي تحت عنوان: «الْفَتْوَى».

فبعد مرحلة «التَّصْوِير»، و«التَّـكْيِيـف»، و«مَعْرِفَة الْحُكْـم» تأتي مرحلة «الْفَتْوَى». أنا سُئِلْتُ -مثلًا- عن الخمر، وعرفت أنَّها مسكرة، ثم جاء الحكم بأنَّ الخمر حرام يأتي بعد ذلك دور الفتوى، ولا بد عليَّ قبل أن أصدر الفتوى أن أراعي أمورًا، مثل قوله تعالى:

(فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ )[البقرة: من الآية 173]

فلا بد عليَّ من مراعاة الواقع.

ومن هنا ينبغي علينا أن نفهم هذه الكلمة التي قد تكون في أذهان كثير من الناس هُلَامِيَّـةَ المعنى: «الْوَاقِع».

تعريف الواقع وتقسيمه إلى عالم الأشياء وعالم الأشخاص


ما هـو الواقع؟

الواقع في الحقيقة عوالمه أربعة:

  • العالم الأول، هو: «عَالَـمُ الْأَشْــيَاءِ»؛ فـالسيارة، والطائرة، والسجادة، والمصباح... وغيرها أشياء، ومن عالم الأشياء ما يمكن أن نتملكه؛ ولذلك فالحيوانات والبهائم، كالبقرة، والحصان، وغيرها أيضًا من عالم الأشياء.

  • العالم الثاني، هو: «عَالَـمُ الْأَشْخَاصِ»، والأشخاص تشمل الإنسان، وفي عصرنا الحاضر أصبح لدينا شخصيتان: شخصية طبيعية لها ذِمَّة، لها عقل، لها نَفْسٌ ناطقة، لها محاسبة عند الله. وشخصية اعتبارية نشأت في صورة الشركات التي تطورت بعد ذلك إلى شركات المساهمة، والشركات العابرة للقارات، والمصارف، وبدأت تنفصل انفصالًا شديدًا عن أصحابها حتى مثَّلتْ شخصيةً موجودة؛ لكنها على الرغم من وجودها، فإنَّـها شخصية اعتبارية، أو شخصية معنوية؛ فيجب علينا أن نفهم الفرق بين الشخصيتين.

عالم الأحداث وعالم الأفكار ضمن مكونات الواقع المعاصر

  • العالم الثالث، هو: «عَالَـمُ الْأَحْدَاثِ»، كتلك الأحداث التي تدور حولنا: الدولار انخفض سعره أو غلا، هناك حرب قائمة في المنطقة الفلانية، هناك احتلال تم من جيوش العدو للمنطقة الفلانية، هناك مؤتمر سوف يُعْقَد في مكان كذا يتحدث فيه المشاركون عن أحداث معينة، فمثل هذه الأحداث لها منهج للتعامل، ولها اعتبار؛ لأنَّ هذه الأحداث يكتنفها الزمان، ويكتنفها المكان، وتكتنفها الأحوال، وتكتنفها الأشخاص لأنَّهم قائمون بها أيضًا، فالأحداث مركبة من هذا كلِّه؛ ولذلك لا بد ونحن ندرس الحدث أن ندرس زمنَ هذا الحدث ومكانَه، وأيضًا ندرس الأشخاص القائمين بهذا الحدث، وندرس الأحوال التي اكتنفت هذا الحدث. هناك حالة حرب وهناك حالة سِلْم، هناك حالة صحة وهناك حالة مرض، هناك حالة رواج اقتصادي وهناك حالة كساد، هناك حالة فقر وهناك حالة غنًى، هناك حالة علم وهناك حالة جهل، هناك حالة اضطرار وهناك حالة اختيار... وهكذا. أحوال كثيرة، وينبغي أن تدخل كل هذه الأمور في إدراك الواقع.

  • العالم الرابع، هو: «عَالَـمُ الْأَفْـكَارِ»، هناك فلسفاتٌ كثيرة ورؤًى كثيرةٌ مرتبطة بنموذج مَعْرِفيٍّ، وإطارٍ كليٍّ للإنسان وللكون وللحـيـاة، ولـِما قـبل ذلك ولـِما بعد ذلك، هذه الأفكار تجيب في بعضها عن الأسئلة الكبرى -والأسئلة الكبرى هي: من أين نحن؟ وماذا نفعل الآن؟ وماذا سيكون غدًا؟- هذه الأفكار متشابكة متشعبة. في بعض الأحيان أختلف معها، وأحيانًا أخرى أتفق معها... وهكذا.

تعقيد الواقع والتمييز بين الفعل البشري والتصرفات المركبة

هذه هي عناصر الواقع، لكن الواقع ليس محدَّدًا بهذه الكيفية؛ بل إنَّه متداخل، شديد التركيب، شديد التعقيد، شديد التطور، شديد التغيُّر، شديد التدهور في بعض الأحيان؛ ولذلك فهناك عَلَاقاتٌ بينية بين كل عنصر من هذه العناصر والثلاثة الأخرى، وهذه العَلَاقَات البينية تجعل هناك فارقًا بين «الْفِعْل الْبَشَرِي» وبين «التَّصَرُّف الْبَشَرِي»، فمثلًا عندما يأتي شخص ويقول: كيف أصلي ركعتين؟ أو يقول: هل يجوز لي أن أبيعَ أو أشتريَ السلعة الفُلانية بالطريقة الفلانية؟ أو يقول: أريد أن أسأل عن فكرة التأمين، أو فكرة المصرِفية، أو فكرة الشخصية الاعتبارية... وهكذا؛ فإنَّه يسأل عن أفعال بشرية يقوم بها البشر، وهذه الأفعال سهلة التناول، لكن عندما يسألني عن العَلاقات الدولية، أو عن أحداث قائمة؛ فلا بد حينها من دراسة الواقع الذي يحيط بالسؤال، وهناك فرق كبير بين الفتوى وبين الرأي. نعم.. قد يكون عندي رأي في هذه الأمور، لكن الفتوى معناها: بيان الحكم الشرعي؛ وحينئذٍ فلا بد أن أدرس كلَّ هذه الخريـطة، فإذا لم يكـن لديَّ قـدرةٌ، أو لم يكـن لديَّ الأدوات لدراسة عناصر التصرفات؛ فإنَّني لا أستطيع أن أنشئ فتوى لهذا الفعل الذي هــو وســط هذه التصرفات.

القواعد الحاكمة للتصرفات ورفض تسييس الفتوى وأهمية دراسة الواقع

إذن، هناك فارق كبير بين «الْفِعْـل الْمُجَـرَّد» و«التَّصَرُّفَات»؛ فـالْفِعْـل الْمُجَرَّد يمكن أن نقوم فيه -سريعًا- بعملية الفتوى؛ لعدم ترقبه وتعقبه، ولعدم وجود العَلَاقَات البينيَّـة بالعمق الذي يوجد في «التَّصَرُّفَات».

أمَّا «التَّصَرُّفَات» فهناك عَلَاقَات بينية عميقة لا بد من إدراك كُنهها؛ كما أنَّ هناك قواعـد يجب مراعاتهـا، منهـا: «ارتكاب أخــف الضررين واجــب»، فكيـف أفـتـي وأنا لا أعرف الضرر الأكبر والضرر الأقل في هذا؟! ومنها: «مراعاة الاتفاقيات الدولية القائمة»، ومنها أمور كثيرة جدًّا في غاية التعقيد.

ولذلك فإنَّ الذي يسأل عن التصرفات، ويريد أن يستغل الفتوى من الناحية السياسية، أو من الناحية الاقتصادية؛ نقول له: «نحن ننأى بأنفسنا عن أن نكون لُعبة حزبية بين أطراف مختلفة، نحن نقول عندما نتأكد ونعلم أنَّ حكم الله هو هذا».

هـذا هـو ملخـص للواقــع، ودراسـةُ الواقـع تحتـاج إلى كــلامٍ كثيــر؛ إذ إنَّـه جــزءٌ لا يتجزأ من عملية الإفتاء.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما العناصر الثلاثة التي تقوم عليها الفتوى؟

استنباط الأحكام، ومعرفة الواقع، والوصل بينهما

ما الأحكام التكليفية الخمسة في علم الفقه؟

الواجب والمندوب والحرام والمكروه والمباح

ما السلطة التي يملكها القاضي ولا يملكها المفتي؟

سلطة تغيير الواقع وإلزام المتخاصمين

ما أول مرحلة يقوم بها المفتي عند تلقي السؤال؟

تصوير المسألة تصويرًا صحيحًا

كم عالمًا يتكون منها الواقع الذي يجب على المفتي إدراكه؟

أربعة عوالم

ما الذي يقصد بمرحلة التكييف في عمل المفتي؟

تحديد الباب الفقهي الذي تنتمي إليه المسألة

ماذا قال ابن دقيق العيد عن علاقته بالمذهب الشافعي؟

ما قلدنا الشافعي ولكن وافق اجتهادنا اجتهاده

في كم مسألة خالف السيوطي المذهب الشافعي عند اجتهاده؟

سبع عشرة مسألة

ما الحديث النبوي الذي يحذر من اغتصاب حقوق الآخرين بالأرض؟

من أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا فإنه يطوّقه يوم القيامة من سبع أرضين

ما الفرق بين الشخصية الطبيعية والشخصية الاعتبارية؟

الشخصية الطبيعية لها ذمة وعقل ومحاسبة عند الله، والاعتبارية كالشركات والمصارف

ما عنوان الكتاب الذي ألّفه السيوطي في استمرار الاجتهاد؟

الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض

ما القاعدة الفقهية المذكورة في التعامل مع التصرفات المركبة؟

ارتكاب أخف الضررين واجب

إلى كم فرع فقهي وصلت الثروة الفقهية المدوّنة في المذاهب؟

مليون ومئة وسبعين ألف فرع

ما موضوع علم الفقه الذي تتكون منه الجمل الفقهية المفيدة؟

الفعل الإنساني وأحكامه الشرعية

ما الذي يجعل حكم القاضي باطلًا وفق ما ذُكر؟

إذا صدر مخالفًا للإجماع

ما تعريف الفتوى؟

الفتوى هي بيان حكم الله سبحانه وتعالى في واقعة معينة، وتقوم على ثلاثة عناصر: استنباط الأحكام، ومعرفة الواقع، والوصل بينهما.

ما تعريف علم الفقه؟

الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية، وموضوعه الفعل الإنساني.

لماذا يراجع المفتي فتواه قبل إصدارها؟

لأنه إذا وجد أن تطبيق الحكم يكرّ على مقاصد الشريعة بالبطلان أعاد حساباته، إذ الشريعة لا ينقض بعضها بعضًا.

ما الأسباب التي قد تجعل الفتوى تكرّ على المقاصد بالبطلان؟

قد يكون السبب الصورية، أو أخذ جزء ونسيان جزء، أو عدم مراعاة المآلات، أو مخالفة الإجماع، أو الخروج عن دلالات الألفاظ في اللغة العربية، أو إهمال المصالح.

ما الفرق الجوهري بين القاضي والمفتي من حيث الإلزام؟

القاضي يملك سلطة الإلزام وتغيير الواقع، فيلتزم الجميع بحكمه. أما المفتي فلا يستطيع إلزام السائل بفتواه.

ما مرحلة التصوير في عمل المفتي؟

هي أول مرحلة يقوم فيها المفتي بسؤال المستفتي للوصول إلى الوصف الواقعي غير المتحيز للحادثة بكل جوانبها.

ما مرحلة التكييف في عمل المفتي؟

هي المرحلة التي يحدد فيها المفتي الباب الفقهي الذي تنتمي إليه المسألة، كأن يحدد هل هي هبة أم وصية، أو بيع أم سلم، أو عبادة أم معاملة.

ما عالم الأشخاص في تقسيم الواقع؟

عالم الأشخاص يشمل الشخصية الطبيعية ذات الذمة والعقل والمحاسبة عند الله، والشخصية الاعتبارية كالشركات والمصارف التي انفصلت عن أصحابها وأصبحت شخصية مستقلة.

ما عالم الأحداث وما عناصره؟

عالم الأحداث هو الأحداث الدائرة من حروب ومؤتمرات وتغيرات، وهي مركبة من الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، ولا بد من دراسة كل هذه العناصر.

ما الفرق بين الفعل البشري المجرد والتصرفات المركبة؟

الفعل المجرد كالسؤال عن الصلاة أو البيع سهل التناول في الفتوى، أما التصرفات المركبة كالعلاقات الدولية فتتشابك فيها عناصر الواقع بعلاقات بينية معقدة تستلزم دراسة شاملة.

ما موقف الفتوى من التسييس السياسي أو الاقتصادي؟

الفتوى ترفض أن تكون لعبة حزبية بين أطراف مختلفة، وتُصدر فقط عند التأكد من أن حكم الله هو كذا، بعيدًا عن الاستغلال السياسي أو الاقتصادي.

ما دلالة قول النبي صلى الله عليه وسلم: إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ؟

يدل على أن القاضي يحكم بحسب ما يسمع من حجج وبيّنات، فمن قضى له بحق أخيه ظلمًا فلا يأخذه، فإنما يقطع له قطعة من النار.

ما الفرق بين استمرار الاجتهاد واستمرار المذاهب؟

الاجتهاد مستمر في كل عصر، لكن المذاهب لا تستمر بالضرورة؛ فالمجتهد قد يجد اجتهاده موافقًا لمذهب سابق فلا داعي لإنشاء مذهب جديد.

ما عالم الأفكار في تقسيم الواقع؟

عالم الأفكار يشمل الفلسفات والرؤى المرتبطة بالنموذج المعرفي الكلي للإنسان والكون والحياة، وهي تجيب عن الأسئلة الكبرى: من أين نحن؟ وماذا نفعل؟ وماذا سيكون غدًا؟

لماذا تحتاج الفتوى إلى تدريب خاص يختلف عن تعلم الفقه؟

لأن الفتوى تحتاج إلى مهارة تصوير المسألة بالسؤال الدقيق للمستفتي، وهذه خبرة لا تُكتسب بمجرد تعلم الفقه، بل تحتاج إلى تدريب على كيفية الوصول إلى الصورة الصحيحة للواقعة.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!