اكتمل ✓
الفصل 14

ما المقصود بتوليد العلوم وكيف يُبنى علم الخطاب الإسلامي لضبط الدعوة والإعلام الديني؟

توليد العلوم منهج إسلامي يقوم على إنشاء علوم جديدة تخدم الأمة، وأبرز مثال عليه علم الخطاب الإسلامي الذي يدرس تبليغ الدعوة بأركانها الثلاثة: المتكلم والسامع والرسالة. يهدف هذا العلم إلى ضبط الفوضى الدعوية والإعلامية وتأهيل الدعاة والخطباء على أسس علمية منهجية. والاشتغال به فرض كفاية قد يرقى إلى فرض عين لمن تصدّر للدعوة.

5 دقائق قراءة
  • هل يمكن ضبط الفوضى الدعوية والإعلامية الدينية بعلم منهجي منظم؟ الجواب نعم، وهذا هو الهدف من علم الخطاب الإسلامي.

  • علم الخطاب الإسلامي موضوعه تبليغ الدعوة بأركانها الثلاثة: المتكلم والسامع والرسالة، ويدرس شروط كل ركن وأدواته.

  • بناء هذا العلم يستلزم الاستمداد من علوم الاتصال والإعلام وعلم النفس والسيمانتيك وتحليل المضمون والأبحاث الميدانية.

  • العلوم لا تولد كاملة، فعلم العروض نفسه أضاف إليه الأخفش وشوقي وغيرهم، وكذلك أي علم جديد قابل للتطوير والتجديد.

  • النقاش العلمي وتعدد الآراء في تأسيس العلوم يكسر الجمود الفكري ويربي العقل المسلم على البحث والاجتهاد.

  • توليد العلوم منهج الصالحين في مواجهة الأزمات، كما فعل النووي والنويري والقلقشندي وابن منظور في مواجهة الغزو التتاري.

الحاجة الملحة الى علم الخطاب الاسلامي وضبط الفوضى الدعوية والاعلامية

  1. من أراد أن يطّلع على مثال نُولِّد به علما يخدم الإسلام والمسلمين فليبدأ في علم يمكن أن نطلق عليه علم الخطاب الإسلامي، وما أشد الحاجة إلى هذا العلم الذي يدرسه الخطيب والمدرس والداعية والمتصدر للإفتاء والمرشد الديني الذي يتخذه الناس أسوة حسنة؛ فإذ بهم يدركون كيف يتعاملون مع الناس، ويشعرون بمشكلاتهم، وبكيفية الدخول إليها من المدخل الصحيح! ونحن نسمع كثيرًا عن اعتراض الناس على كثير من الخطباء والدعاة، وعلى تلك الحالة من الفوضى التي اكتنفت الفضائيات، وهذه الحالة من الفوضى التي اكتنفت الصحافة في التعامل مع الدين، ولو كان مثل هذا العلم موجودًا بهذه الصفة التي سنشرحها لكان المرجع والمقياس الذي يقاس عليه لمعرفة الخطأ من الصواب، ولكان الضابط المانع لأي انحراف أو قصور أو تقصير، والدافع للأداء المتميز المستمر الذي يؤتي أكله كل حين بإذن ربه.

تعريف موضوع العلم وبنية المسائل مع مثال الطب والفقه

  1. والعلوم تتمايز موضوعاتها، وموضوع العلم هو ما يُبحث فيه عن عوارضه الذاتية حتى تتكون المسائل في هذا العلم من الموضوع والوصف المناسب له، والمسائل هي الجمل المفيدة التي عرفناها في اللغة العربية في علم النحو وغيره، والتي تتكون إما من مبتدأ وخبر، وإما من فعل وفاعل، وكلاهما واحد في الدلالة على الجملة المفيدة التي يستفيد منها سامعها مراد المتكلم من كلامه؛ ولذلك نرى البلاغيين والمناطقة يجعلونها واحدًا، فيسمي البلاغيون ركني الجملة: المسند والمسند إليه، ويسمي المناطقة ركني الجملة: الموضوع والمحمول.

فموضوع علم الطب جسم الإنسان من حيث الصحة والمرض؛ وعلى ذلك يكون جسم الإنسان مبتدأ، وما يعرض عليه من أحوال الصحة والمرض وكيفية العلاج وأسباب ذلك كله هو الخبر الذي يكون الجمل المفيدة في علم الطب، فجسم الإنسان مسند إليه - مبتدأ أو فاعل - فهو موضوع، وما يخبر عنه المسندُ - خبر أو فعل - وهو محمول أي محمول على ذلك الموضوع، فقولنا: جسم الإنسان يمرض بالميكروب ويصح بالدواء - جمل مفيدة تكون العلم، وكذلك علم الفقه موضوعه فعل الإنسان المكلف؛ مثل الصلاة والزكاة أو حتى السرقة والقتل، ويأتي الخبر في صورة الحكم فنقول: الصلاة واجبة، والسرقة حرام، واللغو مكروه؛ فتكون هذه الجمل مسائل علم الفقه.

تحديد موضوع علم الخطاب الاسلامي واركان تبليغ الدعوة

  1. فما موضوع الخطاب الإسلامي؟ يمكن أن نجعل موضوعه (تبليغ الدعوة) وهنا سنحتاج إلى تجديد مفهوم التبليغ،وأنه مكون من ثلاثة أركان: المتكلم، والسامع، والرسالة أو الخطاب أو الكلام، ونبدأ في بيان صفات المتكلم، والشروط التي يجب توافرها فيه، والعلوم التي يجب أن يتزود بها، والحقائق التي يجب أن يعرفها، والأدوات التي يجب أن يمتلكها، والطرق والمناهج والمصادر والكيفيات التي يجب أن يتحقق بها. والسامع ما أنواعه؟ وما مستوياته؟ وطريقة الاتصال التي تناسبه، ووسائل القياس لبيان تحقيق الهدف معه، والوسائل التي من خلالها الاتصال، والتي تتواءم مع السامع بأنواعه.

ثم ننتقل إلى الخطاب فندرس شكله ومضمونه، وأنواعه وأساليبه، ولغته ومستواه وقياسه وتقويمه، واختلافه وتطوره وترتيبه. ثم ننتقل لدراسة مفهوم الدعوة وخصائصها التي تعطي الخطاب المجرد مذاقا آخر وخصوصية قد لا تكون في غيرها من أنواع الخطاب، وكيفية وصل القول بالعمل، والمثال الصالح، والمشكلات التي تكتنف ذلك وطرق معالجتها أو التعامل معها أو الوقاية منها… إلخ.

العلوم والادوات المساندة لبناء علم الخطاب الاسلامي

  1. كل ذلك يحتاج إلى علوم أخرى نستمد منها علمنا الجديد، منها علوم الاتصال Communication وقياسات الرأي العام، والإعلام Media Information، وعلم الخطابة، وعلوم الشريعة واللغة والسيمانتيك Semantics وتحليل المضمون والأبحاث الميدانية، مع الاستعانة ببعض الأدوات التي تستعمل في العلوم الاجتماعية والإنسانية، من الرصد والتحليل، والجداول والمنحنيات ووسائل الإيضاح، وكذلك استغلال المتاح من وسائل الاطلاع كشبكة المعلومات الدولية والقنوات الفضائية، والأساليب النفسية في علم نفس الجماهير وعلم نفس الاتصال... إلخ.

خطوات تأسيس علم الخطاب الاسلامي والدعوة على بصيرة

  1. فإذا وضعنا حد العلم وعرفنا موضوعه، وحددنا العلوم التي نستمد منها مسائله، وظهر لنا فهرس موضوعاته، وأطلقنا عليه اسمًا بيننا؛ فإننا نعالج فوائده وثمراته وما يترتب عليه، وكيفية استعماله، ويجب أن يبنى بهيئة مفتوحة يمكن معها الزيادة فيه وتطويره وتجديده وتوليد علوم أخرى منه؛ حتى نستقل بالدرس، ونضع أقدامنا على أرض صلبة ونحن ندعو إلى الله،

﴿قُلْ هَٰذِهِۦ سَبِيلِىٓ أَدْعُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى ۖ وَسُبْحَٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ .

وتنفيذًا لهذه الآية وحتى ندعو على بصيرة يجب أن ندعو على علم، وأن ننشئ ذلك العلم ليُدرَّس للمتصدرين للدعوة في كل مكان، ويكون حجة لهم وعليهم، وهذا هو هدف دعوتي لتوليد العلوم؛ حتى تعود الحضارة الإسلامية إلى سابق عطائها، ولا نحتاج إلى أن نسمع من بعضهم التعبير بأنها كانت ولم تعد موجودة.

موقع علم الخطاب الاسلامي بين العلوم وحكم الاشتغال به

  1. بعد ذلك سنجد مكانًا لعلم الخطاب الإسلامي بين العلوم الاجتماعية من جهة، وبين العلوم الشرعية من جهة أخرى، وسنعلم فضل هذا العلم وأن الاشتغال به من فروض الكفايات التي قد ترقى إلى فروض العين لمن تصدَّر للدعوة ونقل الدين لمن بعده.

واضع العلم واهمية النقاش العلمي في كسر الجمود الفكري

  1. أما واضع العلم: فإنه سينسب إلى أول من ألَّف فيه، ولو ألفت جماعة مرة واحدة فسيحدث نزاع أيهم ألَّف أولا، ونرجع إلى حلاوة النقاش العلمي، والخلاف الثري الذي كان يحرك العقول، ويربي النفوس على قبول الرأي الآخر، ويدرب الطلاب والعلماء على البحث، وترتيب الأدلة، واستجلاب البراهين وبيان جهة دلالتها، ويخرج العقل المسلم من إسار التقليد والجمود والأزمة الفكرية التي يمر بها إلى نوع آخر من العمق في الفهم والوعي بما يجري حوله، والقدرة على تهيئة الأجواء لعودة المجتهدين العظام مرة أخرى قادرين على عرض ما عندهم بالمنطق والبرهان الذي يوافق عليه الجميع حتى ولو لم يتخذوه سبيلا لهم، ولكن يحترمون المنهج ويؤكدون على صحته بغضِّ النظر عن النتائج وعن مشارب البشر.

عدم كمال العلوم عند نشأتها ومثال تطور علم العروض

  1. والحقيقة أن العلم لا يولد كاملا، حتى علم العروض - الذي ضبط به الخليل بن أحمد الفراهيدي الشعر العربي - لم يولد كاملا بالرغم من أنه كان شبه كامل إلا أننا رأينا الأخفش وهو يضيف إليه بحر المتدارك، ورأينا علماء هذا الفهم ينشئوا أوزانًا أخرى، صحيح أنه لم يتكلم بها العرب، ولم ينقل من شعرهم شيء على أوزانها، إلا أنها زادت في العلم، ووسعت من مفهوم الشعر كما أورده الدمنهوري في كتابه «الكافي في العروض والقوافي»، حتى ابتدع أمير الشعراء أحمد شوقي بعض الأوزان التي لم تكن من قبل فقال:

مال واحتجب * وادعى الغضب

ليت هاجري * يشرح السبب

وهو يسير على ما فعله الأندلسيون من قبل في «كان كان» و«المواليا» وغيرها.

توليد العلوم كمنهج لمواجهة الازمة ونماذج العلماء الموسوعيين

  1. توليد العلوم منهج مناسب للخروج العملي من الأزمة الطاحنة التي تمر بها الأمة، ومن منهج الصالحين أنهم ذهبوا إلى العلم بكل فنونه وأنواعه عندما هجم التتار على بلاد المسلمين، وكانت لا تزال مدن تحت سيطرة الصليبيين.

ولندرس نموذج الإمام النووي الذي كان يعمل عشرين ساعة في اليوم لحفظ العلم ونقله لمن بعده؛ حتى إنه لم ينم على جنبه لمدة عامين، ولم يتزوج لكثرة انشغاله بالعلم حتى مات صغيرًا لم يتجاوز الخامسة والأربعين من عمره بحساب السنة الهجرية، ولنذكر نموذج النويري في «نهاية الأرب»، والقلقشندي في «صبح الأعشى»، وابن منظور في «لسان العرب»، وغيرهم من أصحاب الموسوعات، وكيف واجهوا الطغيان والعدوان وتقلب الزمان (يتبع).

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الموضوع الذي اقتُرح لعلم الخطاب الإسلامي؟

تبليغ الدعوة

كم ركنًا يتكون منها تبليغ الدعوة في علم الخطاب الإسلامي؟

ثلاثة أركان

ما موضوع علم الطب وفق المنهج المذكور في تحديد موضوعات العلوم؟

جسم الإنسان من حيث الصحة والمرض

ما موضوع علم الفقه وفق المنهج المذكور؟

فعل الإنسان المكلف

أي العلوم التالية ذُكر ضمن العلوم المساندة لبناء علم الخطاب الإسلامي؟

السيمانتيك وتحليل المضمون

ما حكم الاشتغال بعلم الخطاب الإسلامي لمن تصدّر للدعوة؟

فرض كفاية قد يرقى إلى فرض عين

من الذي أضاف بحر المتدارك إلى علم العروض؟

الأخفش

كم ساعة كان الإمام النووي يعمل يوميًا لحفظ العلم ونقله؟

عشرون ساعة

في أي كتاب ذكر الدمنهوري الأوزان الشعرية الإضافية في علم العروض؟

الكافي في العروض والقوافي

ما الكتاب الموسوعي الذي ألّفه النويري؟

نهاية الأرب

ما الآية القرآنية التي استُشهد بها لتأكيد ضرورة الدعوة على علم وبصيرة؟

﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة﴾

ما الذي يميز العلوم بعضها عن بعض وفق المنهج المذكور؟

تمايز الموضوعات

ما الظرف التاريخي الذي ذُكر نموذجًا على لجوء العلماء لتوليد العلوم في مواجهة الأزمات؟

هجوم التتار على بلاد المسلمين

ما تعريف موضوع العلم؟

موضوع العلم هو ما يُبحث فيه عن عوارضه الذاتية حتى تتكون المسائل في هذا العلم من الموضوع والوصف المناسب له.

ما الأركان الثلاثة لتبليغ الدعوة في علم الخطاب الإسلامي؟

الأركان الثلاثة هي: المتكلم، والسامع، والرسالة أو الخطاب أو الكلام.

ما الفرق بين المسند والمسند إليه عند البلاغيين والموضوع والمحمول عند المناطقة؟

هما مفهومان متطابقان في الدلالة؛ البلاغيون يسمون ركني الجملة المسند والمسند إليه، والمناطقة يسمونهما الموضوع والمحمول.

لماذا يجب أن يُبنى علم الخطاب الإسلامي بهيئة مفتوحة؟

لأن البنية المفتوحة تتيح الزيادة فيه وتطويره وتجديده وتوليد علوم أخرى منه، حتى يستقل المسلمون بالدرس ويقفوا على أرض صلبة في دعوتهم.

ما الكتاب الموسوعي الذي ألّفه القلقشندي؟

ألّف القلقشندي كتاب صبح الأعشى، وهو من الموسوعات الكبرى التي واجه بها العلماء الطغيان وتقلب الزمان.

ما الكتاب الموسوعي الذي ألّفه ابن منظور؟

ألّف ابن منظور لسان العرب، وهو من أشهر الموسوعات اللغوية في التراث الإسلامي.

ما الذي يُخرج العقل المسلم من إسار التقليد والجمود وفق المنهج المذكور؟

النقاش العلمي والخلاف الثري الذي يحرك العقول ويربي النفوس على قبول الرأي الآخر ويدرب على البحث وترتيب الأدلة.

ما الذي ابتدعه أحمد شوقي في الشعر العربي؟

ابتدع أمير الشعراء أحمد شوقي أوزانًا شعرية لم تكن من قبل، سائرًا على ما فعله الأندلسيون في كان كان والمواليا وغيرها.

ما هدف دعوة توليد العلوم كما وُضّح في المحتوى؟

الهدف هو إنشاء علوم جديدة تُدرَّس للمتصدرين للدعوة في كل مكان، وتكون حجة لهم وعليهم، حتى تعود الحضارة الإسلامية إلى سابق عطائها.

ما الذي يدرسه علم الخطاب الإسلامي في جانب السامع؟

يدرس أنواع السامع ومستوياته وطريقة الاتصال التي تناسبه ووسائل قياس تحقيق الهدف معه والوسائل التي يتم من خلالها الاتصال.

ما الفوضى التي دفعت إلى الحاجة لعلم الخطاب الإسلامي؟

الفوضى التي اكتنفت الفضائيات والصحافة في التعامل مع الدين، واعتراض الناس على كثير من الخطباء والدعاة.

ما الذي يدرسه علم الخطاب الإسلامي في جانب الرسالة أو الخطاب؟

يدرس شكل الخطاب ومضمونه وأنواعه وأساليبه ولغته ومستواه وقياسه وتقويمه واختلافه وتطوره وترتيبه.

ما الذي يُنسب إليه واضع العلم الجديد؟

يُنسب العلم إلى أول من ألّف فيه، وإن ألّفت جماعة مرة واحدة حدث نقاش علمي حول أيهم ألّف أولًا.

حتى متى عاش الإمام النووي وما سبب وفاته مبكرًا؟

مات الإمام النووي صغيرًا لم يتجاوز الخامسة والأربعين من عمره بحساب السنة الهجرية، بسبب كثرة انشغاله بالعلم إذ لم يتزوج ولم ينم على جنبه لمدة عامين.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!