ما علم الخطاب الاسلامي ولماذا يعد فرضا على المسلمين في عصر العولمة والتغيير؟
علم الخطاب الاسلامي علم جديد مقترح يهدف الى ضبط مفاهيم الامة والمرجعية وشروط العمل الاسلامي في عالم اصبح قرية واحدة. يقوم هذا العلم على خصائص كالحكمة والرفق والانفتاح والتقويم الدائم، ويعالج اضطراب الغرب في فهم الاسلام وظاهرة التطرف الناجمة عن غياب المرجعية. اقترح انشاؤه في مؤتمر الكويت 2004م وأيده علماء من شتى الاقطار، وتاكدت ضرورته بعد زيارة لندن ومناقشة صورة الاسلام هناك.
- •
هل يحتاج المسلمون فعلا الى علم جديد اسمه علم الخطاب الاسلامي في ظل العولمة وتلاشي الحواجز بين الشعوب؟
- •
مؤتمر الكويت 2004م شهد اقتراح انشاء علم الخطاب الاسلامي ووافق عليه علماء من مصر والسودان وفرنسا وسويسرا وغيرها.
- •
خصائص الخطاب الاسلامي المنفتح تشمل الحكمة والرفق والاعتدال والتواضع والتقويم الدائم والبعد عن السطحية والتعميم.
- •
زيارة لندن كشفت اضطراب الغرب في فهم الاسلام وعجزه عن تفسير ظاهرة التطرف لدى ابناء الجيل الثالث من المهاجرين المسلمين.
- •
علم الخطاب سيضبط مفهوم الامة بربطه بالمرجعية والتخصص وشروط الجهاد، فالجهاد لا يجوز الا تحت راية شرعية.
- •
السنة النبوية تؤكد مرحلة الصبر والعفو قبل القتال، وانفكاك الجهة يجعل التسامح والجهاد تنوعا لا تضادا.
- 1
المسلمون في حاجة الى علم الخطاب الاسلامي لحفظ هويتهم في عالم العولمة، وقد اقترح انشاؤه في مؤتمر الكويت 2004م ووافق عليه العلماء.
- 2
مؤتمر الكويت ضم علماء من اقطار شتى، وابرز بحوثه اكد اهمية الخطاب الاسلامي في العلاقات الانسانية مستلهما درس شهوة المعرفة.
- 3
خصائص الخطاب الاسلامي تشمل الحكمة والرفق والانفتاح، وابرز ما دعا اليه البحث اخضاع الخطاب للتقويم الدائم لتحسين صياغته ومساره.
- 4
رحلة لندن اكدت اضطراب الغرب في فهم الاسلام وعجزه عن تفسير ظاهرة التطرف لدى ابناء الجيل الثالث، مما يؤكد ضرورة علم الخطاب.
- 5
علم الخطاب يعالج التطرف بربط مفهوم الامة بالمرجعية وشروط الجهاد، فغياب الراية الشرعية يحول الجهاد الى قتل لا قتال.
- 6
السنة النبوية تؤكد مرحلة الصبر والعفو قبل الجهاد، وانفكاك الجهة يجعل التسامح والقتال تنوعا لا تضادا يبينه علم الخطاب.
لماذا يحتاج المسلمون الى علم الخطاب الاسلامي في عصر العولمة وما اهميته لحفظ هويتهم؟
يحتاج المسلمون الى علم الخطاب الاسلامي لمقتضيات وجودهم والحفاظ على هويتهم وسط عالم اصبح قرية واحدة تتلاشى فيه الحواجز بين الشأن الداخلي والخارجي. وقد اقترح انشاء هذا العلم في مؤتمر الكويت 2004م ووافق عليه العلماء وجعلوه في توصياتهم. والهدف ادخاله ضمن ما يدرس في الكليات الشرعية بالجامعات الاسلامية وتعاون العلماء على الكتابة فيه واثرائه.
ما الذي اكده بحث انفتاح الخطاب الاسلامي في مؤتمر الكويت وما علاقته بالعلاقات الانسانية؟
اكد بحث انفتاح الخطاب الاسلامي ومتطلبات المرحلة المعاصرة على اهمية الخطاب الاسلامي في مجال العلاقات الانسانية. وضرب المؤلف مثلا بقصة الدكتور ماهر عليش الذي ذهب لنيل الدكتوراه في العلاقات الانسانية بامريكا فوجد طابقا كاملا من الكتب في هذا العلم الذي لم يتجاوز عمره ثلاثين عاما. وذكر هذه القصة ليربي ملكة شهوة المعرفة وحب الاطلاع والبحث والتاليف.
ما خصائص الخطاب الاسلامي المنفتح ولماذا يجب اخضاعه للتقويم الدائم؟
الخطاب الاسلامي المنفتح يتسم بالحكمة والرفق ومراعاة شخصية السامع والتزام الحرية والاعتدال وتجنب العداوة والتواضع وقبول المعارضة. ويقوم على الانطلاق من القناعة واستيعاب حجة المخالف ومراجعة النفس وتصحيح الخطا. والاهم اخضاع الخطاب الاسلامي للتقويم الدائم لان الحق في الفكرة لا يقتضي صوابا في صياغتها، فقد تكون الفكرة قوية ومساء التعبير عنها فتفقد قوتها.
كيف كشفت رحلة لندن اضطراب الغرب في فهم الاسلام وما علاقة ذلك بضرورة علم الخطاب؟
كشفت رحلة لندن يونيو 2004م ان الغرب في غاية الاضطراب والتخبط في التعامل مع المسلمين حتى مع مواطنيه منهم. فمشكلة الجيل الثالث من ابناء المهاجرين الذين ولدوا ونشأوا في بريطانيا وشاركوا في حروبها ثم ذهبوا لاعمال انتحارية حيرت العقل الانجليزي. ويستغل برنارد لويس هذا الاضطراب ليدعي ان الاسلام في ذاته دين صدامي وان الارهابيين يطبقون الاسلام، مما يؤكد الحاجة الماسة لعلم الخطاب الاسلامي.
كيف يعالج علم الخطاب الاسلامي ظاهرة التطرف من خلال مفهوم المرجعية وشروط الجهاد؟
علم الخطاب سيؤكد على مفهوم الامة مقيدا بالمرجعية والتخصص وشروط العمل، فالجهاد لا يجوز الا تحت راية شرعية، وعندما فقدت الراية تحول الى قتل لا قتال ولو ادعى صاحبه انه في سبيل الله. فقدان المرجعية والشروط هو سبب ظاهرة التطرف مع قيام مفهوم الامة في ذهن الشاب، اذ وصله هذا المفهوم غير مقيد بشروطه فاختل الميزان في يده وافسد اكثر مما اصلح.
ما الدليل النبوي على وجوب الصبر ومرحلة العفو قبل الجهاد وكيف يجمع الاسلام بين التسامح والقتال؟
ثبت في السنة النبوية ان النبي صلى الله عليه وسلم امر بالصبر في مكة حين شكا اليه خباب بن الارت وطلب النصرة، فذكر له صبر من قبلهم وبشره بتمام الامر. وامر عبدالرحمن بن عوف واصحابه بالعفو وعدم القتال في مرحلة مكة. ومن لم يعرف شروط كل مرحلة ظن تناقضا بين نصوص الجهاد ونصوص التسامح، لكن انفكاك الجهة يجعل الاختلاف تنوعا لا تضادا، وهذا ما سيبينه علم الخطاب الاسلامي.
علم الخطاب الاسلامي فريضة حضارية تضبط مفاهيم الامة والمرجعية وشروط الجهاد في عصر العولمة.
علم الخطاب الاسلامي ضرورة لا ترف فكري، اذ يعيش المسلمون في عالم اصبح قرية واحدة تتداخل فيه الشؤون الداخلية والخارجية. اقترح انشاء هذا العلم في مؤتمر الكويت 2004م ووافق عليه علماء من مصر والسودان وفرنسا وسويسرا، وجاءت زيارة لندن لتؤكد الحاجة الماسة اليه في مواجهة الاضطراب الغربي في فهم الاسلام.
يقوم علم الخطاب الاسلامي على خصائص محددة كالحكمة والرفق والانفتاح والتقويم الدائم، ويعالج ظاهرة التطرف بربط مفهوم الامة بالمرجعية وشروط العمل؛ فالجهاد لا يجوز الا تحت راية شرعية، وغياب هذه الشروط يحول الجهاد الى قتل. والسنة النبوية تؤكد ان مرحلة الصبر والعفو سبقت الاذن بالقتال، وان التسامح والجهاد تنوع لا تضاد.
أبرز ما تستفيد منه
- علم الخطاب الاسلامي علم جديد مقترح لضبط خطاب الامة في عصر العولمة.
- الجهاد لا يجوز الا تحت راية شرعية وبشروطه المعتبرة.
- غياب المرجعية وشروط العمل هو سبب ظاهرة التطرف لدى بعض الشباب.
- الخطاب الاسلامي يجب ان يخضع للتقويم الدائم ولا يكون فوق النقد.
حاجة المسلمين لعلم الخطاب الاسلامي في عالم العولمة والتغيير
هل المسلمون في حاجة إلى علم جديد يقال له: «علم الخطاب الإسلامي» حقًّا؟ والإجابة عندي: نعم، إنهم في حاجة إلى ذلك؛ لمقتضيات وجودهم، والحفاظ على هويتهم وبقائهم وسط العالم الذي أصبح قرية واحدة، والذي وصل من خلال المواصلات والاتصالات والتقنيات الحديثة إلى ما نرى من الجوار وتأثر بعضه ببعض؛ حتى كادت الحواجز بين الشأن الداخلي والخارجي تتلاشى، وحتى رأينا حجج احتلال أرضنا بالعراق والتهديد باحتلال غيرها هو التأثر بما يجري في الداخل من أمور، ولم يعد مجديًا نفعًا التمسك بأنه أمر داخلي، ومع رفضنا لهذا المبدأ الذي يستعمله القوي في فرض هيمنته الاستعمارية وتحصيل مصالحه الاقتصادية، فإننا لابد أن نعمل على ما يغير حالنا في طريق الله؛ حتى ينظر الله إلينا بعين الرحمة، ويغير ما بنا، ويوفقنا إلى ما يحب ويرضى؛
﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوْمٍۢ سُوٓءًۭا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ﴾ [1].
- ولقد حضرتُ مؤتمرًا في دولة الكويت نظمته كلية الشريعة والدراسات الإسلامية هناك تحت عنوان «الخطاب الإسلامي في خضم الأحداث والمستجدات»، وذلك في الفترة من
- 18 مايو 2004م، وتقدمت فيه ببحث عن أصول هذا الموضوع ودعوت فيه إلى إنشاء علم جديد بعنوان «الخطاب الإسلامي» ولقد وافق المؤتمرون من العلماء على هذا الاقتراح، وجعلوه في توصياتهم، وهو ما يبين أهمية هذه الدعوة، ووجوب الإسراع في تبنيها، وإدخال هذا العلم ضمن ما يدرس في الكليات الشرعية بالجامعات الإسلامية، خاصة جامعة الأزهر، وسرعة تعاون العلماء على الكتابة فيه وإثرائه، وعلى استمداده من علوم عدة يتعاون في ذلك جماعة العلماء؛ حتى يتضح هذا العلم وتقوم له قائمة.
مؤتمر الكويت وبحث انفتاح الخطاب الاسلامي والعلاقات الانسانية
- ومن بحوث ذلك المؤتمر - الذي حضره من مصر: أ.د أحمد عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر السابق، وعضو مجمع البحوث الإسلامية، وأ.د نبيل غنايم الأستاذ بكلية دار العلوم، وأ.د إبراهيم عبدالرحيم الأستاذ بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، ومن السودان أ.د عصام البشير وزير الأوقاف، ولفيف من العلماء من سويسرا وفرنسا وتونس والسعودية وسوريا، بالإضافة إلى علماء كلية الشريعة بالكويت من أقطار شتى - ما يمكن أن يستفاد منه في بناء إطار عام لذلك العلم، أبتدئ وأخص بالذكر بحث أ.د أحمد جاب الله عميد الكلية الأوربية للدراسات الإسلامية بباريس، وكان تحت عنوان «انفتاح الخطاب الإسلامي ومتطلبات المرحلة المعاصرة» الذي أكّد فيه على أهمية الخطاب الإسلامي في مجال العلاقات الإنسانية.
وذكّرني بأستاذنا المرحوم د. ماهر عليش عندما حكى لنا وهو يُدَرِّس مادة «العلاقات الإنسانية» أنه ذهب إلى الولايات المتحدة لنيل درجة الدكتوراه في مادة «العلاقات الإنسانية» التي لم يكن قد مضى على ولادتها أكثر من ثلاثين عامًا، فذهب إلى المكتبة بالجامعة التي يدرس بها؛ ظانًّا أنه سيجد فيها كتابين أو ثلاثة أو عشرة سينتهي من قراءتها ثم يحضر الدكتوراه ويعود إلى مصر خلال ستة أشهر، وسأل أمين المكتبة عن كتب «العلاقات الإنسانية» وطلب منه إحضارها مهما بلغت، فاصطحبه إلى أحد أدوار المكتبة الذي يمثل دائرة كبيرة تسير حولها سيارة، وقال له: كل ما أمامك من كتب من الأرض إلى السقف بطول هذا الطابق كله في العلاقات الإنسانية.
لم يذكر لنا د. ماهر عليش هذه الرواية للتسلية، ولا لأن نفتح أفواهنا دهشًا وتعجبًا من العلم الذي لا يعرف النهاية، بل ذكرها ليربي فينا ملكة أساسية لشهوة المعرفة، وحب الاطلاع والبحث والتأليف والمعرفة، رحم الله الأستاذ؛ فقد كان مؤمنًا بالله ورسوله عاشقًا لمصر.
خصائص الخطاب الاسلامي المنفتح وضرورة التخصص والتقويم الدائم
- ثم تكلم أ.د أحمد جاب الله عن تعدد طرائق الخطاب، وعن خصائص الخطاب الإسلامي، وذكر أنه خطاب يحقق البلاغ المبين، وفيه صفة الحكمة، وصفة الرفق ويراعي شخصية السامع، ويلتزم مبدأ الحرية ومبدأ الاعتدال، ويتجنب إثارة العداوة وردود الفعل السلبية، ويلتزم التواضع، ولا يضيق بالمعارضة والسؤال، وهو خطاب منفتح؛ لأنه يؤمن بواقع الاختلاف بين الناس، وحق الآخر في اعتقاده بصواب ما يعتقد، ويقوم بواجب الشهادة على الناس، ويعلم أنه في عصر الإعلام المفتوح والعولمة، وهذا الانفتاح يقتضي أن ينطلق الخطاب من القناعة لدى المتكلم والاستعداد لاستيعاب وتفهم حجة المخالف، والاستفادة من التواصل مع الآخر بمراجعة النفس وتصحيح الخطأ وإبراز نقاط الالتقاء مع المخالف.
وخلص من هذا كله إلى وجوب التخصص والتعمق والبعد عن التعميم والسطحية، ودعا إلى الجمع بين الأصالة والتجديد، وإلى العناية بالبعد الإنساني في الخطاب الإسلامي، وإلى التصدي بشجاعة للقضايا المثارة، وتغليب المنطق العلمي القائم على الإقناع بدل الخطاب الإنشائي، والجمع بين المثالية والواقعية، وإبراز الأبعاد التربوية والروحية والحضارية في الخطاب الإسلامي، وتجديد الخطاب الوعظي شكلا ومضمونًا، وحسن الاستفادة من تقنيات الخطاب المعاصر ووسائله، وأهم نقطة في ذلك كله إخضاع الخطاب الإسلامي إلى التقويم الدائم.
وأكَّد في هذه النقطة الأخيرة أن وصف الخطاب الإسلامي لا يعني أنه فوق النقد المستمر الذي يؤدي إلى تحسين صياغته، وإعادة ترتيبه والعمل على تصحيح مساره إن حدث ثمة ما يشينه أو يجعله قاصرًا أو مقصرًا، وهي مسألة في غاية الأهمية غابت عن كثير من المتصدرين للخطاب الإسلامي، بل والناقدين لهم؛ حيث شعر الناقد نفسه وكأنه ضد الإسلام لما كان معترضا على صوغه وخطابه؛ لأن "الحق في الفكرة لا يقتضي صوبا في صياغتها وحسن عرضها، بل قد تكون الفكرة غاية في القوة، ومُسَاءُ التعبير عنها صيغةً وأسلوبًا فتفقد قوتها" على تعبير الدكتور أحمد جاب الله في بحثه المذكور.
رحلة لندن واضطراب الغرب في فهم الاسلام وضرورة علم الخطاب
-
ثم ذهبتُ مع جماعة من العلماء والمفكرين إلى لندن في الفترة من 6-14 يونيو 2004م لمناقشة صورة الإسلام والمسلمين مع بعض المهتمين من أهل الفكر والعلم والسياسة والاجتماع، فازداد يقيني في وجوب إنشاء ذلك العلم الذي سيعالج تلك القضايا الخاصة المعقدة المركبة التي حيَّرت الغرب وجعلته مع موروثه الحضاري المصادِم والمستعمِر لبلاد المسلمين في غاية الاضطراب والتخبط في المعاملة حتى مع مواطنيه.
-
وجدت مشكلة الجيل الثالث وما بعده الذي هاجر أجداده من شبه القارة الهندية وغيرها، وشارك في الثورة الصناعية وشارك أبناؤهم في الحروب التي خاضتها بريطانيا، وولد هذا المسلم لا يعرف وطنًا سوى هذه الأرض؛ وإذ بالرغم من كل ما تعلمه ونشأته هذه النشأة يذهب لأعمال انتحارية هنا وهناك، والعقل الإنجليزي غير قادر على استيعاب هذه المعضلة، ويخرج له من يقول له: إن الإسلام في ذاته هو السبب؛ لأنه دين صدامي. ويقول «برنارد لويس»: إن الإرهابيين يطبقون الإسلام، وليس أنهم قد انحرفوا عنه، وتبدأ الحيرة لدى غير المسلمين؛ لأنهم رأوهم معمرين سالمين، وفجأة يخرج منهم هذا الصنف ويكون «برنارد» جاهزًا بتفسيره هذا، بل إن بعضًا ممن أسماؤهم أسماء المسلمين في حيرة أيضًا ينشرون هنا وهناك ما يدل على قيام شبه التناقض في أذهانهم.
دور علم الخطاب في ضبط مفاهيم الامة والمرجعية وشروط الجهاد
- إن علم الخطاب سوف يؤكد على مفاهيم كثيرة تفسر هذه الحالة على وجهها، وتجعلها حالة خلل وتبين وجه هذا الخلل من غير حاجة للحيرة. سيؤكد علم الخطاب على مفهوم الأمة، ولكنه سيؤكد أيضًا على مفهوم المرجعية، وعلى مفهوم التخصص، وعلى الفرق بين علم الدين والتدين، وسيؤكد على مفهوم الشروط التي لا يصح العمل إلا بها؛ فالصلاة لا تجوز بغير وضوء ولو صلى مائة ركعة، ولا لقبلة غير الكعبة ولو صلى ألف ركعة، ولا قبل دخول الوقت المعتبر شرعًا، وكذلك الجهاد لا يجوز إلا تحت راية، وعندما فقدت الراية فلا جهاد، وسيتحول إلى قتل بدل أن يكون قتالا ولو ادعى صاحبه أنه في سبيل الله.
ففقدان المرجعية والشروط هو سبب الظاهرة مع قيام مفهوم الأمة في ذهن ذلك الشاب، وهو مفهوم صحيح ولكن لم يصله مقيدًا بشروط العمل من خلاله؛ فاختل الميزان في يده وأفسد أكثر مما أصلح.
الاحاديث النبوية في الصبر ومرحلة العفو وضبط القتال
النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في مكة جاءه خَبّاب يشكو إليه ويطلب النُّصرة، ويقول خباب بن الأرت رضي الله عنه: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وَهْوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَقُلْنَا: أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلاَ تَدْعُو لَنَا؟ - في رواية أحمد: فاحمرَّ وجهُه وتغير لونُه -
فَقَالَ: «قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا، فَيُجْاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، وَيُمَشَّطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لاَ يَخَافُ إِلاَّ اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ» [2].
وقد ثبت في السنة النبوية: أَنَّ عَبْدَالرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَأَصْحَابًا لَهُ أَتَوُا النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بِمَكَّةَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا فِي عِزٍّ وَنَحْنُ مُشْرِكُونَ، فَلَمَّا آمَنَّا صِرْنَا أَذِلَّةً.
فَقَالَ: «إِنِّي أُمِرْتُ بِالْعَفْوِ فَلاَ تُقَاتِلُوا» [3].
وقال الله تعالى - وكأنه يخاطب أولئك الجهلة الذين أعماهم الحماس عن الطاعة لربهم:
﴿وَلَوْلَا رِجَالٌۭ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌۭ مُّؤْمِنَٰتٌۭ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَـُٔوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌۢ بِغَيْرِ عِلْمٍۢ ۖ لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِى رَحْمَتِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ لَوْ تَزَيَّلُوا۟ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [4].
والذي تحير في تناقضه بين نصوص الكتاب المؤكدة للجهاد، ونصوصه المؤكدة للتسامح والعفو والصفح وقبول
الآخر - لم يعرف شروط كل منهما، وانفكاك الجهة يجعل الاختلاف اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد.
نؤكد مرة أخرى على وجوب إقامة هذا العلم؛ عسى أن نرى مؤلفاته خلال عشرين سنة قادمة قد ملأت طابقًا بكامله في مكتبة كبرى أو حُمّل على "C.D" حتى امتلأ به حمولة جهاز الكمبيوتر.. آمين.
ما شعورك تجاه هذا الفصل؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفصل؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
في اي عام ومكان اقترح انشاء علم الخطاب الاسلامي لاول مرة؟
مؤتمر الكويت 2004م
ما السبب الرئيسي لظاهرة التطرف لدى بعض الشباب المسلم وفق ما يعالجه علم الخطاب؟
غياب المرجعية وشروط العمل
ما الشرط الاساسي الذي ذكره النص لصحة الجهاد؟
وجود راية شرعية
ما الخاصية التي اعتبرها البحث الاهم في خصائص الخطاب الاسلامي؟
التقويم الدائم
ماذا وجد الدكتور ماهر عليش حين ذهب لدراسة العلاقات الانسانية في امريكا؟
طابقا كاملا من الكتب في هذا العلم
ما موقف النبي صلى الله عليه وسلم حين شكا اليه خباب بن الارت وطلب النصرة في مكة؟
امرهم بالصبر وبشرهم بتمام الامر
ما الذي يجعل التسامح والجهاد في الاسلام تنوعا لا تضادا؟
انفكاك الجهة وتباين الشروط
ما الذي دعا اليه بحث انفتاح الخطاب الاسلامي في مؤتمر الكويت؟
الجمع بين الاصالة والتجديد والتصدي للقضايا المثارة بشجاعة
ما الذي يميز الخطاب الاسلامي المنفتح في تعامله مع المخالف؟
الاستعداد لاستيعاب حجة المخالف ومراجعة النفس
ما الذي كشفته رحلة لندن يونيو 2004م بشان الغرب والاسلام؟
اضطراب الغرب وتخبطه في التعامل مع المسلمين حتى مواطنيه
ما ادعاء برنارد لويس بشان الارهابيين المسلمين؟
انهم يطبقون الاسلام وليسوا منحرفين عنه
اين دعا المؤتمرون الى ادراج علم الخطاب الاسلامي ضمن المناهج الدراسية؟
الكليات الشرعية بالجامعات الاسلامية وخاصة الازهر
ما تعريف علم الخطاب الاسلامي ولماذا هو ضرورة؟
علم جديد مقترح يعالج قضايا الخطاب الاسلامي المعقدة في عصر العولمة، ويضبط مفاهيم الامة والمرجعية وشروط العمل الاسلامي لحفظ هوية المسلمين وبقائهم.
ما عنوان المؤتمر الذي اقترح فيه انشاء علم الخطاب الاسلامي؟
مؤتمر بعنوان الخطاب الاسلامي في خضم الاحداث والمستجدات، نظمته كلية الشريعة والدراسات الاسلامية بالكويت في مايو 2004م.
ما الهدف من قصة الدكتور ماهر عليش ومكتبة العلاقات الانسانية؟
ذكرها لتربية ملكة شهوة المعرفة وحب الاطلاع والبحث والتاليف في نفوس الطلاب، لا للتسلية ولا للدهشة من سعة العلم.
ما الفرق بين علم الدين والتدين الذي سيوضحه علم الخطاب؟
علم الدين هو المعرفة الشرعية المنضبطة بالمرجعية والتخصص، اما التدين فهو الممارسة الفردية التي قد تخلو من الضبط العلمي والشروط المعتبرة.
لماذا يتحول الجهاد الى قتل عند غياب الراية الشرعية؟
لان الجهاد عبادة مشروطة كالصلاة التي لا تصح بغير وضوء، فاذا فقدت الراية الشرعية انتفى الشرط وتحول العمل من قتال مشروع الى قتل محرم.
ما مضمون حديث خباب بن الارت وما الدرس المستفاد منه؟
شكا خباب للنبي وطلب النصرة فامره بالصبر وذكر له صبر من قبلهم وبشره بتمام الامر. والدرس ان مرحلة الصبر والعفو شرط قبل الاذن بالقتال.
ما المقصود بانفكاك الجهة في الجمع بين نصوص التسامح والجهاد؟
ان كل نص يتعلق بحالة وشروط مختلفة، فنصوص العفو تخص مرحلة بعينها وشروطا محددة، ونصوص الجهاد تخص مرحلة اخرى، فلا تضاد بينهما بل تنوع.
ما ازمة الجيل الثالث من المسلمين في بريطانيا التي كشفتها رحلة لندن؟
هم ابناء مهاجرين ولدوا ونشأوا في بريطانيا وشاركوا في حروبها لكنهم ذهبوا لاعمال انتحارية، مما حير العقل الانجليزي الذي لم يستطع تفسير هذه الظاهرة.
ما الخطا الذي يقع فيه ناقد الخطاب الاسلامي احيانا؟
يشعر الناقد وكانه ضد الاسلام لمجرد اعتراضه على صياغة الخطاب واسلوبه، مع ان الحق في الفكرة لا يقتضي صوابا في صياغتها.
ما الذي يقتضيه الانفتاح في الخطاب الاسلامي وفق خصائصه؟
يقتضي الانطلاق من القناعة الذاتية والاستعداد لاستيعاب حجة المخالف والاستفادة من التواصل معه بمراجعة النفس وتصحيح الخطا وابراز نقاط الالتقاء.
ما الذي يميز الخطاب الاسلامي عن الخطاب الانشائي؟
الخطاب الاسلامي يقوم على المنطق العلمي والاقناع بالحجة والدليل، بينما الخطاب الانشائي يعتمد على الاسلوب الادبي والعاطفي دون اقناع حقيقي.
ما الذي امر به النبي عبدالرحمن بن عوف واصحابه حين شكوا من الذل بعد الايمان؟
امرهم بالعفو وعدم القتال، اذ قال لهم اني امرت بالعفو فلا تقاتلوا، وذلك في مرحلة مكة قبل الاذن بالجهاد.
ما الابعاد التي دعا البحث الى ابرازها في الخطاب الاسلامي؟
دعا الى ابراز الابعاد التربوية والروحية والحضارية في الخطاب الاسلامي، مع تجديد الخطاب الوعظي شكلا ومضمونا وحسن الاستفادة من تقنيات الخطاب المعاصر.
ما الاية القرانية التي استشهد بها النص في سياق ضرورة تغيير احوال المسلمين؟
آية الرعد: ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم، وهي تؤكد ان التغيير الالهي مشروط بالسعي الذاتي للامة.
ما الامل الذي ختم به النص الدعوة الى انشاء علم الخطاب الاسلامي؟
امل ان ترى مؤلفات هذا العلم خلال عشرين سنة قادمة قد ملات طابقا كاملا في مكتبة كبرى او حملت على قرص حاسوبي.