اكتمل ✓
الفصل 45

ما هي شروط التوبة وما هي التوبة النصوح وكيف تكون محاسبة النفس؟

شروط التوبة هي: الإقلاع عن الذنب، وإظهار الندم عليه، والعزم على عدم العودة إليه، وإن تعلق الأمر بحقوق العباد وجب ردها إليهم. والتوبة النصوح هي التوبة الصادقة المبنية على النصح الحقيقي التي تشمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن وعي وإخلاص. ومحاسبة النفس هي جوهر التوبة بمعناها الواسع، إذ تعني المراجعة الدائمة للأعمال في الدنيا والآخرة معاً، لا الاقتصار على الإقلاع عن المعاصي فحسب.

9 دقائق قراءة
  • هل اختزلنا معنى التوبة في مجرد الإقلاع عن المعاصي بينما مفهومها الحقيقي أوسع بكثير مما نتصور؟

  • التوبة في اللغة تعني الرجوع، وتشمل النقد الذاتي ومحاسبة النفس والمراجعة الدائمة للأعمال في كل مجالات الحياة.

  • شروط التوبة من الذنب هي: الإقلاع عنه، والندم عليه، والعزم على عدم العودة، ورد حقوق العباد إن وُجدت.

  • التوبة النصوح مستمدة من النصح الحقيقي، وتستلزم الصدق والهمة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن وعي وإخلاص.

  • الاستغفار يسبق التوبة لأن الإقلاع لا يتم إلا بعون الله، ومن ثمار التوبة تصحيح الأحوال وتيسير الأعمال.

  • التوبة واجبة جماعياً لا فردياً فحسب، إذ لا تتحقق نهضة الأمة إلا بتوبة جماعية تشمل الإدارة والسياسة والاقتصاد.

رؤوس افكار الخطبة حول مفهوم التوبة الواسع

من أفكار الخطبة..

  1. السنن الكونية وسريانها في حملة الكتب الإلهية على مر العصور وكر الدهور.

  2. طول الأمد قسوة للقلب تحول بين العبد وبين التوبة.

  3. التوبة مفهوم واسع؛ هي نقد ذاتي ومحاسبة ومراجعة.. ورجوع.

  4. تغزونا مصطلحات قاصرة.. أَحتلالٌ للحقول.. وللعقول أيضا..؟!

  5. توابون لا نمل من التوبة؛ وإن الله لا يمل حتى تملُّوا.

  6. ثمارها متاع حسن، وقوة، وفضل يؤتاه كل بحسب استعداده واجتهاده.

  7. توبوا جميعا: فتائبٌ وحده لا يكفي, حتى يسانده جماعة التائبين.

  8. الوعي أصيل في التوبة فنعرف الخطأ والصواب بالرجوع للوحي وللواقع المعيش (الوجود).

  9. فلنكن أقوياء أوفياء ولنولِّد من الواقع ما يبلغنا طاعتهسبحانه وتعالى؛ فوسيلة الواجب واجبة.

  10. اختزال التوبة في مفهوم فردي بترٌ لمراد الله من أوامره وإرشاداته.

رسالة الامة وخطر طول الامد وقسوة القلوب

فإن الله سبحانه وتعالى قد أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله.. أرسله ليخرج الناس من الظلمات إلى النور واختارنا أمة للرسالة، وجعلنا خير أمة أخرجنا للناس إن نحن فهمنا عن الله مراده وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم رسالته، وإن نحن كنا على قدمٍ يرضى فيها الله عنا، حتى نكون هداية للعالمين ولا نكون فتنة للناس..

فهل طال علينا الأمد كما طال على أمم قد سبقت

﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌۭ مِّنْهُمْ فَٰسِقُونَ﴾

..

هل طال الأمد على أمة الإسلام فأصبحت تسمع كلام الله ولا تعي أكثره، وأصبحت تتلو سنة رسول الله وبدلاً من أن تنير لها الطريق جاء سوء فهمها يخلِّط عليها من أمور حياتها، وصدق رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وآله حيث يقول:

(لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ. شِبْراً بِشِبْرٍ، وَذِرَاعاً بِذِرَاعٍ. حَتَّىٰ لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبَ لاَتَّبَعْتُمُوهُمْ) قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللّهِ آلْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ؟ قَالَ: (فَمَنْ؟)

..؛ يعني فمن الأمم من أهل الكتاب مثلنا غيرهم.

هم أصحاب كتاب فحرف كثير منهم الكتاب، ونحن أصحاب كتاب وقانا الله تحريفه..

وأوَّل كثير منهم الكتاب، ووقعنا في كثير من تأويل الكتاب..

ونسوا حظًّا مما أوتوا، ونسينا حظًّا مما أوتينا...

الوحي والفارق بين الامم واختزال معنى التوبة

الأمر الذي بيننا وبين العالمين: الوحي، والوحي أرشدنا إلى التوبة، والتوبة عادت كلمة إذا ما سمعها المؤمن اختزل معناها وجعلها خاصة بمعاصٍ خاصة، وجعلها أمرًا غيبيًّا يتعلق باليوم الآخر، والتوبة أعظم من ذلك! تشمل هذا وتزيد عنه جدًّا، والتوبة حالة نقد ذاتي.. حالة من مراجعة النفس.. حالة من الرقابة الإدارية..؛

فإذا ما سمعنا هذه الألفاظ: النقد الذاتي، ومراجعة النفس، ومحاولة الرقابة والإدارة، ولأنها ألفاظ قد أتتنا من الغير فإننا نفهمها على وجهها؛ حيثما امتلأت مناهج تعليمنا بها، وإذا سمعنا "التوبة" اختزلنا معناها إلى معنى ضيق هو: الإقلاع عن معاصي بعينها..! والأمر ليس كذلك؛ يقول رسول الله المصطفى الحبيب والمجتبى المعصوم سيد الكائنات:

(واللّهِ إني لأستغفرُ اللّهَ وأتوبُ إليه في اليوم أكثرَ من سبعينَ مرَّة)

هل كان يتوب عن معصية يرتكبها ؟ أو عن كبيرة يقع فيها ؟ حاشاه..

منــزَّهٌ عَـنْ شَرِيـْكٍ في مَحاسِنِهِ * فَجَــوْهَرُ الحُسْـــنِ فِيهِ غَيْرَمُنْقَسِمِ

فَاقَ النَّبِيِّينَ فِي خَلْقٍ وفِي خُلُقٍ * ولم يُبَــارُوْهُ فِي عِلْـــمٍ وَلا كَـــرَمِ

وَكُلُّهُـمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ مُلْتَمِسٌ * غَرْفًا مِنَ البَحْرِ أوْ رَشْفًا منَ الدِّيَـمِ

وَوَاقِفُـــونَ لَدَيْـهِ عِنْـدَ حَـدِّهِمُ * مِنْ نُقْطَةِ العِلْمِ أوْ مِنْ شَكْلَةِ الحِكَمِ

فَهْوَ الذِي تَمَّ مَعْنَــاهُ وَصُـورَتُهُ * ثُـمَّ اصْطَفَــاهُ حَبِيْبــا بَـارِئُ النَّسَمِ

توبة النبي كمراجعة دائمة وتعريف التوبة لغويا

رسول الله..! أي توبة كان يتوب! صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

نقد ذاتي.. مراجعة.. محاسبة لعمل اليوم: ما الذي قصرنا فيه؟ ما الذي كان في ذمتنا فلم نفعله لله؟ ما الذي كان ينبغي أن يتم على وجه هو أحسن من ذلك وأجدى؟

التوبة في اللغة: الرجوع؛ تاب إليه أي: رجع إليه، ومنها المراجعة، ومنها المراقبة، ومنها المحاسبة على حد ما قال سيدنا عمر رضي الله عنه: "حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الأَكْبَرِ وَإِنَّمَا يَخِفُّ الْحَسَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ في الدُّنْيَا" .

ادماج مفهوم التوبة في الادارة والاقتصاد والحكم

التوبة لو فهمناها لأدخلناها عنصرًا من عناصر الإدارة، وعنصرًا أساسًا في الاقتصاد الذي يجري بين الناس، وعنصرًا أساسًا في الحكم، وعنصرًا أساسًا في السياسة خارجيِّها وداخليِّها.

التوبة معنى عظيم.. منها المعنى الذي نفهمه، ودلالتنا على المعنى الصحيح الواسع الذي أراده الله ليس معناه أن فهمك للتوبة محض خطأ، بل هو عجز وقصور.

ما تفهمه من التوبة صحيح إذا ما أذنبت ذنبًا

(كلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاء، وَخيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ)

كما علمنا سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم إذا فعلت ذلك: أن تقلع عن الذنب، وأن تظهر الندم عليه، وأن تعزم ألا تعود لمثلها أبدًا، ثم بعد ذلك إن كان متعلقًا بحقوق العباد أن ترد إلى العباد حقوقهم، وإن كان متعلقاً بالله_ والله كريم_ فإن الله يسامحك ويغفر لك قطعًا عند كثير من علماء الأمة، وظنًّا غالبًا راجحًا عند آخرين..

تقديم الاستغفار على التوبة واثرها في تصحيح الاحوال

إنما هو يتوب عليك،

﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوٓا۟ ۚ﴾

ويقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: إن تكرار قبول التوبة في الكتاب والسنة يقطع بقبول الله لها.

التوبة تأمرك بأن تقلع وأنت لا تستطيع أن تقلع إلا بإذن الله؛ ولذلك قدم الله الاستغفار عليها، والاستغفار فيه طلب للمغفرة، والمغفرة فيها طلب للمعونة من الله؛ فأنت تطلب من الله المغفرة ثم تتوب..؛ إذًا فمحاسبتك إنما تكون لله؛ لأن كل فعل المسلم هو لله، ومعيار تقويم هذا الفعل للأعمال بالترك والفعل- إنما هو الله ﴿وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ﴾ و(ثم) تأتي للترتيب مع التراخي؛ فالاستغفار: طلب العون والمغفرة من الله والتوفيق منه سبحانه وتعالى أولاً

﴿ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ﴾ ﴿وَأَنِ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوٓا۟ إِلَيْهِ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍۢ فَضْلَهُۥ ۖ وَإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍۢ كَبِيرٍ﴾

ماذا يحدث بعد المحاسبة والمراقبة؟ إنه يصحح لكم الحال، ويقـر لكم النظام، وييسير عليكم الأعمال وهـذا كلـه مجمـوع في قـوله: ﴿يُمَتِّعْكُم مَّتَٰعًا حَسَنًا﴾ لو تبنا إلى الله ودائما نكون صرحاء لأننا قد أمرنا بعد مخادعة الله؛ إنه سبحانه وتعالى جعل هذه المخادعة من صفات المنافقين

﴿يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾

، فالمخادعة من صفات المنافقين...؛

فلا بد من المصارحة.

الشفافية واحتلال المصطلحات وضرورة المراجعة الدائمة

الآن يكتبون أنه لا بد من الشفافِيَّة؛ يتكلمون بألفاظ لا نعرفها ويفسرونها لنا كما يحلو لهم، فتملأ قلوبنا وتحتل ما أراده الله ورسوله! فاحتلال القوات الأجنبية لأرض المسلمين من قبل...؛ فهذا فيه احتلال للحقول.. وهذا فيه احتلال للعقول!!

وكلاهما من الاحتلال الذميم.

التوبة ينتج عنها مراجعة، ولكن مرجعنا هو الله ﴿يُمَتِّعْكُم مَّتَٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى﴾ .

لما أن فرَّغنا التوبة من معناها الدنيوي وقصرناها على غيب الآخرة فسر المفسرون ﴿إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى﴾ أي: إلى مدة حياتكم، فإن أرجعنا لها الجانب الآخر حتى يقتضي حالنا إعجاز القرآن، ويقتضي حالنا عموم لفظه وبقاء أثره- يعطي من غير أن يبلى إلى يوم القيامة- نجد ﴿إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى﴾ فلا بد من المراجعة الدائمة؛ لأن فن المراجعة وسنة الله سبحانه وتعالى فيه أن يستمر ذلك دائمًا، ويرشدنا سيد الخلق صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم إلى أن نفعل ذلك كل يوم؛ فالله يصحح علينا أعمالنا ويحفظ علينا نظامنا وييسر لنا أفعالنا إلى أجل مسمى..؛ لا بد بَعدَه- قصر أو طال- من مراجعة أخرى..، ومن توبة ثانية..، من بعد توبة..؛

عدم الملل من التوبة وتوسيع فهمها للدنيا والآخرة

لا نملّ من التوبة إلى الله.. لا نمل من مصارحة النفس بالعيوب والقصور.. لا نمل من الإقلاع بهمَّة متجددة إلى رب العالمين كل يوم..، ولا ننسى الآخرة، ولا ننسى التوبة من هذه المعاصي التي تؤثر في موقفنا يوم القيامة؛ إنما نضيف إلى فهمنا إضافة جديدة يتسع بها مفهومنا هداية كتاب ربنا لحياتنا

﴿يُمَتِّعْكُم مَّتَٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ مُّسَمًّۭى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍۢ فَضْلَهُۥ ۖ﴾

كل بحسب جده واجتهاده وعمله..؛

﴿ وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍۢ فَضْلَهُۥ﴾ عش معها.. تأمل فيها.. اتلها وأنت تسير في الطرقات، وأنت تتأمل في السماء أو في الأرض.. اتلها وأنت وحدك.. تدارسها وأنت مع إخوانك.. وانظر أي كنز معنا يبني الإنسان ويربي نفسه وعقله ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ فَضْلَهُۥ وَإِن تَوَلَّوْا۟﴾ يعني: وإن تتولوا ﴿فَإِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ إما في الدنيا وإما في الآخرة لأن ترك نقض الذات ومراجعة النفس والتوبة إلى الله سبحانه وتعالى يؤدي بنا إلى عذاب كبير قد نكون نعيش في بعضه اليوم

مرجع الخلق الى الله وقدرته وامر التوبة الجماعية

﴿إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ﴾ ...

﴿إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ وليس إلى أحد سواه.

واعلموا أن الله سبحانه وتعالى ﴿عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾.. كم من مرة تقرع سمعك أيها المسلم؟! فعليك أن تحفظها في قلبك، وتحولها إلى يقين يتبعه العمل...

﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ يصلح الحال إذا ما نفذنا هذا ويكفي واحد فينا أن يفعل ذلك حتى يتغير المجتمع أو تصحو الأمة

﴿وَتُوبُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾

إذا أردت أن تكون واحدًا من أمة وتريد لهذه الأمة أن تتقدم البشر وأن تقوم برسالتها وأن تكون لها العزة والكرامة فعليك أن تفعل ذلك وأن تأمر غيرك به فواحد لا يكفى, من تاب منكم على مستواه بارك الله له في حياته وجعله مفلحاً فيها ولا نرى أثر ذلك في الأمة إلا إذا تحرك جمع منا يتوب إلى الله فينصر الله به الأمة ﴿وَتُوبُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.

الوعي في التوبة ومعرفة الخطأ والصواب من الوحي والواقع

هذه التوبة.. هذه المراجعة الشاملة لقضايا الإنسان في كل مكان وفي كل مجال ينبغي أن تحدث عن وعي وعن فهم وعن معرفة لما هو الخطأ ولما هو الصواب..،

ونعرف الخطأ والصواب إما من الوحي وإما من الواقع المعاش..؛

أرادنا الله أقوياء أتقياء أوفياء، فليكن ذلك في الواقع، ونولِّد منه (من هذا الواقع) ما نستطيع أن ننفِّذ أمر ربنا سبحانه وتعالى به؛ فإن مقدمة الواجب واجبة.. ووسيلة الواجب واجبة.

التوبة النصوح وعلاقتها بالنصيحة والامر بالمعروف

يقـول ربنا:سبحانه وتعالى

﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ تُوبُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةًۭ نَّصُوحًا﴾

﴿نَّصُوحًا﴾ من النُّصح، وهناك يقول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:

(الدِّينُ النَّصِيحَة)

نفهم نحن ﴿نَّصُوحًا﴾ على أنها توبة صادقة، ولكن لو تعمقنا في "النون والصاد والحاء" في "النصح"_ وجدنا أن النُّصح هذا له أركانه وله شروطه، ومنها أن نكون مجتمعًا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وعن صواب ووعي وإخلاص.

صفات التوبة النصوح والجمع بين اصلاح الدنيا والآخرة

هذه خلاصة النصيحة.. فإذا عرفنا ذلك عرفنا أن توبتنا ينبغي أن تتصف بتلك الصفات: أن تكون لله، وأن تكون صادقة، وأن تكون فيها همة..، وهذه الهمة إنما هي لتغير أحوالنا إلى أحسن حال_ كما يريدنا الله سبحانه وتعالى_ في جانبيها: في جانب الشهادة وفي جانب الغيب؛ لأنه سبحانه وتعالى عالِم الغيب والشهادة، وبيده الملك والملكوت، وهو رب الدنيا والآخرة؛ فالاختزال بتر لمراد الله من أوامره وإرشاداته..! ونحن نأمر أن يعود الأمر إلى الأمر الأول، لا أن نهتم بدنيانا ونترك آخرتنا، ولا أن نهتم بآخرتنا ونترك دنيانا، ولكن علينا أن نفهم عن الله مرداه كما أراد..؛

﴿عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ يَوْمَ لَا يُخْزِى ٱللَّهُ ٱلنَّبِىَّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ ۖ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَٰنِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَٱغْفِرْ لَنَآ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ﴾

هناك التي في "سورة هود" ختمت الآية التالية بـ

﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ﴾

وهذه التي في "سورة التحريم" انتهت بقوله- عز من قائل- أيضًا: ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ﴾ يشير إليك أن الله سبحانه وتعالى عندما تلتزم بأوامره التي فهمتها فإنه سيكون ناصرًا لك.. سيقف بجوارك.. سيؤيدك ولو اجتمع أهل الأرض على مراد غير مراد الله- فلن ينفذ إلا مراد الله

﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ﴾ .

الاستغفار في قصة نوح وخاتمة الدعاء لرد القدس

هذه الدنيا لها قوانينها التي حكمها الله بها وأرشدنا إليها وعلمنا كيف نتعامل معها، وعلينا أن نتدبر_ كما أُمرنا- حتى يأتينا القرآن كنوزه، وحتى يفتح الله سبحانه وتعالى علينا فتوح العارفين به، وحتى تستقر هذه المعاني في أذهاننا وقلوبنا، فنقرأ ما قاله نوح لقومه:

﴿فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُوا۟ رَبَّكُمْ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارًۭا * يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًۭا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَٰلٍۢ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّٰتٍۢ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَٰرًۭا * مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًۭا﴾

نوقرك يا ربنا ونسألك الهداية والهدى..

وادعوا ربكم.

الحمد لله حمد الشاكرين له، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله محمد بن عبد الله خاتم النبيين.. سيد المرسلين.. إمام الموحدين يا سيدي يا رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده صدق وعده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، ونبيه وصفيه وحبيبه..

أما بعد..؛ فإنا ندعوك ربنا بمقاعد العز من عرشك، وبعزك الذي لا يضام، وباسمك الأعظم الذي إذا ما دعيت به أجبت، وإذا ما سئلت به أعطيت أن تتمم علينا الخير، وأن ترد علينا قدسنا ثالث الحرمين ومسرى نبيك ومجمع أنبيائك، وأن تنزل في قلوب من قد مكنتهم فينا حب القدس على ما هم عليه من أعمال، وارفع أيدي الأمم عنا.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما المعنى اللغوي الأصلي لكلمة التوبة؟

الرجوع والمراجعة

كم مرة كان النبي صلى الله عليه وسلم يستغفر الله ويتوب إليه في اليوم؟

أكثر من سبعين مرة

ما الشرط الإضافي في التوبة من الذنوب المتعلقة بحقوق العباد؟

رد الحقوق إلى أصحابها

لماذا قدّم الله الاستغفار على التوبة في قوله ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾؟

لأن الإقلاع لا يتم إلا بعون الله وتوفيقه

ما الذي يحدث بعد المحاسبة والمراجعة وفق قوله تعالى ﴿يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا﴾؟

يصحح الله الأحوال ويسر الأعمال

ما الذي يميز التوبة النصوح عن مجرد التوبة الصادقة؟

أنها تستلزم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن وعي وإخلاص

ما الآية التي تأمر بالتوبة الجماعية للمؤمنين؟

﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾

ما الذي وعد به نوح عليه السلام قومه إن استغفروا ربهم؟

إرسال المطر والأموال والبنين والجنات والأنهار

ما الخطر الذي يصفه المحتوى بـ"احتلال العقول"؟

احتلال المصطلحات الوافدة لمفاهيم إسلامية كالتوبة ومحاسبة النفس

ما قول سيدنا عمر رضي الله عنه في محاسبة النفس؟

من حاسب نفسه في الدنيا خف حسابه يوم القيامة

ما الذي يؤدي إليه ترك مراجعة النفس والتوبة إلى الله وفق المحتوى؟

عذاب كبير قد يكون في الدنيا قبل الآخرة

ما مصادر معرفة الخطأ والصواب في التوبة الواعية؟

الوحي والواقع المعاش

ما الحديث النبوي الذي يدل على أن التوبة ليست مقتصرة على الإقلاع عن المعاصي؟

والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة

ما الفرق بين المعنى الضيق والمعنى الواسع للتوبة؟

المعنى الضيق هو الإقلاع عن معاصٍ بعينها، أما المعنى الواسع فهو النقد الذاتي ومحاسبة النفس والمراجعة الشاملة لكل شؤون الحياة من إدارة وسياسة واقتصاد.

ما الحديث الذي يدل على أن كل إنسان معرض للخطأ وأن التوبة هي الحل؟

حديث: "كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون"، رواه الترمذي عن أنس رضي الله عنه.

ما معنى ﴿نَّصُوحًا﴾ في قوله تعالى ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾؟

مستمدة من النصح الذي له أركانه وشروطه، ومنها أن يكون المجتمع آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر عن صواب ووعي وإخلاص، وليست مجرد توبة صادقة.

ما الأثر الذي يترتب على التوبة الجماعية في الأمة؟

تتحقق بها نهضة الأمة وعزتها وقيامها برسالتها، ولا يكفي أن يتوب الفرد وحده بل لا بد من تحرك جمع من المسلمين حتى ينصر الله به الأمة.

ما الآية التي تصف ثمار الاستغفار والتوبة في الدنيا؟

قوله تعالى ﴿يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ من سورة هود.

ما الذي يقطع بقبول الله للتوبة وفق الإمام الغزالي؟

تكرار قبول التوبة في الكتاب والسنة يقطع بقبول الله لها، كما في قوله تعالى ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾.

ما الخطر الذي يصيب الأمة حين يطول عليها الأمد؟

قسوة القلوب وضعف الفهم لكلام الله وسنة رسوله، كما حدث للأمم السابقة التي حرّفت كتبها أو أوّلتها تأويلاً خاطئاً.

ما وسيلة الواجب في سياق التوبة والمراجعة؟

وسيلة الواجب واجبة، أي أن ما يتوقف عليه تنفيذ أمر الله من أسباب ومقدمات يصبح واجباً بدوره، فلا بد من تهيئة الأسباب التي تمكن من تنفيذ أوامر الله.

ما الصفات الثلاث الرئيسية التي ينبغي أن تتصف بها التوبة النصوح؟

أن تكون لله خالصة، وأن تكون صادقة، وأن تكون فيها همة حقيقية لتغيير الأحوال إلى أحسن حال في جانبي الدنيا والآخرة معاً.

ما الذي يعنيه اختزال التوبة في المفهوم الفردي فقط؟

هو بتر لمراد الله من أوامره وإرشاداته، لأن التوبة تشمل الإصلاح الجماعي والمؤسسي والسياسي والاقتصادي لا الفرد وحده.

ما الدليل القرآني على أن الله يقبل توبة عباده؟

قوله تعالى ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ من سورة التوبة، وتكرار قبول التوبة في الكتاب والسنة يقطع بقبول الله لها.

ما الذي يميز الأمة الإسلامية عن غيرها من الأمم في علاقتها بالوحي؟

الله وقى الأمة الإسلامية تحريف كتابها، غير أنها وقعت في كثير من التأويل الخاطئ ونسيت حظاً مما أوتيت، مما يستوجب الرجوع إلى الله ومراجعة الفهم الصحيح.

ما الثمار الدنيوية التي وعد بها نوح قومه إن استغفروا ربهم؟

إرسال السماء عليهم مدراراً، وإمدادهم بالأموال والبنين، وجعل الجنات والأنهار لهم.

ما معنى قوله تعالى ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ في سياق التوبة؟

أن مرجع الخلق جميعاً إلى الله وحده لا إلى سواه، وأن الله قادر على إصلاح الأحوال متى نفّذ المسلمون أوامره وتابوا إليه.

ما الفرق بين الاستغفار والتوبة في الترتيب الشرعي؟

الاستغفار يسبق التوبة لأنه طلب العون والمغفرة والتوفيق من الله أولاً، ثم تأتي التوبة بعده، وهو ما أشارت إليه الآية ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!