ما حكم تكليف الغافل والمكره وما هو الزمن الذي يتوجه فيه التكليف إلى المكلف؟
تكليف الغافل من التكليف المحال لأن الغافل ليس أهلاً للخطاب لعدم فهمه له، ويشمل النائم والساهي والسكران. أما الإكراه الملجئ فيمنع التكليف اتفاقاً لزوال القدرة والاختيار، بينما الإكراه غير الملجئ محل خلاف بين الأشاعرة والمعتزلة. وفي زمن توجه التكليف، ذهب جمهور الأصوليين إلى أنه يتوجه قبل المباشرة وعندها، وقيل إن الخلاف في هذه المسألة لفظي لا يترتب عليه حكم عملي.
- •
هل يصح تكليف الغافل كالنائم والساهي والسكران، وما الفرق بين التكليف بالمحال والتكليف المحال؟
- •
يشترط في المكلف أن يكون عاقلاً قادراً على فهم الخطاب، فالصبي والمجنون متفق على عدم توجه الخطاب إليهما.
- •
تكليف الغافل من التكليف المحال لأن الخلل راجع إلى المكلف نفسه لعدم أهليته للخطاب، وهو أسوأ حالاً من التكليف بالمحال.
- •
الإكراه الملجئ يمنع التكليف اتفاقاً لزوال القدرة والاختيار، أما الإكراه غير الملجئ فمحل خلاف بين الأشاعرة والمعتزلة في أثره على الأوامر والمعاصي.
- •
اختلف الأصوليون في زمن توجه التكليف: فالجمهور يرى توجهه قبل المباشرة وعندها، والرازي يخصه بوقت المباشرة، والمعتزلة يقصرونه على ما قبلها.
- •
قيل إن الخلاف في زمن التكليف لفظي لا يتفرع عليه حكم قطعاً، إذ المكلف مأمور بالإتيان بالفعل قبل الشروع فيه ولا يخرج عن عهدة الأمر إلا بالامتثال.
- 1
يشترط في المكلف العقل والفهم، والغافل هو البالغ العاقل الغائب عن الخطاب كالنائم والساهي، بخلاف الصبي والمجنون المتفق على عدم تكليفهما.
- 2
التكليف المحال خلله في المكلف نفسه لعدم أهليته، بخلاف التكليف بالمحال الذي خلله في الفعل، وتكليف الغافل من النوع الأول.
- 3
المانعون للتكليف بالمحال يمنعون تكليف الغافل من باب أولى، لأن تكليف الغافل أسوأ حالاً إذ لا فائدة له أصلاً.
- 4
المعتزلة يمنعون تكليف الغافل قطعاً، والأشاعرة على رأيين والأصح عندهم أن تكليف الغافل محال لعدم الفائدة منه.
- 5
الإكراه نوعان: ملجئ يزيل القدرة والاختيار كلياً، وغير ملجئ يزيل الاختيار مع بقاء القدرة، ويتحقق بالتهديد بالقتل أو ذهاب عضو.
- 6
الإكراه الملجئ يمنع التكليف اتفاقاً لزوال القدرة على الفعل والترك معاً، وهو مرتبط بمسألة التكليف بما لا يطاق.
- 7
الأشاعرة يرون أن الإكراه غير الملجئ لا يمنع التكليف، والمكره على القتل يأثم من جهة الإيثار لا من جهة الإكراه.
- 8
المعتزلة يفرقون بين الإكراه على المأمور به فيمنع التكليف، والإكراه على المعصية فلا يمنع التكليف بضدها بل يعظم ثوابه.
- 9
جمهور الأصوليين يرون أن التكليف يتوجه قبل المباشرة للطلب والترغيب، وعند المباشرة للامتثال، وكلاهما تكليف إلزام.
- 10
القول الثاني يجعل الأمر قبل الفعل مجرد إعلام وهو مردود، والقول الثالث للرازي يخص التكليف بوقت المباشرة وقد رده الإسنوي.
- 11
المعتزلة وإمام الحرمين يتفقان على توجه التكليف قبل المباشرة فقط، لكن مدرك المعتزلة تقدم القدرة ومدرك الإمام عدم تكليف غير المقدور.
- 12
الخلاف في زمن التكليف لفظي لا عملي، إذ الجميع متفق على أن المكلف لا يخرج عن عهدة الأمر إلا بالامتثال الكامل.
ما المقصود بالغافل في أصول الفقه وما شروط العقل والفهم في المكلف؟
الغافل في أصول الفقه هو البالغ العاقل الذي لا علم له بالخطاب كالنائم حال نومه والساهي حال سهوه والسكران حال سكره. ويشترط في المأمور أن يكون عاقلاً يفهم الخطاب أو يتمكن من فهمه، لأن الأمر بالشيء يتضمن إعلام المأمور، وإعلام من لا عقل له ولا فهم متناقض. أما الصبي والمجنون فمتفق على عدم توجه الخطاب إليهما أصلاً.
ما الفرق بين التكليف بالمحال والتكليف المحال، وأيهما ينطبق على تكليف الغافل؟
التكليف بالمحال هو ما كان الخلل فيه راجعاً إلى الفعل المكلَّف به كحمل صخرة عظيمة، والمكلف نفسه أهل للخطاب من حيث بلوغه وعقله. أما التكليف المحال فهو ما كان الخلل فيه راجعاً إلى المكلف نفسه لعدم فهمه الخطاب كالنائم والسكران والساهي. ومن هذا الفرق يُعلم أن تكليف الغافل من التكليف المحال لا من التكليف بالمحال. والحكم الوضعي لا يشترط فيه العلم بالخطاب اتفاقاً بخلاف الحكم التكليفي.
كيف بنى المانعون للتكليف بالمحال موقفهم من تكليف الغافل؟
من منع التكليف بالمحال قال إن تكليف الغافل محال من باب أولى، لأن التكليف بالمحال له فائدة في الجملة هي ابتلاء المكلف واختباره، أما تكليف الغافل فلا فائدة له أصلاً لأن الفعل لا يمكن الإتيان به مع الغفلة والابتلاء غير ممكن لعدم فهم المكلف الخطاب. فمن منع التكليف الذي له فائدة فقد منع التكليف الذي ليس له فائدة أصلاً من باب أولى.
ما رأي الأشاعرة والمعتزلة في جواز تكليف الغافل وما الرأي المختار؟
المعتزلة يمنعون التكليف بالمحال فيمنعون تكليف الغافل قولاً واحداً. أما الأشاعرة القائلون بجواز التكليف بالمحال فلهم رأيان: الأول أن التكليف المحال غير جائز لعدم فائدته بخلاف التكليف بالمحال، والثاني أنه جائز كالتكليف بالمحال لأنهم لا يقولون بقاعدة التحسين والتقبيح العقليين. والأصح المختار عند الأشاعرة أن تكليف الغافل محال.
ما تعريف الإكراه وما الفرق بين الإكراه الملجئ وغير الملجئ؟
الإكراه هو حمل الشخص غيره على ما لا يرضاه من قول أو فعل. والإكراه الملجئ هو الذي لا يبقى للشخص معه قدرة على الترك ولا اختيار، فيكون المكره آلة محضة كالسكين في يد القاطع. أما الإكراه غير الملجئ فهو الذي لا يبقى معه اختيار وإن بقيت القدرة على الفعل أو الترك، كمن يُكره على قتل آخر بتهديد قتله إن لم يفعل.
ما أثر الإكراه الملجئ على التكليف وما علاقته بمسألة التكليف بما لا يطاق؟
اتفق الأصوليون على أن الإكراه الملجئ يمنع التكليف بالمكره عليه كما يمنع التكليف بضده، لأن من شروط التكليف أن يكون الفعل مقدوراً للمكلف بمعنى أن يتأتى له فعله كما يتأتى له تركه. والإكراه الملجئ يجعل المكره عليه واجب الصدور عقلاً وضده ممتنع الوقوع عقلاً، وكلاهما لا يدخل تحت قدرة المكلف، إلا إذا قيل بجواز التكليف بما لا يطاق.
ما حكم الإكراه غير الملجئ عند الأشاعرة وهل يأثم المكره على القتل؟
جمهور الأشاعرة يرون أن الإكراه غير الملجئ لا يمنع التكليف، وقد يكون المكره مكلفاً بعين المكره عليه كشرب الخمر اضطراراً فيكون مباحاً بل واجباً، أو مكلفاً بضده كعدم قتل المسلم فيأثم إن قتل. وتأثيم المكره على القتل ليس من حيث الإكراه بل من حيث إيثاره نفسه على غيره، فهو ذو وجهين: وجه الإكراه ولا إثم فيه، ووجه الإيثار وفيه الإثم لأن له اختياراً.
ما موقف المعتزلة من أثر الإكراه على التكليف في الأوامر والمعاصي؟
المعتزلة يرون أنه إن كان المكره عليه مأموراً به كان الإكراه مانعاً من التكليف به، لأن فعله لداعي الإكراه لا يوجب ثواباً ولا يحقق الفائدة المقصودة فيكون التكليف به عبثاً. أما إن كان المكره عليه معصية كالقتل أو السرقة فالمكره مكلف بضد المكره عليه، لأن ترك المعصية في هذه الحالة أبلغ في إجابة داعي الشرع والثواب عليه أعظم.
ما رأي جمهور الأصوليين في الزمن الذي يتوجه فيه التكليف إلى المكلف؟
ذهب جمهور الأصوليين إلى أن التكليف يتوجه إلى المكلفين قبل مباشرة الفعل وعند المباشرة في أول زمن من أزمانها. وتوجهه قبل المباشرة يقصد منه ثلاثة أمور: الطلب والترغيب والدلالة على امتثال المأمور به. أما توجهه عند المباشرة فيقصد منه الامتثال والطاعة فقط، والتكليف في الحالتين تكليف إلزام.
ما الأقوال المخالفة للجمهور في زمن توجه التكليف وما وجه الرد عليها؟
القول الثاني أن الأمر المتقدم على الفعل هو أمر إعلام وإيذان لا حقيقة، وقد ضعّفه إمام الحرمين بأنه يلزم منه تحصيل الحاصل. والقول الثالث وهو مختار الرازي والبيضاوي أن التكليف يتوجه عند المباشرة فقط، وما قبلها إنذار وإعلام بحقيقة الوجوب، وقد رد هذا المذهب الإسنوي لما عليه من إشكالات.
ما رأي المعتزلة وإمام الحرمين في زمن توجه التكليف وما الفرق بين مدركيهما؟
المعتزلة وإمام الحرمين يتفقان على أن التكليف يتوجه قبل المباشرة ولا يتوجه بعدها، لكن مدركيهما مختلفان. فالمعتزلة بنوا ذلك على أصلهم أن القدرة تتقدم على الفعل وتنقطع حال وجوده. أما إمام الحرمين فيقول إن ما ليس بمقدور لا يؤمر به، والحال غير مقدور، فلزم تقدم القدرة وتوجه الأمر قبل الفعل وانقطاعه عند المباشرة.
لماذا قيل إن الخلاف في زمن توجه التكليف لفظي ولا يترتب عليه حكم عملي؟
قيل إن الخلاف في هذه المسألة لفظي لأنه لا خلاف بين المسلمين في أن المكلف مأمور بالإتيان بالفعل قبل أن يشرع فيه، ولا يخرج عن عهدة الأمر إلا بالامتثال. ولا يحصل الامتثال إلا بالإتيان بالمأمور به كاملاً، لأن الأمر يتعلق بمجموع المأمور به من حيث هو مجموع، فمن لم يأت بمجموعه لا يكون ممتثلاً ولا ينقطع عنه التكليف.
تكليف الغافل محال لعدم أهليته للخطاب، والإكراه الملجئ يمنع التكليف اتفاقاً، والخلاف في زمن التكليف لفظي لا أثر عملي له.
تكليف الغافل من التكليف المحال في أصول الفقه، لأن الخلل راجع إلى المكلف نفسه لعدم فهمه الخطاب، ويشمل الغافل النائمَ والساهيَ والسكران دون الصبي والمجنون المتفق على عدم توجه الخطاب إليهما. وقد اتفق الأصوليون على أن الإكراه الملجئ يمنع التكليف بالمكره عليه وبضده معاً، لزوال القدرة والاختيار كلياً عن المكلف.
أما الإكراه غير الملجئ فمحل خلاف دقيق: فالأشاعرة يرون أنه لا يمنع التكليف، وقد يكون المكره مكلفاً بعين المكره عليه كشرب الخمر اضطراراً، أو بضده كعدم قتل المسلم. والمعتزلة يفرقون بين المكره عليه مأموراً به أو معصية. وفي مسألة زمن التكليف، رجّح جمهور الأصوليين توجهه قبل المباشرة وعندها، وقيل إن الخلاف لفظي لا يتفرع عليه حكم عملي قطعاً.
أبرز ما تستفيد منه
- تكليف الغافل محال لأنه ليس أهلاً للخطاب لعدم فهمه له.
- الإكراه الملجئ يمنع التكليف اتفاقاً لزوال القدرة والاختيار.
- الإكراه غير الملجئ لا يمنع التكليف عند جمهور الأشاعرة.
- الخلاف في زمن توجه التكليف لفظي لا يترتب عليه أثر عملي.
- المكلف لا يخرج عن عهدة الأمر إلا بالامتثال الكامل بالمأمور به.
اشتراط العقل والفهم في المأمور وبيان حقيقة الغافل
( لا يجوز تكليف الغافل عند من أحال تكليف المحال ) هناك أمور يحسن بيانها: الأول: اتفق الكل حتى القائلون بجواز التكليف بما لا يطاق على أنه يشترط في المأمور أن يكون عاقلاً يفهم الخطاب أو يتمكن من فهم الخطاب؛ لأن الأمر بالشيء يتضمن إعلام المأمور، بأن الآمر طالب للمأمور به منه، سواء أمكن حصول المأمور به من المكلف أم لم يمكن كما في التكليف بما لا يطاق، وإعلام من لا عقل له ولا فهم متناقض؛ إذ يصير التقدير حينئذ: يا من لا فهم له افهم.
فالغافل الذي ذكر في المسألة مراد به البالغ العاقل الذي لا علم له بالخطاب كالنائم حال نومه، والساهي حال سهوه، والسكران حال سكره، أما الصبي والمجنون: فإن كلاًّ منهما متفق على عدم توجه الخطاب إليه.
تمييز الحكم التكليفي عن الوضعي واعتبار تكليف الغافل من التكليف المحال
الأمر الثاني: الحكم الذي اختلف في تعلقه بالغافل هو الحكم التكليفي، وهو ما فيه طلب أو تخيير، أما الحكم الوضعي فلا يشترط فيه العلم بالخطاب اتفاقًا كما لا يشترط فيه البلوغ والعقل.
الأمر الثالث: الفرق بين التكليف بالمحال والتكليف المحال. فالتكليف بالمحال، ما كان الخلل فيه راجعًا إلى الفعل الذي يكلف به الإنسان، وذلك مثل: التكليف بحمل صخرة عظيمة، أو الطير في الهواء، وسمي تكليفًا بالمحال؛ لكونه ليس في مقدور المكلف، ولا خلل فيه من المكلف لكونه أهلا للخطاب من حيث بلوغه وعقله واختياره وعلمه بالخطاب.
أما التكليف المحال: هو ما كان الخلل فيه راجعًا إلى المكلف نفسه لكونه ليس أهلاً للخطاب لعدم فهمه للخطاب مثل: النائم، والسكران، والساهي [1]. ومن هذا الفرق يعلم أن تكليف الغافل من التكليف المحال.
ربط تكليف الغافل بمسألة التكليف بالمحال وموقف المانعين
الأمر الرابع: اختلف الأصوليون في التكليف بالمحال، وقد بني البيضاوي الكلام في تكليف الغافل على التكليف بالمحال وحاصل ما قاله أن من منع التكليف بالمحال.
قال: إن تكليف الغافل محال كذلك، لأنه تكليف محال وهو أسوأ حالاً من التكليف بالمحال؛ لأن التكليف بالمحال له فائدة في الجملة هي ابتلاء المكلف واختباره بحيث إنه إن أخذ في أسباب الامتثال أثيب، وإن لم يأخذ في الأسباب عوقب، أما التكليف بالمحال فلا فائدة له أصلاً؛ لأن الفعل لا يمكن الإتيان به مع الغفلة، كما أن الابتلاء غير ممكن كذلك لعدم فهم المكلف في هذه الحالة الخطاب؛ فإن من منع التكليف الذي له فائدة ( التكليف بالمحال ) فقد منع التكليف الذي ليس له فائدة أصلاً ( التكليف المحال ) من باب أولى.
آراء المجيزين للتكليف بالمحال وحكم تكليف الغافل عند الفرق
أما القائلون بأن التكليف بالمحال جائز عقلاً فلهم في التكليف بالمحال مثل تكليف الغافل رأيان:
الرأي الأول: أن التكليف المحال غير جائز عقلاً؛ لأنه لا فائدة له أصلاً بخلاف التكليف بالمحال، فإنه له فائدة هي الاختبار والابتلاء ولا يلزم من جواز التكليف بما له فائدة، جواز التكليف بما ليس له فائدة، لوجود الفارق بينهما.
الرأي الثاني: أن التكليف المحال جائز عقلاً كالتكليف بالمحال، ولا يشترط أن يكون التكليف بالشيء له فائدة، ولا يقال: إن ذلك عبث والعبث من الشارع محال، لأن القائل بذلك هم الأشاعرة، وهم لا يقولون بقاعدة التحسين والتقبيح العقليين [2].
وإذا علمنا أن المعتزلة يمنعون التكليف بالمحال، وأن جمهور الأشاعرة يقولون بجواز التكليف بالمحال، علمنا أن المعتزلة يمنعون التكليف المحال كتكليف الغافل قولاً واحداً. أما الأشاعرة فلهم في تكليف الغافل الرأيان السابقان والأصح والمختار منهما أن تكليف الغافل محال.
تعريف الإكراه وأنواعه بين الملجئ وغير الملجئ
الإكراه يمنع التكليف ( الإكراه الملجئ يمنع التكليف لزوال القدرة ) الإكراه: حمل الشخص غيره على ما لا يرضاه من قول أو فعل وهو نوعان:
إكراه ملجئ وإكراه غير ملجئ.
فالإكراه الملجئ: هو الذي لا يبقى للشخص معه قدرة على الترك، ولا اختيارًا؛ بل يكون مدفوعًا ومحمولاً بأبلغ جهات الحمل؛ كمن شدت يداه ورجلاه، وربط وألقي على عنق إنسان بحيث لا يمكنه الاندفاع، فهذا ليس له اختيار، وإنما هو آلة محضة كالسكين في يد القاطع، وحركته كحركة المرتعش، لا قدرة للشخص على منعها.
والإكراه غير الملجئ: هو الذي لا يبقى معه اختيار، وإن بقيت معه القدرة على الفعل أو الترك مثل: أن يكره شخص غيره على قتل آخر، فيقول له: اقتل فلانًا وإلا قتلتك، ويعلم المكره أنه إن لم يقتل ذلك الشخص قتل هو [3] ويتحقق الإكراه بقتل النفس، أو بذهاب عضو من الأعضاء، أو بغير ذلك [4].
أثر الإكراه الملجئ على التكليف وعلاقته بما لا يطاق
وقد اتفق الأصوليون على أن الإكراه الملجئ يمنع التكليف بالمكره عليه، كما يمنع التكليف بضده؛ لأن من شروط التكليف أن يكون الفعل مقدورًا للمكلف.
بمعنى: أنه يتأتي له فعله كما يتأتي له تركه، والإكراه الملجئ لا تبقي معه قدرة المكلف لا على المكره عليه ـ لأنه أصبح واجب الصدور عقلاً ـ ولا على ضده، لأنه ممتنع الوقوع عقلاً، وكل من الواجب العقلي والممتنع العقلي لا يدخل تحت قدرة المكلف، فلا يكلف بواحد منهما، اللهمَّ إلا إذا قلنا بجواز التكليف بما لا يطاق [5].
حكم الإكراه غير الملجئ عند الأشاعرة وتوجيه التأثيم
أما الإكراه غير الملجئ فاختلفوا فيه:
قال جمهور الأشاعرة: إن الإكراه غير الملجئ لا يمنع التكليف بالمكره عليه كما لا يمنع التكليف بضد المكره عليه، بل إن المكره قد يكون مكلفًا بعين المكره عليه، وقد يكون مكلفًا بضده، فإذا أكره إنسان مثلاً على شرب الخمر بحيث لو لم يشرب قتل، ففي هذه الحالة وجب على المكره أن يشرب؛ لأن الشرب في هذه الحالة مباح، لأنه مضطر، والله تعالى يقول:
{ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ } [ الأنعام: 119]
وفعل المباح متى ترتب عليه ترك الحرام كان واجبًا، ففي هذه الحالة يكون مكلفًا بعين المكره عليه أما إذا أكره الإنسان على قتل المسلم بحيث لو لم يقتله قتل، كان المكره مكلفًا بضد المكره عليه، هو عدم القتل إذا قتل أثم؛ لأن قتل المسلم بغير حق منهي عنه، ولا يجوز له الإبقاء على نفسه بذهاب حياة غيره [6].
أما تأثيم المكره على القتل فليس من حيث إنه مكره وإنه قتل، بل من حيث إنه آثر نفسه على غيره، فهو ذو وجهين: الإكراه من ناحية، ولا إثم فيه. وجهة الإيثار ولا إكراه فيها، وهذا لأنك قلت: اقتل زيدًا وإلا قتلتك، فمعناه التخيير بين نفسه وبين زيد، فإذا آثر نفسه فقد أثم لأن له اختيار. وهذا كما قيل في خصال الكفارة محل التخيير: لا وجوب فيه، ومحل الوجوب لا تخيير فيه [7].
مذهب المعتزلة في أثر الإكراه على الأوامر والمعاصي
وقالت المعتزلة: إن كان المكره عليه مأمورًا به؛ كان الإكراه عليه مانعًا من التكليف به، بمعنى أن فعل المكره له لا يسقط عنه التكليف به؛ لأن فعل المأمور به في هذه الحالة لا يوجب ثوابًا عليه؛ لكونه أتي به لداعي الإكراه ولم يأت به لداعي الطاعة، حيث كان الإتيان بالمأمور به لم يحقق الفائدة المقصودة منه امتنع التكليف به لما فيه من العبث.
أما إن كان المكره عليه معصية كالقتل أو السرقة أو الغصب؛ كان المكره مكلفًا بضد المكره عليه؛ لأن ترك المكره عليه في هذه الحالة أبلغ في إحابة داعي الشرع بضد المكره عليه؛ لأن ترك المكره عليه في هذه الحالة أبلغ في إجابة داعي الشرع والثواب عليه أعظم، فالإكراه في هذه الحالة لا يمنع من التكليف بضد المكره عليه [8].
زمن توجه التكليف عند الجمهور بين ما قبل الفعل وعنده
التكليف يتوجه عند المباشرة (التكليف يتوجه عند المباشرة، وقالت المعتزلة: بل قبلها )
اتفق الأصوليون على أن كلاًّ من الكتاب والسنة قد اشتمل على أوامر ونواهي، وأن تلك الأمور والنواهي قد قصد بها المكلفون، ولم يقصد بها غير المكلفين، ولكن الخلاف بين الأصوليين في الزمن الذي تتوجه فيه تلك الأوامر والنواهي إلى المكلفين وقد اختلف الأصوليون في ذلك على أقوال:
القول الأول: وهو المختار لجمهور الأصوليين أن التكليف يتوجه إلى المكلفين قبل مباشرة الفعل، كما يتوجه إليهم عند المباشرة في أول زمن من أزمانها، غير أن توجه التكليف إليهم قبل المباشرة يُقْصَدُ منه أمور ثلاثة: الطلب، والترغيب، والدلالة على امتثال المأمور به [9].
أما توجه التكليف إليهم عند المباشرة فيقصد منه: الامتثال والطاعة فقط، والتكليف في الحالتين تكليف إلزام [10].
الأقوال المخالفة للجمهور في زمن توجه التكليف ونقدها
القول الثاني: إذا تقدم الأمر على الفعل كان أمر إعلام وإيذان لا حقيقة [11]، وضعفه إمام الحرمين في البرهان بعد أن نقله عن أصحاب الأشعري بما معناه: أنه يلزم تحصيل الحاصل، وأنه لا يرتضيه لنفسه عاقل [12].
القول الثالث: وهو مختار الإمام الرازي وأتباعه كالبيضاوي وغيره، أن التكليف يتوجه عند المباشرة فقط [13] ولا يتوجه إلى المكلفين قبل المباشرة وبذلك تكون الأوامر والنواهي قبل المباشرة إنما قصد بها الإنذار والإعلام [14] بحقيقة الوجوب، أو التحريم عند الوقوع أما عند المباشرة؛ فالمقصود منها الالتزام والامتثال [15] وقد رد هذا المذهب الإسنوي لما عليه من الإشكالات [16].
القول الرابع في زمن التكليف بين المعتزلة وإمام الحرمين
القول الرابع: وهو المختار للمعتزلة وإمام الحرمين: أن التكليف يتوجه إلى المكلفين قبل المباشرة ولا يتوجه إليهم بعده، لكن مدرك إمام الحرمين فيه غير مدرك المعتزلة فالمعتزلة: بنوه على أصلهم أن القدرة تتقدم على الفعل وانقطاع تعلقها حال وجوه، أما الإمام فكاد يوافقهم، لأنه يقول: ما ليس بمقدور لا يؤمر به من يثبت قدرة ويقول: الحال غير مقدور، فلزم تقدم القدرة، فصرح من أجلها بتوجه الأمر قبل الفعل وانقطاعه [17].
اعتبار الخلاف في زمن التكليف لفظيا لتوافقهم في النتيجة العملية
الخلاف لفظي:
قيل: إن الخلاف في هذه المسألة لفظي ولا يتفرع عليه حكمًا قطعًا، فإنه لا خلاف بين المسلمين في أن المكلف مأمور بالإتيان بالفعل المأمور به قبل أن يشرع، ولا يخرج عن عهدة الأمر إلا بالامتثال، ولا يحصل الامتثال إلا بالإتيان بالمأمور به، ويلزم منه أن يكون التكليف متوجهًا إلى الفعل قبل المباشرة، ولا ينقطع إلا بالفراغ منه؛ لأن الأمر بالذات يتعلق بمجموع المأمور به من حيث هو مجموع، وتعلقه بالإجزاء إنما هو بالعرض فمن لم يأت بمجموع المأمور به لا يكون ممتثلاً، ومن لا يكون ممتثلاً لا ينقطع عنه التكليف [18].
ما شعورك تجاه هذا الفصل؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفصل؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
من هو الغافل في اصطلاح الأصوليين؟
البالغ العاقل الذي لا علم له بالخطاب كالنائم والساهي
ما الفرق الجوهري بين التكليف بالمحال والتكليف المحال؟
التكليف بالمحال خلله في الفعل والتكليف المحال خلله في المكلف نفسه
لماذا يُعدّ تكليف الغافل أسوأ حالاً من التكليف بالمحال؟
لأن التكليف بالمحال له فائدة الابتلاء والاختبار بينما تكليف الغافل لا فائدة له أصلاً
ما موقف المعتزلة من تكليف الغافل؟
يمنعونه قولاً واحداً
ما الرأي الأصح المختار عند الأشاعرة في تكليف الغافل؟
أنه محال
ما تعريف الإكراه الملجئ؟
ما لا يبقى للشخص معه قدرة على الترك ولا اختيار فيكون كالآلة المحضة
ما حكم الإكراه الملجئ على التكليف عند الأصوليين؟
يمنع التكليف بالمكره عليه وبضده معاً اتفاقاً
إذا أُكره شخص على شرب الخمر بحيث لو لم يشرب قُتل، فما حكم شربه عند جمهور الأشاعرة؟
مباح بل واجب لأنه مضطر
من أي جهة يأثم المكره على قتل مسلم إذا أقدم على القتل عند الأشاعرة؟
من جهة إيثاره نفسه على غيره
ما موقف المعتزلة من الإكراه على فعل مأمور به؟
يرون أنه يسقط التكليف لأن الفعل لداعي الإكراه لا يوجب ثواباً
ما الأمور الثلاثة التي يقصدها توجه التكليف قبل المباشرة عند جمهور الأصوليين؟
الطلب والترغيب والدلالة على امتثال المأمور به
ما رأي الإمام الرازي والبيضاوي في زمن توجه التكليف؟
يتوجه عند المباشرة فقط وما قبلها إنذار وإعلام
على أي أصل بنت المعتزلة قولهم بأن التكليف يتوجه قبل المباشرة فقط؟
أن القدرة تتقدم على الفعل وتنقطع حال وجوده
لماذا قيل إن الخلاف في زمن توجه التكليف لفظي؟
لأن الجميع متفق على أن المكلف مأمور قبل الشروع ولا يخرج عن عهدة الأمر إلا بالامتثال الكامل
ما الشرط الأساسي في الفعل المكلَّف به حتى يصح التكليف؟
أن يكون الفعل مقدوراً للمكلف بحيث يتأتى له فعله وتركه
ما الحكم الذي اختلف الأصوليون في تعلقه بالغافل؟
الحكم التكليفي وهو ما فيه طلب أو تخيير، أما الحكم الوضعي فلا يشترط فيه العلم بالخطاب اتفاقاً.
لماذا يُعدّ إعلام من لا عقل له ولا فهم متناقضاً؟
لأن تقدير الأمر حينئذ يصير: يا من لا فهم له افهم، وهو تناقض صريح.
ما مثال التكليف بالمحال؟
التكليف بحمل صخرة عظيمة أو الطير في الهواء، حيث المكلف أهل للخطاب لكن الفعل خارج عن مقدوره.
ما فائدة التكليف بالمحال التي ذكرها الأصوليون؟
ابتلاء المكلف واختباره، بحيث إن أخذ في أسباب الامتثال أثيب وإن لم يأخذ عوقب.
لماذا لا يقول الأشاعرة إن التكليف المحال عبث؟
لأنهم لا يقولون بقاعدة التحسين والتقبيح العقليين، فلا يلزمهم أن يكون كل تكليف له فائدة عقلية.
ما الفرق بين الإكراه الملجئ وغير الملجئ من حيث القدرة والاختيار؟
الملجئ يزيل القدرة والاختيار معاً، وغير الملجئ يزيل الاختيار مع بقاء القدرة على الفعل أو الترك.
ما رأي الأحناف في تعريف الإكراه الملجئ؟
الإكراه الملجئ عندهم هو ما يفوت النفس أو العضو إن لم يفعل المكره إليه، وغير الملجئ هو الإكراه بغير ما يفوت النفس والعضو كالحبس والضرب.
ما الحكم لو أُكره شخص على قتل مسلم بتهديد قتله إن لم يفعل؟
يكون مكلفاً بضد المكره عليه وهو عدم القتل، فإن قتل أثم لأن قتل المسلم بغير حق منهي عنه ولا يجوز الإبقاء على نفسه بذهاب حياة غيره.
ما الوجهان اللذان ينظر بهما إلى فعل المكره على القتل؟
وجه الإكراه ولا إثم فيه، ووجه الإيثار وفيه الإثم لأن له اختياراً في تفضيل نفسه على غيره.
ما موقف المعتزلة من الإكراه على المعصية كالسرقة؟
يرون أن المكره مكلف بضد المكره عليه، لأن ترك المعصية في هذه الحالة أبلغ في إجابة داعي الشرع والثواب عليه أعظم.
ما الغرض من توجه التكليف عند المباشرة عند جمهور الأصوليين؟
الامتثال والطاعة فقط، وهو تكليف إلزام كتوجهه قبل المباشرة.
ما وجه ضعف القول بأن الأمر المتقدم على الفعل مجرد إعلام لا حقيقة؟
ضعّفه إمام الحرمين بأنه يلزم منه تحصيل الحاصل، وأنه لا يرتضيه لنفسه عاقل.
ما الفرق بين أمر الإعلام وأمر الإلزام؟
أمر الإعلام مختص بالاعتقاد دون الفعل ويجب أن يتقدم على الاعتقاد بزمان، أما أمر الإلزام فمتوجه للاعتقاد والفعل معاً ولا يجزئ الاقتصار على أحدهما.
لماذا لا ينقطع التكليف عمن أتى ببعض المأمور به دون كماله؟
لأن الأمر يتعلق بمجموع المأمور به من حيث هو مجموع، وتعلقه بالأجزاء إنما هو بالعرض، فمن لم يأت بالمجموع لا يكون ممتثلاً.
ما مدرك إمام الحرمين في القول بأن التكليف يتوجه قبل المباشرة فقط؟
يقول إن ما ليس بمقدور لا يؤمر به، والحال غير مقدور، فلزم تقدم القدرة وتوجه الأمر قبل الفعل وانقطاعه عند المباشرة.