ما معنى أن وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه وما الفرق بين الضد والنقيض وما ثمرة هذا الخلاف؟
وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه لأن الإيجاب هو طلب الفعل مع المنع من الترك، والمنع من الترك جزء من الإيجاب فيكون النقيض منهيًا عنه بطريق التضمن. والفرق بين الضد والنقيض أن النقيضين أمران أحدهما وجودي والآخر عدمي لا يجتمعان ولا يرتفعان، بينما الضدان أمران وجوديان لا يجتمعان وقد يرتفعان. وتظهر ثمرة الخلاف في مسألة الطلاق المعلق على مخالفة النهي عند الأمر بالضد.
- •
هل يستلزم الأمر بالشيء النهي عن ضده أم أن الآمر قد يغفل عن نقيضه؟ هذا هو محور الخلاف الأصولي الدقيق في هذه المسألة.
- •
وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه لأن الإيجاب يتضمن المنع من الترك، والترك هو النقيض فيكون منهيًا عنه بطريق التضمن.
- •
النقيضان هما أمران أحدهما وجودي والآخر عدمي لا يجتمعان ولا يرتفعان، بينما الضدان وجوديان لا يجتمعان وقد يرتفعان كالقعود والقيام.
- •
ثمة ثلاثة فروق بين عبارة الأمر بالشيء نهي عن ضده وعبارة وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه تتعلق بشمول الندب والوجوب المستفاد من غير صيغة الأمر وتحديد محل النزاع.
- •
جمهور الأشاعرة وبعض المعتزلة يرون أن الخطاب الدال على الوجوب يدل على حرمة الضد بطريق الالتزام، ويردون على دليل المعتزلة بنفي الغفلة وبنقضه بوجوب المقدمة.
- •
تظهر ثمرة الخلاف في الطلاق المعلق على مخالفة النهي، فمن قال إن الأمر نهي عن ضده أوقع الطلاق بالقعود بعد الأمر بالقيام، ومن نفى ذلك لم يوقعه.
- 1
وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه بالتضمن، ودعوى الغفلة عن النقيض مردودة لأن الإيجاب بدون المنع من الترك محال.
- 2
اتفق العلماء على تمييز الأمر عن النهي نفسيًا ولفظيًا، وعرّفوا كلًا منهما بتعريفات دقيقة تميز طلب الفعل عن طلب الكف.
- 3
صيغت المسألة بعبارتين مختلفتين، وتستلزم الموازنة بينهما بيان الفرق الدقيق بين الضد والنقيض في الاصطلاح الأصولي.
- 4
النقيضان وجودي وعدمي لا يجتمعان ولا يرتفعان، والضدان وجوديان لا يجتمعان وقد يرتفعان، والتنافي مع الواجب في الضد عرضي لا ذاتي.
- 5
إذا انفرد النقيض بفرد واحد كالسكون مع الحركة اتحد الضد مع النقيض وأخذ حكمه في عدم الاجتماع وعدم الارتفاع.
- 6
الفرق الأول أن عبارة الوجوب تقتصر على الوجوب فقط، بينما عبارة الأمر تشمل الوجوب والندب وتستلزم التحريم أو الكراهة تبعًا لنوع الأمر.
- 7
الفرق الثاني أن عبارة الوجوب تشمل الوجوب المستفاد من أي مصدر كالقياس وفعل الرسول، بينما عبارة الأمر تقتصر على الوجوب المستفاد من صيغة الأمر فقط.
- 8
الفرق الثالث أن النقيض منهي عنه بالاتفاق فلا نزاع فيه، ومحل النزاع الحقيقي هو الضد، وهو ما تعبّر عنه العبارة الأولى دون الثانية.
- 9
جمهور الأشاعرة يستدلون بأن الإيجاب يتضمن المنع من الترك، والترك لا يتحقق إلا بالضد، فيكون الضد محرمًا بطريق الالتزام.
- 10
يستدل جمهور المعتزلة بأن الآمر قد يغفل عن الضد فلا يكون متصورًا له، والحكم على الشيء فرع عن تصوره فلا يكون الأمر نهيًا عن الضد.
- 11
يُرد على دعوى الغفلة بأن الآمر يعلم جملةً أن المأمور متلبس بالضد، وأن الله تعالى لا يغفل عن شيء فلا تُتصور غفلته عن الضد.
- 12
دليل المعتزلة منقوض بوجوب المقدمة، إذ يقولون بوجوبها مع إمكان غفلة الآمر عنها، فما أجابوا به هناك يكون جوابًا عليهم هنا.
- 13
ثمرة الخلاف تظهر في الطلاق المعلق على مخالفة النهي، فمن أوجب دلالة الأمر على النهي عن الضد أوقع الطلاق بالقعود، ومن نفاها لم يوقعه.
ما معنى أن وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه ولماذا يُرد على دعوى الغفلة؟
وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه لأن النقيض جزء من الواجب، فالدال على الوجوب يدل على حرمة النقيض بطريق التضمن. وقد ادعت المعتزلة وأكثر الأصحاب أن الموجب قد يغفل عن نقيضه، لكن الرد عليهم أن الإيجاب بدون المنع من النقيض محال. وعلى التسليم بالغفلة فإن الدليل منقوض بوجوب المقدمة.
ما تعريف الأمر والنهي النفسي واللفظي وهل اتفق العلماء على التمييز بينهما؟
اتفق العلماء على أن مفهوم الأمر مخالف لمفهوم النهي سواء أكان لفظيًا أم نفسيًا. فالأمر النفسي هو طلب فعل غير كف مدلول عليه بغير لفظ كف، والأمر اللفظي هو اللفظ الدال على ذلك الطلب. أما النهي النفسي فهو طلب الكف عن الفعل بغير كف، والنهي اللفظي هو اللفظ الدال على طلب الكف.
ما الفرق بين عبارة الأمر بالشيء نهي عن ضده وعبارة وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه؟
اختلف العلماء في صياغة هذه المسألة؛ فأكثرهم عبّر عنها بقوله الأمر بالشيء نهي عن ضده أو يستلزم النهي عن ضده، بينما اختار البيضاوي وغيره عبارة وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه. والموازنة بين العبارتين تستلزم بيان الفرق بين الضد والنقيض. واختار البيضاوي هذا التعبير لأن الوجوب أعم من الأمر إذ قد يُستفاد من غير الصيغة.
ما الفرق بين الضد والنقيض في أصول الفقه مع التمثيل بالقعود والقيام؟
النقيضان هما أمران أحدهما وجودي والآخر عدمي لا يجتمعان ولا يرتفعان كالقعود وعدم القعود، فالتنافي بينهما ذاتي. أما الضدان فهما أمران وجوديان لا يجتمعان وقد يرتفعان كالقعود والقيام، فالتنافي بينهما عرضي لأن كل ضد يحقق النقيض. وكل واحد من أضداد القعود كالقيام والاضطجاع يحقق النقيض وهو عدم القعود.
متى يتحد الضد مع النقيض ويأخذ حكمه مع التمثيل بالحركة والسكون؟
إذا لم يكن للنقيض إلا فرد واحد هو ضد الواجب اعتُبر ذلك الضد مساويًا للنقيض، كالحركة والسكون فإن السكون يساوي عدم الحركة لأن عدم الحركة لا يتحقق إلا بالسكون. وفي هذه الحالة يأخذ الواجب مع ضده حكم النقيضين فلا يجتمعان ولا يرتفعان. فالشيء الواحد لا يخلو من حركة أو سكون ضرورة.
ما الفرق الأول بين العبارتين من حيث شمول حكم الضد للوجوب والندب والتحريم والكراهة؟
عبارة وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه لا تفيد إلا حكم النقيض في الوجوب فقط دون الندب. أما عبارة الأمر بالشيء نهي عن ضده فتشمل حكم الضد في الوجوب والندب معًا، لأن الأمر يدل على الوجوب أو الندب، والنهي يدل على التحريم أو الكراهة. فإن كان الأمر للوجوب دل على تحريم الضد، وإن كان للندب دل على كراهته.
ما الفرق الثاني بين العبارتين من حيث شمول الوجوب المستفاد من غير صيغة الأمر كالقياس وفعل الرسول؟
عبارة وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه تبيّن حكم النقيض في الوجوب مطلقًا سواء أُخذ الوجوب من صيغة الأمر أم من غيرها كفعل الرسول صلى الله عليه وسلم والقياس وغيرهما. أما عبارة الأمر بالشيء نهي عن ضده فلا تفيد إلا حكم الضد المأخوذ من صيغة الأمر دون ما استُفيد من غيرها.
ما الفرق الثالث بين العبارتين وما محل النزاع الحقيقي هل هو الضد أم النقيض؟
الفرق الثالث أن عبارة الأمر بالشيء نهي عن ضده تفيد أن محل النزاع هو الضد، بينما عبارة وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه توهم أن النقيض هو محل النزاع. لكن النقيض منهي عنه بالاتفاق لأن إيجاب الشيء يتضمن المنع من تركه والترك هو النقيض. فتعين أن يكون محل النزاع الضد فقط، وهو ما تعبّر عنه العبارة الأولى بوضوح.
ما مذهب جمهور الأشاعرة في دلالة خطاب الوجوب على حرمة الضد وما دليلهم؟
يرى جمهور الأشاعرة وبعض المعتزلة أن الخطاب الدال على الوجوب يدل على حرمة الضد بطريق الالتزام. ودليلهم أن الإيجاب هو طلب الفعل مع المنع من الترك، والمنع من الترك جزء من الإيجاب فيكون منهيًا عنه بطريق التضمن. والترك لا يتحقق إلا بفعل ضد من أضداد المأمور به، فيكون الضد منهيًا عنه بطريق الالتزام.
ما دليل جمهور المعتزلة على نفي دلالة الأمر على النهي عن الضد؟
استدل جمهور المعتزلة بأنه لو كان الأمر بالشيء نهيًا عن ضده لكان الآمر متصورًا للضد ومتعقلًا له، لكن الآمر قد يأمر بالشيء وهو غافل عن الضد الذي يفوته. فالحكم على الشيء فرع عن تصوره، ومن المقطوع به أن الآمر قد يغفل عن الضد. وعلى هذا يبطل القول بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده.
كيف يُرد على دليل المعتزلة بنفي غفلة الآمر عن الضد وما دور علم الله في ذلك؟
الجواب الأول أن الآمر لا يغفل عن طلب ترك ما يمنع من فعل المأمور به من جهة الجملة وإن غفل عن تفصيله. فإذا قال قم فهو يعلم أنك جالس أو نائم وليس قائمًا، وإلا لزم تحصيل الحاصل وهو باطل. وإذا كان الآمر هو الله تعالى الذي لا يعزب عن علمه شيء فلا يُتصور غفلته عن ضد المأمور به لا جملة ولا تفصيلًا.
كيف يُنقض دليل المعتزلة بمسألة وجوب المقدمة؟
الجواب الثاني أن دليل المعتزلة منقوض بمسألة وجوب المقدمة، إذ قالوا إن الخطاب الدال على إيجاب الشيء يدل على إيجاب ما يتوقف عليه. ومع ذلك فإن الآمر بالشيء قد يأمر به وهو غافل عما يتوقف عليه من مقدمات، فيكون قد حكم على المقدمة بالوجوب وهو غير متصور لها. فما هو جوابهم عن الغفلة في المقدمة يكون جوابًا لنا في الضد.
ما ثمرة الخلاف في مسألة الأمر بالشيء نهي عن ضده في مسألة الطلاق المعلق على مخالفة النهي؟
تظهر ثمرة الخلاف فيمن قال لزوجته إن خالفت نهيي فأنت طالق ثم أمرها بالقيام فقعدت. فمن قال إن الأمر بالشيء نهي عن ضده قال يقع الطلاق لأن قوله قومي فيه نهي عن القعود فقعودها مخالفة للنهي. ومن قال إن الأمر لا يدل على النهي عن ضده قال لا يقع الطلاق لأن قعودها مخالفة لأمر لا لنهي، والطلاق علّق على مخالفة النهي لا الأمر.
وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه بالتضمن، والخلاف الحقيقي بين الأصوليين يدور حول الضد لا النقيض المتفق على حرمته.
وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه لأن الإيجاب يتضمن المنع من الترك، والترك هو النقيض بعينه، فيكون الدال على الإيجاب دالًا على النهي عن النقيض بطريق التضمن. وقد اتفق العلماء على هذا الأصل، مما يعني أن النقيض منهي عنه بالاتفاق، وأن محل النزاع الحقيقي هو الضد لا النقيض.
اختلف الأصوليون في ثلاثة فروق جوهرية بين عبارتي الأمر بالشيء نهي عن ضده ووجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه، تتعلق بشمول الندب والكراهة، ومصدر الوجوب من صيغة الأمر أو من غيرها كفعل الرسول والقياس، وتحديد محل النزاع. وتظهر الثمرة العملية في مسألة الطلاق المعلق على مخالفة النهي عند الأمر بالضد.
أبرز ما تستفيد منه
- نقيض الواجب منهي عنه بالاتفاق لأن المنع من الترك جزء من الإيجاب.
- محل النزاع بين الأصوليين هو الضد لا النقيض.
- جمهور الأشاعرة يرون أن الأمر يدل على حرمة الضد بطريق الالتزام.
- ثمرة الخلاف تظهر في الطلاق المعلق على مخالفة النهي عند الأمر بالضد.
تقرير قاعدة وجوب الشيء وحرمة نقيضه ومناقشة دعوى الغفلة
وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه؛ لأنها جزؤه، فالدال عليه يدل عليها بالتضمن، لأنها جزؤه.
قالت المعتزلة وأكثر أصحابنا: الموجب قد يغفل عن نقيضه.
قلنا: لا، فإن الإيجاب بدون المنع من نقيضه محال وإن سلم فمنقوض بوجوب المقدمة.
اتفاق العلماء على اختلاف مفهوم الأمر والنهي وتعريف أنواعهما
اتفق العلماء على أن مفهوم الأمر سواء أكان لفظيًّا أم نفسيًّا مخالف لمفهوم النهي كذلك.
فقد عرفوا الأمر النفسي بأنه: طلب فعل غير كف مدلول عليه بغير لفظ كف ونحوه.
وعرفوا الأمر اللفظي بأنه: اللفظ الدال على طلب فعل غير كف مدلول عليه بغير لفظ كف ونحوه [1].
وعرفوا النهي النفسي بأنه: طلب الكف عن الفعل بغير كف ونحوه.
وعرفوا النهي اللفظي بأنه: اللفظ الدال على طلب الكف عن الفعل بغير لفظ كف ونحوه [2].
واتفق العلماء أيضًا على اختلاف مفهوم الأمر والنهي، فلا خلاف بينهم على أن صيغة الأمر تخالف صيغة النهي [3].
صياغة مسألة الأمر بالشيء وضده وعبارتي الضد والنقيض
ولكن اختلف العلماء في أن الشيء المعين، إذا طلب بصيغة الأمر المعلومة ( افعل ) هل يكون الأمر نهياً عن ضده أو مستلزمًا له [4] ؟ بمعنى أن الأمر النفسي يصدق عليه أنه نهي عن ضده [5].
وقبل ذكر المذاهب في هذه المسألة ينبغي أن نبين أن عبارة العلماء قد اختلفت في التعبير عن هذه المسألة؛ فمنهم من عبر عنها بقوله: ( الأمر بالشيء نهيٌ عن ضده أو يستلزم النهي عن ضده )، وهو قول الأكثر.
وعبر عنها البيضاوي بقوله: ( وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه ) [6].
والموازنة بين هاتين العبارتين تستلزم ذكر الفرق بين الضد والنقيض.
الفرق بين الضد والنقيض وتعدد الأضداد مع مثال القعود
وبيان ذلك: أن كل واجب ـ كالقعود مثلاً ـ المطلوب بقولنا: اقعد، له منافيان، أحدهما يسمى (ضدًّا ) كالقيام مثلاً، والمنافي الآخر يسمى ( نقيضًا ) كعدم القعود، لأن النقيض ( عدم القعود ) ينافي الواجب ( القعود ) بذاته.
إذ النقيضان هما: الأمران اللذان أحدهما وجودي والآخر عدمي، لا يجتمعان في شيء، ولا يرتفعان من الشيء، كالقعود وعدم القعود، بخلاف الضد ( القيام مثلاً ) فإنه ينافيه بالعرض، أي باعتبار أن الضد يحقق المنافي بذاته وهو النقيض؛ لأن الضدين هما الأمران الوجوديان اللذان لا يجتمعان وقد يرتفعان، كالقعود والقيام، فإنهما لا يجتمعان في شخص واحد في وقت واحد، وقد يرتفعان ويأتي بدلهما الاضطجاع مثلاً، إلا أن كل واحد من أضداد القعود ( القيام والاضطجاع ) يحقق النقيض وهو عدم القعود؛ لأن القيام مثلاً فرد من أفراد النقيض ( عدم القعود ) فلم يكن التنافي بين الواجب ( القعود ) وضده ( القيام ) مثلاً ذاتيًّا، بل عرضيًّا، لأن القيام مثلاً يحقق نقيض القعود الذي ينافيه بالذات، هذا إذا كان النقيض له أفراد هي أضداد الواجب، يحقق النقيض كل واحد منهما.
اتحاد الضد والنقيض عند انفراد النقيض وفهم مثال الحركة والسكون
أما إذا لم يكن للنقيض إلا فرد واحد هو ضد الواجب، ولا يتحقق النقيض إلا بهذا الضد، اعتبر ذلك الضد مساويًا للنقيض ( كالحركة والسكون مثلاً ) فإن السكون يساوي عدم الحركة؛ لأن عدم الحركة لا يتحقق إلا بالسكون.
ويأخذ الواجب ( السكون مثلاً المطلوب بقولنا: اسكن ) مع ضده حكم النقيض، فلا يجتمعان ( أي الحركة والسكون ) ولا يرتفعان كذلك [7]، بل لابد أن يكون الشيء متصفًا بأحدهما، ضرورة أن الشيء الواحد لا يخلو من حركة أو سكون.
الفرق الأول بين العبارتين في شمول حكم الضد للوجوب والندب
والناظر في العبارتين ( الأمر بالشيء نهي عن ضده ) و ( وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه ) يجد بينهما فروقًا ثلاثة:
الأول: أن التعبير بقولهم ( وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه ) لا يفيد إلا حكم النقيض في الوجوب فقط، أما حكم النقيض في الندب، فهذا التعبير لا يفيده، بخلاف التعبير بقولهم: الأمر بالشيء نهي عن ضده أو يستلزم النهي عن ضده.
فإن هذا التعبير يفيد حكم الضد في الوجوب والندب؛ لأن الأمر بالشيء بصيغته ـ افعل ـ عند عدم القرينة الصارفة عن الوجوب، فإنه يدل على الندب، وكذلك التعبير بالنهي يتناول الحرمة والكراهة؛ لأن النهي هو طلب الكف عن الفعل إن كان جازمًا أفاد التحريم، وإن كان غير جاز أفاد الكراهة.
وعلى هذا يكون الأمر بالشيء دل على تحريم الضد، إن كان الأمر للوجوب، ويدل الأمر على كراهية الضد، إن كان الأمر للندب، ويكون التعبير بقولهم: ( الأمر بالشيء نهي عن ضده ) مفيدًا لحكم الضد في النوعين، التحريم والكراهة.
الفرق الثاني في شمول الوجوب المستفاد من غير صيغة الأمر
الثاني: أن التعبير بقولهم: وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه، فيه بيان لحكم النقيض في الوجوب مطلقًا، أي سواء كان الوجوب مأخوذًا من صيغة الأمر، أم مأخوذاً من غيرها كفعل الرسول صلى الله عليه وسلم والقياس وغيرهما بخلاف التعبير بقولهم: الأمر بالشيء نهي عن ضده، فإنه لا يفيد إلا حكم الضد المأخوذ من صيغة الأمر دون حكم الضد المستفاد من غيرها.
الفرق الثالث وتحديد محل النزاع بين الضد ونقيض الواجب
الثالث: أن التعبير بقولهم: الأمر بالشيء نهي عن ضده، يفيد أن محل النزاع في هذه المسألة هو ضد المأمور به وليس نقيضه. أما التعبير بقولهم: وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه، فإنه يفيد أن نقيض الواجب هو محل النزاع [8].
وذلك مخالف للمتفق عليه، فمن المتفق عليه أن نقيض الواجب منهي عنه؛ لأن إيجاب الشيء هو طلبه مع المنع من تركه، والمنع من الترك هو النهي عن الترك، والترك هو النقيض فيكون النقيض منهيًّا عنه. فالدال على الإيجاب وهو الأمر، دل على المنع من الترك وهو النقيض؛ لأن المنع من الترك جزء الإيجاب، والدال على الكل يكون دالاًّ على الجزء بطريق التضمن.
ولما كان هناك اتفاق على أن النقيض منهي عنه، تعين أن يكون محل النزاع ( الضد ) فقط، ووجب أن يكون التعبير عن ذلك النزاع بما يدل صراحة على محل النزاع، والذي يفيد ذلك هو العبارة الأولى ( الأمر بالشيء نهي عن ضده )، لا العبارة الثانية ( وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه ).
مذهب جمهور الأشاعرة وبعض المعتزلة في دلالة خطاب الوجوب على حرمة الضد
وبعد تحرير محل النزاع نذكر المذاهب:
المذهب الأول: جمهور الأشاعرة وبعض المعتزلة:
أن الخطاب الدال على الوجوب يدل على حرمة الضد بطريق الالتزام [9].
الأدلة:
استدل جمهور الأشاعرة، بأن الإيجاب: هو طلب الفعل مع المنع من الترك.
فالمنع من الترك جزء من الإيجاب، وهو منهي عنه بطريق التضمن، ومن المعلوم أن الترك إنما يتحقق بفعل ضد من أضداد المأمور به، الذي لا يمكن وجود المأمور به مع هذا الضد..
وما دام الترك منهيًّا عنه، يكون المحقق للترك، وهو الضد، منهيًّا عنه بطريق الالتزام.
وبذلك يكون الخطاب الطالب للفعل طلبًا جازمًا ( الإيجاب ) دالاًّ على حرمة الضد بطريق الالتزام وهو المطلوب [10].
دليل جمهور المعتزلة على نفي دلالة الأمر على النهي عن الضد
واستدل جمهور المعتزلة: بأنه لو كان الأمر بالشيء نهيًا عن ضده أو متضمنًا له، لكان الآمر بذلك الشيء متصورًا للضد ومتعقلاً له، لكن التالي ـ وهو تصور الآمر للضد وتعلقه له.. باطل، فبطل المقدم ـ وهو أن الأمر بالشيء نهي عن ضده وثبت نقيضه، وهو أن الأمر بالشيء ليس نهيًا عن ضده. وهو المطلوب.
أما الملازمة: فإن الكف عن الضد هو مطلوب النهي، فيكون الضد محكومًا عليه بالحرمة أو الكراهة والحكم على الشيء فرع عن تصوره.
وأما الاستثنائية: فلأنا نقطع بأن الآمر بالفعل قد يأمر به، وهو غافل عن الضد الذي يفوته وغير متنبه إليه.
ويجاب عن هذا الدليل بجوابين:
الجواب الأول عن دليل المعتزلة ونفي غفلة الآمر عن الضد
الجواب الأول: لا نسلم غفلة الآمر بالشيء حال أمره عن طلب ترك ما يمنع من فعل المأمور به من جهة الجملة وإن كان غافلاً عن تفصيله. وهذا هو المراد من قولنا: الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده؛ لأن الآمر لا يطلب الفعل المأمور به إلا إذا علم أن المأمور متلبس بضده لا به.
فإذا قال لك: قم مثلا؛ فهو يعلم أنك جالس أو نائم، ويعلم أنك لست قائمًا في الوقت الذي يأمرك بالقيام فيه، وإلا لزم تحصيل الحاصل وهو باطل.
وإذا كان الحال كذلك لزم أن يكون الآمر متعقلاً للضد، وليس غافلاً عنه، وعلاوة على ذلك، فإنا لو أخذنا في اعتبارنا أن الآمر هو الله تعالى الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ما تصورنا غفلة الله تعالى عند ضد المأمور به لا جملة ولا تفصيلاً.
الجواب الثاني بنقض دليل المعتزلة بمسألة وجوب المقدمة
الجواب الثاني: أن هذا الدليل منقوض بوجوب المقدمة، حيث قالوا: إن الخطاب الدال على إيجاب الشيء يدل على إيجاب ما يتوقف عليه، مع أن الآمر بالشيء، قد يأمر به، وهو غافل عما يتوقف عليه.
وحينئذ يكون قد حكم على المقدمة بالوجوب، وهو غير متصور لها، فما هو جوابهم يكون جوابًا لنا [11].
ثمرة الخلاف في الطلاق المعلق على مخالفة النهي عند الأمر بالضد
فائدة وثمرة الخلاف:
تظهر ثمرة الخلاف في هذه المسألة فيمن قال لزوجته: إن خالفت نهيي فأنت طالق، ثم أمرها بالقيام فقعدت، ففي وقوع الطلاق خلاف، فمن قال: إن الأمر بالشيء نهي عن ضده، قال: يقع الطلاق؛ لأن قوله: قومي، فيه نهي عن القعود، فإن قعدت تكون قد خالفت نهيه فيقع عليها الطلاق لحصول المعلق عليه وهو مخالفة النهي، ومن قال: إن الأمر بالشيء لا يدل على النهي عن ضده، قال: لا يقع الطلاق، لأن قوله: قومي، ليس فيه إلا أمرها بالقيام، ولا تعرض له للنهي عن القعود، فقعودها لا يعتبر مخالفة للنهي، بل يكون مخالفة لأمر، والطلاق إنما علق على مخالفة النهي، ولم يعلق الطلاق على الأمر [12].
ما شعورك تجاه هذا الفصل؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفصل؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
ما الدليل الذي يستند إليه جمهور الأشاعرة على أن الأمر يدل على حرمة الضد؟
أن الإيجاب يتضمن المنع من الترك والترك لا يتحقق إلا بالضد
ما الفرق الجوهري بين النقيضين والضدين في الاصطلاح الأصولي؟
النقيضان أحدهما وجودي والآخر عدمي لا يجتمعان ولا يرتفعان، والضدان وجوديان لا يجتمعان وقد يرتفعان
لماذا اختار البيضاوي عبارة وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه بدلًا من عبارة الأمر بالشيء نهي عن ضده؟
لأن الوجوب أعم من الأمر إذ قد يُستفاد من غير الصيغة
متى يتحد الضد مع النقيض ويأخذ حكمه؟
عندما لا يكون للنقيض إلا فرد واحد هو ضد الواجب
ما الجواب الثاني على دليل المعتزلة القائل بغفلة الآمر عن الضد؟
أن الدليل منقوض بمسألة وجوب المقدمة حيث يحكمون بوجوبها مع إمكان الغفلة عنها
في مسألة الطلاق المعلق على مخالفة النهي، ما موقف من يقول إن الأمر لا يدل على النهي عن ضده؟
لا يقع الطلاق لأن القعود مخالفة لأمر لا لنهي
ما الفرق الأول بين عبارة الأمر بالشيء نهي عن ضده وعبارة وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه؟
الثانية تقتصر على الوجوب فقط بينما الأولى تشمل الوجوب والندب وتستلزم التحريم أو الكراهة
ما الذي يتفق عليه العلماء بشأن نقيض الواجب؟
أن نقيض الواجب منهي عنه بالاتفاق لأن الإيجاب يتضمن المنع من الترك
ما الفرق الثاني بين العبارتين من حيث مصدر الوجوب؟
عبارة الوجوب تشمل الوجوب من أي مصدر كالقياس وفعل الرسول، وعبارة الأمر تقتصر على صيغة الأمر
ما الذي يستدل به جمهور المعتزلة على أن الأمر بالشيء ليس نهيًا عن ضده؟
أن الآمر قد يأمر بالشيء وهو غافل عن الضد، والحكم على الشيء فرع عن تصوره
ما الفرق الثالث بين العبارتين من حيث تحديد محل النزاع؟
عبارة الأمر تجعل الضد محل النزاع وعبارة الوجوب توهم أن النقيض هو محل النزاع
ما معنى أن الدال على الإيجاب يدل على حرمة النقيض بطريق التضمن؟
لأن المنع من الترك جزء من الإيجاب، والدال على الكل يدل على الجزء بطريق التضمن، فيكون النقيض وهو الترك منهيًا عنه.
ما تعريف الأمر النفسي عند الأصوليين؟
الأمر النفسي هو طلب فعل غير كف مدلول عليه بغير لفظ كف ونحوه.
ما تعريف النهي اللفظي عند الأصوليين؟
النهي اللفظي هو اللفظ الدال على طلب الكف عن الفعل بغير لفظ كف ونحوه.
لماذا يكون التنافي بين الواجب وضده عرضيًا لا ذاتيًا؟
لأن الضد ينافي الواجب بالعرض، أي باعتبار أن الضد يحقق النقيض الذي ينافي الواجب بالذات، فالتنافي الذاتي هو بين الواجب ونقيضه لا بينه وبين ضده.
لماذا يساوي السكون عدم الحركة في مثال الحركة والسكون؟
لأن عدم الحركة لا يتحقق إلا بالسكون، فالسكون هو الفرد الوحيد للنقيض فيتحد معه ويأخذ حكمه.
ما الذي يفيده الأمر للندب من حيث حكم الضد؟
إذا كان الأمر للندب دل على كراهة الضد، لأن النهي غير الجازم يفيد الكراهة.
ما مثال الوجوب المستفاد من غير صيغة الأمر؟
الوجوب قد يُستفاد من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم أو من القياس أو من غيرهما دون أن يرد بصيغة افعل.
لماذا تعين أن يكون محل النزاع الضد لا النقيض؟
لأن نقيض الواجب منهي عنه بالاتفاق، فلا خلاف فيه، وتعين أن يكون الخلاف في الضد وحده.
ما موقف جمهور الأشاعرة من دلالة الأمر على حرمة الضد؟
يرون أن الخطاب الدال على الوجوب يدل على حرمة الضد بطريق الالتزام، لأن الترك لا يتحقق إلا بفعل الضد فيكون الضد منهيًا عنه.
ما الجواب الأول على دعوى غفلة الآمر عن الضد؟
الآمر لا يغفل عن طلب ترك ما يمنع من فعل المأمور به من جهة الجملة، فهو يعلم أن المأمور متلبس بالضد وإلا لزم تحصيل الحاصل.
كيف يُنقض دليل المعتزلة بمسألة وجوب المقدمة؟
المعتزلة يقولون بوجوب المقدمة مع إمكان غفلة الآمر عنها، فما أجابوا به عن الغفلة في المقدمة يكون جوابًا عليهم في الضد.
ما حكم الطلاق المعلق على مخالفة النهي إذا أمر الزوج زوجته بالقيام فقعدت عند من يقول إن الأمر نهي عن ضده؟
يقع الطلاق لأن قوله قومي فيه نهي عن القعود، فقعودها مخالفة للنهي وقد تحقق المعلق عليه.
ما الفرق بين دلالة التضمن ودلالة الالتزام في هذه المسألة؟
النقيض منهي عنه بطريق التضمن لأن المنع من الترك جزء من الإيجاب، أما الضد فمنهي عنه بطريق الالتزام لأنه يحقق الترك المنهي عنه.
ما الذي يقطع به في شأن علم الله تعالى بالضد عند الأمر؟
الله تعالى لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، فلا تُتصور غفلته عن ضد المأمور به لا جملة ولا تفصيلًا.
ما الذي يفيده الأمر للوجوب من حيث حكم الضد؟
إذا كان الأمر للوجوب دل على تحريم الضد، لأن النهي الجازم يفيد التحريم.