اكتمل ✓
الفصل 24

هل وقت الصلاة محل للفعل أم سبب جعلي وما حكم صلاة فاقد الطهورين؟

وقت الصلاة ليس محلاً للفعل بل هو سبب جعلي أو معرِّف لوجوب قد استقر في ذمة المكلف بخطاب الشرع، ولذلك لا يسقط الوجوب بانتفاء الوقت في البلاد ذات الأوقات الشاذة. أما فاقد الطهورين فيصلي على حسب حاله عند الشافعي وابن قدامة، ولا تجب عليه الإعادة في الرواية الصحيحة لأنه أتى بما أُمر به في حدود طاقته.

14 دقيقة قراءة
  • هل يسقط وجوب صلاة العشاء عمن يعيش في بلاد لا يغيب فيها الشفق أصلاً؟ هذه المسألة أثارت خلافاً حاداً بين فقهاء الحنفية.

  • وقت الصلاة عند جمهور المحققين ليس محلاً للفعل بل هو سبب جعلي ومعرِّف للوجوب الثابت في ذمة المكلف بخطاب الشرع.

  • انتصر المرجاني في كتابه ناظورة الحق لرأي من أوجب الصلاة حتى مع انتفاء العلامات الخاصة بأوقاتها، مستنداً إلى أن الوقت معرِّف لا محل.

  • استدل القائلون بالوجوب بحديث الدجال وأخبار الإسراء الدالة على أن الصلوات الخمس واجبة على جميع المكلفين في كل الأقطار دون تفضيل.

  • ردّ ابن الهمام قياس البقالي بأن ثمة فرقاً جوهرياً بين انعدام محل الفرض وانعدام سببه الجعلي، وانتفاء الدليل على الشيء لا يستلزم انتفاءه.

  • فاقد الطهورين يصلي على حسب حاله ولا تجب عليه الإعادة في الأصح، لأن الطهارة شرط يسقط عند العجز كسائر شروط الصلاة.

تكييف وقت الصلاة بين كونه محلاً للفعل أو سبباً شرعياً

هل وقت محل لها باعتباره مفعولاً فيه قدمنا أن المحل قد يكون فاعلاً أو مفعولاً ؟ وعليه فتعد حركات الشمس محددات لذلك المحل لذلك المحل، بحيث لو ضاعت فقد ضاع تحديد المحل، وهو ما يقتضيه إطلاق اسم السبب عليها.

والسبب عند الأصوليين: ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم، فيلزم من زوال الشمس وجوب الظهر على المكلف، ويلزم من عدم الزوال عدم الوجوب، أو أن وقت الصلاة ما هو إلا علامة لوجوب قد أستقر في ذمة المكلفين بخطاب الشرع لهم، وعلى ذلك فلا يعد محلاً للصلاة.

كتاب ناظورة الحق وخلاف الفقهاء في كون العلامات محلاً أو معرفاً

ذهب إلى كل فريق من العلماء، وأثيرت المسألة ومحصت في كتب الحنفية حتى أفردها المرجاني بكتاب مستقل أسماه [ ناظورة الحق في وجوب العشاء وإن لم يغب الشفق ].

عرض فيه لآراء الفريقين حتى من خارج المذهب وهم قلة كالقاضي عياض. وانتصر فيه لرأي من أوجب الصلاة حتى مع انتقاء العلامات الخاصة بأوقاتها. والمتأمل في عبارته يري أن ذلك من باب عد تلك العلامات معرفات للواجب وليست محلاً باعتبار الزمان له.

الاتفاق على أثر ذهاب المحل وضرورة تكييف الواقعة الفقهية بدقة

هذا يشعر بأن هناك اتفاقا على أن ذهاب المحل يعدم عقلاً إيقاع الحكم في الخارج، وأن الخلاف في المسائل المتعلقة بذلك إنما يرجع إلى تكييف المسألة من كونها مشتملة على محل قد انعدم، أو أن المعدوم ليس محلاً لإيقاع الحكم، مع أتفاق الكافة بأنها لو كيفت محلاً قد انعدم لأثر ذلك على إيقاع الحكم قطعاً.

ومن هنا نستفيد، أن على لفقيه أن يتأمل ويبذل الوسع في دراسة وتكييف الحالة المعروضة عليه، حتى لا يشتبه أي معنى آخر بمسألة ذهاب لمحل الذي معنا.

وننقل هنا من كتاب [ ناظورة الحق ] ما تتضح به المسألة، ونكثر النقل لندرة الكتاب وعدم توفره في أيدي العلماء، ونعلق عليه بما يفيد مسألتنا، وعسى أن نحققه قريباً.

إشكال سكان الأقطار ذات الأوقات الشاذة ووجوب العبادات عليهم

فيقول في صفحات ( 119، 120، 121 ): فهل تجب الصلوات الخمس والصوم وسائر العبادات المتعلقة بالأوقات على سكان هذه الأقطار ؟ لم يرو فيه كلام في كتب المتقدمين، ولم يرو خبر عنهم في تصانيف واحد من العلماء الكبار المتبحرين.

وقد كانت المسألة معركة فيما بين العلماء المتأخرين من أهل القرن السادس وبعده في وجوب العشاء والوتر، وعدمه على من لا يجد وقتها، بأن لا تتحقق المدة الفاضلة التي هي مدة غروب الشفق في الأيام المعتدلة والأقطار المتوسطة.

عرض أقوال القائلين بوجوب العشاء في البلاد التي لا يغيب فيها الشفق

ففي الفتاوي الظهيرية والمضمرات والتتارخانية وغيرها، أفتي الشيخ الإمام الأجل، برهان الدين الكبير في أهل البلد كما تغرب الشمس يطلع الفجر، أن عليهم صلاة العشاء والصحيح أنه لا ينوي القضاء لفقد وقت الأداء .

وقال ابن الهمام في [فتح القدير]: وأفتى الإمام البرهان الكبير بوجوبهما.

وفي [ التبين شرح الكنز] للزيلعي ذكر المرغيناني: أن الشيخ برهان الدين كبير أفتي بأن عليهم صلاة العشاء .

وقال محمد بن عبد الله التمرتاشي الغزي في كتاب [تنوير الأبصار ]: وفاقد وقتهما مكلف بهما.

وقال الشيخ سري الدين عبد البر بن محمد الحلبي المعروف بابن الشحنة في [ الذخائر الأشرفية ]: أن الصحيح خلاف ما اختاره صاحب الكنز في هذه المسألة.

وقال في ترجمة [ الكنز]: إن الفتوى على الوجوب.

أقوال النافين لوجوب العشاء مع فقد الوقت وتباين الروايات عن الأئمة

وفي المحيط البرهاني: ورد فتوى في زمن الصدر الكبير برهان الأئمة، وكان فيها: إنا لا نجد وقت العشاء في بلدتنا، فإن الشمس كما تغرب يطلع الفجر من الجانب الآخر هل علينا صلاة العشاء ؟

فكتب في الجواب: إنه ليس عليكم صلاة العشاء، وهكذا كان يفتي ظهير الدين المرغيناني .

وفي [المضمرات ]: ورد فتوى في زمن إلى قوله: وهكذا كان يفتي بعبارته، غير أنه لم يذكر فيه فاعل قوله: يفتي، فيكون الفاعل ضميراً راجعاً إلى الصدر الكبير أو ساقطاً من الناسخ، فإن الظاهر أن هذا القول مأخوذ من المحيط.

ثم قال: وفي الظهيرية: وأفتى الإمام برهان الدين الكبير في أهل بلد: كما تغرب الشمس يطلع الفجر أن عليهم صلاة العشاء، والصحيح أنه لا يٌنوي القضاء لفقد وقت الأداء.اهـ.

وفي خلاصة الفتاوي: ولو كانوا في بلدة إذا غربت الشمس طلع الفجر، لا يجب عليهم صلاة العشاء.

وفي [الكافي] لأبي البركات النسفي: ولا يجب العشاء لقوم لم يجدوا وقته بأن يطلع الفجر كما غربت الشمس، لعدم سبب الوجوب وهو وقته.

وفي [الكنز] له: ومن لم يجد وقتهما لم يجبا .

وذكر الزاهدي في [ المجتبى شرح المختصر عن البدر الطاهر ]، قال: وردت فتوى 546 في زمن الصدر الكبير برهان الأئمة، أنا لا نجد وقت العشاء في بلدتنا، هل علينا صلاة ؟

فكتب: ليس عليكم صلاة العشاء وبه يفتي ظهير الدين المرغيناني.

وفي [الجوهر]: إن كانوا في بلدة يقال لها: بلغار، إذا غربت الشمس طلع الفجر لا يجب عليهم صلاة العشاء، كذا أفتي الصدر الكبير برهان الأئمة وظهير الدين المرغيناني.

وقد نسب الفتوى بالوجوب إلى ظهير الدين المرغيناني في غير واحد من الشروح وغيرها.

وبالجملة فمأخذ القول بالوجوب هو برهان الدين الكبير، ومأخذ القول بعدمه هو الصدر الكبير برهان الأئمة، واختلف عن ظهير الدين المرغيناني.

تعليل القائلين بوجوب العشاء رغم عدم تحقق الوقت واستدلالاتهم النصية

ثم قال في ( ص 124 ): وقد عرفت أن الخلاق فيمن لا يجد الوقت أصلاً، ومن أفتي بالوجوب لم يبال بعدم الوقت، وذهب إلى وجوبه مع عدمه، لأن الوقت غير مقصود بالذات، ولا بسبب حقيقة، ويسقط اعتباره بأدنى سبب .

كما في عرفة ومزدلفة وأيام الدجال بالاتفاق، ويجوز الجمع بين الظهر والعصر في وقت إحداهما، وكذا المغرب والعشاء عند مالك والشافعي ومن وافقهما وقد أخرج الشيخان

عن ابن عمر رضي الله عنهما ظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من الأحزاب، قال:" لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة،فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد ذلك منا، فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف أحداً منهم ".

وقد روي أن بعضهم صلاها بعدما أنتصف الليل .

وجوب العشاء في الذمة واعتبار الاحتياط في العبادات ومنهج الاجتهاد

فإن صاحب المحيط ذكر في كتابه وجوب الصلاة على المستحاضة في أيام يتردد رأيها فيها بين كونها طاهرة أو حائضاً ولا تستقر في أحداهما مع حرمة الصلاة قطعا على تقدير الحيض وكفراً عند العلم به .

وقد قام الدليل القطعي على وجوب العشاء بعد الشمس، فلا يجوز تركها بانتقاء سبب جعلى محتمل للسقوط، والتكليف إنما هو بقدر الوسع، فيجب أداؤها.

وإن لم يتحقق الوقت أصلاً الوجوب في الذمة .

وقد قالوا: إن العبادات متى دارت بين الوجوب وعدمه، أوجبها الاحتياط، لأن مبناها على التكثير، لأن الإنسان إنما خلق للمعرفة وإظهار العبودية، فكيف لا إذا قام الدليل على وجوبها قياماً لا مرد له، وثبت ثبوتاً لا ريب فيه، بخلاف أمر العقوبات تندرئ بالشبهات .

حكاية الحلواني وقياس سقوط العشاء على سقوط فرض الوضوء

ذكر الزاهدي في [ المجتبى شرح المختصر ]ٍ حكاية في هذه المسألة نقلاً عن أستاذه فخر الدين بديع ابن أبي المنصور القرميني أنه قال: بلغنا أنه وردت فتوى عن بلاد يطلع الفجر فيها قبل غيبوبة الشفق في أقصر ليالي السنة، على شمس الأئمة الحلواني، فأفتي بقضاء الوجوب، فبلغ جوابه الحلواني فأرسل إليه من يسأله بعامته بجامع خوارزم:

ما تقول فيمن أسقط من الصلوات الخمس واحد هل يكفر ؟ فسأله وأحسن به الشيخ.

فقال: ما تقول فيمن قطع يديه من المرفقين أو رجلاه مع الكعبين، كم الفرائض في وضوئه ؟

فقال: ثلاث، لفوات محل الرابع.

قال: كذلك الصلاة الخامسة.

فبلغ الحلواني جوابه فاستحسنه ووافقه فيه.أهـ .

نقد قياس سقوط العشاء على سقوط غسل العضو وبيان الفرق بين المحل والسبب

ثم إنه قاس على قطع اليدين والرجلين بدون علة مطردة ولا جامع هو للقياس شرط من شرائط الصحة، فإن المأمور به بالنص في مسألة الوضوء غسل العضو المخصوص، فعلى تقدير سقوط لا يمكن غسله ضرورة، ولا يحصل الامتثال بغسل عضو آخر، والمأمور به بالنص في مسألتنا إقامة الصلاة في المساء وزلفا من الليل، وهو على تقدير عدم تحقق الوقت أصلاً لا محالة أمر ممكن، وإن ثبت سببية وشرطيته للصلاة بقطعي، فإن الطاعة على قدر الطاقة، فضلاً عما تنفي العلامة المعرفة لتحقق المدة المقررة.

ولذلك أعترض عليه العلامة المحقق كمال الدين الهمام رحمة الله بقوله: ولا يرتاب متأمل في ثبوت الفرق بين عدم محل الفرض، وبين عدم سببه الجعلى الذي جعل علامة للوجوب الخفي الثابت في نفس الأمر، وجواز تعدد المعرفات للشئ، فانتفاء الوقت انتفاء للمعرف، وانتفاء الدليل على الشئ لا يستلزم انتفاءه لجواز دليل آخر.

الاستدلال بأخبار الإسراء وحديث الدجال على ثبات عدد الصلوات

ثم قال في ( ص 128 ): وقد وجد، وهو ما تواطأت من أخبار الإسراء من فرض الصلاة خمساً بعد ما أمر أولا بخمسين، ثم أستقر الأمر على الخمس شرعاً لأهل الآفاق، لا تفضيل فيه بين قطر وقطر ـ

وما روي من أنه ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الدجال قلنا: ما لبثه في الأرض ؟ قال:" أربعون يوماً يوم كسنة ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم " فقيل: يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم واحد، قال: لا اقدروا. [رواه مسلم ].

فقد أوجب أكثر من ثلاثمائة عصر صيرورة مثلاً أو مثلين وقس عليه، فاستفدنا أ الواجب في نفس الأمر خمس على العموم غير أن توزيعها على تلك الأوقات عند وجودها، ولا يسقط بعدها الوجوب.

ثم هل ينوي القضاء ؟

الصحيح أنه لا ينوي القضاء لفقد الأداء، ومن أفتي بوجوب العشاء يجب على قوله الوتر أيضاً.

إعادة مناقشة قياس البقالي واشتراط تحقق أسباب الوجوب وشروطه

ثم قال في ( ص 130 ): وعلم بما ذكرنا عدم الفرق بين من قطعت يداه أو رجلاه من المرفقين والكعبين، وبين هذة المسألة كما ذكر الإمام البقالي، ولذا سلم الإمام الحلواني ورجع إليه، مع أن الخصم المتنازع فيه إنصافاً منه، وذلك لأن الغسل سقط ثمة لعدم شرطه، لأنه محل والمحل شرط، فكذا ههنا سقطت الصلاة لعدم شرطها، بل سببها أيضاً، ولما لم يقم هناك دليل يجعل ما وراء المرفق على الإبط، وما فوق الكعب بمقدار القدم خلفاً عنه في وجوب الغسل، كذلك لم يرد دليل يجعل جزءا من وقت المغرب أو من وقت الفجر خلفاً عنه في وقت العشاء، وكما أن الصلوات خمس بالإجماع، على المكلفين، وكذلك فرائض الوضوء على المكلفين لا تنقص عن أربع بالإجماع، لكن لابد من وجود جميع أسباب الوجوب وشرائطه في جميع ذلك. فليتأمل.

الوقت سبب جعلي يسقط اعتباره والنعمة سبب حقيقي لوجوب الصلاة

ثم قال في ( ص 131، 132 ) على أنه قد سبق أن وجوب العشاء قطعي وامتياز وقتيهما بدليل ظني، وبمدخل من الرأي، فإن نفس الصلوات الخمس موزعة على أوقاتها.

فكانت معهودة معروفه عند كل الأمة ثابتة من الدين بمنزلة الضروري والبديهي الأولى.

وما كان السلف يحتاجون إلى المسألة عنها، وإنما كانوا يتساءلون عن حدود أوقاتها وتفاصيل أحوالها وتعيين أوائلها وأواخرها.

ولكن تنزلنا عن هذا القدر، فلا نسلم أن الوقت من الأسباب والشروط التي تحتمل السقوط، فإنه لا ريب في سقوط اعتبار الوقت بأدني علة، مثل عرفة ومزدلفة وأيام الدجال بالاتفاق.

وبعذر المطر والسفر وغير ذلك عند الشافعي ومن وافقه، لكونه وسيلة غير مقصودة.

وكان المعرف الحقيقي لوجوب الصلاة على العبد بإيجاب الله تعالى يحقق سببها الذي هو نعمه سبحانه ولكنه لما كان أمرا خفياً، جعل الوقت معرفاً لكونه أمراً ظاهراً التحقق.

وهذا معنى كونه سبباً جعلياً، بمعنى أنه اعتباري وضعي يحتمل السقوط، وليس بحقيقي لازم الوجود، وهو كلام في غاية المتانة ونهاية الاستقامة.

تقرير أثر الأسباب والوسائط والانتقال لمسألة فاقد الطهورين

فإن قيل: لا فرق بين الوقت والنعم في كون كل منهما سبباً ظاهرياً غير حقيقي، فإن السبب هو الله تعالى ليس إلا.

قلت: نعم، تحقق الأشياء كلها ووجود الممكنات بأسرها ليس إلا بتقدير الله تعالى وخلقه وإيجاده إياها على الاستقلال وبالإرادة والاختيار.

ومع ذلك للأسباب والوسائط تأثيرات حقيقية بالطبع أو بالإرادة على ما هو مذهب الحنفية، وهي مسألة شرعية المأخذ، غامضة المدرك، حكمية البيان،راسخة البنيان. ومن المسائل المتعلقة بالصلاة: ما يتعلق بالطهارة كشرط من شروطها، فإن فاقد الطهورين له حكم عند العلماء تفصيله كالتالي:

خلاف الأئمة في حكم صلاة فاقد الطهورين والاستدلال بحديث التيمم

يقول ابن قدامة :فصل: وإن عدم بكل حال صلي على حسب حاله، وهذا قول الشافعي.

وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي: لا يصلي حتى يقدر ثم يقضي، لأنها عبادة لا تسقط القضاء فلم تكن واجبة كصيام الحائض.

وقال مالك: لا يصلي ولا يقضي، لأنه عجز عن الطهارة، فلم تجب عليه الصلاة كالحائض.

وقال ابن عبد البر: هذه رواية منكرة عن مالك. وذكر أصحابه قولين: أحدهما، كقول أبي حنيفة. والثاني: يصلي حسب حاله ويعيد.

ولنا ما روى مسلم في صحيحه:

أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أناساً لطلب قلادة أضلتها عائشة فحضرت الصلاة فصلوا بغير وضوء، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له فنزلت آية التيمم، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ولا أمرهم بالإعادة، فدل على أنها غير واجبة، ولأن الطهارة شرط فلم تؤخر الصلاة عند عدمها كالسترة واستقبال القبلة.

إعادة الصلاة لفاقد الطهورين بعد وجود الماء أو التراب ومناقشة القياس على الحيض

وإذا ثبت هذا فإذا صلى على حسب حاله ثم وجد الماء أو التراب لم يلزمه إعادة الصلاة في إحدى الروايتين، والأخرى عليه الإعادة وهو مذهب الشافعي، لأن فقد شرط الصلاة أشبه ما لو صلى بالنجاسة.

والصحيح: الأول لما ذكرنا من الخبر، ولأنه أتي بما أمر فخرج عن عهدته، ولأنه شرط من شرائط الصلاة فيسقط عند العجز عن السترة إذا صلى عرياناً، والعاجز عن الاستقبال إذا صلى إلى غيرها، والعاجز عن القيام إذا صلى جالساً.

وقياس أبي حنيفة على الحائض في تأخير الصيام لا يصح، لأن الصوم يدخله التأخير بخلاف الصلاة بدليل أن المسافر يؤخر الصوم دون الصلاة، ولأن عدم الماء لو قام مقام الحيض لأسقط الصلاة بالكلية، لأن قياس الصلاة على الصلاة أولى من قياسها على الصيام.

وأما قياس مالك فلا يصح، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " فإذا أمرتكم فأتوا منه ما استطعتم "، وقياس الطهارة على سائر شرائط الصلاة أولى من قياسها على الحائض، فإن الحيض أمر معتاد يتكرر عادة، والعجز هنا عذر نادر وغير معتاد، فلا يصح قياسه على الحيض أمر معتاد يتكرر عادة، والعجز هنا عذر نادر غير معتاد، فلا يصح قياسه على الحيض، ولأن هذا عذر نادر فلم يسقط الفرض، كنسيان الصلاة وفقد سائر الشروط.

ذهاب محل الطهارة وأقوال الشافعية في فاقد الطهورين وحديث لا تقبل صلاة

وإنما ذكرنا ذلك لبيان أثر ذهاب المحل وهو ههنا مفعول به ــ الماء والصعيد ــ وذكرنا لأحكام الصلاة لفاقد الطهورين إنما هو لتمام الفائدة، فالمقصود مسألة التطهير، لأن فيها فقداً للمحل، وليس مسألة الصلاة لأن فيها فقداً الشرط، فتأمل.

وقد قال الشربيني عند شرحه قول النووي: ومن لم يجد ماء ولا تراباً لزمه في الجديد أن يصلي الفرض ويعيد.

وقال: ومقابل الجديد أقوال:

أحدهما:تجب الصلاة بلا إعادة وأطرد ذلك في كل صلاة وجبت في الوقت مع خلل، وهو مذهب المزني، واختاره المصنف في المجموع.

قال: لأنه أدي وظيفة الوقت، وإنما يجب القضاء بأمر جديد.

ثانيها: يندب له الفعل وتجنب الإعادة.

ثالثها: يندب له الفعل ولا إعادة.

رابعها: يحرم عليه فعلها، ففي مسلم:" لا تقبل صلاة بغير طهور ", لأنه عاجز عن الصلاة فأشبه الحائض.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما تعريف السبب عند الأصوليين؟

ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم

ما اسم الكتاب الذي ألّفه المرجاني في مسألة وجوب العشاء مع انتفاء الشفق؟

ناظورة الحق في وجوب العشاء وإن لم يغب الشفق

ما موقف برهان الدين الكبير من وجوب صلاة العشاء على أهل البلد الذي يطلع فيه الفجر عند غروب الشمس؟

أفتى بوجوب صلاة العشاء مع عدم نية القضاء

ما حجة القائلين بعدم وجوب العشاء على من لا يجد وقتها كما في الكافي للنسفي؟

لعدم سبب الوجوب وهو الوقت

بماذا استدل الموجبون لصلاة العشاء من حديث الأحزاب؟

أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعنّف من صلى العصر خارج وقتها

ما الذي يدل عليه حديث الدجال في مسألة الصلوات الخمس؟

أن الواجب خمس صلوات على العموم ولا يسقط وجوبها بانعدام الأوقات

ما وجه قياس البقالي في مسألة سقوط العشاء؟

قاس سقوط العشاء على سقوط غسل العضو المقطوع في الوضوء بجامع انعدام المحل

ما الفرق الجوهري الذي أبداه ابن الهمام بين مسألة الوضوء ومسألة وقت العشاء؟

انعدام العضو انعدام للمحل الحقيقي، وانعدام الوقت انعدام للسبب الجعلي لا للمحل

ما السبب الحقيقي لوجوب الصلاة على العبد وفق ما قرره المرجاني؟

نعمة الله تعالى على العبد

ما قول الإمام مالك في حكم فاقد الطهورين؟

لا يصلي ولا يقضي لأنه عجز عن الطهارة

ما الدليل الذي استند إليه ابن قدامة على وجوب الصلاة لفاقد الطهورين على حسب حاله؟

حديث من صلوا بغير وضوء ولم يأمرهم النبي بالإعادة فنزلت آية التيمم

لماذا لا يصح قياس أبي حنيفة لفاقد الطهورين على الحائض في تأخير الصيام؟

لأن الصوم يدخله التأخير بخلاف الصلاة، والمسافر يؤخر الصوم دون الصلاة

ما الرأي الصحيح في مسألة إعادة فاقد الطهورين للصلاة بعد وجود الماء؟

لا تجب الإعادة لأنه أتى بما أُمر فخرج عن عهدته

ما معنى كون الوقت سبباً جعلياً لا حقيقياً؟

أنه اعتباري وضعي يحتمل السقوط وليس لازم الوجود

ما القول الجديد للشافعية في فاقد الطهورين كما ذكره الشربيني؟

يصلي الفرض ويعيد

ما الفرق بين كون وقت الصلاة محلاً وكونه سبباً؟

المحل هو ما يقع فيه الفعل، فإذا انعدم تعذّر إيقاع الفعل. أما السبب فهو علامة للوجوب الثابت في الذمة، وانتفاؤه لا يستلزم انتفاء الواجب.

ما الذي انتصر له المرجاني في ناظورة الحق؟

انتصر لرأي من أوجب الصلاة حتى مع انتفاء العلامات الخاصة بأوقاتها، معتبراً تلك العلامات معرِّفات للواجب لا محلاً باعتبار الزمان.

ما موقف الصدر الكبير برهان الأئمة من وجوب العشاء على من لا يجد وقتها؟

أفتى بأنه ليس على من لا يجد وقت العشاء صلاة، وكان ظهير الدين المرغيناني يفتي بذلك أيضاً في بعض الروايات.

لماذا قال الموجبون إن الوقت يسقط اعتباره بأدنى سبب؟

لأن الوقت غير مقصود بالذات، بدليل سقوطه في عرفة ومزدلفة وأيام الدجال بالاتفاق، وبعذر المطر والسفر عند الشافعي.

ما دلالة حديث الدجال على مسألة الصلوات الخمس؟

يدل على أن الواجب في نفس الأمر خمس صلوات على العموم، وأن توزيعها على الأوقات لا يسقط وجوبها عند انعدام تلك الأوقات.

ما الذي قرره ابن الهمام في الرد على قياس البقالي؟

قرر أنه لا يرتاب متأمل في ثبوت الفرق بين انعدام محل الفرض وانعدام سببه الجعلي، وأن انتفاء الوقت انتفاء للمعرِّف لا للواجب.

ما مضمون حكاية الحلواني والبقالي؟

سأل الحلواني البقالي عن فرائض الوضوء لمن قطعت يداه ورجلاه، فأجاب بثلاث لفوات محل الرابع، فقال الحلواني: كذلك الصلاة الخامسة، فاستحسنه البقالي ووافقه.

ما السبب الحقيقي لوجوب الصلاة وما دور الوقت في ذلك؟

السبب الحقيقي هو نعمة الله تعالى على العبد، ولما كان أمراً خفياً جُعل الوقت معرِّفاً ظاهراً له، فهو سبب جعلي اعتباري لا حقيقي.

ما قول الإمام الشافعي في فاقد الطهورين؟

قال يصلي على حسب حاله، وإذا وجد الماء أو التراب بعد ذلك لزمه الإعادة في القول الجديد.

ما قول أبي حنيفة في فاقد الطهورين؟

قال لا يصلي حتى يقدر ثم يقضي، لأنها عبادة لا تسقط القضاء فلم تكن واجبة كصيام الحائض.

ما الدليل النصي الذي استند إليه ابن قدامة على صحة صلاة فاقد الطهورين؟

حديث مسلم أن أناساً صلوا بغير وضوء فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ولم يأمرهم بالإعادة، فنزلت آية التيمم.

لماذا لا يصح قياس مالك لفاقد الطهورين على الحائض؟

لأن الحيض أمر معتاد يتكرر عادة، والعجز عن الطهارة عذر نادر غير معتاد، فلا يصح قياسه على الحيض، ولأن هذا عذر نادر لم يسقط الفرض.

ما الفرق بين مسألة فاقد الطهورين ومسألة ذهاب محل الطهارة؟

مسألة فاقد الطهورين فيها فقدان لشرط الصلاة وهو الطهارة، أما مسألة ذهاب محل الطهارة فهي فقدان للمحل المفعول به وهو الماء والصعيد.

ما أقوال الشافعية في فاقد الطهورين كما ذكرها الشربيني؟

أربعة أقوال: الجديد يصلي ويعيد، ومذهب المزني يصلي بلا إعادة، وقيل يندب له الفعل وتجنب الإعادة، وقيل يحرم عليه الفعل لحديث لا تقبل صلاة بغير طهور.

ما مبدأ الاحتياط في العبادات وكيف يُطبَّق في مسألة العشاء؟

العبادات متى دارت بين الوجوب وعدمه أوجبها الاحتياط لأن مبناها على التكثير، بخلاف العقوبات التي تندرئ بالشبهات، فيُحتاط بإيجاب العشاء عند الشك.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!