اكتمل ✓
الفصل 28

ماذا يحدث إذا خلا الزمان عن المفتين ونقلة المذاهب وكيف تشمل قواعد الشريعة جميع الوقائع؟

إذا خلا الزمان عن المفتين ونقلة مذاهب الأئمة، فإن المراسم الكلية والقواعد الشرعية تبقى محفوظة في الصدور، وتكفي للاجتهاد في الوقائع. مآخذ الشريعة محصورة في الكتاب والسنة والاجتهاد، وقواعدها متقابلة بين النفي والإثبات والإباحة والحظر، مما يجعل كل واقعة مشمولة بحكم الله. ودليل ذلك منهج الصحابة وحديث معاذ بن جبل الذي أقره النبي صلى الله عليه وسلم على الاجتهاد عند عدم النص.

دقيقتان قراءة
  • كيف يواجه المسلم غياب المفتين ونقلة المذاهب في زمان ما، وهل تبقى الشريعة قادرة على الإجابة؟

  • مآخذ الشريعة محصورة في الكتاب والسنة، وليس لأصحاب الرأي أن يفصلوا بمجرد الاستصواب العقلي.

  • المصالح معتبرة في الشريعة لكنها مقيدة بالأصول المحصورة ولا تسترسل في كل وجوه الاستصلاح.

  • منهج الصحابة في الفتوى كان عرض الوقائع على الكتاب ثم السنة ثم الاجتهاد، وعليه درجوا طوال حياتهم.

  • حديث معاذ بن جبل نص صريح على أن الاجتهاد يشمل جميع الوقائع ولا يُسأل المجتهد عن قصوره.

  • قواعد الشريعة متقابلة بين الإباحة والحظر والنفي والإثبات، فكل واقعة تجد حكمها إما نصاً أو استنباطاً.

تصوير خلو الزمان من المفتين مع بقاء المراسيم الكلية

يقول إمام الحرمين :

إذا خلا الزمان عن المفتين وعن نقلة لمذاهب الأئمة الماضيين، فما يكون مرجع المسترشدين المستفتين في أحكام الدين ؟

وملاك الأمر في تصوير هذه المرتبة أن لا يخلو الدهر عن المراسم الكلية، ولا تعري الصدور عن حفظ القواعد الشرعية، وإنما تعتاص والتقاسيم والتفريع، ولا يجد المستفتي من يقضي على حكم الله في الواقعة على التعيين.

حصر مآخذ الشريعة وبيان حدود العمل بالمصالح

ثم قال:

لا يخفى على من شذا طرفاً من التحقيق أن مآخذ الشريعة مضبوطة محصورة وقواعدها معدودة محدودة، فإن مرجعها إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والآي المشتملة على الأحكام وبيان الحلال والحرام معلومة ـ والأخبار المتعلقة بالتكاليف في الشريعة متناهية.

ونحن نعلم أنه لم يفوض إلى ذي الرأي والأحلام أن يفصلوا ما يستصوبون فكم من أمر تقضي العقول بأنه الصواب في حكم الإيالة والسياسة، والشرع وارد بتحريمه، ولسنا ننكر تعلق مسائل الشرع بوجوه من المصالح، ولكنها مقصورة على الأصول المحصورة، وليست ثابتة على الاسترسال في جميع وجوه الاستصلاح ومسالك الاستصواب.

إثبات عدم خلو واقعة من حكم ومنهج الصحابة وحديث معاذ

ثم نعلم مع ذلك أنه لا تخلوا واقعة مع بقاء الشريعة بين ظهراني حملتها إلا وفي الشريعة مستمسك بحكم الله فيها.

والدليل القاطع على ذلك: أن أصحاب المصطفى صلى الله عليه وسلم استقصوا النظر في الوقائع والفتاوي والأقضية، فكانوا يعرضونها على كتاب الله تعالى، فإن لم يجدوا فيها متعلقاً، راجعوا سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم، فإن لم يجدوا فيها شفاء اشتروا واجتهدوا، وعلى ذلك درجوا في تمادي دهرهم إلى الليل والنهار، واقعة نقضي بصورها عن موجب من موجبات التكليف، ولو لم كان ذلك ممكناً لكان يتفق وقوعه على تمادي الآماد مع كل واقعة ممكنة، ولما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه:

" بم تحكم يا معاذ ؟" فقال: بكتاب الله، قال:" فإن لم تجد ؟" قال: فبسنة رسول الله، قال:" فإن لم تجد؟" فقال أجتهد رأي فقرره رسول الله صلى الله عليه وسلم صوبه، ولو يقل: فإن قصر اجتهادك، فماذا تصنع ؟

فكان ذلك نصاً على الوقائع تشملها القواعد التي ذكرها معاذ.

معالجة إشكال تناهي الأدلة بالبناء الكلي وتقابل القواعد

فإذا تقرر ذلك فلو قال قائل:

ما يتوقع وقوعه من الوقائع لا نهاية له ومآخذ الأحكام متناهية، فكيف يشتمل على ما لا يتناهى، وهذا إعضال لا يبوء بحمله غلا موفق ريان من علوم الشريعة ؟

فنقول: للشرع مبني بديع وأساس هو منشأ كل تفصيل وتفريع، وهو معتمد المفتي في الهداية الكلية والدراية.

وهو المشير إلى استرسال أحكام الله على الوقائع مع نفي النهاية، وذلك أن قواعد الشريعة متقابلة لبن النفي والإثبات، والأمر والنهي، والإطلاق والحجر، والإباحة والحظر، ولا يتقابل قط أصلان إلا ويتطرق الضبط إلى أحداهما وتنفي النهاية عن مقابلة ومناقضة.

ونحن نوضح ذلك بضرب مثال, ثم نستصحب استعمال هذه القاعدة الشريفة في تفاصيل الأغراض من هذة المرتبة والله المستعان في كل حين وأوان.

تطبيق القاعدة على مثال النجاسة والطهارة واستنباط حكم غير المنصوص

فنقول: قد حكم الشارع بتجنيس أعيان، ومعنى النجاسة: التعبد باجتناب ما نجسه الشرع في بعض العبادات على تفاصيل يعرفها حملة الشريعة في الحالات، ثم ما يحكم الشرع بنجاسته ينحصر نصاً واستنباطاً.

وما لا يحكم الشرع بنجاسته لا نهاية له في ضبطنا، فسبيل المجتهد أن يطلب ما يسأل عن نجاسته وطهارته من القسم المنحصر، فإن لم يجده منصوصاً فيه ولا ملتحقاً به بالمسلك المضبوط المعروف عند أهله، ألحقه بمقابل القسم ومناقضه وحكم بطهارته.

فاستبان أن لا يتصور والحالة هذه، خلو واقعة في النجاسة والطهارة عن حكم الله تعالى فيها، ثم هذا يطرد في جميع قواعد الشريعة، ومنه يستنبط حكم الله تعالى على ما لا نهاية له.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الذي يبقى محفوظاً في الصدور حتى عند خلو الزمان عن المفتين؟

المراسم الكلية والقواعد الشرعية

إلى ماذا يرجع مآخذ الشريعة الإسلامية في جوهرها؟

الكتاب والسنة

ما الترتيب الذي ذكره معاذ بن جبل للحكم في القضايا؟

الكتاب ثم السنة ثم الاجتهاد بالرأي

ما موقف النبي صلى الله عليه وسلم من إجابة معاذ بن جبل؟

أقره وصوّب إجابته

ما الإشكال الذي يطرحه إمام الحرمين حول الوقائع والأدلة؟

أن الوقائع لا نهاية لها بينما مآخذ الأحكام متناهية

ما المبنى الذي يحل إشكال تناهي الأدلة وعدم تناهي الوقائع؟

المبنى البديع القائم على تقابل قواعد الشريعة

كيف تتقابل قواعد الشريعة وفق ما ذكره إمام الحرمين؟

بين النفي والإثبات والأمر والنهي والإباحة والحظر

ما حكم الشيء الذي لم ينص الشرع على نجاسته ولم يُلحق بالمنصوص عليه؟

يُحكم بطهارته لأنه يُلحق بمقابل القسم المنحصر

ما موقف إمام الحرمين من المصالح في الشريعة؟

يعتبرها لكن مقيدة بالأصول المحصورة لا مسترسلة

ما الذي يدل عليه حديث معاذ بن جبل من حيث شمول الشريعة؟

أن القواعد التي ذكرها معاذ تشمل جميع الوقائع

ما الكتاب الذي نقل عنه إمام الحرمين هذه المسألة؟

الغياثي - غياث الأمم في القياس الظلم

من هو إمام الحرمين وما اسمه الكامل؟

هو عبد الملك بن عبد الله الجويني، أحد أبرز علماء أصول الفقه في الإسلام.

ما معنى خلو الزمان عن المفتين في سياق هذه المسألة؟

يعني غياب من يقضي بحكم الله في الواقعة على التعيين، مع بقاء المراسم الكلية والقواعد الشرعية محفوظة في الصدور.

لماذا لا يجوز لأصحاب الرأي أن يفصلوا ما يستصوبون بمجرد العقل؟

لأن كثيراً من الأمور تقضي العقول بأنها صواب في السياسة والإيالة بينما الشرع وارد بتحريمها، فالعقل وحده لا يكفي مرجعاً.

ما الفرق بين المصالح المعتبرة والمصالح المرسلة وفق هذا النص؟

المصالح معتبرة في الشريعة لكنها مقصورة على الأصول المحصورة، وليست ثابتة على الاسترسال في جميع وجوه الاستصلاح.

ما الخطوات التي كان الصحابة يتبعونها عند مواجهة واقعة جديدة؟

كانوا يعرضونها على كتاب الله، فإن لم يجدوا راجعوا سنة النبي، فإن لم يجدوا اجتهدوا برأيهم.

ما الدلالة الأصولية لعدم سؤال النبي معاذاً عما يصنع إن قصر اجتهاده؟

هذا نص على أن القواعد الثلاث التي ذكرها معاذ تشمل جميع الوقائع ولا تخلو واقعة من حكم الله فيها.

ما المقصود بالمبنى البديع للشريعة؟

هو الأساس الذي تنشأ منه كل تفاصيل الشريعة وتفريعاتها، وهو قائم على تقابل القواعد بين النفي والإثبات والإباحة والحظر.

كيف يجعل تقابل القواعد الشرعية الأحكام غير متناهية؟

لأنه لا يتقابل أصلان إلا ويتطرق الضبط إلى أحدهما وتنتفي النهاية عن مقابله، فيسترسل الحكم على ما لا نهاية له من الوقائع.

ما تعريف النجاسة وفق ما ذكره إمام الحرمين؟

النجاسة هي التعبد باجتناب ما نجسه الشرع في بعض العبادات على تفاصيل يعرفها حملة الشريعة.

ما القسمان اللذان يقسم إليهما المجتهد الأشياء في مسألة النجاسة والطهارة؟

القسم المنحصر الذي نص الشرع على نجاسته أو ألحق به، وما لا نهاية له مما لم ينص الشرع على نجاسته فيُحكم بطهارته.

هل يمكن أن تخلو واقعة من حكم الله في الشريعة الإسلامية؟

لا، لأن قواعد الشريعة المتقابلة تضمن أن كل واقعة تجد حكمها إما نصاً أو استنباطاً بالمسلك المضبوط.

ما معنى قول إمام الحرمين إن الوقائع يُقضى بصورها عن موجبات التكليف؟

يعني أن بعض الوقائع يُبعدها المجتهد عن دائرة التكليف فلا يكون لها حكم تكليفي خاص.

في أي كتاب أخرج أبو داود حديث معاذ بن جبل؟

أخرجه أبو داود في سننه.

ما الغرض من ضرب مثال النجاسة والطهارة في هذا السياق؟

لتوضيح كيفية تطبيق قاعدة تقابل الأصول على واقعة عملية، ثم استصحاب هذه القاعدة في تفاصيل المرتبة التي يبحثها إمام الحرمين.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!