اكتمل ✓
الفصل 7

ما تعريف أصول الفقه بمعناه العلمي وما علاقته بالمعنى الإضافي وما هي أجزاء هذا العلم؟

تعريف أصول الفقه عند البيضاوي هو: معرفة دلائل الفقه إجمالاً وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد. يتألف هذا التعريف من ثلاثة أجزاء تشمل الأدلة الكلية وطرق الاستنباط وشروط المجتهد. وثمة علاقة وثيقة بين المعنى اللقبي العلمي والمعنى الإضافي لغةً واصطلاحاً، إذ يمثل المعنى اللغوي أداةً للاستفادة من الأدلة فيما يمثل المعنى الاصطلاحي موضوع الأصل الأول.

14 دقيقة قراءة
  • هل تعلم أن تعريف أصول الفقه عند البيضاوي يشتمل على ثلاثة أجزاء هي معرفة الأدلة الكلية وكيفية الاستفادة منها وحال المجتهد؟

  • المعرفة تتعلق غالباً بالمفرد وتفيد التصور، بينما العلم يتعلق غالباً بالنسب ويفيد التصديق، وقد يتبادلان في الاستعمال.

  • أسماء الله توقيفية، ولذلك يُطلق عليه سبحانه لفظ عالم دون عارف لعدم ورود التوقيف بذلك.

  • الأدلة نوعان: كلية إجمالية كمطلق الأمر والنهي والإجماع، وجزئية مشخصة كأقيموا الصلاة، والأصول يبحث في الكليات فقط.

  • تعريف الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية، ويخرج منه علم المقلد وعلم الرسول بالوحي وعلم الملائكة.

  • علم أصول الفقه هو فلسفة المسلمين الحقيقية التي تجمع مصادر البحث وكيفيته وشروط الباحث، وهي الأركان ذاتها التي أخذها المنهج العلمي التجريبي الحديث.

مقدمة عن تعريف أصول الفقه وعلاقته بالمعنى الإضافي والعلمي

وعلى ذلك فهل هناك علاقة بين أصول الفقه بمعناه الإضافي ومعناه العلمي ؟.

تعريف البيضاوي تعرض للمعنى العلمي فبعد شرحه نجيب على هذا السؤال.

ثانياً: شرح التعريف:

أصول الفقه: معرفة دلائل الفقه إجمالا، وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد فمعنى كلمة أصول الفقه هنا مركب من معارف ثلاثة، معرفة دلائل الفقه إجمالا، معرفة كيفية الاستفادة منها ومعرفة حال المستفيد.

تحليل لفظ المعرفة والتمييز بينها وبين العلم في التعلق

المعرفة: الكثير فيها والغالب أن تتعلق بالمفرد فيتعدى إلى مفعول واحد وفي هذه الحالة يكون معناها هو التصور، فيقال: عرفت محمدا أي تصورته، والكثير في العلم أن يتعلق بالنسب فيتعدى إلى مفعولين ويكون معناه التصديق، فيقال: علمت أن الله واحد، أي صدقت بوحدانيته هذا هو الكثير والغالب في كل من العلم والمعرفة وقد تتعلق المعرفة بالنسب فيتعدى إلى مفعولين ويكون معناها التصديق ويتعلق العلم بالفرد ويكون معناه التصور فيقال عرفت أن الله واحد أي صدقت بذلك وعلمت محمدا أي تصورته.

إسناد العلم والمعرفة إلى الحادث وإلى الله وتوقيفية الأسماء

وإذا أسندت المعرفة أو العلم إلى الحادث تطلب ذلك سبق الجهل، وإذا أسند كل منهما إلى الله عز وجل لم يتطلب سبق الجهل، فإذا قيل: خالد عرف الفقه، أو علمه، كان معناه أن معرفته للفقه أو علمه به مسبوق بجهله له، فإن الأصل بالنسبة للحوادث: الجهل، وصدق الله العظيم إذ يقول:

{ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا} .

وإذا قيل: الله عالم بكذا أو عارف به كان معنى ذلك حصول المعرفة أو العلم له سبحانه وتعالى من غير أن يتقدم ذلك جهل بما عرفه أو علمه، لأن علمه تعالى بجميع الأشياء أزلي، وإنما أطلق على الله سبحانه وتعالى عالم، ولم يطلق عليه عارف مع أن كلا منهما لا يستدعي سبق الجهل بالنسبة إليه تعالى لأنه لم يرد توقيف من الله تعالى أو من رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بإطلاق المعرفة عليه.

ولا يطلق شىء على الله إلا إذا ورد الشرع به لأن أسماء الله تعالى توقيفية، والمراد من المعرفة هنا العلم والتصديق دون التصور، لأن المعرفة تعلقت بالنسبة ولم تتعلق بالمفرد وسيأتي بيان ذلك.

والمعرفة جنس في التعريف، والمراد بجنسيتها في التعريف، أي شمولها لمعرفة الأدلة ومعرفة الأحكام ومعرفة غيرهما.

تعريف الدليل لغة واصطلاحا وأقوال الأصوليين فيه

دلائل: جمع دليل وهو في اللغة: المرشد للمطلوب والمرشد له معنيان: الناصب لما يرشد به، والذاكر له ويطلق الدليل على ما به الإرشاد .

والدليل عند علماء الأصول أي في اصطلاحهم هو: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري، وهذا يتناول الأمارة أي الظني منه.

والتوصل هو الوصول بكلفة ، وقيل ما يمكن دون ما يتوصل وقيل في تعريف الدليل: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى العلم بالغير ، وقيل: هو ترتيب أمور معلومة للتأدي إلى مجهول والتعريف الأول هو الراجح وهو المراد عند البيضاوي.

عموم دلائل الفقه من خلال الإضافة إلى الفقه وإلى المعرفة

ودلائل: جمع مضاف إلى الفقه فيفيد العموم، لأن الجمع إذا أضيف أفاد العموم، وبذلك يكون معناه: جميع أدلة الفقه، فيشمل الأدلة المتفق عليها، والأدلة المختلف فيها.

وأيضاً دلائل مضافة إلى معرفة، ومعرفة هذه الإضافة، أنها قيد في التعريف يحترز به عن أدلة غير الفقه كمعرفة أدلة التوحيد مثلا فإن ذلك ليس من الأصول.

وما دام المراد من أدلة الفقه، جميع أدلته المتفق عليها والمختلف فيها كان معرفة بعض أدلته كمعرفة الأدلة المتفق عليها فقط ليس علما بأصول الفقه، بل يكون ذلك علما ببعض أصول الفقه ولفظ الفقه تقدم معناه في اللغة وسيأتي معناه في الاصطلاح قريبا.

مقصود معرفة دلائل الفقه وتمييزه عن مجرد تصور الأدلة وحفظها

والمقصود من معرفة دلائل الفقه معرفة الأحوال المتعلقة بهذه الأدلة، مثل أن يعرف: أن الأمر يفيد الوجوب عند عدم القرينة الصارفة عن الوجوب إلى غيره كالندب والإباحة مثلا، وأن النهي للتحريم عند عدم القرينة الصارفة عن التحريم إلى غيره كالكراهة مثلا.

وأن يعرف أن الإجماع يفيد الحكم قطعا أو ظنا وليس المراد من معرفة دلائل الفقه تصورها كأن يعرف الكتاب بأنه القرآن المنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم المتعبد بتلاوته المعجز للبشر وأن السنة هي أقواله صلى الله عليه وآله وسلم وأفعاله وتقريراته، وأن الإجماع هو اتفاق المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم في عصر من العصور على أمر من الأمور.

لأن تصورات هذه الأدلة ليست من مقاصد علم الأصول، وإنما هي من المبادىء التصورية وليس المراد من معرفة الأدلة حفظها كذلك، لأن حفظ الأدلة ليس من الأصول في شىء ولا يتوقف الأصول عليه.

إعراب كلمة إجمالا وبيان الأدلة الإجمالية والكلية والجزئية

إجمالاً: فيه إعرابات كثيرة أصحها أن يكون حالا من الأدلة، واغتفر فيه التذكير لكونه مصدرا ولا يصح أن يجعل حالا من المعرفة لفساد المعنى، فإنه ليس المراد من الأصول هو المعرفة الإجمالية للأدلة، بل المراد المعرفة التفصيلية للأدلة الإجمالية.

ويمكن أن يعرب تمييزا من معرفة أو من دلائل، ويمكن أن يكون نعتا لمصدر محذوف تقديره عرفا إجمالا.

والمراد من الأدلة الإجمالية، الأدلة الكلية وسميت الأدلة الكلية بالإجمالية لأنها تعرف على وجه الإجمال دون التفصيل.

والحاصل أن الأدلة نوعان:

  1. أدلة كلية
  2. أدلة جزئية.

أمثلة الأدلة الكلية والجزئية وسبب الاقتصار على الكليات في الأصول

فمطلق أمر ومطلق نهي ومطلق إجماع ومطلق قياس ومطلق خبر الواحد كل ذلك يعد أدلة كلية لأنها لا تدل على حكم معين.

ومثل: أقيموا الصلاة، ولا تقربوا الزنا، والإجماع على أن بنت الابن تأخذ السدس مع البنت عند عدم العاصب تكلمة للسدسين وقياس الأرز على البر ليثبت له حرمة التفاضل بجامع الطعم في كل منهما ومرسل سعيد بن المسيب في النهي عن بيع اللحم بالحيوان، والمصلحة المرسلة في التترس أو الاستحسان في التحليف على المصحف ونحو ذلك، تعتبر أدلة معينة وجزئيات مشخصة، لأن كلا منها يستفاد من حكم معين، والأصول إنما يبحث فيه عن أحوال الأدلة الكلية ولا يبحث فيه عن الأدلة الجزئية، لأنها غير محصورة ولأنها داخلة تحت الأدلة الكلية فالبحث عن أحوال الأدلة الكلية بحث عن الأدلة الجزئية بطريق التبع.

فائدة قيد إجمالا في التمييز بين أصول الفقه وعلم الخلاف

وفائدة الإتيان بقوله إجمالا: الاحتراز به عن علم الخلاف، لأن المقصود من علم الخلاف معرفة أدلة الفقه التفصيلية لا ليستنبط منها الأحكام، بل لتكون سلاحا يدافع به المتناظران كل منهما عن وجهة إمامه ومثل ذلك لا يكون من الأصول في الشىء.

جزء كيفية الاستفادة من الأدلة وضبط الاستدلال والتعارض والترجيح

(وكيفية الاستفادة منها)

معطوف على دلائل الفقه، أي ومعرفة كيفية استفادة الفقه من تلك الدلائل، يعني استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة واستفادتها أي -الأحكام- من الأدلة إنما يكون بمعرفة شرائط الاستدلال مثل تقديم النص على الظاهر وتقديم المتواتر على الآحاد وغير ذلك مما هو موجود في كتاب التعارض والترجيح، كما لابد للفقيه من معرفة تعارض الأدلة والأسباب التي يترجح بها بعض الأدلة على بعض وإنما جعلت هذه المباحث من أصول الفقه: لأن المقصود من معرفة أدلة الفقه استنباط الأحكام منها ولا يمكن الاستنباط من الأدلة إلا بعد معرفة التعارض والترجيح، لأن دلائل الفقه مفيدة للظن والمظنونات قابلة للتعارض محتاجة إلى الترجيح.

حال المستفيد وتعريف المجتهد ودور الاجتهاد في ربط الظن بالأحكام

(وحال المستفيد)

وهو معطوف على دلائل أيضا أي معرفة حال المستفيد، والمراد بالمستفيد: المجتهد، لأنه الذي يستفيد الأحكام من أدلتها دون المقلد، يؤيد هذا ويقويه ما ورد في بعض نسخ المنهاج من التعبير بالمستدل، بدل المستفيد وهذا التعبير، صريح في إرادة المجتهد وحده.

وإنما كان البحث عن حال المجتهد، من أصول الفقه، لأننا بينا فيما سبق أن البحث عن أحوال الأدلة إنما هو لأجل أن يتوصل بها إلى استنباط الأحكام من الأدلة وقلنا: إن الأدلة المثبتة للأحكام ظنية ومعلوم أنه ليس بين الظن ومدلوله ارتباط عقلي، لجواز أن لا يدل الدليل عليه فكان لا بد من رابط يربط بينهما والرابط هو الاجتهاد، فلذلك بحث في الأصول عن الاجتهاد، وذكر فيه الشروط التي يجب توافرها في المجتهد.

فهم التعريف وعلاقته بالمعنى اللقبي والإضافي لأصول الفقه

ثالثا: فهم التعريف:

  1. إن هذا التعريف يشتمل على أجزاء ثلاثة، ومن أجل ذلك، قيل: أصول بالجمع ولم يقل: أصل.

  2. إننا نرى أن هناك علاقة بين المعنى اللقبي (العلمى) وبين المعنى الإضافي سواء أكان لغويا أم اصطلاحيا، فاللغوي الذي هو أسس الفهم، إنما هو بمنزلة الأداة للأصل الثاني، وهو كيفية الاستفادة من الأدلة، أما المعنى الاصطلاحي، وهو أدلة الفقه، فهي موضوع الأصل الأول الذي هو معرفة تلك الأدلة على سبيل الإجمال.

أصول الفقه كمنهاج قويم وفلسفة إسلامية وأثره في المنهج العلمي

  1. إن هذا التعريف لذلك العلم يجعله هو المنهاج القويم لتعامل المسلمين مع مصادر شرعهم وإيقاع أحكام الله تعالى على أفعال البشر في مجالات شتى في كل العصور وفي كل مكان مما يصدق معه قول القائل: إن علم أصول الفقه هو فلسفة المسلمين الحقيقية التي تكون عند المسلم رؤية ربانية صادقة للإنسان والكون والحياة.

  2. يشتمل هذا التعريف على مصادر البحث وكيفيته وشروط الباحث، وهي الأركان الثلاثة التي أخذها ريجو بيكون لتكوين المنهج العلمي التجريبي الحديث لتتخلص أوروبا من خرافات الكنيسة ولكنهم أخذوه وتركوا جانب الوحي الرباني عند المسلمين فصارت حضارتهم عرجاء تسير على دراسة الوجود متفلتة من هدي الوحي.

تعريف الفقه وبيان الإطلاقين للعلم وتمييزه عن الظن والشك والوهم

  • الفقه: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية شرح التعريف:

العلم يطلق باطلاقين:

الأول: صفة توجب تمييزا لا يحتمل النقيض وهو بهذا الإطلاق يشمل التصور والتصديق؛ لأن متعلق العلم إن كان ذاتا أو معنى مفردا أو نسبة غير خبرية، كان العلم بهذا المتعلق تصورا، وإن كان متعلق العلم نسبة خبرية كان تصديقا قطعيا مثاله؟؟: العالم حادث فالعلم بذات العالم أو العلم بمعنى الحدوث في نفسه أو العلم بنسبة الحدوث إلى العالم من غير ثبوت له أو نفيه عنه تصورا.

الإطلاق الثاني: الاعتقاد الجازم المطابق للواقع عن دليل فالعلم بهذا الإطلاق خاص بالتصديق، فلا يدخل فيه التصور كما لا يدخل فيه الظن والشك والوهم والجهل والتقليد.

تفصيل معاني الظن والشك والوهم والإدراك والجهل والتقليد وحدود العلم

والظن هو تجويز وقوع كل من أمرين بدلا عن الآخر تجويزا ظاهرا أحدهما أظهر من الآخر. والشك هو تجويز وقوع كل من أمرين بدلا عن الآخر، لا مزية لأحدهما على الآخر.

والوهم هو الإدراك المقابل للظن، أي إدراك الطرف المرجوح .

والإدراك هو إحاطة الشيء بكماله أو هو حصول الصورة عند النفس الناطقة .

والجهل: تصور الشيء على خلاف ما هو به في الواقع .

والتقليد هو أخذ مذهب الغير بلا معرفة دليله .

استبعاد الظن والشك والوهم والتقليد وبيان أن العلم جنس في التعريف

ووجه عدم دخول الظن والشك والوهم. فلأن هذه الأمور لا جزم فيها وأما التقليد فلأن الجزم المطابق للواقع فيه ليس عن دليل.

وعلى ذلك يصح أن يكون العلم في التعريف مرادا به الإطلاق الأول ويخرج التصور بقول البيضاوي: من الأدلة؛ لأن التصور يراد من التعاريف لا من الأدلة.

ويصح أن يراد به الإطلاق الثاني، ويكون التقليد خارجا عن العلم وليس داخلا فيه.

والعلم: جنس في التعريف يشمل كل علم سواء أكان بالذات أم بالصفات أم بالأفعال أم بالأحكام.

قوله بالأحكام ومعنى الحكم في اللغة وعند أهل العربية

(وقوله بالأحكام):

الباء يصح أن تكون أصلية ويكون العلم متضمنا معنى الإحاطة، ويصح أن تكون زائدة قصد بها التقوية، لأن المصدر المعرف بالألف ضعييف العمل فإذا زيد الحرف في معموله كان في ذلك تقوية له على العمل.

والأحكام جمع حكم وهو أولا في اللغة القضاء، يقال: حكم عليه وله بمعنى قضى، ويطلق على العلم والحكمة، فالحكيم العالم وصاحب الحكمة، ومعناه في عرف أهل العربية النسبة التامة الخبرية كما في قولك زيد قائم، فإن الحكم عندهم هو نسبة القيام لزيد وهذا ما سماه المناطقة القضية وسماه الفقهاء المسألة فالمسألة مطلوب خبري يبرهن عنه في العلم بدليل.

والنحاة تسمى النسبة التامة سواء أكانت خبرية أم إنشائية، الجملة المفيدة.

الحكم عند المناطقة وتحليل القضية إلى موضوع ومحمول ونسبة

ثانيا: والحكم عند المناطقة هو عبارة عن إدراك النسبة بطريق الإذعان وتوضيح مذهبهم، إنهم يقولون: إن المركب الخبري نحو: محمد جالس يسمى قضية، وهذه القضية تشتمل على موضوع وهو محمد، ومحمول وهو جالس، ونسبة بينهما وهي تعلق الجلوس بمحمد وارتباطه به، وهل هذه النسبة هي وقوع الجلوس في حال الإثبات وعدم وقوعه في حال النفي أو هي شىء آخر غير ذلك. في هذا خلاف فبعضهم يقول: إنها غيره وأن الوقوع واللاوقوع، نسبة أخرى تتصف بها النسبة الأولى فيقال: إن نسبة الجلوس لمحمد واقعة أو ليست واقعة، وبعضهم يقول إنها عينه، فليس هناك نسبة موجودة بين الموضوع والمحمول سوي الوقوع واللاوقوع، فعلى المذهب الأول، تكون أجزاء القضية أربعة موضوع ومحمول ونسبة يرد عليها الإيجاب والسلب، ونسبة ثانية هي الوقوع واللاوقوع وتسمى النسبة الأولى كلامية وذهنية، فمن حيث فهمها من الكلام تسمى كلامية، ومن حيث ارتسامها في ذهن السامع بعد نطق المتكلم بالجملة أو ارتسامها في ذهن المتكلم قبل تطقه بها تسمى ذهنية، لأنها قائمة بالذهن (ذهن المتكلم أو ذهن السامع) فالنسبة الكلامية والذهنية شىء واحد يتحدان بالذات ويختلفان بالاعتبار.

أما النسبة الثانية، وهي الوقوع واللاوقوع، فإنها تسمى النسبة الخارجية لحصولها في ذاتها بقطع النظر عن دلالة الكلام لأنها حاصلة في الواقع خارج التعقل من الكلام، فإن الوقوع واللاوقوع لابد من واحد منهما في الواقع ونفس الأمر، ويسمي الوقوع واللاوقوع حكما من حيث إدراكه على وجه الإذعان.

أما على الرأي الثاني، فإن أجزاء القضية ثلاثة: الموضوع والمحمول والنسبة بمعنى الوقوع واللاوقوع. وهذا هو الذي عليه المحققون.

أنواع الإدراك للنسبة الحكمية وتعريف الحكم في اصطلاح الأصوليين

ثم إن الوقوع واللاوقوع قد يتصور في ذاته من حيث إنه تعلق بين الموضوع والمحمول بقطع النظر عن الواقع ونفس الأمر، أو تعلق الثبوت والانتفاء ويسمي نسبة حكمية وقد يتصور باعتبار حصوله وعدم حصوله في نفس الأمر، وفي هذه الحالة لا يخلو إما أن يكون التصور على سبيل التردد وهو الشك أو على سبيل الإذعان وهو الحكم، فالنسبة بمعنى الوقوع واللاوقوع يتعلق بها ثلاثة إدراكات:

الأول: إدراكها في ذاتها بقطع النظر عن حصولها في نفس الأمر، وهذا الإدراك تصور حصول الشىء في النفس.

الثاني: إدراكها باعتبار حصولها في نفس الأمر على سبيل التردد وهذا الإدراك تصور أيضا، إلا أنه يحتمل النقيض بخلاف الأول.

الثالث: إدراكها على سبيل الإذعان، وهذا الإدراك تصديق وهو المسمى بالحكم، فالذي يسمى الوقوع واللاوقوع حكما فإنما يريد الوقوع واللاوقوع من حيث إدراكها على وجه الإذعان والتصديق كما تقدم.

فالحكم هو إدراك الوقوع على وجه الإذعان والتسليم سواء جرينا على القول الأول وهو أن هناك نسبة سوى الوقوع واللاوقوع، وسواء قلنا: إن أجزاء القضية ثلاثة أو أربعة.

ثالثاً: ومعنى الحكم في اصطلاح الأصوليين هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع، وخطاب الله هو الكلام النفسي القديم، والتكليف طلب ما فيه مشقة وقيل هو: إلزام بما فيه مشقة، والوضع: جعل اللفظ بإزاء المعنى.

العلم بالأحكام الشرعية وتمييزه عن العلم بالذوات والصفات والأفعال

وبالأحكام جار ومجرور متعلق بالعلم، ومعنى العلم بالأحكام التصديق بكيفية تعلقها بأفعال المكلفين مثل أن تعلم أن الوجوب ثابت للصلاة والتحريم ثابت للربا، والجواز ثابت للمساقاة إلى غير ذلك من ثبوت الأحكام المعينة للأفعال المعينة.

وقيد العلم بالأحكام ليخرج العلم بالذوات كزيد والصفات كالسواد والبياض والأفعال كالضرب والكتابة والقراءة، فلا يسمى ذلك فقها في الاصطلاح، وذلك لأن العلم لابد له من معلوم، فإن لم يكن المعلوم محتاجا إلى محل يقوم به فهو الجوهر كالجسم وإن احتاج إلى محل يقوم به، فإن كان سببا لتأثير الغير فهو الفعل، وإن لم يكن فإن كان نسبة بين شيئيين فهو الحكم وإن لم يكن فهو الصفة كالبياض ونحوه فتقييد العلم بكونه متعلقا بالحكم مخرج لما عداه من بقية أقسام المعلوم، وظهر أن الحكم معناه النسبة، فالأحكام هي النسبة التامة، والعلم بها تصديق بمتعلقها.

قيد الشرعية وتمييز الأحكام الشرعية عن الحسية والعقلية والوضعية

(وقوله الشرعية):

أي الصادرة عن الشرع والشرع هو الحكم والشارع هو الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم مبلغ عنه فلذلك يطلق الشارع على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

والشرعية قيد في التعريف لتخرج الأحكام الحسية كالعلم بأن النار محرقة، والأحكام العقلية كالعلم بأن الضدين (السواد والبياض) لا يجتمعان، وبأن النقيضين (العدم والوجود) لا يجتمعان ولا يرتفعان والأحكام الوضعين كالعلم بأن الفاعل مرفوع والمفعول منصوب.

والأحكام الشرعية هي المنسوبة إلى الشارع نسبة مباشرة كالأحكام المأخوذة من النصوص، أو بواسطة، كالأحكام المستفادة بواسطة الاجتهاد وهذه الأحكام المنسوبة إلى الشارع تشمل الأحكام الاعتقادية، الإيمان بما يجب وما يجوز وما يستحيل في حق الله تعالى والإيمان بأن القرآن حجة تؤخذ منه الأحكام، والإيمان بالبعث. فهذه أحكام شرعية لم تتعلق بأفعال المكلفين وإنما تتعلق بعقائدهم.

الأحكام الاعتقادية والوجدانية والعملية مع شواهد من القرآن الكريم

وتشمل الأحكام الوجدانية، وهي الأحكام التي تتعلق بأخلاق الناس وما يجب أن تكون عليه نفوسهم من المراقبة والتوكل والعرفان، وتشمل الأحكام العملية كوجوب الصلاة والحج قال تعالى:

{ إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا}

وقال تعالى:

{ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا}

وكحل البيع وحرمة الربا

{ وأحل الله البيع وحرم الربا} .

قيد العملية في تعريف الفقه وحصره في الأحكام العملية

(قوله العملية):

نسبة إلى العمل، فيكون معناها: المتعلقة بكيفية عمل، وكيفية العمل هي الصفة القائمة به من الأحكام الخمسة وكونها عملية: إنما هو بالنظر للغالب فإن طهارة الخمر إذا تخللت، وكون الرق مانعا من الإرث، من أحكام الفقه وليس شىء منهما عمليا إلا بتأويل.

والعملية، قيد في التعريف ليخرج الاعتقادية لاستقلال علم التوحيد بها، والأحكام الوجدانية لاستقلال علم التصوف بها، وعلى هذا فالفقه قاصر على البحث في الأحكام الشرعية سواء منها ما تعلق بأمور الآخرة كالصوم والصلاة والزكاة والحج، وما تعلق بأمور الدنيا كالعقوبات من قصاص وحدود وديات والمعاملات والمناكحات.

قيد المكتسب ومن الأدلة واستبعاد علم الله والرسول والملائكة والمقلد

(قوله المكتسب):

أي الحاصل بعد أن لم يكن، أو هو المأخوذ من الأدلة .

ويقرأ بالرفع صفة للعلم وليس صفة للأحكام حتى يقرأ بالجر وذلك لأن المكتسب مذكر والأحكام مؤنثة والصفة يجب مطابقتها لموصوفها في التذكير والتأنيث.

وأيضاً: لو جعل المكتسب وصفا للأحكام للزم من ذلك أن يكون علم الله بالأحكام فقها وأن يكون علم المقلد للفقهاء فقها كذلك وهو باطل.

(قوله من الأدلة):

جار ومجرور متعلق بالمكتسب، ويخرج به علم الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بالأحكام التي ليست عن اجتهاد لأنه مكتسب من الوحي، وعلم الملائكة بالأحكام لأنه مكتسب من اللوح المحفوظ فظهر أن كلا منها ليس مكتسبا من الأدلة.

قيد التفصيلية ودوره في تمييز علم الفقه عن علم المقلد

(قوله التفصيلية):

أي الجزئية أي المذكورة على جهة التفصيل، وهو تمييز الأفراد بعضها عن بعض فيما يختص به.

والتفصيلية قيد في التعريف يخرج به علم المقلد بالأحكام، لأن علمه بها ليس مكتسبا من أدلة تفصيلية فإنه اعتبار وحكم شرعي عملي مكتسب من دليل إجمالي يقول فيه: هذا حكم أفتاني به المفتي وكل حكم أفتاني به المفتي فهو حكم الله في حقي فهذا الحكم حكم الله في حقي.

والحق أن التفصيلية لم يحترز به عن شىء، وإنما ذكر لبيان الواقع، وليكون في مقابلة قوله في تعريف أصول الفقه: إجمالا، أما علم المقلد فهو خارج بما خرج به علم الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وعلم الملائكة لأن علم المقلد بالأحكام ليس مأخوذا من الأدلة، بل هو مأخوذ من المجتهد.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما تعريف أصول الفقه عند البيضاوي؟

معرفة دلائل الفقه إجمالاً وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد

ما الغالب في استعمال لفظ المعرفة من حيث التعلق؟

تتعلق بالمفرد وتفيد التصور

لماذا لا يُطلق على الله لفظ عارف مع أنه لا يستدعي سبق الجهل بالنسبة إليه؟

لأن أسماء الله توقيفية ولم يرد توقيف بإطلاق المعرفة عليه

ما تعريف الدليل في اصطلاح علماء الأصول؟

ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري

ما الفرق بين الأدلة الكلية والأدلة الجزئية؟

الكلية لا تدل على حكم معين والجزئية تدل على حكم معين

لماذا يقتصر علم أصول الفقه على البحث في الأدلة الكلية دون الجزئية؟

لأن الأدلة الجزئية غير محصورة وهي داخلة تحت الكليات

ما الفرق بين علم أصول الفقه وعلم الخلاف؟

الأصول يبحث في الأدلة الكلية للاستنباط والخلاف في التفصيلية للمناظرة

ما المراد بالمستفيد في تعريف أصول الفقه؟

المجتهد الذي يستفيد الأحكام من أدلتها

ما تعريف الفقه في الاصطلاح؟

العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية

ما الذي يُخرجه قيد الشرعية في تعريف الفقه؟

الأحكام الحسية والعقلية والوضعية

ما الذي يُخرجه قيد العملية في تعريف الفقه؟

الأحكام الاعتقادية والوجدانية

من يُخرجه قيد من الأدلة في تعريف الفقه؟

الرسول والملائكة والمقلد

ما الحكم في اصطلاح الأصوليين؟

خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع

ما الإطلاق الثاني للعلم في تعريف الفقه؟

الاعتقاد الجازم المطابق للواقع عن دليل وهو خاص بالتصديق

ما الأركان الثلاثة التي يشتمل عليها تعريف أصول الفقه والتي أخذها المنهج العلمي الحديث؟

مصادر البحث وكيفيته وشروط الباحث

كم جزءاً يشتمل عليه تعريف أصول الفقه عند البيضاوي؟

ثلاثة أجزاء: معرفة دلائل الفقه إجمالاً، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد.

ما الغالب في استعمال لفظ العلم من حيث التعلق؟

الغالب في العلم أن يتعلق بالنسب فيتعدى إلى مفعولين ويكون معناه التصديق، كقولنا علمت أن الله واحد.

ما الشرط الذي يتطلبه إسناد المعرفة أو العلم إلى الحادث دون الله؟

إسناد المعرفة أو العلم إلى الحادث يتطلب سبق الجهل، أما إسنادهما إلى الله فلا يتطلب ذلك لأن علمه أزلي.

ما المقصود من معرفة دلائل الفقه في تعريف أصول الفقه؟

المقصود معرفة الأحوال المتعلقة بالأدلة كمعرفة أن الأمر يفيد الوجوب وأن النهي للتحريم، لا مجرد تصور الأدلة أو حفظها.

لماذا سُميت الأدلة الكلية بالإجمالية؟

سُميت إجمالية لأنها تُعرف على وجه الإجمال دون التفصيل، وهي كمطلق الأمر والنهي والإجماع والقياس.

ما الرابط الذي يربط بين الأدلة الظنية ومدلولاتها من الأحكام؟

الرابط هو الاجتهاد، ولذلك بُحث في الأصول عن الاجتهاد وذُكرت فيه الشروط التي يجب توافرها في المجتهد.

ما العلاقة بين المعنى اللغوي لأصول الفقه والأصل الثاني في التعريف؟

المعنى اللغوي وهو أسس الفهم يمثل أداةً للأصل الثاني وهو كيفية الاستفادة من الأدلة.

ما الذي يُخرجه قيد إجمالاً في تعريف أصول الفقه؟

يُخرج علم الخلاف الذي يعتني بالأدلة التفصيلية للمناظرة لا للاستنباط.

ما تعريف الشك؟

الشك هو تجويز وقوع كل من أمرين بدلاً عن الآخر لا مزية لأحدهما على الآخر.

ما تعريف الوهم؟

الوهم هو الإدراك المقابل للظن، أي إدراك الطرف المرجوح.

ما تعريف التقليد؟

التقليد هو أخذ مذهب الغير بلا معرفة دليله.

لماذا قُرئ لفظ المكتسب بالرفع صفةً للعلم لا للأحكام؟

لأن المكتسب مذكر والأحكام مؤنثة، والصفة يجب مطابقتها لموصوفها في التذكير والتأنيث.

ما الحكم عند المناطقة؟

الحكم عند المناطقة هو إدراك النسبة بطريق الإذعان، أي إدراك الوقوع واللاوقوع على وجه الإذعان والتصديق.

ما الأنواع الثلاثة للأحكام الشرعية؟

الأحكام الشرعية ثلاثة أنواع: اعتقادية كالإيمان بالله، ووجدانية كالأخلاق والمراقبة، وعملية كالصلاة والمعاملات.

ما الفرق بين الإطلاق الأول والثاني للعلم؟

الإطلاق الأول صفة توجب تمييزاً لا يحتمل النقيض ويشمل التصور والتصديق، والثاني الاعتقاد الجازم المطابق للواقع عن دليل وهو خاص بالتصديق.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!