هل تجري أحكام الربا والزكاة على الأوراق النقدية كما تجري على الذهب والفضة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على مذهبين: الأول يرى عدم جريان الربا على الأوراق النقدية لأن الأحكام مقتصرة على الذهب والفضة، والثاني يرى أن الأوراق النقدية أصبحت تحمل صفة الثمنية فتجري عليها أحكام النقدين من ربا وزكاة. والراجح عند كثير من المعاصرين أن الربا تعلّق بالنقدية التي ذهبت، وأن بيع الدين بالدين وربط سعر الفائدة بالزمن يبقى حراماً بنص صريح.
- •
هل تجري أحكام الربا والزكاة على الأوراق النقدية كما كانت تجري على الذهب والفضة؟ هذا هو السؤال المحوري الذي يدور حوله هذا البحث الفقهي.
- •
اختار الناس الذهب والفضة وسيطاً للتبادل عبر العصور لخصائصهما الفريدة من ندرة وثبات وصلادة، فأناط الشارع بهما أحكام الزكاة والربا والشركة.
- •
في القرن التاسع عشر حلّت الأوراق البنكنوت محل النقدين تدريجياً حتى انفصلت كلياً عن قاعدة الذهب عام 1980م، مستمدةً قوتها من الحكومة المصدِرة لها.
- •
المذهب الأول يرى عدم ربوية النقود الورقية لأن التحريم تعبدي مقتصر على محل الورود، وأن الذهب والفضة لهما خصائص لا توجد في غيرهما.
- •
المذهب الثاني يرى أن الثمنية أصبحت واقعاً للنقود الورقية فيجب إجراء أحكام النقدين عليها من باب تحقيق المناط لا إحداث اجتهاد جديد.
- •
يبقى بيع الدين بالدين وربط سعر الفائدة بالزمن حراماً بنص صريح بصرف النظر عن الخلاف في ربوية الأوراق النقدية.
- 1
اختير الذهب والفضة وسيطاً للتبادل لخصائصهما الفريدة من ندرة وثبات وصلادة، فصارا معياراً لقيم الأشياء وأساساً للمعاملات.
- 2
حلّت الأوراق النقدية محل الذهب والفضة تدريجياً حتى انفصلت كلياً عن قاعدة الذهب عام 1980م، مما أثار تساؤلاً عن مصير أحكام الزكاة والربا.
- 3
طُرح السؤال الجوهري عن مصير أحكام الزكاة والربا مع ذهاب النقدين، وبُيِّن أن للعلماء مذهبين في ربوية النقود الورقية.
- 4
يستند المذهب الأول إلى أن تحريم الربا تعبدي مقتصر على محل الورود، وأن الذهب والفضة يتميزان بخصائص ذاتية لا توجد في غيرهما.
- 5
التضخم النقدي آفة تصيب الأوراق النقدية دون الذهب، ولذا اعتمد الفقهاء الذهب مقياساً ثابتاً لتحديد الزكاة والديات والمقدرات الشرعية.
- 6
أوضح إمام الحرمين أن علة تحريم الربا في النقدين هي النقدية وهي علة قاصرة لا تتعدى الذهب والفضة، مما يُضعف القياس عليهما.
- 7
وصف إمام الحرمين مسائل الربا بأنها شبيهة لا إخالة فيها، وأن النقدية علة قاصرة مقتصرة على النقدين لا تصلح للتعدية.
- 8
يستند المذهب الأول أصولياً إلى ترجيح العلة القاصرة وانحصار التحريم في النص، مما يمنع تعدية أحكام الربا إلى غير الذهب والفضة.
- 9
يرى الفريق الثاني أن الثمنية تحققت في النقود الورقية فتجري عليها أحكام النقدين بتحقيق المناط، وأن تعطيل أحكام الربا في المعاملات خطر لا يُهمل.
- 10
الأوراق النقدية فقدت النقدية مناط الربا لكنها احتفظت بالمالية، وبيع الدين بالدين وربط الفائدة بالزمن حرام بنص صريح.
لماذا اختار الناس الذهب والفضة وسيطاً للتبادل دون سائر المعادن؟
اختار الناس الذهب والفضة وسيطاً للتبادل لما خلق الله فيهما من خصائص فريدة تشمل الندرة والنفاسة وعدم التغير بالصدأ وتحملهما للتداول دون نقص يذكر في الوزن. كما تتميزان بالصلادة التي تؤهلهما للحفظ والكنز. وقد جعلهما الناس معياراً لقيم الأشياء وخزناً للقيمة تُقوَّم بهما السلع وتُدفع الأجور والمهور وتُقام الشركات.
كيف حلّت الأوراق النقدية محل الذهب والفضة وما أثر ذلك على الأحكام الشرعية؟
أناط الشارع بالذهب والفضة أحكاماً في الزكاة والربا والشركة وغيرها، ثم في القرن التاسع عشر الميلادي استبدل الناس بهما الأوراق البنكنوت حتى انتهى التعامل بالنقدين تماماً عام 1980م. وأصبح البنكنوت أساس التعامل منفصلاً عن قاعدة الذهب أو الفضة، مستمداً قوته الشرائية من تأييد الحكومة المصدِرة له ومن قوة إنتاج الدولة وعلاقاتها التجارية الدولية.
ما المذاهب الفقهية في ربوية النقود الورقية وهل تجري عليها أحكام الذهب والفضة؟
في هذه المسألة مذهبان: الأول يقول بعدم ربوية النقود الورقية لأنه لا نص من الأقدمين فيها وإن كانت مشمولة بالعموم، وهو رأي أكثر العلماء. والثاني يرى جريان أحكام النقدين عليها. ويمكن إرجاع بواعث الفريق الأول إلى اعتبارات تتعلق بطبيعة التحريم وخصوصية الذهب والفضة وصعوبة التعليل.
ما حجج القائلين بأن تحريم الربا مقتصر على الذهب والفضة دون غيرهما؟
يستند القائلون بعدم ربوية غير النقدين إلى أن تحريم الربا أمر تعبدي لا تظهر له علة واضحة معقولة فهو من قبيل الابتلاء والاختبار، وما كان من هذا القبيل يُقتصر فيه على محل الورود. كما يحتجون بأن الذهب والفضة لهما مزايا وخصائص لا توجد في غيرهما فهما معدنان نفيسان قابلان للكنز واختزان الثروة ويبقيان على الزمن.
كيف يؤثر التضخم النقدي على الأوراق النقدية وما علاقة ثبات الذهب بتحديد المقدرات الشرعية؟
الأوراق النقدية عرضة للتضخم النقدي لأن الحكومات تطبع الأوراق لسد عجز الموازنة فتزداد الكمية المعروضة وتنخفض القوة الشرائية، خلافاً للذهب الذي لا يُطرح في الأسواق إلا بعد إنتاج فعلي. ولهذا الثبات عدّ كثير من الفقهاء الذهب مقياساً لتحديد قيم الزكاة والديات وغيرها من المقدرات الشرعية، وأهملوا الفضة لانهيار علاقتها بالذهب.
ما موقف إمام الحرمين من تعليل تحريم الربا في النقدين بالنقدية وهل العلة متعدية؟
بيّن إمام الحرمين في البرهان أن تعليل تحريم ربا الفضل في النقدين بالنقدية علة مختصة بالنقدين لا تتعداهما، وأنه لا شبه فيها ولا إخالة. وقد أشار إلى أن الأحكام الشرعية للذهب والفضة تشمل تحريم اقتناء آنيتهما وعدم جواز التحلي بهما للرجال، فهما أصل الثمنية والناقدان الشرعيان. وصعوبة إبراز علة مقنعة مطردة منعكسة تُعدّ من أبرز حجج هذا الفريق.
لماذا وصف إمام الحرمين مسائل الربا بأنها شبيهة وما معنى ذلك في سياق التعليل؟
قرر إمام الحرمين أن مسائل الربا شبيهة لا يُطلب فيها إخالة، ومن طلب فيها إخالة اجترأ على العرب. وبيّن أن المقصود من النقدين هو النقدية وهي مقتصرة لا محالة وليست علة حقيقية إذ لا شبه لها ولا إخالة فيها. وهذا يعني أن التعليل بالنقدية لا يصلح أساساً للتعدية إلى غير الذهب والفضة.
ما الحجج الأصولية التي يستند إليها المذهب الأول في تقييد أحكام الربا بالنقدين؟
يحتج المذهب الأول بأن ترجيح العلة القاصرة أولى لأنها متأيدة بالنص وصاحبها آمن من الزلل في الحكم، كما قرر الأستاذ أبو الإسفرائيني وأيده إمام الحرمين في البرهان. ويضيفون أن التحريم تكليف يحتاج إلى ورود النص، وأن جهة التحريم محصورة وجهة الإباحة لا حصر لها، فإذا ترددت الواقعة بين الطرفين ووجدت في شق الحصر حُكم بحكمه وإلا فبحكم الإباحة.
ما حجج الفريق القائل بجريان الربا على النقود الورقية وما معنى تحقيق المناط في هذه المسألة؟
يحتج الفريق الثاني بأن الشريعة جاءت لمصالح العباد ويستحيل أن تحرم شيئاً لمفسدة وتترك شيئاً فيه نفس المفسدة، فنظير الحرام حرام. ويرون أن الثمنية أصبحت واقعاً للنقود الورقية فالاعتراف لها بأحكام النقدين هو من تحقيق المناط لا إحداث اجتهاد جديد، لأن الحكم كان موجوداً معلقاً وقد تحقق شرطه في الواقع. كما يرون أن تعطيل أحكام الربا في المعاملات أمر خطير لا يُترك بلا بيان.
ما الفرق بين النقدية والمالية في الأوراق النقدية وما حكم بيع الدين بالدين؟
يُفرَّق بين النقدية التي هي مناط تحريم الربا وقد ذهبت مع الذهب والفضة، وبين المالية التي هي مناط المعاملات الأخرى وهي باقية في الأوراق النقدية التي تصلح لتقويم القيم والقيام بوظيفة التبادل. وخلاصة ذلك أن الربا تعلّق بالنقدية الذاهبة وباقي المعاملات بالمالية الباقية. أما بيع الدين بالدين — الكالئ بالكالئ — فمنهي عنه بحديث صريح، وربط سعر الفائدة بالزمن بحيث تزيد المديونية مع مرور الزمن يبقى حراماً.
الربا تعلّق بالنقدية الذاهبة مع الذهب والفضة، وبيع الدين بالدين يبقى حراماً بنص صريح بصرف النظر عن الخلاف.
النقود الورقية والربا مسألة خلافية حقيقية بين فريقين: الأول يقصر أحكام الربا على الذهب والفضة لأن التحريم تعبدي مقتصر على محل الورود، مستنداً إلى أن الأوراق النقدية تفتقر إلى الخصائص الذاتية للنقدين من ندرة وثبات وصلادة، وأن العلة القاصرة المنحصرة في النقدين لا تتعداهما كما قرر إمام الحرمين في البرهان.
الفريق الثاني يرى أن الثمنية أصبحت واقعاً للأوراق النقدية فيجب إجراء أحكام النقدين عليها من باب تحقيق المناط لا إحداث اجتهاد جديد، وأن تعطيل هذه الأحكام يفضي إلى فساد التعامل. غير أن الفريقين يتفقان على أن بيع الدين بالدين — الكالئ بالكالئ — منهي عنه بحديث صريح، وأن ربط سعر الفائدة بالزمن بحيث تتضاعف المديونية يبقى حراماً قطعاً.
أبرز ما تستفيد منه
- الذهب والفضة اختيرا وسيطاً للتبادل لخصائص ذاتية فريدة فأناط الشارع بهما أحكام الزكاة والربا.
- الأوراق النقدية انفصلت كلياً عن قاعدة الذهب عام 1980م ومصدر قوتها الحكومة المصدِرة لها.
- الربا تعلّق بالنقدية الذاهبة، والمالية باقية في الأوراق النقدية وتصلح للمعاملات.
- بيع الدين بالدين وربط الفائدة بالزمن حرام بنص صريح بصرف النظر عن الخلاف في ربوية الأوراق.
وظيفة وسيط التبادل واختيار الذهب والفضة لهذا الدور
تعامل الناس على مر العصور بوسيط للتبادل يكون مقبولاً بينهم قبولاً عاماً، وه معيار لقيم الأشياء وخزون للقيمة فيه، تقوم السلع، وتدفع الأجور والمهور، وتقام الشركات وعليه مدار البيع والشراء والمداينات والديات، وغير ذلك من التعامل الجاري بين الناس، وشاع استعمال الذهب والفضة لما خلق الله فيهما من خصائص، الندرة والنفاسة، وعدم التغير بالصدأ، وتحملهما للتداول بين أيدي الناس دون نقص يذكر في الوزن والصلادة التي تؤلها للحفظ والكنز وغير ذلك من الخصائص التي تميز بها المعدنان، فاختيرا دون سواهما ليقوم بدور وسيط التبادل بين الناس.
تعلق الاحكام الشرعية بالنقدين والتحول الى الاوراق البنكنوت
ولقد أناط الشارع بهما أحكاما في الزكاة، وفي الربا، وفي الشركة وغيرها ثم لظروف طرأت في القرن التاسع عشر الميلادي استبدل الناس بهما، تلك الأوراق البنكنوت ـ التي شاعت وزاحمت النقدين، حتى انتهي التعامل بهما تماماً في العالم ولو في صورة غطاء بنكي سنة 1980م وأصبح البنكنوت هو أساس التعامل بين الناس منفصلاً تماماً عن قاعدة الذهب أو الفضة مستمداً قوته الشرائية لا من ذاته ولا من كونه سلعة كما كان الحال في المعدنين، بل بتأييد الحكومة المصدرة له من ناحية، وبقوة إنتاج الدولة المصدرة له وعلاقتها التجارية الدولية من ناحية أخرى.
طرح السؤال الرئيس وبيان المذهب الاول في ربوية النقود
فهل ذهب بذلك محل تلك الأحكام المتعلقة بالزكاة والربا والشركة وغيرها وهذا الذهاب إلى غير بدل أو بدل ؟
ونحاول فيما يلي أن نتكلم عن تلك القضية، خاصة فيما يتعلق بمسألة الربا، وما يتصل بها من انقطاع النقد وأثره على الدين مع إشارة إلى الفرق بين الزكاة والربا في تعلقهما بالمعدنين، فنقول:
في هذه المسألة مذهبان أو موقفان من النقود الورقية:
أولهما: موقف من يقول بعدم ربوية النقود أو على الأصح يذهب إلى عدمها، لأنه لا نص من الأقدمين في النقود الورقية، ولكنها مشمولة بالعموم وبالنص على المثيل، وهذا الموقف هو رأي أكثر العلماء.
ويمكن إرجاع بواعثهم حسب رأينا إذا قرأنا كلامهم قراءة متأنية إلى ما يلي:
تحريم الربا كتعبد وخصوصية الذهب والفضة في الثمنية
أن تحريم الربا أمر تعبدي لا تظهر له علة واضحة معقولة، فهو من قبيل الابتلاء والاختبار وما كان من هذا القبيل يقتصر فيه على محل الورود.
أن الذهب والفضة لهما مزايا وخصائص لا توجد في غيرهما فهما معدنان نفيسان قابلان للكنز واختزان الثروة ويبقيان على الزمن.
التضخم النقدي وثبات الذهب واستعماله مقياسا شرعيا
والذهب والفضة لا يمكن طرح كميات منهما في الأسواق بين الناس كوسيط تبادل إلا بعد إنتاج يتمثل في استخراج هذين المعدنين النفيسين، في حين أن الحكومات ـ خاصة الواقعة في مشكلات اقتصادية أو حروب ـ تطبع الأوراق البنكية لتسد عجز الثغرة في الموازنة العامة، فتزداد الكمية المعروضة من وسيط التبادل بين الناس ويحدث ما يسمى بالتضخم النقدي، فإذا أقرض أحدهم مائة جنية في أول العام نجدها تشتري ثمانين وحدة فقط من نفس العملة وهذا لا يكون في حالة الذهب والفضة، فمازال الذهب ـ خاصة ـ يرتبط بعلاقة شبة ثابتة بالسلع الأخرى على العصور.
وما حدث من أنهيار في قيمة الذهب في أسبانيا في لقرن السادس عشر فشئ شاذ انتهي بسنة كونية خلق الله بها خصائص معينة للذهب.
ومن أجل هذا الثبات عدة كثير من الفقهاء مقياساً لتحديد قيم الزكاة والديات وغيرها من المقدرات الشرعية، وأهملوا الفضة وجعلوها ثابتة لانهيار علاقتهما بالذهب، واستأنسوا في ذلك بذكر الذهب أو لا في كلام الله سبحانه وتعالى، مع عموم قوله صلى الله عليه وسلم:
" ابدأوا بما بدأ الله به ".
هذا من ناحية الخلقة.
الاحكام الشرعية للذهب والفضة وصعوبة تعليل الربا عند امام الحرمين
أما من الناحية الشرعية: فيحرم اقتناء آنيتهما،ة ولا يجوز التحلي بهما للرجال غير ما استثني الشارع، فهما آثمان بالخلقة، وهما أصل الثمنية وهما الناقدان الشرعيان.
صعوبة إبراز علة مقنعة سالمة من القوادح مطردة منعكسة.
وقد بين إمام الحرمين في [ البرهان ] أنه لا شبه فيها ولا إخالة حيث قال:
مسألة: إذا استنبط القائس علة في محل النص مفتقرة عليه، منحصرة فيه لا تتعداه، فالعلة صحيحة عند الشافعي رضي الله عنه، وتفرض المسألة في تعليل الشافعي رضي الله عنه تحريم ربا الفضل في النقدين بالنقدية، وهي مختصة في النقدين لا تعدوهما.
وقال بعض أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنه: إذا لم تعد العلة محل النص كانت باطلة، والمعتمد في صحة العلة أنها مستجمعة شرائط الصحة إخالة ومناسبة وسلامة عن اقتصارها وانحصارها على محل النص، وحقيقة هذا يؤول إلى النص يوافق مضمون العلة ويطابقها..... إلخ [1].
تشابه مسائل الربا ونقد التعليل بالنقدية عند امام الحرمين
ثم قال: فإن قيل: ما ذكرتموه تصريح بإبطال التعليل بالنقدية ؟
قلنا: لم نر أحداً ممن خاض في مسائل الربا على تحصيل فيما نورده ونصدره.
والصحيح عندنا أن مسائل الربا شبيهة، ومن طلب فيها إخالة اجترأ على العرب كما قررنا في مجموعتنا.
ثم الشبه على وجوه: فمنها التعليق بالمقصود وقد بينا أن المقصود من الأشياء الأربعة الطعم، والمقصود من النقدين، النقدية. وهي مقتصرة لا محالة وليست علة، إذ لا شبه لها ولا إخالة فيها.
الخوف من التعدي على النصوص وترجيح العلة القاصرة ومبدأ الحصر
نوع من الخوف من التجاوز والافتيات على النصوص نجد مثالاً في ترجيح العلة القاصرة على التعدية على رأي الأستاذ أبي الإسفرائيني إذا صح التعليل بها قال إمام الحرمين في البرهان: ومن ترجح العلة القاصرة احتج بأنها متأيدة بالنص وصاحبها آمن من الزلل في الحكم الهلع. فكان التمسك بها أولى.؟
أن يمينه غير النقدين ثمينه مستعارة ومعرضة في أي لحظة ومن شأن هذا أن يجعل الثمينة فيه صفة عارضة.
إن التحريم تكليف، والتكليف يحتاج إلى ورود النص كحديث الطعام بالطعام الذي جعل الشافعي رضي الله عنه، ولأن جهة التحريم محصورة وجهة الإباحة لا حصر لها، فالواقعة إذا ترددت بين الطرفين، ووجدت في شق الحصر فذلك وإلا حكم فيها بحكم الآخر الذي أعفي من أحصر.
حجج الفريق القائل بالتعليل وربوية النقود الورقية وتحقيق المناط
في الربا من الخطورة والتحريم ما لو كان قائماً في هذه المسألة ما ترك بيانها والله سبحانه وتعالى يقول:
{وقد فصل لكم ما حرم عليكم }[الأنعام:119 ].
أما الفريق الآخر فيعتضد بما يلي:
الشريعة جاءت لمصالح العباد ويستحيل أن تحرم شيئاً لمفسدة وتترك شيئاً فيه نفس المفسدة، فنظير الحرام حرام.
التعليل أولى لأنه أكثر فائدة وترك التعليل خشية.
قال إمام الحرمين في البرهان: وما ذكره مرجح العلة القاصرة من الأمن لا واقع له، فإنه راجع إلى استشعار خيفة، لا إلى تغليب ظن وتلويح متلقي من مسالك الاجتهاد.
إعمال التعليل في أربعة من الستة وتركه في أثنين تحكم، أي ترجيح بلا مرجح إن غلبة الثمنية أصبحت واقعاً للنقود الورقية، فالاعتراف لها بأحكام النقدين إنما هو من تحقيق المناط، وليس أحداثاً لاجتهاد جديد، فالاعتراف لها بأحكام النقدين إنما هو من تحقيق المناط، وليس إحداثاً لاجتهاد جديد إلا بقدر ما يقتضيه تحقيق المناط، لأن الحكم كان موجوداً معلقاً، وقد تحقق شرطه في الواقع، فيجب إثبات الحكم.
إن عدم إجراء الربا فيها تعطيل لحكم يتعلق بمسألة خطيرة من مسائل المعاملات.
التمييز بين النقدية والمالية وموقف المعاصرين وبيع الدين بالدين
وكثير من العلماء المعاصرين لا يقولون بقول أكثر العلماء السابقين في عدم جريان الربا في غير النقدين الذي يلزم عليه جريان الربا في غير النقدين الذي يلزم عليه عدم جريان الربا في أوراق البنكنوت، خوفاً من أن يجر هذا إلى إسقاط الزكاة في النقدين حيث تعلقت بالدرهم والدينار، ويجر هذا أيضاً إلى فساد التعامل بين الناس بهذه الأوراق التي بها الفروج وتقام بها الشركات وتتملك بها الأشياء... الخ.
ونرى أن هناك فرقا دقيقاً بين النقدين ( الذهب والفضة ) التي هي مناط تحريم الربا، وبين المالية التي هي مناط المعاملات الأخرى، والأوراق الجارية بين الناس، وإن فقدت النقدية إلا أنها لم تفقد المالية حيث تصلح لتقويم القيم بين الناس، وتصلح للقيام بوظيفة التبادل ولإغناء الفقير، فإذا ذهبنا إلى تحريم تعبدي كما سبق.
يقول العز بن عبد السلام: ولم أقف على المفسدة المقتضية لجعله من الكبائر فإن كونه مطعوماً وقيمة للأشياء أو مقدار لها لا يقتضي أن يكون كبيرة، ولا يصح التعليل بأنه لشرفه حرم ربا الفضل وربا النسيئة، فإن مد شعير بألف مد من حنطة أو مدا من حنطة بمثله، أو ديناراً بمثله، وأجل ذلك للحظة، فإن البيه يفسد، مع أنه لا يلوح في مثل هذة الصورتين معنى يصار إليه.
وفي التعبد لا تظهر المناسبة والإخالة كما عن إمام الحرمين وأثر ذهاب المحل وهو الذهبية والفضية عندما ينقطع بين الناس في تحريم التفاضل الذي لا يوصف حينئذ بأنه ربا دون باقي المعاملات معقولة المعنى.
وخلاصة هذا: أن الربا تعلق بالنقدية التي ذهبت، وباقي المعاملات بالمالية وهي باقية.
على أنه ينبغي التنبيه على أن بيع الدين بالدين، الكالئ بالكالئ منهي عنه بالحديث الصريح وهو أمر مطلوب يمنع من تضخم المديونيات، فسيظل ربط سعر الفائدة بالزمن بحيث تزيد المديونية مع مرور الزمن حراماً لذلك.
ما شعورك تجاه هذا الفصل؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفصل؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
ما السبب الرئيسي في اختيار الذهب والفضة وسيطاً للتبادل عبر التاريخ؟
ندرتهما ونفاستهما وثباتهما وعدم تغيرهما بالصدأ
في أي عام انفصل البنكنوت كلياً عن قاعدة الذهب حتى في صورة الغطاء البنكي؟
1980م
من أين تستمد الأوراق النقدية قوتها الشرائية بعد انفصالها عن الذهب؟
من تأييد الحكومة المصدِرة وقوة إنتاج الدولة وعلاقاتها التجارية
ما موقف أكثر العلماء من ربوية النقود الورقية وفق المذهب الأول؟
يقولون بعدم ربويتها لأن الأحكام مقتصرة على النقدين
ما معنى التضخم النقدي في سياق الأوراق النقدية؟
انخفاض القوة الشرائية بسبب زيادة الكمية المعروضة من وسيط التبادل
لماذا اعتمد كثير من الفقهاء الذهب مقياساً لتحديد قيم الزكاة والديات؟
لارتباطه بعلاقة شبه ثابتة بالسلع الأخرى عبر العصور
ما موقف إمام الحرمين من علة تحريم الربا في النقدين؟
أنها علة قاصرة مقتصرة على النقدين لا شبه فيها ولا إخالة
ما الحجة الأساسية للفريق القائل بجريان الربا على النقود الورقية؟
أن الثمنية أصبحت واقعاً للنقود الورقية فيجب إجراء أحكام النقدين عليها بتحقيق المناط
ما الفرق بين النقدية والمالية في سياق الأوراق النقدية؟
النقدية مناط تحريم الربا وقد ذهبت، والمالية مناط المعاملات وهي باقية في الأوراق
ما حكم بيع الدين بالدين (الكالئ بالكالئ) في الفقه الإسلامي؟
منهي عنه بحديث صريح
ما الأحكام الشرعية المتعلقة بالذهب والفضة من الناحية الشرعية؟
يحرم اقتناء آنيتهما ولا يجوز التحلي بهما للرجال غير ما استثناه الشارع
ما معنى تحقيق المناط في مسألة النقود الورقية؟
إثبات حكم كان موجوداً معلقاً بعد تحقق شرطه في الواقع
لماذا يخشى بعض العلماء المعاصرين القول بعدم جريان الربا في الأوراق النقدية؟
خشية أن يجر ذلك إلى إسقاط الزكاة في النقدين وفساد التعامل بين الناس
ما وظائف وسيط التبادل التي كان يؤديها الذهب والفضة؟
يقوم وسيط التبادل بثلاث وظائف: معيار لقيم الأشياء، وخزن للقيمة، وأداة للتبادل تُدفع بها الأجور والمهور وتُقام بها الشركات وتُسوَّى بها الديات والمداينات.
ما الأحكام الشرعية التي أناطها الشارع بالذهب والفضة؟
أناط الشارع بالذهب والفضة أحكاماً في الزكاة والربا والشركة وغيرها، فضلاً عن تحريم اقتناء آنيتهما وعدم جواز التحلي بهما للرجال.
متى انفصلت الأوراق النقدية كلياً عن قاعدة الذهب؟
انفصلت الأوراق النقدية كلياً عن قاعدة الذهب عام 1980م حين انتهى التعامل بالنقدين تماماً حتى في صورة الغطاء البنكي.
ما السبب الذي يجعل الأوراق النقدية عرضة للتضخم دون الذهب؟
لأن الحكومات تطبع الأوراق النقدية لسد عجز الموازنة فتزداد الكمية المعروضة وتنخفض القوة الشرائية، بينما لا يُطرح الذهب في الأسواق إلا بعد إنتاج فعلي باستخراجه.
ما موقف إمام الحرمين من مسائل الربا وطلب الإخالة فيها؟
قرر إمام الحرمين أن مسائل الربا شبيهة لا يُطلب فيها إخالة، ومن طلب فيها إخالة اجترأ على العرب، وأن النقدية علة قاصرة مقتصرة لا شبه لها ولا إخالة.
ما حجة مرجِّح العلة القاصرة في مسائل الربا؟
يحتج مرجِّح العلة القاصرة بأنها متأيدة بالنص وصاحبها آمن من الزلل في الحكم، فكان التمسك بها أولى من التعدية إلى غير محل النص.
ما الآية القرآنية التي استشهد بها الفريق القائل بجريان الربا على النقود الورقية؟
استشهدوا بقوله تعالى: {وقد فصّل لكم ما حرّم عليكم} [الأنعام:119]، للدلالة على أن الربا لو كان قائماً في هذه المسألة ما تُرك بيانه.
ما معنى قول الفقهاء إن الثمنية في غير النقدين صفة عارضة؟
يعنون أن ثمنية غير الذهب والفضة مستعارة ومعرضة للزوال في أي لحظة بخلاف ثمنية النقدين التي هي صفة ذاتية ثابتة فيهما.
ما رأي العز بن عبد السلام في علة تحريم ربا الفضل؟
قال العز بن عبد السلام إنه لم يقف على المفسدة المقتضية لجعله من الكبائر، وأن كون الشيء مطعوماً أو قيمة للأشياء لا يقتضي أن يكون ربا الفضل فيه كبيرة.
ما الفرق الدقيق بين النقدية والمالية في الفقه الإسلامي؟
النقدية هي الصفة الذاتية للذهب والفضة التي هي مناط تحريم الربا وقد ذهبت مع ذهاب التعامل بهما، أما المالية فهي صلاحية الشيء لتقويم القيم والتبادل وهي باقية في الأوراق النقدية.
لماذا يُعدّ ربط سعر الفائدة بالزمن حراماً بصرف النظر عن الخلاف في ربوية الأوراق النقدية؟
لأن بيع الدين بالدين — الكالئ بالكالئ — منهي عنه بحديث صريح، وربط الفائدة بالزمن يجعل المديونية تتضاعف مع مرور الوقت وهو عين هذا المنهي عنه.
ما الحادثة التاريخية الشاذة التي أشار إليها النص في سياق ثبات قيمة الذهب؟
انهيار قيمة الذهب في إسبانيا في القرن السادس عشر الميلادي، وهو أمر شاذ انتهى بسنة كونية خلق الله بها خصائص معينة للذهب.
ما معنى قاعدة 'إعمال التعليل في أربعة من الستة وتركه في اثنين تحكم'؟
يعني أن الأصناف الستة الربوية إذا عُلِّلت أربعة منها بالطعم وتُرك التعليل في النقدين فذلك ترجيح بلا مرجح، وهو حجة الفريق القائل بتعدية العلة إلى النقود الورقية.
ما الحديث النبوي الذي استأنس به الفقهاء في تقديم الذهب على الفضة؟
استأنسوا بقوله صلى الله عليه وسلم: 'ابدأوا بما بدأ الله به'، مع ذكر الذهب أولاً في كلام الله سبحانه وتعالى.
ما الأحكام الشرعية التي يخشى إسقاطها إذا قيل بعدم جريان الربا على الأوراق النقدية؟
يُخشى أن يجر ذلك إلى إسقاط الزكاة في النقدين حيث تعلقت بالدرهم والدينار، وإلى فساد التعامل بين الناس بهذه الأوراق التي بها تُعقد الفروج وتُقام الشركات وتُتملك الأشياء.