هل صيغة الأمر حقيقة في الإيجاب أم تشمل الندب والإباحة وما أدلة كل مذهب؟
اختلف الأصوليون في دلالة صيغة الأمر على تسعة مذاهب، أرجحها أنها حقيقة في الإيجاب فقط ومجاز فيما عداه، وهو قول أكثر الفقهاء والمتكلمين ومذهب الشافعي. ويستدل أصحاب هذا القول بذم إبليس على ترك السجود، وبآيات قرآنية متعددة، وبأحاديث نبوية تفيد تواتراً معنوياً على أن الأمر للوجوب، فضلاً عن إجماع الصحابة العملي على حمل الأمر على الوجوب.
- •
هل صيغة افعل تفيد الوجوب دائماً أم تتردد بين الوجوب والندب والإباحة؟ هذا هو محور الخلاف الكبير بين الأصوليين في هذه المسألة.
- •
حكى الأصوليون تسعة مذاهب في دلالة صيغة الأمر، أبرزها: الإيجاب فقط، والندب فقط، والإباحة، والقدر المشترك، والتوقف.
- •
رجّح جمهور الفقهاء والمتكلمين ومنهم الشافعي أن صيغة الأمر حقيقة في الإيجاب، ومجاز في سائر المعاني عند وجود القرائن.
- •
استدل القائلون بالإيجاب بأدلة قرآنية كذم إبليس على ترك السجود، وآية فليحذر الذين يخالفون عن أمره، وآية أفعصيت أمري.
- •
تضافرت أحاديث السواك وبريرة وحديث أبي سعيد بن المعلى لتشكّل تواتراً معنوياً يدل على أن الأمر يفيد الوجوب لا الندب.
- •
عمل الصحابة المتواتر على حمل الأمر على الوجوب يُعدّ من أقوى الأدلة في المسألة، ولا يُدفع بمجرد الاحتمال.
- 1
المسألة مبنية على معاني صيغة افعل، والخلاف محصور في خمسة أمور: الوجوب والندب والإباحة والتنزيه والتحريم، مع اتفاق على نفي الحقيقة في التسخير والتعجيز.
- 2
صيغة افعل تدل على الكراهة والتحريم عبر استعمالها في التهديد، وحُكي في المسألة ثمانية مذاهب، أرجحها أنها حقيقة في الإيجاب فقط.
- 3
مذهب الشافعي أن صيغة الأمر تقتضي الوجوب، واختلف أصحابه في منشأ هذا الوجوب بين وضع اللغة والشرع والعقل.
- 4
ثلاثة أقوال في منشأ وجوب صيغة الأمر: بوضع اللغة عند الشيرازي والغزالي، وبالشرع عند إمام الحرمين، وبالعقل عند بعضهم.
- 5
الغزالي يستدل على الوجوب اللغوي بفرق العرب بين الأمر والنهي، وإمام الحرمين يستدل على الوجوب الشرعي بأن الوعيد على الترك ثابت بالشرع لا باللغة.
- 6
المذهب الثاني يجعل صيغة الأمر حقيقة في الندب، ونُسب إلى أبي هاشم وإلى الشافعي نقلاً ضعّفه الغزالي، مع تنبيه الإسنوي على دقة العبارات.
- 7
المذهب الثالث يجعل الأمر للإباحة لأن الجواز محقق، والرابع يجعله للقدر المشترك بين الوجوب والندب وهو ترجيح الفعل، وهو قريب من مذهب أبي هاشم.
- 8
الإمام الرازي يعترض على مذهب القدر المشترك بعدم الإشعار بالقيود، ويرى أنه يؤول إلى مذهب الندب عند أبي هاشم لأن جواز الترك ثابت بالاستصحاب.
- 9
المذهب الخامس يجعل الأمر للطلب المجرد وهو القدر المشترك، والسادس يُقرّ بأنه حقيقة في الوجوب أو الندب دون تحديد أيهما، ونُسب للغزالي.
- 10
الغزالي اختار التوقف في المستصفى خلافاً للمنخول، والمذهب السابع يجعل الصيغة مشتركة بين الإيجاب والندب والإباحة أو مشتركة معنوياً بالإذن.
- 11
المذهب الثامن يجعل الصيغة مشتركة بين الخمسة، وكلام البيضاوي يحتمل إرادة الخمسة الأولى أو الأحكام الخمسة المعهودة، مع تنبيه على تحريف في نقل الإسنوي.
- 12
الاحتمال الثاني يُرجع الخمسة إلى الأحكام المعهودة، والأشعري يتوقف بين الأمور، مع إضافة الإرشاد والتكوين من مصادر أخرى.
- 13
المذهب التاسع هو التوقف وصحّحه الآمدي بين الوجوب والندب والإرشاد، وأجمع المتكلمون الأشاعرة على الوقف، والأبهري فرّق بين أمر الله وأمر رسوله.
- 14
القائلون بالإيجاب يقيمون دعويين: نفي الحقيقة في غيره، وإثبات الحقيقة فيه، وأقام الإمام الرازي ستة عشر دليلاً اقتصر المختصرون على بعضها.
- 15
ذم الله لإبليس على ترك السجود دليل على أن الأمر للوجوب، إذ لو كان للندب لما صح الذم ولكان لإبليس عذر في الترك.
- 16
آية اركعوا لا يركعون تدل على الوجوب بترتيب الذم على الترك، والجواب عن الاعتراض بأن الكافر يعاقب على الفروع كالأصول.
- 17
الدليل الثالث يبني على أن تارك الأمر مخالف مستحق للعذاب بدلالة آية فليحذر، والاعتراض بأن الموافقة اعتقادية لا فعلية.
- 18
موافقة الأمر هي الإتيان بمقتضاه لا مجرد اعتقاد حقيته، والفرق بين موافقة الأمر وموافقة الدليل عليه يدفع الاعتراض الأول على الدليل الثالث.
- 19
الاعتراض النحوي يجعل الذين يخالفون مفعولاً لا فاعلاً، والجواب بأن الإضمار خلاف الأصل وأن الضمير لا مرجع له، وأن المتسللين هم المخالفون أنفسهم.
- 20
جعل أن تصيبهم مفعولاً لأجله مستحيل لعدم مجامعة الحذر والإصابة، وإبراز الضمير واجب لو عاد على جمع، وتحذير الغير أبلغ وأشمل.
- 21
الاعتراض الثالث يدور الاستدلال، والجواب بحسن الحذر دليل على المقتضي للعذاب. والاعتراض الرابع بالإفراد، والجواب بعموم اللفظ بدليل جواز الاستثناء.
- 22
عموم أمره يثبت بجواز الاستثناء وترتيب الحكم على الوصف. والدليل الرابع يبني على أن تارك الأمر عاص وكل عاص يستحق النار بنص القرآن.
- 23
الاعتراض بأن الآية تصير تكراراً لو كان العصيان هو الترك، والجواب بتغاير الزمن في الأمرين وبأن العصيان أعم من ترك الأمر.
- 24
الاعتراض بأن الخلود قرينة على إرادة الكفار، والجواب بأن الخلود لغةً يعني المكث الطويل لا الدوام فقط، فيشمل غير الكافر.
- 25
الدليل الخامس من السنة يبدأ بحديث أبي سعيد بن المعلى حيث ذمّ النبي تركَ الاستجابة لمجرد الأمر، مما يدل على أن الأمر للوجوب.
- 26
الصواب أن الصحابي هو أبو سعيد بن المعلى لا الخدري، والاحتجاج بخبر الآحاد جائز في المسائل الأصولية اللفظية لأنها وسيلة إلى العمل.
- 27
حديث السواك يدل على أن المندوب غير مأمور به لأن النبي لم يأمر به خشية المشقة مع ثبوت ندبيته، وحديث بريرة يؤكد ذلك بنفي الأمر مع ثبوت الشفاعة.
- 28
جمع الأحاديث في دليل واحد يفيد التواتر المعنوي على أن الأمر للوجوب، وهو أقوى من تفريقها أو حذفها كما فعل غيره.
- 29
الدليل السادس هو إجماع الصحابة العملي على حمل الأمر على الوجوب دون إنكار، وهو من أقوى الأدلة في المسألة ويفيد القطع.
- 30
إمام الحرمين يضعّف دليل الصحابة بالاحتمال، والمؤلف يردّ بأن القطع حاصل بالتواتر ومجرد الاحتمال لا يقدح في القطع بعد ثبوته.
- 31
دليل قياس الأمر على السؤال في الندب مردود بأن السؤال يفيد الإيجاب أيضاً، والفرق بينهما في التذلل لا في أصل الإيجاب.
- 32
الدليل الثاني يستند إلى استعمال الصيغة في الوجوب والندب معاً، فتكون حقيقة في القدر المشترك وهو الطلب، والبراءة الأصلية تفيد جواز الترك فيكون للندب.
- 33
الجواب عن القدر المشترك بأن الأدلة الخمسة توجب المصير إلى المجاز. ودليل الغزالي على التوقف يحصر طرق المعرفة في العقل والتواتر والآحاد وينفيها جميعاً.
- 34
المسألة عملية لا علمية لأن مقصودها العمل، فيكتفى فيها بالظن. والحصر في العقل والنقل مردود بإمكان الدليل المركب من مقدمات نقلية وتركيب عقلي.
- 35
الدليل المركب يجمع مقدمات نقلية مع تركيب عقلي، والإسنوي يعدّه نقلاً محضاً، والمؤلف يرى أن صاحب الحاصل صرّح بمراد الإمام دون إضافة.
- 36
الجواب الثالث يلتزم التواتر ويجيب عن بقاء الخلاف بأن التواتر يصل لمن أكثر المطالعة دون غيره، وهو جواب مفيد لم يذكره البيضاوي.
- 37
التواتر لا يستلزم البداهة لكل أحد لأن التركيب العقلي ليس ضرورياً، فمن أكثر المطالعة يحصل له العلم ومن لم يشتغل بذلك يبقى عنده الخلاف.
ما المذاهب التي وقع فيها الخلاف حول دلالة صيغة افعل وهل هي حقيقة في الإيجاب؟
اتفق الأصوليون على أن صيغة افعل ليست حقيقة في جميع معانيها كالتسخير والتعجيز والتسوية لأن هذه تُفهم من القرائن لا من الصيغة ذاتها. ووقع الخلاف في خمسة أمور: الوجوب والندب والإباحة والتنزيه والتحريم. فمنهم من جعلها مشتركة بين الخمسة، ومنهم من جعلها حقيقة في الإباحة فقط، والحق عند الإمام الرازي أنها ليست حقيقة في هذه الأمور جميعاً.
كيف تدل صيغة افعل على الكراهة والتحريم وكم مذهباً حُكي في المسألة؟
تدل صيغة افعل على الكراهة والتحريم لأنها تُستعمل في التهديد، والتهديد يستدعي ترك الفعل المنقسم إلى الحرام والمكروه. وحكى البيضاوي في المنهاج ثمانية مذاهب في المسألة تبعاً للإمام الرازي. والمذهب الأول وهو الراجح عند البيضاوي وابن الحاجب أن صيغة الأمر حقيقة في الإيجاب فقط ومجاز فيما عداه، وهو قول أكثر الفقهاء والمتكلمين.
هل مذهب الشافعي أن صيغة الأمر للوجوب وهل ذلك بوضع اللغة أم بالشرع؟
نعم، نقل إمام الحرمين والآمدي أن مذهب الشافعي أن صيغة الأمر للوجوب، وكذلك نقله أبو إسحاق الشيرازي في شرح اللمع. واختلف أصحاب هذا المذهب في منشأ الوجوب على قولين: فمنهم من قال إنه بوضع اللغة، ومنهم من قال إنه باقتضاء الشرع، وزاد في المستوعب قول ثالث بأنه بالعقل.
ما الأقوال الثلاثة في منشأ وجوب صيغة الأمر ومن اختار كل قول؟
في منشأ وجوب صيغة الأمر ثلاثة أقوال: الأول أنه بوضع اللغة واختاره أبو إسحاق الشيرازي والغزالي في المنخول ونقله إمام الحرمين عن الشافعي. والثاني أنه باقتضاء الشرع واختاره إمام الحرمين نفسه. والثالث أنه بالعقل واختاره بعضهم كما في المستوعب. وأثار الإسنوي اعتراضاً على الإمام الرازي بشأن تناسق موقفه من الاشتراك في الماضي والأمر.
ما دليل الغزالي على أن الوجوب بوضع اللغة وما دليل إمام الحرمين على أنه بالشرع؟
استدل الغزالي في المنخول بأن مقتضى صيغة الأمر في اللسان طلب جازم إلا أن تغيره قرينة، وأن العرب فرّقوا بين افعل ولا تفعل وسمّوا أحدهما أمراً والآخر نهياً، وإنكار ذلك مخالفة لأهل اللغة قاطبة. أما إمام الحرمين فاستدل بأن الوجوب لا يُعقل دون التقييد بالوعيد على الترك، وهذا ليس مقتضى مجرد الطلب، فالصيغة للطلب الجازم والوجوب مستدرك من الوعيد الثابت في وضع الشرع.
ما المذهب القائل بأن صيغة الأمر حقيقة في الندب ومن نُسب إليه؟
المذهب الثاني أن صيغة الأمر حقيقة في الندب، ونقله الغزالي في المستصفى والآمدي عن الشافعي، غير أن الإسنوي نبّه إلى أن الغزالي حكى هذا النقل عن الغير وضعّفه ولم يجزم به. كما نقل البيضاوي والآمدي هذا المذهب عن أبي هاشم، وبيّن الإسنوي أنه لا يخالف ما نقله صاحب المعتمد عنه من أن الصيغة تقتضي الإرادة.
ما المذهب الثالث والرابع في دلالة صيغة الأمر وما حجة كل منهما؟
المذهب الثالث أن صيغة الأمر حقيقة في الإباحة لأن الجواز محقق والأصل عدم الطلب. والمذهب الرابع أنها حقيقة في القدر المشترك بين الوجوب والندب وهو ترجيح الفعل على الترك، ويمتاز الوجوب بامتناع الترك والندب بجوازه. وبيّن أبو هاشم في المعتمد أن الصيغة تفيد الإرادة، وأن الفعل عند الحكيم يكون إما واجباً وإما مندوباً، وعند عدم الدليل على الوجوب يُقتصر على الندب.
كيف ردّ الإمام الرازي على مذهب القدر المشترك وما علاقته بمذهب أبي هاشم؟
اعترض الإمام الرازي على أصحاب مذهب القدر المشترك بأنه ليس في الصيغة إشعار بقيدَي امتناع الترك أو جوازه. ثم أشار إلى أن هذا المذهب يؤول إلى مذهب القائل بأنه حقيقة في الندب وهو مذهب أبي هاشم، لأن اللفظ يفيد رجحان الفعل على الترك دون المنع منه، وجواز الترك معلوم بالاستصحاب، ولا معنى للندب إلا ذلك. وقد جزم الإمام بهذا المذهب في المنتخب.
ما المذهب الخامس والسادس في دلالة صيغة الأمر ومن قال بهما؟
المذهب الخامس أن صيغة الأمر حقيقة في القدر المشترك بين الوجوب والندب وهو الطلب المجرد، ونقل الإسنوي أن الشافعي نص على أن الأمر متردد بين الوجوب والندب وهو محتمل لهذا المذهب. والمذهب السادس أنها حقيقة في أحدهما إما الوجوب وإما الندب لكن لا يُعرف أيهما، ونقله البيضاوي عن الغزالي تبعاً لصاحب الحاصل، وإن كان الإسنوي ناقشه.
ما الموقف الصحيح للغزالي من دلالة صيغة الأمر وما المذهب السابع في المسألة؟
بيّن الإسنوي أن الغزالي في المستصفى نقل أربعة أقوال ثم اختار التوقف بينها، وهو مخالف لما في المنخول حيث قال إن ظاهر الأمر الوجوب. والمذهب السابع أن صيغة افعل مشتركة بين الإيجاب والندب والإباحة، وقيل إنها مشتركة بينهما اشتراكاً معنوياً وهو الإذن كما حكاه ابن الحاجب.
ما المذهب الثامن في دلالة صيغة الأمر وما الاحتمالان في تفسير كلام البيضاوي؟
المذهب الثامن أن صيغة افعل مشتركة بين الخمسة كما حكاه البيضاوي. وبيّن الإسنوي أن هذا يحتمل أمرين: إما أن يكون المراد الخمسة المذكورة في كلام البيضاوي أولاً وهي الوجوب والندب والإرشاد والإباحة والتهديد، وإما أن يكون المراد الأحكام الخمسة المعهودة وهي الوجوب والندب والإباحة والكراهة والتحريم. وقد ناقش المؤلف نقل الإسنوي عن الغزالي في المستصفى وبيّن فيه تحريفاً.
ما الاحتمال الثاني في كلام البيضاوي وما موقف الأشعري من دلالة صيغة الأمر؟
الاحتمال الثاني أن يكون مراد البيضاوي الأحكام الخمسة المعهودة وهي الوجوب والندب والإباحة والكراهة والتحريم، وهو صحيح صرّح به الإمام الرازي في المحصول. ونقل إمام الحرمين في البرهان عن الأشعري أنه ذهب إلى التردد بين هذه الأمور، وقيل إنه مشترك بينها. كما استُفيد من كلام المعالمي والغزالي أن الصيغة حقيقة في الإرشاد، ومن كلام ابن برهان أنها حقيقة في التعجيز والتكوين أيضاً.
ما المذهب التاسع في دلالة صيغة الأمر ومن صحّحه وما موقف الأبهري؟
المذهب التاسع هو التوقف، وصحّحه الآمدي لكن بين الوجوب والندب والإرشاد لاشتمال الثلاثة على طلب الفعل ونفي ما عداها. وأجمع المتكلمون من أصحاب الأشعري على اتباعه في الوقف. أما الأبهري فذهب في أحد أقواله إلى أن أمر الله للوجوب وأمر رسوله للندب، وهو تفريق خاص بين نوعي الأمر.
ما الدعاوى التي يقيمها القائلون بأن صيغة الأمر حقيقة في الإيجاب وكم دليلاً أقاموا؟
للقائلين بأن صيغة الأمر حقيقة في الإيجاب دعويان: الأولى أنها ليست حقيقة في غير الإيجاب، ويستدلون بأن الفهم يفرّق بين افعل وبين إن شئت فافعل عند انتفاء القرائن كلها. والثانية أنها حقيقة في الإيجاب، وأقام الإمام الرازي عليها ستة عشر دليلاً، اقتصر صاحب الحاصل على ستة منها وذكر البيضاوي خمسة، وأضاف المؤلف سادساً هو من أقوى الأدلة.
كيف يُستدل بقصة إبليس وترك السجود على أن صيغة الأمر تفيد الوجوب؟
استدل الأصوليون بأن الله ذم إبليس على مخالفة قوله اسجدوا بقوله ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك، وهذا الاستفهام للتوبيخ والذم لا للاستفهام الحقيقي. وإذا ثبت الذم على ترك المأمور ثبت أن الأمر للوجوب، لأنه لو لم يكن للوجوب لكان لإبليس أن يحتج بأنه لم يُلزَم، ولأن غير الواجب لا يُذم تاركه.
كيف يُستدل بآية اركعوا لا يركعون على الوجوب وما الاعتراضات عليه؟
وجه الدلالة أن الله ذم الكافرين على تركهم فعل ما قيل لهم افعلوه، ولو كان الأمر يفيد الندب لما حسن هذا الذم. اعترض المخالف بأن الذم على عدم اعتقاد حقية الأمر بتكذيب الرسل لا على ترك الفعل، بدليل قوله ويل يومئذ للمكذبين. وأجيب بأن الذم مرتّب على الترك والترتيب مشعر بالعلية، فاستحقوا الذم بترك الركوع والويل بسبب التكذيب، والكافر يستحق العقاب بترك العبادات كما يستحقه بترك الإيمان.
ما الدليل الثالث على أن صيغة الأمر للوجوب وكيف يُبنى على آية فليحذر؟
الدليل الثالث أن تارك المأمور به مخالف للأمر لأن الآتي به موافق والمخالف ضد الموافق، والمخالف للأمر على صدد العذاب. ويُبنى هذا على آية فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم، فالأمر بالحذر عن العذاب يدل على قيام المقتضي لنزوله. واعترض المخالف بأن الموافقة هي اعتقاد حقية الأمر لا الإتيان بمقتضاه.
ما الفرق بين موافقة الأمر وموافقة الدليل الدال عليه في الاستدلال بآية فليحذر؟
الفرق أن موافقة الدليل الدال على حقية الأمر كالمعجزة هي اعتقاد الحقية، أما موافقة الأمر نفسه فهي الإتيان بمقتضاه لأن الأمر يدل على إيقاع الفعل. فموافقة الشيء عبارة عما يستلزم تقرير مقتضاه، فإن دل على الصدق فموافقته الاعتقاد، وإن دل على الفعل فموافقته الإتيان به. وهذا يدفع الاعتراض الأول على الدليل الثالث.
ما الاعتراض النحوي على الاستدلال بآية فليحذر وكيف يُجاب عنه؟
الاعتراض الثاني أن الآية تأمر بالحذر عن المخالفين لا تأمر المخالفين بالحذر، فيكون فاعل فليحذر ضميراً والذين يخالفون مفعولاً به. وأجيب بوجهين: الأول أن الإضمار خلاف الأصل، والثاني أنه لا بد للضمير من اسم ظاهر يرجع إليه وهو مفقود. وإن قيل يعود على الذين يتسللون فهم أنفسهم المخالفون، فيلزم أن يكونوا قد أُمروا بالحذر عن أنفسهم.
لماذا لا يصح جعل أن تصيبهم فتنة مفعولاً لأجله في آية فليحذر؟
إن جُعل أن تصيبهم فتنة مفعولاً لأجله لزم أن يكون مجامعاً للحذر، لأن الفعل يجب أن يجامع علته، واجتماعهما مستحيل لأن الحذر فعل المتسللين والإصابة فعل الفتنة أو الله. وأيضاً لو كان الفاعل ضميراً يعود على جمع لوجب إبرازه فيقال فليحذروا. وتحذير الناس عن المخالفين أبلغ في الذم من تحذيرهم أنفسهم ويستلزمه.
ما الاعتراض الثالث والرابع على الاستدلال بآية فليحذر وكيف يُجاب عنهما؟
الاعتراض الثالث أن كون الأمر للوجوب هو محل النزاع فلا يُستدل به. وأجيب بأن الآية تدل على حسن الحذر من العذاب، وحسن الحذر دليل على قيام المقتضي للعذاب، وإلا كان الحذر سفهاً وعبثاً محالاً على الله، والمقتضي للعذاب هو ترك الواجب لا المندوب. والاعتراض الرابع أن عن أمره مفرد فيفيد أن أمراً واحداً للوجوب لا جميع الأوامر. وأجيب بأنه عام بدليل جواز الاستثناء منه.
ما وجوه إثبات عموم أمره في آية فليحذر ثم ما الدليل الرابع على الوجوب؟
أجاب الإمام الرازي بثلاثة وجوه على عموم أمره: الأول جواز الاستثناء منه وهو معيار العموم. والثاني أن ترتيب استحقاق العقاب على مخالفة الأمر يشعر بالعلية. والثالث أن استحقاق العقاب في بعض الصور لعدم المبالاة وهو موجود في الباقي. والدليل الرابع أن تارك المأمور به عاص بدلالة آية أفعصيت أمري وآية لا يعصون الله ما أمرهم، وكل عاص يستحق النار بدلالة آية ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم.
ما الاعتراض الأول على الدليل الرابع وكيف يُجاب عنه؟
الاعتراض الأول أن تارك الأمر ليس بالضرورة عاصياً، لأن آية لا يعصون الله ما أمرهم لو كان العصيان هو الترك لكان قوله بعدها ويفعلون ما يؤمرون تكراراً. وأجيب بأن الأمر الأول للماضي أو الحال والثاني للاستقبال فلا تكرار. وأيضاً العصيان أعم من ترك الأمر فقد يكون بترك الواجب أو بارتكاب النهي، فالنزاع في أن تارك الأمر عاص لا في أن العصيان هو ترك الأمر فقط.
ما الاعتراض الثاني على الدليل الرابع المتعلق بالخلود وكيف يُجاب عنه؟
الاعتراض الثاني أن المراد بالعصاة في آية ومن يعص الله ورسوله هم الكفار لا تارك الأمر، بقرينة الخلود لأن غير الكافر لا يخلد في النار. وأجيب بأن الخلود لغةً هو المكث الطويل سواء كان دائماً أو غير دائم، فهو حقيقة في القدر المشترك حذراً من الاشتراك والمجاز، ويدل عليه قولهم خلّد الله ملك الأمير.
ما الدليل الخامس من السنة على أن صيغة الأمر تفيد الوجوب؟
الدليل الخامس من السنة يشمل أحاديث متعددة، أولها أن النبي دعا أبا سعيد بن المعلى وهو في الصلاة فلم يجبه، فقال ما منعك أن تجيب وقد سمعت الله يقول يا أيها الذين آمنوا استجيبوا، وهذا الاستفهام للتوبيخ والذم لأن النبي علم أنه في الصلاة، فالذم عند ورود مجرد الأمر دليل على أنه للوجوب. وثانيها حديث السواك الذي يدل على أن المندوب غير مأمور به.
من هو أبو سعيد الصحيح في حديث استجيبوا وهل يُحتج بخبر الآحاد في المسائل الأصولية؟
الصواب أن أبا سعيد في هذا الحديث هو ابن المعلى واسمه الحارث بن أوس الأنصاري الخزرجي، وليس أبا سعيد الخدري كما وقع في المحصول والمستصفى والحاصل، وقد صحّح ذلك الإسنوي استناداً إلى صحيح البخاري وسنن أبي داود. وأما الاعتراض بأنه خبر واحد فلا يُحتج به في مسألة علمية، فأجيب بأن المباحث اللفظية لا يُرجى فيها اليقين وهذه المسألة وسيلة إلى العمل فيجوز التمسك فيها بالظن.
كيف يدل حديث السواك وحديث بريرة على أن المندوب غير مأمور به؟
حديث السواك يدل على أن النبي لم يأمر بالسواك عند كل صلاة خشية المشقة، والإجماع قائم على أنه مندوب، فلو كان المندوب مأموراً به لكان الأمر قائماً، فلما لم يوجد الأمر علمنا أن المندوب غير مأمور به. وحديث بريرة يدل على ذلك أيضاً لأن النبي نفى الأمر مع ثبوت الشفاعة الدالة على الندب، فنفي الأمر عند ثبوت الندبية يدل على أن المندوب غير مأمور به.
لماذا جمع المؤلف الأحاديث الثلاثة في دليل واحد وما أثر ذلك في قوة الاستدلال؟
جمع المؤلف الأحاديث الثلاثة في دليل واحد لأنها تدل على قضية واحدة وهي أن الأمر يفيد الوجوب، فاجتماعها على دلالة واحدة يفيد قطعية هذه الدلالة حيث تصبح متواترة تواتراً معنوياً. وهذا أقوى من تفريقها على أدلة مستقلة كما صنع الإمام الرازي، أو حذفها كما صنع صاحب الحاصل والبيضاوي. وهذه الأدلة الخمسة هي التي اتفق الإمام وصاحب الحاصل والبيضاوي على ذكرها.
ما الدليل السادس على أن صيغة الأمر للوجوب وما أهميته؟
الدليل السادس أن الصحابة تمسكوا بالأمر على الوجوب ولم يظهر من أحد منهم الإنكار عليه، وذلك يدل على إجماعهم على أن ظاهر الأمر للوجوب. ووقائعهم في ذلك أكثر من أن تحصر وأشهر من أن يُمثَّل لها. ويرى المؤلف أن هذا الدليل مع الدليل الخامس يرفعان الظن في المسألة إلى القطع، بخلاف سائر الأدلة التي يكثر الاعتراض حولها.
ما موقف إمام الحرمين من دليل عمل الصحابة وكيف يُردّ عليه؟
قال إمام الحرمين إن دليل عمل الصحابة لا يصفو من شوائب النزاع لأنهم ربما كانوا يفعلون ذلك فيما اقترن به ما يقتضي الإيجاب. ويردّ المؤلف بأن القطع حاصل لمن اطلع على وقائعهم المتواترة، والاحتمال مجرد وارد بعد حصول القطع، والمقرر أن مجرد الاحتمال لا يقدح في قطعية الدليل بعد ثبوتها. ولو أُعمل الاحتمال بهذه الطريقة لما انعقد قطع أبداً.
ما الدليل الأول للقائلين بأن صيغة الأمر حقيقة في الوجوب وغيره وكيف يُجاب عنه؟
الدليل الأول للقائلين بالاشتراك أن أهل اللغة قالوا لا فارق بين السؤال والأمر إلا في الرتبة، والسؤال يدل على الندب لا الوجوب فكذلك الأمر. وأجيب بأن السؤال يدل عندنا على الإيجاب أيضاً لأن أهل اللغة وضعوا افعل لطلب الفعل مع المنع من الترك، لكن الوجوب لا يثبت إلا بالشرع فلا يلزم المسؤول القبول من السائل. والفرق بين الأمر والسؤال أن السؤال أمر صادر بتذلل وقد يترتب الوجوب على إيجاب السؤال كسؤال العطشان.
ما الدليل الثاني للقائلين بالاشتراك في صيغة الأمر وما وجهاه؟
الدليل الثاني أن الصيغة استُعملت في الوجوب كآية وأقيموا الصلاة وفي الندب كآية فكاتبوهم، فإن كانت موضوعة لكل منهما لزم الاشتراك، وإن كانت لأحدهما فقط لزم المجاز، فتكون حقيقة في القدر المشترك وهو طلب الفعل دفعاً للاشتراك والمجاز. والتقرير الثاني يضيف أن الدال على المعنى المشترك غير دال على الأخص، فلفظ الأمر يدل على الطلب وجواز الترك معلوم بالبراءة الأصلية فيكون للندب.
كيف يُجاب عن دليل القدر المشترك ثم ما دليل الغزالي على التوقف في صيغة الأمر؟
يُجاب عن دليل القدر المشترك بأن المجاز وإن كان خلاف الأصل إلا أنه يجب المصير إليه إذا دل عليه دليل، وقد دلت الأدلة الخمسة على أن الصيغة حقيقة في الوجوب فقط فوجب المصير إلى المجاز في غيره. أما دليل الغزالي على التوقف فتقريره أن الطريق إلى معرفة مدلول افعل إما العقل وهو محال في اللغات، وإما النقل المتواتر وهو محال لأنه لو كان لكان بديهياً لا خلاف فيه، وإما الآحاد وهو باطل لأنه لا يفيد إلا الظن والمسألة علمية.
هل مسألة دلالة الأمر على الوجوب علمية أم عملية وما أثر ذلك في الاستدلال؟
أجيب عن دليل الغزالي بوجهين: الأول أن المسألة ليست علمية لأن المقصود من كون الأمر للوجوب هو العمل به لا مجرد اعتقاده، والعمليات مظنونة يكتفى فيها بالظن وكذلك ما كان وسيلة إليها. والثاني أن الحصر في العقل والنقل غير مسلّم لأنه قد يكون الدليل مركباً من العقل والنقل، كقولنا تارك الأمر عاص وكل عاص يستحق النار، فيستلزم العقل من تركيب هاتين المقدمتين النقليتين أن الأمر للوجوب.
ما المراد بالدليل المركب من العقل والنقل في مسألة دلالة الأمر وما موقف الإسنوي منه؟
أراد الإمام الرازي بالدليل المركب أن المقدمتين نقليتان وتركيبهما تركيب عقلي، كقولنا تارك الأمر عاص وكل عاص يستحق النار فيستلزم العقل أن الأمر للوجوب. وكذلك قولنا إن الجمع المحلى بالألف واللام يدخله الاستثناء وإن الاستثناء إخراج ما لولاه لوجب دخوله يدل على عموم الجمع المحلى. وأورد الإسنوي أن هذا نقل محض لأن المقدمتين نقليتان، وعدل صاحب الحاصل والبيضاوي عن عبارة الإمام، لكن المؤلف يرى أن ما قاله صاحب الحاصل هو تصريح بمراد الإمام.
ما الجواب الثالث عن دليل الغزالي على التوقف وكيف يجتمع التواتر مع بقاء الخلاف؟
الجواب الثالث هو التزام حصول معرفة دلالة الأمر بالتواتر، ولا يلزم من ذلك رفع الخلاف لأن التواتر قد يصل إلى من أكثر المطالعة في أقضية الصحابة وتواريخهم دون غيره ممن لم يشتغل بذلك فيقع الخلاف. وهذا الجواب لم يذكره البيضاوي وهو ينفع في مواضع. وقد نبّه الإسنوي إلى أن ترتيب الجوابين ينبغي أن يكون بتقديم منع الحصر ثم تسليمه مع اختيار الآحاد.
كيف يُجمع بين حصول التواتر في مسألة دلالة الأمر وبقاء الخلاف بين العلماء؟
يُجمع بينهما بأن التواتر لا يلزم منه أن يعرف كل أحد أن الأمر للوجوب، وإنما يلزم ذلك لو كان التركيب العقلي ضرورياً وهو ممنوع. فمن أكثر المطالعة في أقضية الصحابة وتواريخهم يحصل له العلم بالتواتر، ومن لم يشتغل بذلك يبقى عنده الخلاف. وهذا يدفع إشكال الغزالي من أن التواتر يستلزم البداهة ورفع الخلاف.
صيغة الأمر حقيقة في الإيجاب عند جمهور الفقهاء والمتكلمين، ويثبت ذلك بتواتر معنوي من الأدلة القرآنية والسنية وعمل الصحابة.
صيغة الأمر حقيقة في الإيجاب فقط ومجاز فيما عداه، وهو مذهب أكثر الفقهاء والمتكلمين ومذهب الشافعي وأبي الحسين البصري والجبائي في أحد قوليه. ويتفرع على هذا المذهب خلاف في منشأ الوجوب: هل هو بوضع اللغة كما اختار الشيرازي والغزالي، أم بالشرع كما اختار إمام الحرمين، أم بالعقل كما نُقل عن بعضهم.
تتضافر الأدلة على الإيجاب من ثلاثة مسارات: أولها الأدلة القرآنية كذم إبليس على ترك السجود وآية فليحذر الذين يخالفون عن أمره وآية أفعصيت أمري. وثانيها الأحاديث النبوية كحديث أبي سعيد بن المعلى وحديث السواك وحديث بريرة، وهي تشكّل بمجموعها تواتراً معنوياً لا يستطيع المخالف الفكاك منه. وثالثها عمل الصحابة المتواتر على حمل الأمر على الوجوب دون إنكار، وهو دليل قطعي لا يُدفع بمجرد الاحتمال.
أبرز ما تستفيد منه
- صيغة الأمر حقيقة في الإيجاب ومجاز في الندب والإباحة عند جمهور الأصوليين.
- الخلاف في منشأ الوجوب ثلاثة أقوال: اللغة، والشرع، والعقل.
- الأحاديث المتعددة في المسألة تفيد تواتراً معنوياً على أن الأمر للوجوب.
- عمل الصحابة المتواتر على الوجوب دليل قطعي لا يُدفع بالاحتمال.
تمهيد المسألة وبناء الخلاف على معاني صيغة افعل
المسألة الثانية صيغة الأمر هل هى حقيقة فى الإيجاب نقول: هذه المسألة مبنية على المسألة السابقة فى معانى صيغة افعل.
قال الإمام: "إذا عرفت هذا - يعنى ما سبق من معانى الصيغة - فنقول: اتفقوا على أن صيغة "افعل" ليست حقيقة فى جميع هذه الوجوه؛ لأن خصوصية التسخير، والتعجيز والتسوية غير مستفادة من مجرد هذه الصيغة، بل تفهم من تلك القرائن.
قال: إنما الذى وقع الخلاف فى أمور خمسة: الوجوب، والنَّدْب، والإباحة، والتنزيه [1]، والتحريم.
فمن الناس من جعل هذه الصيغة مشتركة بين هذه الخمسة.
ومنهم من جعلها مشتركة بين الوجوب والندب والإباحة.
ومنهم من جعلها حقيقة لأقل المراتب وهو الإباحة.
والحق أنها ليست حقيقة فى هذه الأمور" انتهى كلام المحصول.
وقد دلل على مختاره من أنها ليس حقيقة فى الجميع، وسيأتى دليله عند الكلام على أدلة المذاهب.
دخول الكراهة والتحريم في دلالة افعل وبداية تعداد المذاهب
قال الإسنوى [2]: ووجه دلالة "افعل" على الكراهة والتحريم -: أنها تستعمل فى التهديد - كما تقدّم - والتهديد يستدعى ترك الفعل، فيكون: إما حراما، أو مكروها.
قال: لكن دعوى الإمام حَصْر الاختلاف فى الخمسة ممنوع.
والخلاف الناشئ من هذه الخمسة كبير، وحكى البيضاوى [3] منه ثمانية مذاهب تبعا للإمام( [4]").
المذهب الأول:
أن صيغة الأمر حقيقة فى الإيجاب فقط، مجاز فيما عداه. وصحَّحه البيضاوى، وابن الحاجب [5]، ونقله فى المحصول عن أكثر الفقهاء والمتكلمين؛ قال: "... والحق أنها ليست حقيقة فى هذه الأمور... الحق عندنا أن لفظة افعل حقيقة فى الترجيح المانع من النقيض، وهو قول أكثر الفقهاء والمتكلمين" [6].
نسبة مذهب الإيجاب للفقهاء والشافعي وبيان مصادر الدلالة
ونقله الآمدى عن الفقهاء وجماعة من المتكلمين كأبى الحسين البصرى، وهو قول الجبائى فى أحد قوليه.
قال إمام الحرمين والآمدى: وهذا هو مذهب الشافعى رحمه الله [7].
وفى شرح اللُّمع للشيخ أبى إسحق الشيرازى: أنه الذى أملاه الأشعرى على أصحاب أبى إسحق الإسفراينى ببغداد [8].
ولكن هل تدل على الإيجاب بوضع اللغة أم بالشرع أم بالعقل؟ [9] فيه مذهبان، محكيان فى اللمع وشرحه [10]، قال فى اللمع: "إذا تجردت صيغة الأمر اقتضت الوجوب فى قول أكثر أصحابنا، ثم اختلف هؤلاء فمنهم من قال: يقتضى الوجوب بوضع اللغة. ومنهم من قال: يقتضى الوجوب بالشرع" [11].
تفصيل الأقوال الثلاثة في منشأ الوجوب للفظ الأمر
والأول - وهو كونه بالوضع -: نقله فى البرهان عن الشافعى، ثم اختار هو أنه بالشرع [12]. وفى المستوعب [13] قول ثالث: أنه بالعقل [14].
قال الإسنوى [15]: ولقائل أن يقول: قد جزم الإمام فى المحصول، والمنتخب فى أثناء الاشتراك بـ: "أن الماضى مُشْتَرَك بين: الخبر، والدعاء، نحو: غَفَرَ الله لزيد" فلِمَ جَعَلَ الماضى حقيقة فى الدعاء، ولم يجعل الأمر حقيقة فيه ؟ [16] انتهى كلام الإسنوى.
والحاصل أن فى هذه المسألة ثلاثة أقوال:
الأول: أنه باقتضاء وضع اللغة، واختاره أبو إسحاق الشيرازى، والغزالى فى المنخول [17]، ونقله إمام الحرمين عن الشافعى.
الثانى: أنه باقتضاء الشرع، واختاره إمام الحرمين.
الثالث: أنه باقتضاء العقل، واختاره بعضهم.
استدلال الغزالي بالوضع اللغوي وإمام الحرمين بالشرع على الوجوب
دليل من اختار أنه بوضع اللغة:
قال الغزالى فى المنخول استدلالا له: "... فالمختار أن مقتضى صيغة الأمر فى اللسان طلب جازم إلا أن تغيره قرينة، وقد فهمنا ذلك على الضرورة من فرق العرب بين قولهم افعل، ولا تفعل، وتسميتهم أحدهما أمرا، والآخر نهيا، وإنكار ذلك خلاف لما عليه أهل اللغة قاطبة" [18].
دليل القول الثانى: أنه بوضع الشرع:
قال إمام الحرمين استدلالا له: "فإن قيل: فهذا مذهب الشافعى رحمه وأتباعه، وهو المصير إلى اقتضاء اللفظ إيجابا.
قلنا: ليس كذلك، فإن الوجوب عندنا لا يعقل دون التقييد بالوعيد على الترك، وليس ذلك مقتضى تمحيض الطلب، فإذا الصيغة لتمحيض الطلب، والوجوب مستدرك من الوعيد.... فأقول -القائل إمام الحرمين -: ثبت فى وضع الشرع أن التمحيض فى الطلب متوعد على تركه، وكل ما كان كذلك لا يكون إلا واجبا" [19].
المذهب القائل بأن الأمر حقيقة في الندب ونقل قول أبي هاشم
المذهب الثانى:
أنها حقيقة فى النَّدْب.
قال الإسنوى [20]: "ونقله الغزالى فى المستصفى، والآمدى فى كتابيه قولاً للشافعى [21]. ونقله البيضاوى والآمدى عن أبى هاشم. وليس مخالفاً لما نقله عنه صاحب المعتمد [22]، كما ظنه بعض الشارحين - يعنى للمنهاج - فافهمه".
وفى كلام الإسنوى أمور:
أحدها: قوله "نقله الغزالى... والآمدى... عن الشافعى" ليس بجيد، فعبارة الغزالى [23]: "ومنهم من نقله عن الشافعى، وقد صرح الشافعى فى كتاب أحكام القرآن بتردد الأمر بين الندب والوجوب..."، فالغزالى حكى هذا النقل عن الغير وضعفه.
وعبارة الآمدى: "وهو أيضا منقول عن الشافعى... "، فهو حكاية للنقل لا نقل، والمقارنة بين عبارته فى نقله مذهب أبى هاشم، وعبارته فى حكايته النقل عن الشافعى يظهر بها الفرق.
شرح موقف أبي هاشم ثم عرض المذهبين الثالث والرابع
ثانيها: قوله فى بيان مذهب أبى هاشم: "وليس مخالفا لما نقله عنه صاحب المعتمد..."، توضيح ذلك أنه قال فى المعتمد [24]: "وقال أبو هاشم: إنها تقتضى الإرادة".
فمن وقف على هذه العبارة وحدها ربما ظنهما لتغاير العبارة قولا آخر، لكن صاحب المعتمد بين مراده، فقال: "فإذا قال القائل لغيره: (افعل)، أفاد ذلك أنه مريد منه الفعل، فإن كان القائل لغيره (افعل) حكيما، وجب كون الفعل على صفة زائدة على حسنه، يستحق لأجلها المدح، إذا كان المقول له فى دار التكليف، وجاز أن يكون واجبا، وجاز أن لا يكون واجبا؛ بل يكون مندوبا. فإذا لم يدل على وجوب الفعل، وجب نفيه، والاقتصار على المتحقَّق، وهو: كون الفعل ندبا، يستحق فاعله المدح".
المذهب الثالث:
أنها حقيقة فى الإباحة؛ لأن الجواز محقَّق، والأصل عدم الطلب.
المذهب الرابع:
أنها حقيقة فى القدر المُشْتَرَك بين الوجوب والنَّدْب، وهو ترجيح الفعل على الترك.
تمييز القدر المشترك وربطه بمذهب أبي هاشم
هكذا حكاه الإمام، ثم نقل عن القائلين به: أن الوجوب يمتاز عن الندب بامتناع الترك، والندب يمتاز عن الوجوب بجواز الترك.
واعترض الإمام عليهم: بأنه ليس فى الصيغة إشعار بهذين القيدين.
ثم أشار الإمام إلى أن هذا مذهب يؤول إلى مذهب القائل بأنه حقيقة فى الندب، وهو مذهب أبى هاشم، فقال الإمام: "ويليق بمذهب هؤلاء أن يقولوا: إنه يجب حمله على الندب، لأن اللفظ يفيد رجحان الفعل على الترك، وليس فيه ما يدل على المنع من الترك، وقد كان جواز الترك معلوما بحكم الاستصحاب. وإذا كان كذلك: كان جواز الترك بحكم الاستصحاب، ورجحان الفعل بدلالة اللفظ، ولا معنى للندب إلا ذلك" [25].
هذا صنيعه فى المحصول، لكن قال الإسنوى [26]: وجزم به - يعنى بهذا المذهب - الإمام فى المنتخب، وكذلك صاحب التحصيل [27] كلاهما فى أثناء الاشتراك.
المذهب الخامس في الطلب المجرد والسادس في التردد بين الوجوب والندب
وهذا المذهب نقله الآمدى فى منتهى السول عن الشيعة [28]، ونقل فى الإحكام عنهم: أنه مُشْتَرَك بينهما، وبين الإرشاد [29].
المذهب الخامس:
أنها حقيقة فى القدر المُشْتَرَك بينهما، وهو: الطلب.
قال الإسنوى [30]: وفى المستوعب للقيروانى، والمستصفى للغزالى: أن الشافعى نص على أن الأمر متردِّد بين الوجوب والنَّدْب، وهذا محتمِل لهذا المذهب، ولما قبله" [31].
المذهب السادس:
أنها حقيقة فى أحدهما، أى: الإيجاب، أو النَّدْب، ولكن لا يعرف: هل هو حقيقة فى الوجوب، مجاز فى النَّدْب، أو بالعكس.
قال الإسنوى [32]: ونقله البيضاوى عن حُجَّة الإسلام الغزالى، تبعاً لصاحب الحاصل [33].
نقد نسبة التردد للغزالي وبيان المذهب السابع في الاشتراك الثلاثي
قال الإسنوى: وليس كذلك، فإن الغزالى نَقَل فى المستصفى: - عن قوم أنه حقيقة فى الوجوب فقط.
- •
وعن قوم أنه حقيقة فى النَّدْب فقط.
- •
وعن قوم أنه مُشْتَرَك بينهما، قال: كلفظ العين.
- •
ثم نقل عن قوم التوقف بين هذه المذاهب الثلاث؛ قال: وهو المختار [34].
ونقله فى المحصول عنه على الصواب [35].
وقال فى المنخول: وظاهر الأمر الوجوب، وما عداه فالصيغة مستعارة فيه [36] هذا لفظه، وهو مخالف لكلامه فى المستصفى.
المذهب السابع:
أنها مُشْتَرَكة بين الثلاثة، وهى: الإيجاب، والنَّدْب، والإباحة.
وقيل: إنها مُشْتَرَكة بينهما، ولكن بالاشتراك المعنوى، وهو الإذن؛ حكاه ابن الحاجب [37].
المذهب الثامن في الاشتراك بين الخمسة وتحليل كلام البيضاوي والغزالي
المذهب الثامن:
أنها مُشْتَرَكة بين الخمسة، هكذا حكاه البيضاوى [38].
قال الإسنوى [39]: "وهذا محتَمِل لأمرين:
أحدهما: أن يكون مراده الخمسة المذكورة فى كلامه (أى: البيضاوى)
أولاً؛ لقرينة إرادته فى المذهب الذى قبله، وهو: الاشتراك بين الثلاثة، ولأنه صرّح به فى بعض النسخ فقال: "بين الخمسة الأُوَل", فإن أراده، فهو صحيح صرّح به المعالمى، والغزالى فى المستصفى، فقال - ما نصه -: فالوجوب، والنَّدْب، والإرشاد، والإباحة والتهديد -: خمسة وجوه محصلة. ثم قال، فقال: قوم هو مُشْتَرَك بين هذه الوجوه الخمسة كلفظ العين والقرء هذا لفظه [40]، وترتيبه، وهو ترتيب البيضاوى بعينه.
إمكان إرادة الأحكام الخمسة واستفادة معاني الإرشاد والتكوين
والثاني: أن يكون مراده الأحكام الخمسة - وهى عبارة الحاصل [41] - يعنى: الخمسة المعهودة، وهى: الوجوب، والنَّدْب، والإباحة، والكراهة، والتحريم.
وقد تقدم أن دلالتها على الكراهة والتحريم؛ لكونها تستعمل فى التهديد، والتهديد يستدعى ترك الفعل المنقسم إلى الحرام والمكروه.
فإن أراد هذه الخمسة فهو صحيح أيضاً، صرح به الإمام فى المحصول [42]، وذكره الآمدى فى الإحكام بالمعنى [43].
ونقله إمام الحرمين فى البرهان عن الشيخ أبى الحسن الأشعرى، فقال: ذهب الشيخ إلى التردد بين هذه الأمور. فقال قائلون: لكونه مُشْتَرَكاً. وقائلون: لكونه موضوعاً لواحد منها، ولا ندريه [44] هذا معنى كلامه.
ونقل ابن برهان فى الوجيز عن الأشعرى: أنه مُشْتَرَك بين: الطلب، والتهديد، والتعجيز، والإباحة، والتكوين.
وقد استفدنا من كلام المعالمى والغزالى أنه: حقيقة فى الإرشاد. وحكاه فى الإحكام أيضاً.
واستفدنا من كلام ابن برهان أنه: حقيقة فى التعجيز والتكوين أيضاً.
والإمام نفى الخلاف عن ذلك كله كما تقدم.
قول الأبهرى وتقرير مذهب التوقف بين الوجوب والندب والإرشاد
وذهب الأبهرى [45] فى أحد أقواله - على ما حكاه فى المستوعب - إلى أن أمر الله تعالى للوجوب، وأمر رسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم للندب" انتهى كلام الإسنوى.
المذهب التاسع:
قال الإسنوى [46]: "صحَّح الآمدى التوقف لكن بين الوجوب والنَّدْب والإرشاد، كما صرح به فى الإحكام؛ لاشتمال الثلاث على طلب الفعل، ونفى ما عداها.
وقد نُقلت عن الشيعة مذاهب أخرى غير ما تقدم، وكذلك عن الأشعرى، لكن اتفق جمهورهم على أن مذهبه التوقُّف بين أمور، ويُعبّر عنه أيضاً بـ: أن الأمر ليست له صيغة تخصه".
وقال إمام الحرمين فى البرهان: "والمتكلِّمون من أصحابنا مجمعون على اتباع أبى الحسن فى الوقف، ولم يساعد الشافعى - يعنى على القول بالوجوب - غير الأستاذ أبى إسحاق" [47].
بداية أدلة المذهب القائل بأن الأمر حقيقة في الإيجاب
أدلة المذاهب [48]:
أدلة القائلين بأنها حقيقة فى الإيجاب دون غيره:
هاهنا دعوتان: أنه ليس بحقيقة فى غير الإيجاب، وأنه حقيقة فيه.
أما الدعوى الأولى: فاستدل الإمام وأتباعه على منع كونها حقيقة فى غير الإيجاب "بأنا ندرك التفرقة فى اللغات كلها بين قوله "افعل" وبين قوله: "إن شئت فافعل، وإن شئت لا تفعل", حتى إذا قدرنا انتفاء القرائن كلها، لا فى فعل معين حتى يتوهم فيه قرينة دالة، بل فى الفعل مطلقا -: سبق إلى فهمنا اختلاف معانى هذه الصيغ، وعلمنا قطعا أنها ليست أسامى مترادفة على معنى واحد... ونعلم عند انتفاء كل القرائن بأسرها أنه يكون فهم الطلب من لفظ افعل راجحا على فهم التهديد والإباحة" انتهى المراد [49].
وأما الدعوى الثانية: فقد استدلوا على أن صيغة (افعل) حقيقة فى الإيجاب بأدلة كثيرة أوصلها الإمام فى المحصول إلى ستة عشر دليلا، واقتصر منها صاحب الحاصل على ستة منها، ذكر البيضاوى منها الخمسة الأولى، وسنقتصر عليها أيضا، ونضيف لها سادسا ذكره الإمام، وحذفاه مع أنه من أقوى ما يستدل به على ما سيأتى بيانه [50].
الدليل الأول من القرآن: ذم إبليس على ترك السجود
الدليل الأول:
أن الله سبحانه وتعالى ذم إبليس على مخالفته قوله
{اسْجُدُوا} [51]
فقال:
{مَا مَنَعَكَ أَنْ لاَ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [52]
لأن هذا الاستفهام ليس على حقيقته؛ فإنه تعالى عالم بالمانع، فاستحال حمله على الاستفهام، فتعين أن يكون للتوبيخ والذم، فإنه لا عذر له على فى الإخلال بالسجود.
وإذا ثبت الذم على ترك المأمور -: ثبت أن الأمر للوجوب؛ إذ لو لم يكن لكان لإبليس أن يقول: إنك ما ألزمتنى ففيم الذم.
وأيضا: لو لم يكن لم يذم عليه؛ لأن غير الواجب لا يذم تاركه [53].
الدليل الثاني من آية اركعوا لا يركعون مع مناقشة الاعتراضات
الدليل الثانى:
قوله تعالى:
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لاَ يَرْكَعُونَ} [54]
أى: صلوا، وتقريره كما قبله فإنه ذمهم على أنهم تركوا فعل ما قيل لهم افعلوه، ولو كان الأمر يفيد الندب لما حسن هذا الكلام [55].
اعترض الخصم بأمرين:
أحدهما: لا نُسَلِّم أن الذم على ترك المأمور، بل لأنهم لم يعتقدوا حقيقة الأمر، وذلك بتكذيب الرسل فى التبليغ؛ بدليل قوله تعالى:
{وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} [56]
قلنا: الظاهر أن الذم على الترك؛ لأنه مرَتَّبَ عليه، والترتيب مُشْعِر بالعِلِّيَّة، فاستحقوا الذم بترك الركوع، والويل بسبب التكذيب، فإنه عندنا كما يستحق الكافر العقاب بترك الإيمان، يستحق الذم والعقاب بترك العبادات.
استكمال الجواب عن الاعتراضات على الدليل الثاني
ويجاب أيضا: بأنه إن صَدَر الترك والتكذيب من طائفتين -: عُذِّبت كل منهما على ما فعلته، وإنْ صَدَرَا من طائفة واحدة -: عذِّبت عليهما معا، فإن الكافر عندنا يعاقب على الفروع كالأصول.
الاعتراض الثانى: سَلَّمْنَا أن الذم على الترك، لكن الصيغة تفيد الوجوب إجماعا عند انضمام قرينة إليها، فلعل الأمر بالركوع قد اقترن به ما يقتضى إيجابه.
وجوابه: أن الله تعالى رَتَّبَ الذم على مجرد (افعل)، فدل على أنه منشأ الذم لا القرينة [57].
الدليل الثالث:
تارك الأمر - أى: المأمور به - مخالف لذلك الأمر؛ لأن الآتى بالمأمور به موافِق له، والمخالف ضد الموافق، فإذا ثبت أن الآتى موافق -: ثبت أن التارك مخالف، والمخالف للأمر على صدد العذاب.
بناء الدليل الثالث على آية فليحذر الذين يخالفون عن أمره
فتارك ما أمر الله أو رسوله به مستحق للعقاب، ولا معنى لقولنا: الأمر للوجوب إلا ذلك.
وإنما قلنا المخالف مستحق للعقاب لقوله تعالى:
{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [58]
أَمَرَ اللهُ مُخَالِفَ أمْرِه بـ: الحذر عن العذاب، بقوله {فليحذر}، والأمر بالحذر عنه إنما يكون بعد قيام المقتَضِى لنزوله، وإذا ثبتت المقدمتان ثبت أن تارك الأمر على صدد العذاب، ولا معنى للوجوب إلا هذا.
واعترض الخصم بأربعة أوجه مرتَّبة بالترتيب الجدلى:
أحدها - وهو اعتراض على المُقَدِّمَة الأولى -: لا نُسَلِّم أن موافقة الأمر عبارة عن: الإتيان بمقتضاه حتى ينتج ما قلتم، بل الموافقة عبارة عن اعتقاد حَقِّيَّة الأمر، أى: كونه حقا صدقا، واجبا قبوله.
الجواب عن الاعتراضين الأول والثاني حول إعراب فليحذر
وعلى هذا فالمخالفة عبارة عن: اعتقاد بطلانه، وكذبه، لا ترك الأمر.
قلنا: فرْق بين الأمر، وبين الدليل الدال على أن ذلك الأمر حق، وهو المعجزة الدالة على صدق الرسول.
فاعتقادُ حقية الأمر: موافقةُ الدليل الدال على أن ذلك الأمر حق، يجب قبوله، لا موافقة الأمر؛ فإن موافقة الشىء عبارة عما يستلزم تقرير مقتضاه.
فإن دل على كون الشىء صدقا لدليل الأمر؛ فموافقته هى: اعتقاد الحَقِّيَّة، وإن دل على إيقاع الفعل - كالأمر - فموافقته هى: الإتيان بذلك الفعل.
الثانى - وهو اعتراض على المُقَدِّمَة الثانية -: لا نُسَلِّم أن الآية تدل على أنه تعالى أمَر المخالفين بالحذر، بل على أنه تعالى أمَر بالحذر عن المخالفين؛ فيكون فاعل قوله {فَلْيَحْذَرِ} ضميرا، و{الَّذِينَ يُخَالِفُونَ} مفعول به.
تفصيل الجواب النحوي واللغوي عن الاعتراض الثاني على آية فليحذر
وجوابه من وجهين:
أحدهما - ولم يذكره فى المحصول -: أن الإضمار على خلاف الأصل.
الثانى: أنه لا بد للضمير من اسم ظاهر يرجع إليه، وهو مفقود هنا.
فإن قيل: يعود على {الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ}.
قلنا: {الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ} هم المخالفون؛ لأن المنافقين كان يثقل عليهم المقام فى المسجد، واستماع الخطبة، فكانوا يلوذون بمن يستأذن للخروج، فإذا أذن له انسلوا معه، فنزلت هذه الآية.
وقيل: نزلت فى المتسللين عن حفر الخندق.
وإذا كان كذلك: فلو أَمَرَ المتسللون بالحذر عن الذين يخالفون لكانوا قد أمروا بالحذر عن أنفسهم.
سَلَّمْنَا هذا: لكن يلزم منه أن يصير التقدير: (فليحذر الذين يتسللون منكم لواذا الذين يخالفون)، وحينئذ فيكون لفظ الحذر قد استوفى فاعله ومفعوله، وليس هو مما يتعدى إلى مفعولين، فيصير قوله تعالى {أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} ضائعا، ليس له تعلُّق بما قبله، ولا بما بعده.
استكمال الجواب عن الاعتراض الثاني ثم عرض الاعتراضين الثالث والرابع
فإن قيل: يكون مفعولا لأجله، فإن الحذر لأجل إصابة ذلك.
قلنا: أجاب بعضهم بـ: أنه لو كان كذلك لوجب الإتيان باللام؛ لأنه غير مُتَّحِد به فى الفاعل؛ لأن الحذر هو فعل المتسللين، والإصابة فعل الفتنة، أو فعل الله تعالى.
وهذا الجواب مردود؛ فإن القاعدة النحوية أنه: لا يجب الإتيان بالجارّ إذا كان المجرور (أَنّ) أو (أَنْ)، نحو: عجبت من أنك قائم، وعجبت من أن تقوم، فيجوز حذف (من) فى الموضعين.
بل الجواب أنه: لو كان مفعولا لأجله لكان مجامِعًا للحذر؛ لأن الفعل يجب أن يجامع علته، واجتماعهما مستحيل.
ولقائل أن يجيب أيضا - عن قولهم أولا: إن الفاعل ضمير يعود على المتسللين - بــ: أنه لو كان كذلك لوجب إبرازه، فيقال: (فليحذروا)؛ لأنه عائد على جمْع.
سَلَّمْنَا: لكن تحذير الناس عنهم؛ لما وقعوا فيه -: أبلغ فى الذم من تحذيرهم أنفسهم، ويستلزمه أيضا، بخلاف تحذير أنفسهم فإنه لا يستلزم تحذير الغير منهم.
الاعتراض الثالث والرابع على الدليل الثالث والجواب عنهما
الاعتراض الثالث - وهو اعتراض على المُقَدِّمَة الثانية أيضا، وتقريره: أن يقال: سَلَّمْنَا أن قوله {فَلْيَحْذَرِ} أمر للمخالفين، وأنه لا ضمير فى الآية، ولكن لِمَ قلتم: إنه يوجب عليه الحذر؛ أقصى ما فى الباب أنه ورد الأمر به، وكون الأمر للوجوب هو محل النزاع.
قلنا: نحن لا ندعى أنه يدل على وجوب الحذر، ولكن يدل على حسنه، وحسن الحذر من العذاب دليل على قيام المقتَضِى للعذاب؛ لأنه لو لم يُوجَد المقتضِى لكان الحذر عنه سَفَها وعبثا، وذلك محال على الله تعالى، وإذا ثبت وجود المقتضِى ثبت أن الأمر للوجوب؛ لأن المقتضِى للعذاب هو: ترك الواجب، دون المندوب.
الاعتراض الرابع - وهو أيضا اعتراض على المُقَدِّمَة الثانية -: أن قوله {عَنْ أَمْرِهِ} مفرد فيفيد أن أمرا واحدا للوجوب، ونحن نُسَلِّمه، ولا يفيد كون جميع الأوامر كذلك مع أن المُدَّعَى هو الثانى.
وأجاب فى المحصول بثلاثة أوجه:
أحدها - وعليه اقتصر البيضاوى -: أنه عامٌّ بدليل جواز الاستثناء، فإنه يصح أن يقال: فليحذر الذين يخالفون عن أمْره إلا الأمر الفلانى، ومعيار العموم جواز الاستثناء كما هو مقرر فى محله.
تكميل وجوه عموم أمره ثم الانتقال إلى الدليل الرابع
الثانى: أنه تعالى رَتَّبَ استحقاق العقاب على مخالفة الأمر، وترتيب الحكم على الوصف يشعر بالعِلِّيَّة.
الثالث: أنه إنما استحق العقاب فى بعض الصور؛ لعدم المبالاة، وهو موجود فى الباقى [59].
الدليل الرابع:
أن تارك الأمر - أى: المأمور به - عاص؛ لقوله تعالى حكاية عن قول موسى لأخيه هارون عليهما السلام
{أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى} [60]
وقوله تعالى:
{لاَ يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ} [61]
وكل عاص يستحق النار؛ لقوله تعالى
{وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [62]
عبَّر بـ (من) التى هى للعموم، فدلّ على ما قلناه؛ فينتج أن تارك الأمر يستحق النار، ولا معنى للوجوب إلا ذلك.
الاعتراضات على الدليل الرابع وتفسير الخلود في النار
قال الإسنوى: وقد جعل البيضاوى كبرى الشكل الأول مهمَلَة، فقال: "والعاصى يستحق النار" [63]، مع أن شرطها أن تكون كلية، فالصواب أن يقول: وكل عاص، كما قرَّرته.
اعترض الخصم بوجهين:
أحدهما: لا نُسَلِّم المُقَدِّمَة الأولى أن تارك الأمر عاص؛ لأنه لو كان العصيان عبارة عن ترك المأمور -: لكان قوله تعالى {لاَ يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ} معناه: لا يتركون، أى: يفعلون؛ فيكون قوله بعد ذلك:
{وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}
تَكرارا.
وجوابه: الأمر المذكور أولا: للماضى، أو الحال. والأمر المذكور ثانيا: للاستقبال، فلا تَكرار. وتقدير الآية: لا يعصون الله ما أمرهم به فى الماضى، أو الحال، ويفعلون ما يؤمرون به فى الاستقبال؛ هذا هو الصواب فى تقريره على ما أراده البيضاوى، فاعتمده.
ولك أن تقول: النزاع فى أن تارك الأمر عاصٍ أم لا. وأما العكس وهو أن العصيان بترك الأمر، فليس النزاع فيه، ودعواه باطلة؛ لأن العصيان قد يكون بترك الأمر، وقد يكون بترك الفعل الواجب اتباعه، وقد يكون بارتكاب النهى، وغير ذلك.
تأويل عصيان غير الكفار والانتقال إلى دليل السنة على الوجوب
الاعتراض الثانى: لا نُسَلِّم المُقَدِّمَة الثانية؛ لأن المراد بالعصاة فى الآية هم: الكفار، لا تارك الأمر؛ لقرينة الخلود، فإن غير الكافر لا يخلد فى النار، كما تقرَّر فى علم الكلام.
وجوابه: أن الخلود لغة هو: المكث الطويل سواء كان دائما، أو غير دائم، أى: يكون حقيقة فى القدرْ المشترك، حذَرا من الاشتراك والمجاز، ويدل على ما قلناه قولهم: خلَّد الله مُلْك الأمير [64].
الدليل الخامس:
أن السنة قد وردت بما يدل على أن الأمر يفيد الوجوب، وأنه لا يفيد الندب فمن ذلك:
- أن النبى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم دعا أبا سعيد ابن المعلى، وهو فى الصلاة فلم يجبه؛
فقال: ما منعك أن تجيب، وقد سمعت الله تعالى يقول:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا} [65]
الآية، وهذا الاستفهام ليس على حقيقته؛ لأنه عليه الصلاة والسلام عَلِم أنه فى الصلاة، كما نقله ابن بَرهان وغيره، فتعين أن يكون للتوبيخ، والذم؛ وحينئذ فالذم عند ورود مجرَّد الأمر دليل على أنه للوجوب.
تصويب اسم الصحابي في حديث استجيبوا والاعتراضات على الاستدلال
قال الإسنوى [66]: واعلم أن البيضاوى ذكر أن أبا سعيد هذا هو: الخدرى، وهو غلَطٌ تَبِع فيه صاحب الحاصل، وصاحب الحاصل تبع الإمام فى المحصول، والإمام تبع الغزالى فى المستصفى [67].
والصواب: أنه أبو سعيد بن المعلَّى [68]، كذا وقع فى صحيح البخارى، فى أول كتاب التفسير، وفى سنن أبى داود فى الصلاة، وفى جامع الأصول فى كتاب الفضائل، وفى غيرها أيضا، واسمه: الحارث بن أوس بن المعلى الأنصارى الخزرجى الزرقى. واسم الخدرى: سعد بن مالك بن سنان من بنى خدرة، أنصارى، خزرجى أيضا [69].
وقد وقع على الصواب فى بعض نسخ الكتاب، وهو من إصلاح الناس.
واعترض الخصم من وجهين:
الأول: أن هذا الخبر خبر واحد، فلا يجوز التمسك به فى مسألة علمية.
والجواب: أن المباحث اللفظية لا يرجى فيها اليقين، وهذه المسألة وإن لم تكن فى نفسها عملية، لكنها وسيلة إلى العمل، فيجوز التمسك فيها بالظن.
استكمال مناقشة حديث استجيبوا وإضافة حديث السواك وبريرة
الاعتراض الثانى: أن النبى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ما ذمه، ولكنه أراد أن يبين له أن دعاءه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم مخالف لدعاء غيره.
والجواب: أن ظاهر الكلام يقتضى اللوم، وهو فى معنى الإخبار عن نفى العذر، وذلك لا يكون إلا والأمر للوجوب.
كما أن المانع الظاهر من الإجابة - وهو الصلاة فإنها تحرِّم الكلام - قائم، فلم يجز من النبى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أن يسأل عن المانع، فكان قوله
{اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ}
يفيد الوجوب، فحينئذ يصح السؤال [70].
- قوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: "لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" [71].
فهذا الخبر يدل على أنه لم يوجد الأمر بالسواك عند كل صلاة، والإجماع قائم على أن ذلك مندوب، فلو كان المندوب مأمورا به، لكان الأمر قائما عند كل صلاة، فلما لم يوجد الأمر علمنا أن المندوب غير مأمورا به.
حديث بريرة وتنبيه على جمع الأحاديث كدليل واحد متواتر
واعترض الخصم: بأنه يجوز أنه أراد: لأمرتهم على وجه يقتضى الوجوب، وليس يمتنع أن يقتضى الأمر الوجوب بدلالة أخرى.
وأجيب: بأن كلمة لولا دخلت على الأمر، فوجب أن لا يكون الأمر حاصلا، والندب حاصل، فوجب أن لا يكون الندب أمرا.
- خبر بريرة، وفيه: أنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم رغبها فى البقاء مع زوجها مغيث، وكان يحبها، وذلك بعد أن عتقت، وكان زوجها مغيث عبدا فقال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: "زوجك، وأبو ولدك. فقالت بريرة: يا رسول الله تأمرنى بذلك. قال: لا إنما أنا شافع. فقالت: لا حاجة لى فيه" [72].
ووجه الدلالة أنه نفى الأمر مع ثبوت الشفاعة الدالة على الندب، ونفى الأمر عند ثبوت الندبية يدل على أن المندوب غير مأمور به، وإذا كان كذلك وجب أن لا يتناول الأمر الندب [73].
تنبيه:
هذه الأدلة الخمسة هى التى اتفق الإمام وصاحب الحاصل والبيضاوى على ذكرها، إلا شيئا فى هذا الدليل الأخير ننبه عليه.
قوة التواتر المعنوي للأحاديث ثم دليل عمل الصحابة
فنقول: الحديثان الأخيران جعلهما الإمام دليلين مستقلين [74]، بينما اقتصر صاحب الحاصل والبيضاوى على الحديث الأول، وحذفا الدليلين الآخرين فيما حذفا من أدلة.
ونحن نخالفهم جميعا فى مسلكهم هذا.
وإنما جعلناهما مع الأول دليلا واحدا؛ لأنها -وغيرها من الأحاديث الكثيرة التى تستدرك عليها - تدل على قضية واحدة وهى أن الأمر يفيد الوجوب، فاجتماعها على دلالة واحدة يفيد قطعية هذه الدلالة حيث تصبح هذه الأحاديث متواترة تواترا معنويا فى الدلالة على أن الأمر يفيد الوجوب، فأفادت باجتماعها ما لم يفده تفريقها على ما صنعه الإمام، ولا حذفها من بابه على ما صنعه صاحب الحاصل وتبعه البيضاوى.
ونرى أن هذا الدليل - بناء على ما قررناه - هو من أقوى ما يستدل به فى المسألة، ولا يستطيع الخصم الفكاك منه.
وفى قوته أيضا الدليل التالى، فهما يرفعان الظن فى المسألة، أما سائر الأدلة فلا تفيد ما أفاداه، ويكثر الاعتراض حولها بخلافهما، والله أعلم.
الدليل السادس:
أن الصحابة تمسكوا بالأمر على الوجوب، ولم يظهر من أحد منهم الإنكار عليه، وذلك يدل على أنهم أجمعوا على أن ظاهر الأمر للوجوب، ووقائعهم فى ذلك أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن يُمَثَّل لها [75].
تعقيب إمام الحرمين والمؤلف على دليل عمل الصحابة
وهذا الدليل ذكره الإمام، وتبعه صاحب التحصيل [76]، وحذفه صاحب الحاصل والبيضاوى [77].
وهو -كما سبق وأشرنا- من أقوى ما يستدل به فى المسألة، فكان الأولى بصاحب الحاصل والبيضاوى ذكره.
وقد قال إمام الحرمين فى البرهان: "وأما الفقهاء فلا أرى لهم كلاما مُرْضِيا يعول على مثله فى ابتغاء القطع، ولكن من أظهر ما ذكروه أن الصحابة الماضين، والأئمة المتقدمين رضى الله عنهم أجمعين كانوا يتمسكون بمطلق الأمر فى طلب إثبات الإيجاب، ولا ينزلون عنه إلا بقرينة تنبه عليه. وهذا المسلك لا يصفو من شوائب النزاع، ويتطرق إليه أنهم كانوا يفعلون ذلك فيما اقترن به اقتضاء الإيجاب، وكل مسلك فى الكلام تطرق إليه إمكان لم يفض إلى القطع" [78].
ونحن لا نوافق إمام الحرمين رحمه الله فيما قاله، بل هو مفيد للقطع لمن اطلع على وقائعهم المتواترة فى هذا الصدد، ويحصل له العلم بذلك.
ولا نسلم له أن الإمكان واقع فى طريق القطع قبل حصوله، بل القطع حاصل لمن اطلع على وقائعهم، والإمكان مجرد احتمال وارد بعد حصول القطع، والمقرر أن مجرد الاحتمال لا يقدح فى قطعية الدليل بعد ثبوتها، ولو أمضينا للاحتمالات ووجوه الممكنات سطوتها تلك التى أرادها لها إمام الحرمين لما انعقد قطع أبدا.
تأكيد حجية التواتر العملي ثم الانتقال لأدلة القائلين بالاشتراك
فالكلام هنا فى حصول التواتر بتلك القضية، أو عدم حصوله، وحيث حصل فلا عبرة بمجرد الاحتمالات.
أدلة القائلين بأن صيغة "افعل" حقيقة فى الوجوب وغيره:
الدليل الأول: أن أهل اللغة قالوا: لا فارق بين السؤال والأمر إلا فى الرتبة فقط، أى: أن رتبة الآمر أعلى من رتبة السائل، والسؤال إنما يدل على النَّدْب، فكذلك الأمر؛ لأن الأمر لو دل على الإيجاب لكان بينهما فرق آخر غير الرتبة، وهو خلاف ما نقلوه. وكما أن السؤال لا يدل على الإيجاب، بل يفيد الندبية، فكذلك الأمر.
وجوابه: أن السؤال يدل عندنا على الإيجاب أيضا؛ لأن أهل اللغة وضعوا (افعل) لطلب الفعل، مع المنع من الترك عند من يقول: الأمر للإيجاب. وقد استعملها السائل، لكنه لا يلزم منه الوجوب؛ إذ الوجوب لا يثبت إلا بالشرع؛ فلذلك لا يَلْزَم المسؤولُ القبولَ من السائل.
فإن السائل قد يقول للمسئول منه: "لا تخل مقصودى، ولا تتركه، ولا تخيب رجائى", فهذه الألفاظ صريحة فى الإيجاب، وإن كان لا يلزم من هذا الإيجاب الوجوب.
استكمال مناقشة قياس السؤال على الأمر وتساويهما في الإيجاب
ولقائل أن يقول: على تقدير أن يدل السؤال على الإيجاب -: فيلزم أن يفترقا من وجه آخر؛ لأن إيجاب الأمر دال على الوجوب، بخلاف إيجاب السؤال.
وقد يجاب بــ: أن المعنىّ بالرَتَّبَة هو كون إيجاب الأمر يقتضى الوجوب؛ بخلاف السؤال.
وفيه نظر فإنهما مدلولان متغايران.
ولك أن تمنع ما ذكره من تفريقه بالرتبة؛ فإنه مذهب المعتزلة.
بل الفرْق: أن السؤال أمر صادر بتذلُّل، والأمر أعمّ، وقد يترَتَّب الوجوب على إيجاب السؤال، كسؤال العطشان. وقد لا يترَتَّبَ على إيجاب الأمر، كطلب السيد من عبده ما لا يقدر عليه؛ فتلخص: أنهما سواء فى الإيجاب والوجوب.
الدليل الثانى: وتقريره من وجهين:
أحدهما: أن الصيغة قد استعملت فى الوجوب، كقوله تعالى:
{وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ} [79]
وفى النَّدْب كقوله تعالى:
{فَكَاتِبُوهُمْ} [80]
فإن كانت موضوعة لكل منهما لزم الاشتراك، أو لأحدهما فقط فيلزم المجاز، فتكون حقيقة فى القدر المشترك، وهو: طلب الفعل؛ دفعاً للاشتراك، والمجاز.
التقرير الثاني للدليل الثاني والجواب عنه باختيار المجاز
وعلى هذا التقدير يكون دليلاً للقائل بــ: أنها حقيقة فى القدر المشترك، وهو أصل الترجيح، وهو مدلول كلام البيضاوى.
التقرير الثانى - وهو تقرير الإمام وأتباعه كلهم [81] -: أن نضم إلى التقرير الأول زيادة أخرى، فنقول: والدال على المعنى المشترك - وهو الأعم - غير دال على الأخص، فيكون لفظ الأمر غير دالّ على الوجوب، ولا على النَّدْب، بل على الطلب، وجواز الترك معلوم بالبراءة الأصلية؛ فتحصلنا على: طلب الفعل، مع جواز الترك، ولا معنى للندب إلا ذلك.
وجوابه: أن المجاز - وإن كان على خلاف الأصل -: لكنه يجب المصير إليه إجماعا، إذا دل عليه دليل، وها هنا كذلك للأدلة الخمسة التى أقمناها على أنه حقيقة فى الوجوب فقط، فوجب المصير إليه.
الدليل الثالث:
وهو دليل الغزالى [82]، وموافقيه على: التوقُّف.
دليل الغزالي على التوقف ورد كونه مسألة علمية بحتة
وتقريره أن الطريق إلى معرفة مدلول (افعل): - إما أن يكون بالعقل، وهو محال؛ لأنه لا مجال له فى اللغات.
- •
وإما بالنَّقْل المتواتر، وهو محال أيضا، وإلا لكان بديهيا حاصلا لكل أحد من هذه الطائفة، فلا يبقى بينهم نزاع.
- •
وإما بالآحاد وهو باطل؛ لأن رواية الآحاد إن أفادت فإنما تفيد الظن، والشارع إنما أجاز الظن فى المسائل العملية، وهى: الفروع، دون العِلْمِيَّة، كـ: قواعد أصول الدين، وكذلك قواعد أصول الفقه، كما نقله الأبيارى [83] شارح البرهان عن العلماء قاطبة، وذلك لفرط الاهتمام بالقواعد وإذا انتفت طرق المعرفة تعين الوقف.
وأجيب بوجهين:
أحدهما: لا نُسَلِّم أنها عِلْمِيَّة؛ لأن المقصود من كوْن الأمر للوجوب -: إنما هو العمل به، لا مجرد اعتقاده، والعمَليَّات مظنونة يكتفى فيها بالظن، فكذلك ما كان وسيلة إليها.
قال الإسنوى [84]: هذا هو الصواب فى تقريره، وأما قول بعض الشارحين: إنه يكتفى فيها بالظن مع كونها عِلْمِيَّة؛ لكونها وسيلة للعمل فباطل؛ لأن المعلوم يستحيل إثباته بطريق مظنونة.
إمكان الدليل المركب من النقل والعقل ومناقشة عبارة الإمام
وقد منع الإمام فى المحصول [85] أيضا كونها عِلْمِيَّة، ولم يذكر تعليل البيضاوى، بل قال: "ولا نسلم أن المسألة قطعية، وقد بيَّنا أنه لا يقين فى المباحث اللغوية"؛ وذلك لتوقُّفها على نفْى الاحتمالات العشرة، ونفيها ما ثبت إلا بالأصل.
الثانى: لا نُسَلِّم الحصر فى كونه إما عقليا أو نقليا؛ لأنه قد يكون دليل بمركب من العقل والنقل، فقد نتعرَّفه بتركيب عقلى من مقدّمات نَقْلِيّة، كقولنا: تارك الأمر عاص، وكل عاص يستحق النار، فإنه يدل على أن الأمر للوجوب.
وكقولنا: إن الجمع المحلى بالألف واللام يدخله الاستثناء، وإن الاستثناء إخراج ما لولاه لوَجَبَ دخوله؛ فإنه يدل على أن الجمع المحلى للعموم - وذلك بالطريق الذى قلناه؛ لأن نفس المقدمتين نَقْلِيّة، وتركيبهما تركيب عقلى علم من العلوم العقلية.
قال الإسنوى: "وعبّر الإمام فى المحصول والمنتخب عن هذه بقوله: إنه يعرف بدليل مركب من العقل والنَّقْل [86].
تصحيح فهم الدليل المركب وخاتمة الجواب بالتواتر والاحتمال
فأورد عليه: أن هذا الدليل نَقْل محْض؛ لأن المقدمتين نَقْلِيّتان، وحظ العقل إنما هو تفطنه لاندراج الصغرى فى الكبرى، فلذلك عَدَل صاحب الحاصل [87]، وتبعه عليه البيضاوى".
نقول: لم يرد الإمام أن أحد المقدمتين عقلية والأخرى نقلية على ما توهمه الإسنوى، بل ما ذكره فى الاعتراض هو مراد الإمام فإنه قال: "لم لا يجوز أن يعرف ذلك بدليل مركب من النقل والعقل، مثل قولنا: "تارك الأمر المأمور به عاص، والعاصى مستحق العقاب", فيستلزم العقل من تركيب هاتين المقدمتين النقليتين أن الأمر للوجوب", هذا كلامه فى المحصول، وهو عين ما اعترض به الإسنوى، فما قاله صاحب الحاصل والبيضاوى هو تصريح بمراد الإمام ليس غير، والإيراد وتعديل العبارة من ولع الإسنوى رحمه الله بذلك صح، أو لم يصح.
ثم قال الإسنوى: "وقول البيضاوى يحتمل كلا من المثالين المتقدمين، والأول أولى؛ للتصريح به فى الحاصل والمحصول؛ ولكونه دليلا على نفس المسألة المتنازع فيها؛ ولأنه أقرب.
وعن هذا الدليل جواب ثالث لم يذكره البيضاوى، ينفع فى مواضع، وهو: التزام حصوله بالتواتر، ولا يلزم منه رفع الخلاف؛ لأنه قد يصل إلى بعضهم بكثْرة المطالعة لأقضيتهم، وتواريخهم، وغيره لم يشتغل بذلك فيقع الخلاف.
الجواب الثالث بالتواتر وإمكان بقاء الخلاف مع تحقق العلم
ولقائل أن يقول: ينبغى للمُصَنِّف على طريقة الجدليين تقديم جوابه الثانى على الأول، كما فعل فى الحاصل والمحصول، فيقول: أولا لا نُسَلِّم الحصر، سَلَّمْنَا، لكن نختار تعرُّفه بالآحاد؛ وذلك لأن الثانى فيه تسليم للحصر، فلا يحسن منه منعه بعد ذلك.
فإن قيل: دعواه أنه يُعلَم بتركيب عقلى من مقدمات نَقْلِيّة لا يدفع السؤال، لأن هذه المقدمات النَّقْليّة: إما أن يكون نَقْلُها بالتواتر، أو بالآحاد، ويعود السؤال بعينه.
وجوابه بــ: اختيار التواتر، ولا يلزم منه أن يعرِف كل أحد أنه للوجوب، وإنما يلزم ذلك -: أن لو كان التركيب العقلى ضروريا، وهو ممنوع" [88].
ما شعورك تجاه هذا الفصل؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفصل؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
ما المذهب الراجح عند أكثر الفقهاء والمتكلمين في دلالة صيغة الأمر؟
أنها حقيقة في الإيجاب فقط ومجاز فيما عداه
كم مذهباً حكاه البيضاوي في دلالة صيغة الأمر؟
ثمانية مذاهب
من اختار أن وجوب صيغة الأمر ثابت بوضع اللغة لا بالشرع؟
أبو إسحاق الشيرازي والغزالي في المنخول
ما وجه دلالة قصة إبليس وترك السجود على أن الأمر للوجوب؟
لأن الله ذمّ إبليس على الترك والذم لا يكون إلا على ترك الواجب
ما الذي يدل عليه حديث السواك في مسألة دلالة الأمر؟
أن المندوب غير مأمور به لأن النبي لم يأمر بالسواك مع ثبوت ندبيته
ما وجه دلالة حديث بريرة على أن المندوب غير مأمور به؟
لأن النبي نفى الأمر مع ثبوت الشفاعة الدالة على الندب
ما الصحابي الصحيح في حديث استجيبوا لله والرسول إذا دعاكم؟
أبو سعيد بن المعلى
ما المذهب الثالث في دلالة صيغة الأمر وما حجته؟
أنها للإباحة لأن الجواز محقق والأصل عدم الطلب
ما معنى الخلود في قوله تعالى فإن له نار جهنم خالدين فيها أبداً عند الأصوليين في هذا السياق؟
المكث الطويل سواء كان دائماً أو غير دائم
ما الدليل الذي يرى المؤلف أنه من أقوى ما يُستدل به على أن الأمر للوجوب؟
التواتر المعنوي للأحاديث وعمل الصحابة
ما الاعتراض الرابع على الاستدلال بآية فليحذر الذين يخالفون عن أمره؟
أن عن أمره مفرد فيفيد أن أمراً واحداً للوجوب لا جميع الأوامر
ما موقف الآمدي من مسألة دلالة صيغة الأمر؟
صحّح التوقف بين الوجوب والندب والإرشاد
ما الفرق بين الوجوب والندب في مذهب القدر المشترك؟
الوجوب يمتاز بامتناع الترك والندب يمتاز بجواز الترك
لماذا رفض المؤلف موقف إمام الحرمين من دليل عمل الصحابة؟
لأن مجرد الاحتمال لا يقدح في قطعية الدليل بعد ثبوتها بالتواتر
ما الجواب عن دليل قياس الأمر على السؤال في الندب؟
أن السؤال يفيد الإيجاب أيضاً لكن الوجوب لا يثبت إلا بالشرع فلا يلزم المسؤول القبول
على ماذا اتفق الأصوليون في صيغة افعل؟
اتفقوا على أنها ليست حقيقة في جميع معانيها كالتسخير والتعجيز والتسوية لأن هذه تُفهم من القرائن لا من الصيغة ذاتها.
في كم أمر وقع الخلاف في دلالة صيغة الأمر؟
وقع الخلاف في خمسة أمور: الوجوب والندب والإباحة والتنزيه والتحريم.
ما مذهب الشافعي في دلالة صيغة الأمر؟
مذهب الشافعي أن صيغة الأمر تقتضي الوجوب، نقله إمام الحرمين والآمدي وأبو إسحاق الشيرازي.
ما الفرق بين قول الشيرازي وقول إمام الحرمين في منشأ وجوب الأمر؟
الشيرازي يرى أن الوجوب بوضع اللغة، وإمام الحرمين يرى أنه باقتضاء الشرع لأن الوجوب لا يُعقل دون الوعيد على الترك.
ما مذهب أبي هاشم في دلالة صيغة الأمر؟
أبو هاشم يرى أن الصيغة تقتضي الإرادة، وعند الحكيم يكون الفعل إما واجباً وإما مندوباً، وعند عدم الدليل على الوجوب يُقتصر على الندب.
ما المذهب الرابع في دلالة صيغة الأمر؟
أنها حقيقة في القدر المشترك بين الوجوب والندب وهو ترجيح الفعل على الترك، ويمتاز الوجوب بامتناع الترك والندب بجوازه.
كيف يدل استعمال صيغة الأمر في التهديد على الكراهة والتحريم؟
لأن التهديد يستدعي ترك الفعل، والفعل المطلوب تركه إما حرام وإما مكروه.
ما وجه الاستدلال بآية وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون على الوجوب؟
ذمّ الله الكافرين على ترك فعل ما قيل لهم افعلوه، ولو كان الأمر للندب لما حسن هذا الذم.
ما الجواب عن الاعتراض بأن الذم في آية اركعوا على التكذيب لا على الترك؟
الذم مرتّب على الترك والترتيب مشعر بالعلية، فاستحقوا الذم بترك الركوع والويل بسبب التكذيب، والكافر يعاقب على الفروع كالأصول.
ما معيار عموم اللفظ عند الأصوليين؟
معيار العموم جواز الاستثناء، فإذا صح أن يقال فليحذر الذين يخالفون عن أمره إلا الأمر الفلاني دلّ على عموم أمره.
ما الجواب عن الاعتراض بأن الخلود في آية ومن يعص الله ورسوله قرينة على إرادة الكفار؟
الخلود لغةً هو المكث الطويل سواء كان دائماً أو غير دائم، فهو حقيقة في القدر المشترك ولا يختص بالكافر.
لماذا جمع المؤلف أحاديث السواك وبريرة وأبي سعيد في دليل واحد؟
لأنها تدل على قضية واحدة وهي أن الأمر يفيد الوجوب، فاجتماعها يفيد تواتراً معنوياً يرفع الدلالة إلى القطع.
ما الدليل السادس على أن صيغة الأمر للوجوب؟
أن الصحابة تمسكوا بالأمر على الوجوب ولم يظهر من أحد منهم الإنكار، وذلك يدل على إجماعهم على أن ظاهر الأمر للوجوب.
ما الجواب الأول عن دليل الغزالي على التوقف؟
أن المسألة ليست علمية بل عملية لأن مقصودها العمل لا مجرد الاعتقاد، والعمليات يكتفى فيها بالظن وكذلك ما كان وسيلة إليها.
ما المراد بالدليل المركب من العقل والنقل في هذه المسألة؟
أن تكون المقدمتان نقليتان كقولنا تارك الأمر عاص وكل عاص يستحق النار، ويستلزم العقل من تركيبهما أن الأمر للوجوب.