هل لفظ الأمر حقيقة في القول الطالب فقط أم يشمل الفعل والشأن وما الفروع الفقهية المترتبة على ذلك؟
ذهب جمهور الأصوليين إلى أن لفظ الأمر حقيقة في القول الطالب فقط، ومجاز في غيره كالفعل والشأن، دفعاً للاشتراك الذي هو خلاف الأصل. وقال بعض الفقهاء إنه مشترك بين القول والفعل، فيما اختار أبو الحسين البصري اشتراكه بين خمسة معانٍ، واختار الآمدي أنه متواطئ بينهما. ويترتب على هذا الخلاف فروع فقهية منها: كون قول الزوج لزوجته أمرك بيدك كناية في الطلاق تحتاج إلى نية.
- •
هل لفظ الأمر حقيقة في القول الطالب وحده أم يمتد ليشمل الفعل والشأن؟ هذا هو محل الخلاف الحقيقي بين الأصوليين.
- •
اتفق الأصوليون على أن اسم الأمر حقيقة في القول المخصوص، واختلفوا في إطلاقه على الفعل هل هو حقيقة أو مجاز.
- •
ذهب الجمهور إلى أن الأمر حقيقة في القول الطالب فقط ومجاز في الفعل، مستدلين بأن الحقيقة في موضعين تستلزم الاشتراك المرفوض أصلاً.
- •
قال بعض الفقهاء إنه مشترك بين القول والفعل، واستدلوا بآيات قرآنية وشواهد شعرية وعرفية، وأجاب الجمهور عن كل دليل بالتفصيل.
- •
اختار أبو الحسين البصري أنه مشترك بين خمسة معانٍ: القول والشيء والصفة والشأن والفعل، فيما اختار الآمدي أنه متواطئ لا مشترك.
- •
يترتب على هذا الخلاف فروع فقهية عملية، منها: كون قول الزوج أمرك بيدك كناية في الطلاق تحتاج إلى نية، وبطلان الاستدلال بحديث السجود على وجوب وضع اليدين والركبتين.
- 1
اتفق الأصوليون على أن اسم الأمر حقيقة في القول المخصوص، واختلفوا في إطلاقه على الفعل بين القول بالمجاز والاشتراك.
- 2
الجمهور على أن الأمر حقيقة في القول الطالب فقط ومجاز في الفعل، وهو مختار الإمام الرازي وابن السبكي وصاحب الحاصل.
- 3
الدليل المعتمد للجمهور هو دفع الاشتراك، إذ ثبوت الحقيقة في موضعين يستلزمه والأصل عدمه، وقد ضُعِّفت سائر الوجوه.
- 4
استدل الجمهور بوجوه إضافية كالاطراد والاشتقاق ولوازم الأمر، وقد ضُعِّفت كلها، وأقواها دليل التبادر الذي أضافه المحلى.
- 5
استدل أصحاب الاشتراك بالاستعمال اللغوي وآيات قرآنية كقوله وما أمرنا إلا واحدة، وأجاب الجمهور بوجوب صرفها عن الظاهر.
- 6
آية وما أمر فرعون برشيد استدل بها للاشتراك، وأجاب الجمهور بأن حملها على الشأن مجازاً أولى، أو أن المراد القول لسياق الآية.
- 7
استدل أصحاب الاشتراك بآيات قرآنية متعددة، وأجاب الجمهور بحملها على الشأن أو القول لا على الفعل الخاص.
- 8
استدل أصحاب الاشتراك بشواهد شعرية كبيت أنس بن مدركة وأمثال عربية تستعمل الأمر بمعنى الشأن والطريق والفعل.
- 9
استدل أصحاب الاشتراك بالتفريق بين أوامر وأمور، وأجاب الجمهور بأن أمور قد تكون للشأن لا للفعل، وأن الجمع ليس علامة الحقيقة.
- 10
اختار أبو الحسين البصري أن لفظ الأمر مشترك بين خمسة معانٍ: القول والشيء والصفة والشأن والفعل، مستشهداً بالشعر والاستعمال.
- 11
استدل أبو الحسين بالتردد الذهني عند تجرد اللفظ عن القرائن دليلاً على الاشتراك، وأجاب الجمهور بأن القول هو المتبادر أولاً.
- 12
اختار الآمدي أن اسم الأمر متواطئ في القول والفعل لا مشترك ولا مجاز، بعد تضعيفه حجج المذاهب الأخرى جميعاً.
- 13
نبّه الإسنوي إلى غلط في نسبة مذهب أبي الحسين، إذ نص في المعتمد على أن الأمر لا يقع على الفعل بخصوصه بل على الشأن حقيقة.
- 14
نبّه الإسنوي إلى أن الطريق والشأن شيء واحد عند أبي الحسين، وأن التغاير بينهما وقع عند صاحب التحصيل وحده لإبهام في عبارة الرازي.
- 15
يترتب على هذه المسألة فرعان: كون أمرك بيدك كناية في الطلاق تحتاج نية، وبطلان الاستدلال بحديث السجود على وجوب وضع الأعضاء.
ما محل الاتفاق والخلاف بين الأصوليين في اسم الأمر وهل هو حقيقة في القول المخصوص؟
اتفق الأصوليون على أن اسم الأمر حقيقة في القول المخصوص الذي هو قسم من أقسام الكلام. ووقع الخلاف بينهم في إطلاق اسم الأمر على الفعل، هل هو حقيقة أو مجاز. والأكثرون على أنه مجاز في الفعل، واختار أبو الحسين البصري أنه مشترك بين الشيء والصفة وجملة الشأن والطرائق.
ما مذهب الجمهور في حقيقة لفظ الأمر وهل هو حقيقة في غير القول الطالب؟
ذهب الجمهور إلى أن الأمر ليس حقيقة في غير القول الطالب، فلما ثبت أن لفظ الأمر حقيقة في القول المخصوص فلا يكون حقيقة في غيره أيضاً. وهو مختار الإمام الرازي وأتباعه، وقال في الحاصل إنه الحق. واختاره ابن السبكي في جمع الجوامع بقوله: الأمر حقيقة في القول المخصوص مجاز في الفعل.
ما الدليل الرئيس الذي استند إليه الجمهور على أن الأمر ليس حقيقة في غير القول الطالب؟
دليل الجمهور الرئيس أنه لو كان الأمر حقيقة في غير القول الطالب لكان مشتركاً، والأصل عدم الاشتراك. وقرر الإمام الرازي هذا الدليل بقوله: أجمعنا على أنه حقيقة في القول المخصوص فوجب أن لا يكون حقيقة في غيره دفعاً للاشتراك. وهذا هو المعتمد في الاستدلال، وقد ضعّف الإمام وصاحب التحصيل والآمدي الوجوه الأخرى.
ما الوجوه الإضافية التي استدل بها الجمهور على تخصيص الأمر بالقول وكيف نوقشت؟
استدل الجمهور بوجوه إضافية منها: أن الحقيقة تقتضي الاطراد فيسمى الأكل والشرب أمراً، وأن الاشتقاق يقتضي تسمية الفاعل آمراً، وأن لوازم الأمر كالوصف بالطاعة والعصيان لا توجد في الفعل. وقد ضُعِّفت هذه الوجوه جميعاً بأن الاطراد والاشتقاق غير واجبين في كل الحقائق. وزاد المحلى دليل التبادر، إذ القول هو المتبادر إلى الذهن من لفظ الأمر والتبادر علامة الحقيقة.
ما الدليل الأول لمذهب القائلين باشتراك لفظ الأمر بين القول والفعل وما الجواب عنه؟
استدل أصحاب مذهب الاشتراك بأن أهل اللغة يستعملون لفظ الأمر في الفعل وظاهر الاستعمال الحقيقة، وقد استعمل كذلك في القرآن كقوله تعالى وما أمرنا إلا واحدة أي فعلنا. وأجاب الجمهور بأنه لا يجوز إجراء اللفظ على ظاهره لأنه يلزم أن يكون فعل الله واحداً وهو باطل، فوجب صرفه عن الظاهر وحمله على أن من شأنه تعالى أنه إذا أراد شيئاً وقع كلمح البصر.
كيف استدل أصحاب الاشتراك بآية وما أمر فرعون برشيد وما الجواب عنها؟
استدل أصحاب الاشتراك بقوله تعالى وما أمر فرعون برشيد أي فعله، والأصل في الإطلاق الحقيقة. وأجاب الجمهور بثلاثة وجوه: أولها أن المراد بالأمر هنا الشأن مجازاً وهو أولى من الاشتراك، وثانيها أن المراد القول لقوله قبله فاتبعوا أمر فرعون أي أطاعوه فيما أمر به، وثالثها أن الرجحان إنما يكون مع الانفراد ولم يتحقق بل الإجمال واقع.
كيف استدل أصحاب الاشتراك بآيات تجري في البحر بأمره وحتى إذا جاء أمرنا وما الجواب عنها؟
استدل أصحاب الاشتراك بقوله تعالى تجري في البحر بأمره ومسخرات بأمره وحتى إذا جاء أمرنا. وأجاب الجمهور عن الأوليين بأن الجري والتسخير حصلا بقدرته لا بفعله فوجب حمله على الشأن والطريق. وعن الثالثة بأنه يجوز أن يكون المراد القول أو الشأن، والفعل يطلق عليه اسم الأمر لعموم كونه شأناً لا لخصوص كونه فعلاً.
ما الشواهد الشعرية والعرفية التي استدل بها أصحاب الاشتراك على استعمال الأمر بمعنى الفعل؟
استدل أصحاب الاشتراك بقول أنس بن مدركة: عزمت على إقامة ذي صباح لأمر ما يسوَّد من يسود، وبقول العرب في أمثالها لأمر ما جدع قصير أنفه. كما استدلوا بقولهم أمر فلان مستقيم وأمره غير مستقيم، وإنما يريدون طرائقه وأفعاله وأحواله. وهذه الشواهد تدل على استعمال الأمر بمعنى الشأن والطريق والفعل في كلام العرب.
ما الدليل الثاني لمذهب الاشتراك المبني على الفرق بين جمعي أوامر وأمور وما الجواب عنه؟
استدل أصحاب الاشتراك بأن العرب فرّقوا بين جمع الأمر بمعنى القول فقالوا أوامر، وجمعه بمعنى الفعل فقالوا أمور، والاشتقاق علامة الحقيقة. وأجاب الجمهور بوجهين: أولهما أنه يجوز أن تكون أمور جمعاً للأمر بمعنى الشأن لا بمعنى الفعل، وثانيهما أنه لو سُلِّم ذلك فلا يُسلَّم أن الجمع من علامات الحقيقة.
ما مذهب أبي الحسين البصري في معنى لفظ الأمر وما المعاني الخمسة التي يرى الاشتراك بينها؟
قال أبو الحسين البصري إن لفظ الأمر مشترك بين خمسة أشياء: القول المخصوص، والشيء كقولنا تحرك هذا الجسم لأمر أي لشيء، والصفة أو العرض، والشأن كقولنا أمر فلان مستقيم أي شأنه، والفعل. واستشهد على معنى الصفة بقول أنس بن مدركة: لأمر ما يسود من يسود أي لصفة عظيمة توجب السيادة لمن هو أهل لها.
ما دليل أبي الحسين البصري على الاشتراك بالتردد الذهني وما الجواب عنه؟
استدل أبو الحسين بأنه إذا تجرد لفظ الأمر عن القرائن كقول القائل أمر فلان أو هذا أمر تردّدنا بين المعاني الخمسة، والتردد آية الاشتراك أي علامته. وأجاب الجمهور بأنه لا يُسلَّم حصول التردد عند التجرد عن القرائن، بل يتبادر القول إلى الذهن أولاً. فإذا وجدت قرينة مانعة من حمل اللفظ على القول صار ذلك دليلاً على أن المراد غير القول.
ما مذهب الآمدي في اسم الأمر وما الفرق بين التواطؤ والاشتراك في هذه المسألة؟
اختار سيف الدين الآمدي أن اسم الأمر متواطئ في القول المخصوص والفعل، لا مشترك ولا مجاز في أحدهما. وقد توصل إلى هذا الاختيار بعد أن ذكر حجج المذاهب المتقدمة وضعّفها جميعاً. والفرق بين التواطؤ والاشتراك أن المتواطئ لفظ وُضع لمعنى كلي يصدق على أفراد، بخلاف المشترك الذي وُضع لمعنيين مستقلين بوضعين مختلفين.
ما التنبيه الأول الذي ذكره الإسنوي بشأن تصحيح نسبة مذهب أبي الحسين في معنى الأمر؟
نبّه الإسنوي إلى أن ما نقله البيضاوي عن أبي الحسين من كون الأمر موضوعاً للفعل بخصوصه غلط وقع أيضاً في المنتخب والتحصيل وبعض كتب القرافي. وقد نص أبو الحسين في المعتمد وشرح العمد على أن اسم الأمر لا يقع على الفعل من حيث هو فعل لا حقيقة ولا مجازاً، وإنما يقع على جملة الشأن حقيقة. ووقع المحصول والحاصل على الصواب إذ حذفا الفعل من معاني الاشتراك.
ما التنبيه الثاني للإسنوي حول علاقة الطريق بالشأن في مذهب أبي الحسين ومن غاير بينهما؟
نبّه الإسنوي إلى أن أبا الحسين في شرح العمد جعل الطريق والشأن شيئاً واحداً، ولذلك لم يذكرهما المصنف منفصلين اكتفاءً بدخول الطريق في الشأن. وقد غاير بينهما صاحب التحصيل والقرافي لإبهام في كلام الإمام الرازي، غير أن عبارة الرازي في المحصول لا إبهام فيها إذ عطف الطريق على الشأن دون فصل مما يفيد أنهما قسم واحد. وحاصل المناقشة أن الذي غاير بينهما هو صاحب التحصيل وحده.
ما الفروع الفقهية المترتبة على مسألة كون الأمر حقيقة في القول الطالب وكيف تؤثر في مسائل الطلاق والسجود؟
من فروع هذه المسألة: أولاً أن قول الزوج لزوجته أمرك بيدك أو فوضت إليك أمرك يكون كناية في الطلاق تحتاج إلى نية، لأنه إن قيل بالاشتراك أو القدر المشترك فلا بد من نية تميز المراد، وإن قيل بأنه حقيقة في القول فقط كان استعماله في غيره مجازاً والمجاز يحتاج إلى قصد. وثانياً بطلان الاستدلال بحديث أمرت أن أسجد على سبعة أعظم على وجوب وضع اليدين والركبتين والقدمين في السجود.
لفظ الأمر حقيقة في القول الطالب عند الجمهور ومجاز في الفعل والشأن، ولهذا الخلاف فروع فقهية عملية دقيقة.
حقيقة لفظ الأمر في القول الطالب هي مذهب الجمهور من الأصوليين، ودليلهم الرئيس أن ثبوت الحقيقة في موضعين يستلزم الاشتراك، والأصل عدمه. وقد قرر الإمام الرازي هذا الدليل بعبارة صريحة، وأيده ابن السبكي في جمع الجوامع، وزاد المحلى دليل التبادر الذي هو علامة الحقيقة.
في مقابل الجمهور، ذهب بعض الفقهاء إلى الاشتراك بين القول والفعل مستدلين بآيات قرآنية كقوله تعالى وما أمرنا إلا واحدة وشواهد شعرية وعرفية، فأجاب الجمهور بحمل تلك الآيات على معنى الشأن مجازاً لا الفعل حقيقة. أما أبو الحسين البصري فاختار الاشتراك بين خمسة معانٍ، والآمدي اختار التواطؤ. ويترتب على هذا الخلاف أن قول الزوج أمرك بيدك يكون كناية في الطلاق تحتاج إلى نية.
أبرز ما تستفيد منه
- الجمهور على أن الأمر حقيقة في القول الطالب ومجاز في الفعل.
- الدليل المعتمد للجمهور هو دفع الاشتراك الذي هو خلاف الأصل.
- أبو الحسين البصري يرى الاشتراك بين خمسة معانٍ لا بين القول والفعل فقط.
- الآمدي اختار التواطؤ بين القول والفعل لا الاشتراك ولا المجاز.
- قول الزوج أمرك بيدك كناية في الطلاق تحتاج إلى نية بناء على هذا الخلاف.
اتفاق الاصوليين على حقيقة اسم الامر وموضع الخلاف الاساسي
اتفق الأصوليون - على ما حكاه الآمدى - على أن اسم الأمر حقيقة فى القول المخصوص وهو قسم من أقسام الكلام، وسواء قلنا إن الكلام هو المعنى القائم بالنفس، أو العبارة الدالة على الوضع والاصطلاح على اختلاف المذاهب.
وإنما وقع الخلاف بينهم فى إطلاق اسم الأمر على الفعل، هل هو حقيقة أو لا ؟ والأكثرون على أنه مجاز، واختيار أبى الحسين البصرى أنه مشترك بين الشىء والصفة وبين جملة الشأن والطرائق، ووافق على أنه ليس حقيقة فى نفس الفعل من حيث هو فعل، بل من حيث هو شىء [1].
مذهب الجمهور في حصر حقيقة الامر في القول الطالب فقط
المذهب الأول [2]:
ذهب الجمهور إلى أن الأمر ليس حقيقة فى غير القول الطالب؛ لما ثبت أن لفظ الأَمْر حقيقة فى القول المخصوص -: فلا يكون حقيقة فى غيره أيضا، وهو مختار الإمام وأتباعه. قال فى الحاصل: وهو الحق [3].
واختاره أيضا ابن السبكى فى جمع الجوامع، قال: الأمر حقيقة فى القول المخصوص مجاز فى الفعل [4].
الدليل الرئيس للجمهور على نفي حقيقة الامر في غير القول
دليل هذا المذهب:
أنه لو كان حقيقة فى غير القول الطالب لكان مُشْتَرَكا، والأصل عدم الاشتراك.
وقد قرر الإمام هذا الدليل بعبارة أخرى فقال: "أنا أجمعنا على أنه حقيقة فى القول المخصوص فوجب أن لا يكون حقيقة فى غيره دفعا للاشتراك" [5].
وهذا هو المعتمد فى الاستدلال لمذهب الجمهور، وقد استُدِل له بوجوه أخرى ضعفها الإمام، وصاحب التحصيل، وحذفها صاحب الحاصل [6] اعتمادا على ضعفها، وتبعه البيضاوى. كما ذكرها الآمدى أيضا، وزاد عليها، ثم قال: وفى هذه الحجج نظر [7].
الوجوه الاضافية لاستدلال الجمهور على التخصيص ومناقشتها التفصيلية
ومن تلك الوجوه:
- لو كان لفظ الأمر حقيقة فى الفعل لاطرد فكان يسمى الأكل أمرا، والشرب أمرا.
وضُعِّفَ بأنا لا نسلم أن من شأن الحقيقة الاطراد، كما لا نسلم أن لا يصح أن يقال للأكل والشرب أمر.
- ولو كان لفظ الأمر حقيقة فى الفعل لاشتق للفاعل اسم الآمر، لكنه لم يشتق لأن من قام أو قعد لا يسمى آمرا.
وضُعِّفَ بأن الاشتقاق غير واجب فى كل الحقائق.
- أن للأمر لوازم، ولم يوجد شىء منها فى الفعل، فوجب أن لا يكون حقيقة فى الفعل، فالأمر يدخل فيه الوصف بالمطيع والعاصى، وضده النهى، ويمنع منه الخرس والسكوت، لأنهم يستهجنون فى الأخرس والساكت أن يقال: وقع منه أمر. وعدوا الأمر مطلقا من أقسام الكلام، كما عدوا الخبر مطلقا منه، وكل ذلك ينافى كون الأمر حقيقة إلا فى القول.
وضُعِّفَ بأن العرب إنما حكموا بتلك الصفات فى الأمر بمعنى القول، فإن ادعيتم أنهم حكموا به فى كل ما يسمى أمر فهو ممنوع.
- أنه يصح نفى الأمر عن الفعل، فيقال: إنه ما أمر به، ولكن فعله.
وضُعِّفَ بأنا لا نسلم أنهم جوزوا نفيه مطلقا.
- أن جمع الأمر الحقيقى فى القول المخصوص بأوامر، وهو لازم له لنفس الأمر لا للمسمى، وهو غير متحقق فى الفعل، بل إن جمع فإنما يجمع بأمور.
وضعف بأن أوامر ليست جمع أمر، بل جمع إمرة [8].
وقد تقدم الكلام على ذلك [9].
وقد استدل المحلى فى شرح جمع الجوامع بوجه آخر لم يتعرضوا له، فقال: "الأمر حقيقة فى القول المخصوص مجاز فى الفعل لتبادر القول دون الفعل من لفظ الأمر إلى الذهن، والتبادر علامة للحقيقة" [10].
المذهب الثاني القائل باشتراك لفظ الامر بين القول والفعل ودليله الاول
المذهب الثانى [11]:
قال بعض الفقهاء: إنه مُشْتَرَك بين القول المخصوص والفعل.
ونقل الأصفهانى شارح المحصول عن ابن برهان: أنه قول كافة العلماء.
دليل هذا المذهب:
الدليل الأول: أن أهل اللغة يستعملون لفظة الأمر فى الفعل، وظاهر الاستعمال الحقيقة.
قالوا: وقد استعمل كذلك فى القرآن والشعر والعرف.
أما القرآن: فإنه أطلق على الفعل فى غير آية:
- •كقوله تعالى:
{وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَة} [12]
أى: فعلنا؛ لأن الأَمْر القولى مختلف صيغةً ومدلولا.
وجوابه:
أنه لا يجوز إجراء اللفظ على ظاهره، لأنه يلزم أن يكون فعل الله واحدا، وهو باطل، كما يلزم أن يكون فعل الله تعالى لا يحدث إلا كلمح بالبصر، ومعلوم أنه ليس كذلك. وإذا وجب صرفه عن الظاهر علمنا أن المراد أن من شأنه تعالى أنه إذا أراد شيئا وقع كلمح البصر.
تحليل آية وما امر فرعون برشيد والجواب عن دلالة الامر فيها
- •وكقوله تعالى:
{وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} [13]
أى: فعله، والأصل فى الإطلاق الحقيقة.
وجوابه من وجوه:
- أن المراد بالأَمْر هنا هو الشأن مجازا، وهو أولى من الاشتراك.
ووجه المجاز: أن الشأن أعم من القول والفعل، فالتعبير عنه بالقول من باب: إطلاق اسم الخاص، وإرادة العام.
- وأنه يجوز أن يكون المراد هو القول، بل الأظهر ذلك لقوله قبله
{فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَونَ}
أى: أطاعوه فيما أمر به.
- أن معنى قوله الأصل فى الإطلاق الحقيقة أنها هى المتبادرة فى الذهن، الراجحة عند العقل، والرجحان إنما يكون مع الانفراد، ولم يتحقق، بل الإجمال واقع، وعدم الفهم بالكلية. وقد ذكر القرافى هذا الجواب، وقال: إنه أولى مما ذكره الإمام فى الجواب [14].
الاستدلال بآيات تجري في البحر بامرِه وحتى اذا جاء امرنا والرد عليها
جـ - وكقوله تعالى:
{تَجْرِى فِى الْبَحْرِ بَأَمْرِهِ} [15]
- •وكقوله تعالى
{مُسَخَّرَاتٍ بَأَمْرِهِ} [16]
والجواب عنهما:
أنه لا يجوز حمل الأمر - هاهنا - على الفعل؛ لأن الجرى والتسخير إنما حصلا بقدرته لا بفعله، فوجب حمله على الشأن والطريق.
- •وكقوله تعالى
{حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا} [17]
المراد منه: العجائب التى فعلها الله تعالى.
وجوابه:
أنه لم لا يجوز أن يكون المراد منه القول، أو الشأن، والفعل يطلق عليه اسم الأمر، لعموم كونه شأنا، لا لخصوص كونه أمرا.
- •وكقوله تعالى
{أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّه} [18]
ويجاب: بما تقدم فى الآية السابقة.
الشواهد الشعرية والعرفية على استعمال الامر بمعنى الشأن والسبب
وأما الشعر: فقول أنس بن مدركة:
عزمتُ على إقامة ذى صباح
لأمرٍ ما يسوَّدُ من يسودُ [19] أما العرف: فقول العرب فى أمثالها: "لأمر ما جدع قصير أنفه" [20].
ويقولون: "أمر فلان مستقيم، وأمره غير مستقيم"، وإنما يريدون طرائقه وأفعاله وأحواله.
الدليل الثاني لمذهب الاشتراك وجمع الامر على اوامر وامور
الدليل الثانى: أنه قد خولف بين جمع الأمر بمعنى القول، وبين جمعه بمعنى الفعل، فيقال فى الأول: أوامر، وفى الثانى: أمور، والاشتقاق علامة الحقيقة.
والجواب عنه:
أنه لما لا يجوز أن تكون الأمور جمعا للأمر، بمعنى الشأن، لا بمعنى الفعل.
وإن سلمناه فلا نسلم أن الجمع من علامات الحقيقة.
مذهب ابي الحسين البصري في اشتراك الامر بين خمسة معانٍ
المذهب الثالث [21]:
قال أبو الحسين البصرى: إنه مُشْتَرَك بين خمسة أشياء:
أحدها: القول المخصوص؛ لما قلناه.
والثانى: الشىء، كقولنا: "تحرّك هذا الجسم لأمر"، أى لشىء.
الثالث: الصفة.
وقد أبدله الإمام فى بعض المواضع بالعرض.
والشاهد على هذا المعنى أيضا - فيما ذكروا - قول أنس بن مدركة:
عزمت على إقامة ذى صباح
لأمر ما يسود من يسود
أى: لصفة عظيمة من الصفات توجب السيادة لمن هو أهل لها، وقابل لوقوعها فيه.
الرابع: الشأن، كقولنا: "أمر فلان مستقيم"، أى: شأنه.
الخامس: الفعل. وقد تقدم تمثيله.
دليل ابي الحسين على الاشتراك بالتردد الذهني والجواب عنه
دليل هذا المذهب:
أنه إذا تجرّد الأمر عن القرائن، كقول القائل: "أمر فلان، أو هذا أمر": تردَّدنا بين هذه الخمسة، والتردد آية الاشتراك - أى علامته [22].
وجوابه: أنّا لا نُسَلِّم حصول التردُّد عند التجرد عن القرائن، بل يتبادر القول، فإذا وجدت قرينة مانعة من حمل اللفظ على القول، كما إذا استعمل فى موضع لا يليق به القول، فحينئذ يصير ذلك قرينة فى أن المراد منه غير القول.
اختيار الامدي بجعل اسم الامر متواطئا بين القول والفعل
المذهب الرابع:
وهو اختيار سيف الدين الآمدى: أن اسم الأمر متواطئ فى القول المخصوص، والفعل.
فإنه بعد أن ذكر حجج المذاهب المتقدمة، وضعفها جميعا، قال: "وعلى هذا فالمختار إنما هو كون الاسم - اسم الأمر - متواطئا فى القول المخصوص، والفعل، لا أنه مشترك، ولا مجاز فى أحدهما" [23].
تنبيه الاسنوي على تصحيح نسبة مذهب ابي الحسين في معنى الامر
تنبيهان ذكرهما الإسنوى [24]:
أحدهما: أن ما نقله البيضاوى [25] عن أبي الحسين من كون الأمر موضوعا للفعل بخصوصه حتى يكون مشتركا -: غلطٌ، وقع أيضا فى المنتخب، والتحصيل [26]، وبعض كتب القرافى [27]؛ فقد نص أبو الحسين فى المعتمد، وشرح العمد على: أنه ليس موضوعًا له، وإنما يدخل فى الشأن، فقال مجيباً عن احتجاج الخصم ما نصه: "وجوابنا عن هذا: أن اسم الأمر ليس يقع على الفعل من حيث هو فعل، لا على سبيل الحقيقة، ولا على سبيل المجاز، وإنما يقع على جملة الشأن حقيقة". هذا لفظه، وممن نقله عنه الأصفهانى شارح المحصول، ووقع فى المحصول والحاصل على الصواب فإنهما حذفا القول [28].
التنبيه الثاني حول اتحاد الطريق والشأن ومناقشة عبارات الائمة
الثانى: أن أبا الحسين فى شرح العمد قد جعل الطريق والشأن شيئاً واحدًا [29]، كما نقله عنه الأصفهانى المذكور؛ فلذلك لم يذكره المصنف اكتفاء بدخوله فى الشأن، وقد غاير بينهما صاحب التحصيل، والقرافى [30]، لإبهام فى كلام الإمام [31].
الفروع الفقهية المترتبة على كون الامر حقيقة في القول الطالب
ومن فروع مسألة أن الأمر حقيقة فى القول الطالب:
- إذا قال لزوجته: أمرك بيدك، أو فوضت إليك أمرك، فإنه يكون كناية فى الطلاق، كما جزم به الرافعى؛ لأنا إن قلنا: إنه مُشْتَرَك، أو للقدر المشترك فلا بد من نية تميز المراد.
وإن قلنا: حقيقة فى القول الطالب للفعل خاصة، فيكون استعماله فى غيره مجاز، والمجاز لا بد فيه من القصد.
- ومنها: بطلان الاستدلال بقوله عليه الصلاة والسلام:
"أمرت أن أسجد على سبعة أعظم" [32]
على وجوب وضع اليدين والركبتين، والقدمين
فى السجود [33].
ما شعورك تجاه هذا الفصل؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفصل؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
على ماذا اتفق الأصوليون في اسم الأمر؟
أنه حقيقة في القول المخصوص
ما الدليل المعتمد عند الجمهور على أن الأمر ليس حقيقة في غير القول الطالب؟
أن ثبوت الحقيقة في موضعين يستلزم الاشتراك والأصل عدمه
من اختار أن الأمر حقيقة في القول المخصوص مجاز في الفعل في كتاب جمع الجوامع؟
ابن السبكي
كم معنى يرى أبو الحسين البصري أن لفظ الأمر مشترك بينها؟
خمسة
ما الدليل الذي أضافه المحلى في شرح جمع الجوامع لإثبات أن الأمر حقيقة في القول؟
دليل التبادر
ما الذي اختاره الآمدي في مسألة اسم الأمر بين القول والفعل؟
أنه متواطئ فيهما
ما الجواب الذي ذكره الجمهور عن الاستدلال بقوله تعالى وما أمرنا إلا واحدة؟
أنه لا يجوز إجراؤه على ظاهره لأنه يلزم أن يكون فعل الله واحداً وهو باطل
ما الجواب الذي ذكره الجمهور عن الاستدلال بآية تجري في البحر بأمره؟
أن الجري حصل بقدرته لا بفعله فوجب حمله على الشأن
ما الدليل الثاني الذي ساقه أصحاب مذهب الاشتراك من الجمع؟
أن جمع الأمر بمعنى القول أوامر وبمعنى الفعل أمور والجمع علامة الحقيقة
ما الفرع الفقهي المترتب على مسألة حقيقة الأمر في القول الطالب المتعلق بالطلاق؟
أن قول الزوج أمرك بيدك يكون كناية في الطلاق تحتاج إلى نية
ما الفرع الفقهي الثاني المترتب على مسألة حقيقة الأمر المتعلق بحديث السجود؟
بطلان الاستدلال بحديث أمرت أن أسجد على سبعة أعظم على وجوب وضع اليدين والركبتين
ما التنبيه الذي ذكره الإسنوي بشأن نسبة مذهب أبي الحسين؟
أن ما نقله البيضاوي من كون الأمر موضوعاً للفعل بخصوصه غلط وأن أبا الحسين نص على أنه يقع على الشأن حقيقة
ما دليل أبي الحسين البصري على الاشتراك في لفظ الأمر؟
أن التردد بين المعاني عند تجرد اللفظ عن القرائن آية الاشتراك
ما محل الاتفاق بين الأصوليين في اسم الأمر؟
اتفقوا على أن اسم الأمر حقيقة في القول المخصوص الذي هو قسم من أقسام الكلام.
ما محل الخلاف بين الأصوليين في اسم الأمر؟
وقع الخلاف في إطلاق اسم الأمر على الفعل، هل هو حقيقة أو مجاز أو مشترك.
ما مذهب الجمهور في لفظ الأمر؟
ذهب الجمهور إلى أن الأمر حقيقة في القول الطالب فقط ومجاز في الفعل، وهو مختار الإمام الرازي وابن السبكي.
لماذا يرفض الجمهور القول بأن الأمر حقيقة في الفعل؟
لأن ثبوت الحقيقة في موضعين يستلزم الاشتراك، والأصل عدم الاشتراك.
ما دليل التبادر الذي ذكره المحلى في مسألة الأمر؟
قال المحلى إن القول هو المتبادر إلى الذهن من لفظ الأمر دون الفعل، والتبادر علامة الحقيقة.
ما المعاني الخمسة التي يرى أبو الحسين البصري أن لفظ الأمر مشترك بينها؟
القول المخصوص، والشيء، والصفة، والشأن، والفعل.
ما دليل أبي الحسين البصري على الاشتراك؟
أنه إذا تجرد لفظ الأمر عن القرائن تردّدنا بين المعاني الخمسة، والتردد علامة الاشتراك.
كيف رد الجمهور على دليل التردد الذهني عند أبي الحسين؟
قالوا إنه لا يُسلَّم حصول التردد عند التجرد عن القرائن، بل يتبادر القول أولاً إلى الذهن.
ما اختيار الآمدي في مسألة اسم الأمر؟
اختار الآمدي أن اسم الأمر متواطئ في القول المخصوص والفعل، لا مشترك ولا مجاز في أحدهما.
كيف أجاب الجمهور عن الاستدلال بقوله تعالى وما أمر فرعون برشيد؟
قالوا إن المراد بالأمر هنا الشأن مجازاً وهو أولى من الاشتراك، أو أن المراد القول لسياق الآية قبله.
ما الغلط الذي نبّه إليه الإسنوي في نسبة مذهب أبي الحسين؟
نبّه إلى أن نسبة القول بأن الأمر موضوع للفعل بخصوصه إلى أبي الحسين غلط، وأن أبا الحسين نص على أنه يقع على الشأن حقيقة لا على الفعل.
ما الفرق بين جمعي أوامر وأمور؟
أوامر جمع الأمر بمعنى القول المخصوص، وأمور جمعه بمعنى الشأن أو الفعل عند من يرى الاشتراك.
ما الفرع الفقهي المتعلق بالطلاق المترتب على مسألة حقيقة الأمر؟
قول الزوج لزوجته أمرك بيدك يكون كناية في الطلاق تحتاج إلى نية، سواء قيل بالاشتراك أو بأنه مجاز في غير القول.
ما الفرع الفقهي المتعلق بالسجود المترتب على مسألة حقيقة الأمر؟
يبطل الاستدلال بحديث أمرت أن أسجد على سبعة أعظم على وجوب وضع اليدين والركبتين والقدمين في السجود.
ما موقف الجمهور من الوجوه الإضافية كالاطراد والاشتقاق في الاستدلال على تخصيص الأمر بالقول؟
ضعّف الإمام الرازي وصاحب التحصيل والآمدي هذه الوجوه، وحذفها صاحب الحاصل اعتماداً على ضعفها.
ما الذي يعنيه قول العرب أمر فلان مستقيم؟
يريدون طرائقه وأفعاله وأحواله، وهو من استعمال الأمر بمعنى الشأن في العرف العربي.
ما الجواب عن الاستدلال بآية مسخرات بأمره على أن الأمر حقيقة في الفعل؟
أجاب الجمهور بأن التسخير حصل بقدرته تعالى لا بفعله، فوجب حمل الأمر على الشأن والطريق لا على الفعل.