ما الفرق بين العلو والاستعلاء في تعريف الأمر وهل يُشترط أيٌّ منهما وما علاقة الطلب بالإرادة؟
العلو هيئة في الآمر نفسه كالأب مع ابنه، والاستعلاء هيئة في الكلام كرفع الصوت وإظهار الترفع. ذهب جمهور الأصوليين إلى أنه لا يُشترط في الأمر علوٌ ولا استعلاء، واستدلوا بقوله تعالى حكاية عن فرعون: {فماذا تأمرون}. أما الطلب فهو معنى قائم بقلب المتكلم مغاير للإرادة عند الأشاعرة، خلافاً للمعتزلة الذين جعلوه عين الإرادة.
- •
هل يصح أن يأمر الأدنى الأعلى رتبةً؟ الجمهور يُجيزه ويستدلون بشعر العرب وآيات القرآن.
- •
العلو هيئة في الآمر ذاته، والاستعلاء هيئة في الكلام، والفرق بينهما محل خلاف اصطلاحي دقيق.
- •
أربعة مذاهب في المسألة: نفي الاشتراطين معاً، واشتراط العلو وحده، واشتراط الاستعلاء وحده، واشتراطهما معاً.
- •
الطلب معنى بديهي قائم بالقلب لا يختلف باختلاف الأمم، وهو مغاير للصيغة وللإرادة عند الأشاعرة.
- •
المعتزلة يرون أن الطلب هو عين الإرادة، ويلزمهم القول بأن الله يريد الشيء ولا يقع ويقع وهو لا يريده.
- •
تكليف الكافر بالإيمان مع استحالة إرادة الله له دليلٌ قاطع على تغاير الأمر والإرادة عند أهل السنة.
- 1
يُميّز هذا الجزء بين العلو بوصفه هيئة في الآمر والاستعلاء بوصفه هيئة في الكلام، ويعرض الفروق الاصطلاحية الدقيقة بينهما.
- 2
يعرض هذا الجزء مذهب الجمهور القائل بعدم اشتراط العلو أو الاستعلاء في الأمر، ويذكر أبرز من اختاره من الأصوليين.
- 3
يستدل هذا الجزء بآية {فماذا تأمرون} على أن الأمر يصح من الأدنى للأعلى، مما ينفي اشتراط العلو في تعريف الأمر.
- 4
يسوق هذا الجزء شواهد شعرية وأقوال العرب وكلام الغزالي دليلاً على أن الأمر يُطلق لغةً بلا اشتراط علو الآمر.
- 5
يستدل القرافي بأوامر الله التلطفية التي أجمع العلماء على كونها أوامر مطاعة، دليلاً على أن العلو ليس شرطاً في الأمر.
- 6
يناقش هذا الجزء دليل نفي اشتراط الاستعلاء في الأمر ويعرض موقف السعد التفتازاني وتعليقه على استدلال العضد.
- 7
يعرض هذا الجزء المذهب الثاني القائل باشتراط العلو وحده في الأمر، وهو مذهب المعتزلة والشيرازي، مع دليله العرفي.
- 8
يستعرض هذا الجزء المذهب الثالث القائل باشتراط الاستعلاء وحده، ويذكر من صحّحه من الأصوليين كالآمدي وابن الحاجب والرازي.
- 9
يعرض هذا الجزء حجة اشتراط الاستعلاء المبنية على التفريق بين المتضرع والمستعلي، ويجيب عنها بمنع الاستقباح وبإشكال أمر الله تعالى.
- 10
يُنبّه هذا الجزء على أن أبا الحسين اشترط انتفاء التذلل لا الاستعلاء، وأن ما نُسب إليه من اشتراط الاستعلاء وهمٌ نبّه عليه الإسنوي.
- 11
يعرض هذا الجزء المذهب الرابع القائل باشتراط العلو والاستعلاء معاً، ويردّ عليه بآية {فماذا تأمرون} مع مناقشة هذا الرد.
- 12
يُبيّن هذا الجزء أن الطلب معنى بديهي قلبي مستقل عن الصيغة، وأن ماهيته واحدة لا تختلف باختلاف اللغات، وهو أساس الخلاف في علاقته بالإرادة.
- 13
يُفرّق هذا الجزء بين الطلب والعبارات من جهة، وبين الطلب والإرادة من جهة أخرى، ويُشير إلى خلاف المعتزلة في المسألة.
- 14
يعرض هذا الجزء مذهب الأشاعرة القائل بأن الطلب ماهية مستقلة غير الإرادة، وأن الصيغة تدل عليه بمجرد الوضع اللغوي.
- 15
يعرض هذا الجزء مذهب المعتزلة في أن الطلب هو عين الإرادة، ويُبيّن اللوازم العقدية الإشكالية التي التزموها.
- 16
يعرض هذا الجزء مذهب أبي علي وأبي هاشم الذي يُقرّ بمغايرة الطلب للإرادة لكن يشترط الإرادة لتحقق الأمر، مع نص أبي الحسين في المعتمد.
- 17
يُنبّه هذا الجزء على إغفال صاحبَي الحاصل والتنقيح لمذهب المعتزلة، ويُبيّن أن البيضاوي استدرك ذلك في المنهاج.
- 18
يُصنّف هذا الجزء الإرادة إلى ثلاثة أنواع ويُحدد محل النزاع الحقيقي بين الأصوليين في إرادة الامتثال دون سواها.
- 19
يعرض القرافي ثلاثة مواطن للخلاف بين أهل السنة والمعتزلة في الإرادة، ويستدل على وجود الأمر بدون الإرادة بتكليف الكافر بالإيمان.
- 20
يستدل هذا الجزء بتكليف الكافر بالإيمان مع استحالة إرادة الله له على أن الأمر مغاير للإرادة، ويعرض تقرير الآمدي وابن الحاجب لهذا الدليل.
- 21
يستدل هذا الجزء بمثال السيد والعبد أمام السلطان على وجود الأمر بلا إرادة، ويعرض الاعتراض عليه وجواب الإسنوي.
- 22
يسوق هذا الجزء وجهين لإبطال كون الأمر إرادة: عدم التناقض في الفصل بينهما لفظاً، وجواز نسخ الواجب قبل الامتثال.
- 23
يستدل هذا الجزء بمسألة الدين الحال على وجود الأمر بدون المشيئة، ويناقش حجة المعتزلة في الاستدلال بالأمر على الإرادة.
- 24
يعرض هذا الجزء ثلاثة وجوه إضافية لنفي اشتراط الإرادة في الأمر: شهادة أهل اللغة، وأمر إبراهيم بالذبح، وإشكال الدور في الإرادة الباطنة.
- 25
يستدل الغزالي بوجهين: أن آيات أهل الجنة ليست تكليفاً، وأن أمر الإنسان نفسه محال، لإبطال اشتراط الإرادة في الأمر.
- 26
يعرض هذا الجزء دليلَي المعتزلة على أن الطلب هو الإرادة، ويجيب عنهما بأن الطلب النفساني معلوم وأن القياس على الخبر يحتاج جامعاً.
- 27
يردّ القرافي على قياس المعتزلة الأمرَ على الخبر في عدم اشتراط الإرادة، مبيّناً أن الاشتراك في الصفات السلبية لا يُسوّغ القياس.
- 28
يستدل أبو الحسين على اشتراط الإرادة بتحليل احتمالات ما يجعل الصيغة طلباً، ويستبعد كل احتمال حتى يصل إلى الإرادة.
- 29
يناقش أبو الحسين الاحتمالات الأربعة لشرط الأمر ويستبعدها واحداً واحداً حتى يثبت أن الإرادة هي الشرط الوحيد الصحيح.
- 30
يجيب هذا الجزء على حجة اشتراط الإرادة بأن الصيغة حقيقة في الوجوب مجاز في التهديد، فلا حاجة إلى الإرادة مميّزاً بينهما.
ما الفرق بين العلو والاستعلاء في اصطلاح الأصوليين؟
العلو هيئة في الآمر نفسه كالأب مع ابنه والسلطان مع رعيته، أما الاستعلاء فهو هيئة في الكلام كرفع الصوت وإظهار الترفع. وقيل: العلو أن يكون الطالب أعلى مرتبة، فإن كان مساوياً فهو التماس، وإن كان دونه فهو سؤال. والاستعلاء هو الطلب بغلظة ورفع صوت لا على وجه التذلل.
ما مذهب الجمهور في اشتراط العلو والاستعلاء في تعريف الأمر؟
مذهب الجمهور أن الأمر حقيقة في القول الطالب للفعل، ولا يُشترط فيه علوٌ ولا استعلاء. وهو مختار الغزالي والإمام الرازي وصاحبَي الحاصل والتحصيل والبيضاوي والعضد.
كيف استدل الجمهور بآية {فماذا تأمرون} على عدم اشتراط العلو في الأمر؟
استدل الجمهور بقوله تعالى حكاية عن فرعون: {فماذا تأمرون}، إذ أطلق فرعون لفظ الأمر على قول قومه له مع أنه كان أعلى رتبة منهم. فدلّ ذلك على أن العلو ليس شرطاً في صدق الأمر.
ما الشواهد الشعرية وكلام العرب التي استُدل بها على جواز الأمر بلا علو؟
استدل الجمهور بأبيات شعرية لعمرو بن العاص ودريد بن الصمة والحباب بن المنذر، وكلها تُطلق لفظ الأمر من الأدنى على الأعلى أو على النظير. وقال الغزالي: العرب تقول فلان أمر أباه والعبد أمر سيده، ويرون ذلك أمراً وإن لم يستحسنوه، فليس من ضرورة كل أمر أن يكون واجب الطاعة.
كيف استدل القرافي بأوامر الله التلطفية على عدم اشتراط العلو في الأمر؟
استدل القرافي بأن أوامر الله تعالى في مواطن كثيرة جاءت في غاية التلطف وتذكير النعم كقوله: {اتقوا ربكم الذي خلقكم}، وأجمع الناس على أنها أوامر مطاعة. فلو كان العلو بمعنى الغلظة والترفع شرطاً لما صدق عليها اسم الأمر، وهذا يدل على أن العلو غير معتبر.
ما دليل الجمهور على عدم اشتراط الاستعلاء في الأمر وما موقف السعد التفتازاني منه؟
استدل الجمهور على عدم اشتراط الاستعلاء بأن العرب يقولون: فلان أمر فلاناً على وجه الرفق واللين. واستدل العضد بآية {ماذا تأمرون} أيضاً على نفي اشتراط الاستعلاء. وشرح السعد التفتازاني وجه الاستدلال مقرّاً له، غير أنه أشار إلى أن المخالف قد يجيب بأن الطلب على سبيل التضرع أو التساوي لا يُسمى أمراً وإنما هو مجاز.
من اشترط العلو في حد الأمر وما دليله؟
اشترط المعتزلة العلو في حد الأمر دون الاستعلاء، وتابعهم الشيخ أبو إسحاق الشيرازي. ودليلهم أنه يُستقبح في العرف أن يقول القائل: أمرت الأمير أو نهيته، بينما لا يُستقبح أن يقال: سألته أو طلبت منه، مما يدل على أن الرتبة معتبرة في إطلاق لفظ الأمر.
من اشترط الاستعلاء وحده في تعريف الأمر وما موقف الآمدي وابن الحاجب منه؟
اشترط أبو الحسين البصري الاستعلاء دون العلو في تعريف الأمر. وصحّح هذا المذهب الآمدي في الإحكام ومنتهى السول، ثم ابن الحاجب. وقال الرازي في المحصول إنه الصحيح وصحّحه في المنتخب، وجزم به في المعالم، وإن كان ذكر في موضع آخر من المحصول ما حاصله أنه لا يُشترط.
ما حجة القائلين باشتراط الاستعلاء في الأمر وما الجواب عنها؟
احتج القائلون باشتراط الاستعلاء بأن من قال لغيره: افعل، على سبيل التضرع لا يُقال إنه أمره وإن كان أعلى رتبة، بينما من قال ذلك على سبيل الاستعلاء يُقال إنه أمره وإن كان المقول له أعلى منه. والجواب عليهم بمنع الاستقباح، وبأن الاستعلاء غير متحقق في أمر الله تعالى فيلزمهم إشكال.
ما الذي نصّ عليه أبو الحسين في المعتمد فعلاً بشأن شرط الأمر وكيف يختلف عما نُسب إليه؟
نصّ أبو الحسين في المعتمد على أن الشرط هو انتفاء التذلل لا الاستعلاء. ونبّه الإسنوي على أن هذا يختلف عما نسبه البيضاوي لأبي الحسين من اشتراط الاستعلاء، فالمسألتان متغايرتان.
من اشترط العلو والاستعلاء معاً في الأمر وكيف يُردّ عليه؟
اشترط القاضي عبد الوهاب العلو والاستعلاء معاً في الأمر. ويُفسد هذا المذهب قوله تعالى حكاية عن فرعون: {فماذا تأمرون}، إذ أطلق الأمر على ما يقوله قومه في المشاورة مع انتفاء العلو والاستعلاء. ونوقش بأن هذا يدل على أن لغة القوم لا تشترط ذلك، أما لغة العرب فلا يلزم.
ما الفرق بين الطلب والإرادة والصيغة وما طبيعة الطلب عند الأصوليين؟
الطلب معنى بديهي التصور لا يحتاج إلى تعريف بحد أو رسم كالجوع والعطش، ومعناه لا يختلف باختلاف الأمم. وهو ليس نفس الصيغة لأن ماهية الطلب لا تتبدل بتبدل الألفاظ، بل هو ماهية قائمة بقلب المتكلم تجري مجرى علمه وقدرته، والصيغ المخصوصة دالة عليه.
كيف يتميز الطلب عن العبارات وعن الإرادة وما موقف المعتزلة من ذلك؟
الطلب مغاير للعبارات لأن معناه واحد لا يختلف باختلاف الأمم، بينما العبارات تختلف باختلاف اللغات. وهو مغاير للإرادة عند الجمهور، خلافاً للمعتزلة الذين قالوا إن الطلب هو عين الإرادة.
ما مذهب الأشاعرة في الفرق بين الطلب والإرادة والصيغة؟
يرى الأشاعرة أن ماهية الطلب شيء غير الإرادة، وأن الأمر اللساني دال على الطلب بالاتفاق. وعبارة صاحب الحاصل: صيغة الأمر تدل على الطلب بمجرد الوضع. وعبارة صاحب التحصيل: ماهية الطلب غير الصيغة وغير الإرادة خلافاً للمعتزلة.
ما مذهب المعتزلة في علاقة الطلب بالإرادة وما لوازمه العقدية؟
ذهبت المعتزلة إلى أن الطلب عين الإرادة، أي لا معنى لكون الآمر طالباً إلا كونه مريداً. والتزموا بذلك أن الله تعالى يريد الشيء ولا يقع، ويقع وهو لا يريده. وقال أبو الحسين: هذه الصيغة موضوعة للإرادة وكلام الحكيم يجب حمله على موضوعه إذا تجرد.
ما مذهب أبي علي وأبي هاشم في اشتراط الإرادة في الأمر وما الفرق بينه وبين مذهب المعتزلة؟
اعترف أبو علي وابنه أبو هاشم بأن الطلب غير الإرادة، لكنهما اشترطا في دلالة الصيغة على الطلب إرادةَ المأمور به، فلا يوجد الأمر إلا ومعه الإرادة. وتابعهما أبو الحسين والقاضي عبد الجبار. فهم يُفرّقون بين الطلب والإرادة في الماهية لكنهم يشترطون الإرادة لتحقق الأمر.
لماذا أغفل صاحبا الحاصل والتنقيح مذهب المعتزلة وكيف تعامل البيضاوي مع هذا الإغفال؟
خالف صاحبا الحاصل والتنقيح أصلهما المحصول فلم يذكرا مذهب المعتزلة واقتصرا على مذهب الأشاعرة والجبائيين. ولم يظهر وجه لذلك، ومن ثَمّ نصّ البيضاوي في المنهاج على مذهب المعتزلة صراحةً، وذكر أن أبا علي وابنه اعترفا بالتغاير واشترطا الإرادة.
ما أنواع الإرادة الثلاث التي ذكرها ابن برهان وأيها محل النزاع بين الأصوليين؟
ذكر ابن برهان ثلاث إرادات: إرادة إيجاد الصيغة وهي شرط اتفاقاً، وإرادة صرف اللفظ إلى جهة الأمر شرطها المتكلمون دون الفقهاء، وإرادة الامتثال وهي محل النزاع بين الأشاعرة وأبي علي وابنه. وقد ذكر هذه الأنواع الثلاثة الإمام الرازي والغزالي أيضاً.
ما المواطن الثلاثة للخلاف بين أهل السنة والمعتزلة في الإرادة كما بيّنها القرافي؟
بيّن القرافي في شرح التنقيح أن الخلاف في ثلاثة مواطن: الأول في اشتراط إرادة استعمال اللفظ في الوجوب، والثاني في إرادة المأمور به حيث يرى أهل السنة أن الله يأمر بما لا يريد في حق العاصي، والثالث في كون هذه الإرادة هي التي تجعل الصيغة أمراً. واستدل القرافي بأن الله أمر الكافر بالإيمان مع علمه باستحالته فوُجد الأمر بدون الإرادة.
كيف يُستدل بتكليف الكافر بالإيمان على أن الأمر مغاير للإرادة؟
أجمع المسلمون على أن الكافر الذي علم الله أنه يموت على كفره مأمور بالإيمان، ومع ذلك فإيمانه ليس مراداً لله لأنه ممتنع، إذ لو آمن لانقلب علم الله جهلاً. فثبت وجود الأمر بدون الإرادة، وثبت أن حقيقة الأمر مغايرة لحقيقة الإرادة. وقرّر هذا الوجه الآمدي وابن الحاجب بصياغات مختلفة.
كيف يُستدل بمثال السيد والعبد أمام السلطان على تغاير الأمر والإرادة وما الاعتراض عليه؟
إذا أنكر السلطان على السيد ضرب عبده فاعتذر بأنه يأمره فلا يمتثل ثم أمره بين يديه إظهاراً لتمرده، فهذا الأمر لا إرادة معه لأن العاقل لا يريد تكذيب نفسه. واعترض عليه بأن العاقل أيضاً لا يطلب تكذيب نفسه، فلو صح الدليل لانفك الأمر عن الطلب. وقال الإسنوي: الموجود من السيد إنما هو صيغة الأمر لا حقيقته.
ما الوجهان الثالث والرابع في إبطال كون الأمر هو عين الإرادة؟
الوجه الثالث: أن الرجل قد يقول: أريد منك هذا الفعل لكنني لا آمرك به، ولو كان الأمر هو الإرادة لكان هذا تناقضاً صريحاً، وهو ليس كذلك. الوجه الرابع: أنه يجوز نسخ الواجب قبل مضي مدة الامتثال، فلو كان الأمر والنهي عبارتين عن الإرادة والكراهة للزم أن يكون الله مريداً كارهاً للفعل الواحد في الوقت الواحد، وهو باطل بالاتفاق.
ما الوجه الخامس في الاستدلال على عدم اشتراط الإرادة في الأمر وما الجواب على حجة المعتزلة في الوجه السادس؟
الوجه الخامس: أن الدين الحال مأمور بقضائه، ولو حلف ليقضينه غداً إن شاء الله لم يحنث، فدل على أن الله لم يشأه فثبت الأمر بدون المشيئة. وفي الوجه السادس: لو كان الأمر أمراً بالإرادة لما جاز الاستدلال بالأمر على الإرادة، والجواب أن الصيغة ليست موضوعة للإرادة ولا يلزم أن لا معنى لكونها طلباً إلا الإرادة.
ما الوجوه السابع والثامن والتاسع في الاستدلال على عدم اشتراط الإرادة في الأمر؟
الوجه السابع: أهل اللغة عرّفوا الأمر بقول القائل افعل ولم يشترطوا الإرادة، فلو كانت شرطاً لذكروها. الوجه الثامن: أمر الله إبراهيم بذبح إسماعيل وما أراد منه الذبح كما في قوله: {افعل ما تؤمر}. الوجه التاسع: الإرادة باطنة غير معلومة، فلو شُرطت لما عُلم أمرٌ ما، ويلزم الدور.
ما الوجهان العاشر والحادي عشر اللذان ذكرهما الغزالي في إبطال اشتراط الإرادة في الأمر؟
الوجه العاشر: يلزم على القول بالإرادة أن تكون آيات {ادخلوها بسلام} و{كلوا واشربوا هنيئاً} أوامر لأهل الجنة، فتكون الدار الآخرة دار تكليف ومحنة، وهو خلاف الإجماع. الوجه الحادي عشر: يلزم أن يكون من قال لنفسه افعل مع إرادة الفعل آمراً لنفسه، وهو محال بالاتفاق لأن الأمر اقتضاء الطاعة وهو معنى يتعلق بالغير.
ما دليل المعتزلة على أن الطلب هو الإرادة وما الجواب عنه؟
استدلت المعتزلة بوجهين: الأول أن الطلب المغاير للإرادة لو صح لكان أمراً خفياً لا يعرفه إلا الأذكياء، لكن العقلاء وضعوا اللفظة لما يعرفه كل أحد وهو الإرادة. الثاني أنه لو لم تُشترط الإرادة لصح الأمر بالماضي والواجب والممتنع كالخبر. والجواب: أن الطلب النفساني معلوم للعقلاء فإنهم يأمرون بما لا يريدون، وأنه لا بد من جامع في القياس على الخبر.
كيف ردّ القرافي على قياس المعتزلة بين الأمر والخبر في اشتراط الإرادة؟
بيّن القرافي أن عشر حقائق لا تتعلق إلا بالمستقبل كالأمر والنهي والوعد، بينما الخبر يتعلق بالماضي والحال والمستقبل. وردّ على القياس بأن الاشتراك في الصفات السلبية كعدم اشتراط الإرادة لا يوجب قياس أحدهما على الآخر، لأن المختلفات قد تشترك في بعض اللوازم ويجب اختلافها في بعضها الآخر، ومن أراد القياس فلا بد أن يُبيّن أن المقيس والمقيس عليه مثلان.
كيف استدل أبو الحسين البصري على اشتراط الإرادة في الأمر من خلال تحليل معنى الصيغة؟
انطلق أبو الحسين من أن الصيغة إما أن تكفي وحدها لتكون طلباً أو لا تكفي. فإن كفت لزم أن يكون التهديد وكلام الساهي أمراً، وهو باطل. وإن لم تكفِ فلا بد من شرط زائد يرجع إلى المأمور أو المأمور به أو الآمر أو محل الصيغة. وبعد استبعاد الاحتمالات الأخرى خلص إلى أن الشرط هو إرادة الآمر وقوع المأمور به.
كيف ناقش أبو الحسين الاحتمالات الأربعة لشرط الأمر وما النتيجة التي توصل إليها؟
ناقش أبو الحسين الاحتمالات الأربعة: فأبطل رجوع الشرط إلى المأمور أو المأمور به لأن ذلك يتحقق مع التهديد أيضاً. وأبطل الشروط السلبية الراجعة إلى الآمر لأن كلام الساهي ليس أمراً مع انتفاء تلك الشروط. وانتهى إلى أن الشرط الإيجابي الراجع إلى الآمر هو الإرادة، إذ إذا انتفت كل الأغراض الأخرى لم يبق إلا أن يكون غرضه إيقاع المأمور به.
ما الجواب الأصولي على حجة اشتراط الإرادة المبنية على التفريق بين الأمر والتهديد؟
احتج القائلون باشتراط الإرادة بأن الصيغة قد ترد للتهديد كقوله: {اعملوا ما شئتم}، فلا بد من مميّز بينها وبين الأمر ولا مميّز سوى الإرادة. والجواب: أن الصيغة ليست مشتركة بل هي حقيقة في الوجوب مجاز في التهديد، فإذا وردت وجب حملها على المعنى الحقيقي عند عدم القرينة، وهذا كافٍ في التمييز دون الحاجة إلى اشتراط الإرادة.
الأمر عند جمهور الأصوليين لا يشترط فيه علوٌ ولا استعلاء، وحقيقته طلبٌ نفسي مغاير للإرادة خلافاً للمعتزلة.
الخلاف في اشتراط العلو والاستعلاء في الأمر من أدق مسائل أصول الفقه؛ إذ ذهب الجمهور ومنهم الغزالي والبيضاوي إلى أن الأمر حقيقة في القول الطالب للفعل دون اشتراط علوٍّ أو استعلاء، مستدلين بقوله تعالى حكاية عن فرعون: {فماذا تأمرون}، وبشواهد كلام العرب التي أطلقت الأمر من الأدنى على الأعلى.
أما مسألة الطلب والإرادة فقد انقسم فيها الأصوليون: فالأشاعرة يرون أن الطلب معنى قائم بالقلب مغاير للإرادة، ودليلهم أن الله تعالى أمر الكافر بالإيمان مع استحالة إرادته منه، وأن الأمر قد يصدر بلا إرادة كأمر السيد عبده أمام السلطان إظهاراً لتمرده. في المقابل، التزمت المعتزلة أن الطلب هو عين الإرادة، مما يُلزمهم بأن الله يريد ما لا يقع ويقع ما لا يريده.
أبرز ما تستفيد منه
- العلو هيئة في الآمر، والاستعلاء هيئة في الكلام، وهما مفهومان مستقلان.
- جمهور الأصوليين لا يشترطون العلو ولا الاستعلاء في تعريف الأمر.
- الطلب معنى بديهي قلبي لا يختلف باختلاف الأمم ولا يساوي الإرادة.
- تكليف الكافر بالإيمان دليلٌ على وجود الأمر بدون إرادة الله له.
تعريف العلو والاستعلاء وبيان الفروق الاصطلاحية بينهما
الخلاف فى اشتراط العلو أو الاستعلاء فى الأمر [1] والفرق بين العلو والاستعلاء: أن الاستعلاء هيئة الأمر، نحو رفع الصوت، وإظهار الترفع، وغير ذلك.
والعلو: هيئة الآمر، كالأب من ابنه، والسلطان مع رعيته [2].
وقيل: العلو هو: أن يكون الطالب أعلى مرتبة، فإن كان مُساويا فهو: التماس فإن كان دونه فهو: سؤال.
وقيل: الاستعلاء هو: الطلب لا على وجه التذلل، بل: بغلظة، ورفع صوت.
والعلو هيئة فى المتكلِّم، والاستعلاء هيئة فى الكلام.
مذهب الجمهور في عدم اشتراط العلو والاستعلاء في تعريف الأمر
المذهب الأول: أنه لا يشترط العلو ولا الاستعلاء:
مذهب الجمهور أن الأمر حقيقة فى القول الطالب للفعل، وأنه لا يشترط فيه علوا ولا استعلاء. وهو مختار الغزالى والإمام وصاحبا الحاصل والتحصيل والبيضاوى والعضد [3].
الاستدلال بالآية فماذا تأمرون على نفي اشتراط العلو
ودليلهم على عدم اعتبار العلو:
- قوله تعالى حكاية عن فرعون أنه قال لقومه
{فَمَاذَا تَأْمُرُونَ}
[4]، مع أنه كان أعلى رتبة منهم.
شواهد كلام العرب والشعر على إطلاق الأمر بلا علو
- واستدلوا بكلام العرب واستعمالهم، ومنه قول عمرو بن العاص لمعاوية:
أمرتك أمرا حازما فعصيتنى
وكان من التوفيق قتل ابن هاشم [5] وقول دريد بن الصمة لنظرائه ولمن هم فوقه:
أمرتهم أمرى بمنعرج اللوى
فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد [6] وقال الحباب بن المنذر يخاطب يزيد بن المهلب أمير خراسان والعراق:
أمرتك أمرا حازما فعصيتنى
فأصبحت مسلوب الإمارة نادما [7] قال الغزالى: يتصور من العبد والولد أمر السيد والوالد، وإن لم تجب عليهما الطاعة، فليس من ضرورة كل أمر أن يكون واجب الطاعة بل الطاعة لا تجب إلا لله تعالى، والعرب قد تقول: فلان أمر أباه والعبد أمر سيده، ومن يعلم أن طلب الطاعة لا يحسن منه، فيرون ذلك أمرا، وإن لم يستحسنوه [8].
استدلال القرافي بتلطف أوامر الله على عدم اعتبار العلو
- واستدل القرافى له: بأن أوامر الله تعالى فى مواطن كثيرة فى غاية التلطف، وتذكير النعم، كقوله تعالى:
{اتَّقُوا رَبَّكَمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ}
[9]، إلى غير ذلك من أنواع تآلف القلوب والإحسان منه سبحانه وتعالى لعباده، وأجمع الناس على أنها أوامر مطاعة [10].
فهذه الوجوه دالة على أن العلو غير معتبر.
نفي اشتراط الاستعلاء في الأمر ومناقشة استدلالات المخالفين
دليلهم على عدم اعتبار الاستعلاء:
يدل عليه أن العرب يقولون: فلان أمر فلانا على وجه الرفق، واللين. نعم إذا بالغ فى التواضع يمتنع إطلاق الاسم عليه عرفا، وإن ثبت ذلك لغة.
وقد استدل العضد عليه بالآية المتقدمة فقال: "وأن الحق أنه لا يشترط الاستعلاء لقوله تعالى حكاية عن فرعون {ماذا تأمرون}".
وقد شرح عليه السعد فى الحاشية موضحا وجهه، ولم يتعقبه فقال: "قوله: "وأن الحق" أى: يرد عليه -يعنى ابن الحاجب- أن اشتراط الاستعلاء مخالف لما عليه الاستعمال؛ إذ قد أطلق الأمر حيث لا يتصور الاستعلاء كما فى قوله تعالى حكاية عن فرعون {ماذا تأمرون}، والأصل الحقيقة، وله أن يجيب بأنه مجاز للقطع بأن الطلب على سبيل التضرع أو التساوى، ولا يسمى أمرا" انتهى كلام السعد التفتازانى [11].
وهو مخالف لما تقدم فى ضابط العلو والاستعلاء، ومخالف لما تقدم من استدلال الإمام وأتباعه بها على عدم اشتراط العلو لا الاستعلاء.
مذهب اشتراط العلو وحده في حد الأمر وحجته العرفية
المذهب الثانى: اشتراط العلو:
شَرَط المعتزلة فى حد الأَمْر العلو، دون الاستعلاء، وتابعهم الشيخ أبو إسحق الشيرازى [12]، ونقله القاضى عبد الوهاب فى الملخص عن أهل اللغة، وجمهور أهل العلم، واختاره [13].
دليل هذا المذهب:
أنه يستقبح فى العرف أن يقول القائل: أمرت الأمير أو نهيته، ولا يستقبحون أن يقال: سألته أو طلبت منه. ولولا أن الرتبة معتبرة، وإلا لما كان ذلك.
مذهب اشتراط الاستعلاء وحده ونقول الأصوليين فيه
المذهب الثالث: اشتراط الاستعلاء:
شرط أبو الحسين الاستعلاء، دون العلو [14].
واشتراط الاستعلاء صحَّحه الآمدى فى الإحكام، ومنتهى السول [15]، ثم ابن الحاجب [16]. وقد تقدم كلامهم عند بيان ما اختاروه فى تعريف الأمر.
وقال فى المحصول [17]: إنه الصحيح، وصححه أيضاً فى المنتخب.
وجَزَم به فى المعالم [18]، لكنه ذكر فى المحصول أيضاً بعد ذلك بأوراق ما حاصله أنه لا يشترط، هكذا حكاه الإسنوى [19].
حجة اشتراط الاستعلاء في الأمر والجواب عن استدلالها
واستدل القائلون باشتراط الاستعلاء:
بأن من قال لغيره: افعل، على سبيل التضرع إليه، لا يقال: إنه أمره، وإن كان أعلى رتبة من المقول إليه. ومن قال لغيره: افعل على سبيل الاستعلاء لا على سبيل التذلل يقال: إنه أمره، وإن كان المقول له أعلى رتبة منه، ولهذا يصفون من هذا سبيله بالجهل والحمق، من حيث أمر من هو أعلى منه.
فأبو الحسين ومن تبعه احتجوا بأن المتضرِّع لا يصدق عليه أنه آمر؛ بخلاف المستعلى؛ ولهذا يذمونه لكونه يأمر من هو أعلى منه.
والجواب عليهم: بمنع الاستقباح.
ولقائل أن يقول: الذم لمجرد الاستعلاء، ثم إن الاستعلاء غير متحقِّق فى أمر الله تعالى، فماذا يقولون فيه ؟
تنبيه على قول أبي الحسين في اشتراط انتفاء التذلل لا الاستعلاء
تنبيه: اعلم أن أبا الحسين قد نَصَّ فى المعتمد على أن الشرط هو: انتفاء التذلل [20].
كذا أورده الإسنوى [21]، منبها على أنه غير ما نسبه البيضاوى لأبى الحسين من اشتراط الاستعلاء.
اشتراط العلو والاستعلاء معا والاعتراض بآية فماذا تأمرون
المذهب الرابع: اشتراط العلو والاستعلاء معا:
شرط القاضى عبد الوهاب: العلو والاستعلاء معا [22].
الرد على من اشترط العلو أو الاستعلاء:
يفسد اشتراط العلو والاستعلاء قوله تعالى حكاية عن فرعون لقومه
{فَمَاذَا تَأْمُرُونَ}
[23] فأطلق الأَمْر على ما يقولونه عند المشاورة، ومن المعلوم انتفاء العلو والاستعلاء.
أما العلو فواضح، وأما الاستعلاء فلوقوعه فى حال المشاورة، ولاعتقادهم الإلهية فى فرعون [24].
ونوقش:
بأن لك أن تقول: هذا يدل على أن الأَمْر فى تلك اللغة لا يشترط فيه علو، ولا استعلاء؛ أما فى لغة العرب فلا [25].
بيان الفرق بين الطلب والصيغة وأن الطلب معنى بديهي قلبي
الخلاف فى اشتراط العلو أو الاستعلاء فى الأمر الفَرْق بين الطَّلَب والإرادة والصيغة لا بد من بيان الفَرْق بين: الطَّلَب، والإرادة، والصيغة؛ لتَعَلُّق الأمر بها؛ ولأن الطَّلَب مشتَبِه بالباقيين، وقد وقع فى حد الأمر، حيث قال هو: "القول الطالب للفعل"؛ فلذلك تذكر الثلاث.
فأما الطَّلَب فإن تصوره بَدِيهِىّ، أى: لا يحتاج فى معرفته إلى تعريف: بحد، أو رسم، كـ: الجوع، والعطش، وسائر الوُجْدَانِيَّات، فإن من لم يمارس العلوم، ولم يعرِف الحدود والرُّسوم يأمُر وينهَى، ويدرِك تَفْرِقَة ضرورية بينهما [26].
فمعنى الطلب ليس نفس الصيغة؛ لأن ماهية الطلب لا تختلف باختلاف النواحى والأمم، وكان يحتمل فى الصيغة التى وضعوها للخبر أن يضعوها للأمر، وبالعكس، فماهية الطلب ليست نفس الصيغة، ولا شيئا من صفاتها بل هى: ماهية قائمة بقلب المتكلم تجرى مجرى علمه، وقدرته، وهذه الصيغ المخصوصة دالة عليها [27].
تمييز الطلب عن العبارات والإرادة مع الإشارة لخلاف المعتزلة
ولك أن تقول: التفرقة البَدِيهِية لا تتوقَّف على العلم البَدِيهِىّ بحقيقة كل واحد منهما، بل على العلم البَدِيهِىّ بهما من وجه، بدليل أنّا نفرِق بالبَدِيهَة بين: الإنسان، والملائكة [28].
فالطَّلَب: غير العبارات، وغير الإرادة.
- •
أما مغايرته للعبارات: فلأن الطَّلَب معناه واحد، لا يختلف باختلاف الأمم، والعبارات مختلفة باختلاف اللغات.
- •
وأما مغايرته للإرادة فقد خالف فيه المعتزلة، وقالوا: إنه هو [29].
مذهب الأشاعرة في الفرق بين الطلب والإرادة والصيغة
المذاهب فى الفرق بين الطلب والإرادة والصيغة:
الأمر اللسانى دال على الطَّلَب بالاتفاق، ثم اختلف الأصوليون فى أن الطلب هل هو الإرادة، أو غيرها على مذهبين.
وذهب بعض من قال: إنه غيرها إلى اشتراط الإرادة فى الأمر، فتحصل أن فى المسألة ثلاثة مذاهب.
المذهب الأول: مذهب الأشاعرة:
أن ماهية الطَّلَب شىء غير الإرادة.
هكذا قال الإمام فى حكاية مذهب أصحابنا الأشاعرة [30].
وعبارة صاحب الحاصل: "صيغة الأمر تدل على الطلب بمجرد الوضع" [31].
وعبارة صاحب التحصيل: "تصور ماهية الطلب أولى... وهى غير الصيغة... وأنها غير الإرادة خلافا للمعتزلة".
مذهب المعتزلة في اتحاد الطلب والإرادة ووضع الصيغة للإرادة
المذهب الثانى: مذهب المعتزلة:
ذهبت المعتزلة إلى أن الطلب عين الإرادة. أى: لا معنى لكونه طالبا إلا كونه مريدا، والتزموا أن الله تعالى يريد الشىء ولا يقع، ويقع وهو لا يريده [32].
قال أبو الحسين: عند أصحابنا أن هذه الصيغة موضوعة للإرادة، وكلام الحكيم يجب حمله على موضوعه إذا تجرد [33].
مذهب أبي علي وأبي هاشم في اشتراط إرادة المأمور به لثبوت الأمر
المذهب الثالث: مذهب أبى على وأبى هاشم:
اعترف أبو على وابنه أبو هاشم بأن الطَّلَب غير الإرادة، ولكن شَرَطا فى دلالة الصيغة على الطَّلَب: إرادةَ المأمور به، فلا يوجد الأمر - الذى هو الطَّلَب - إلا ومعه الإرادة، وتابعهما أبو الحسين، والقاضى عبد الجبار [34].
قال أبو الحسين فى المعتمد: "اعلم أنه - يعنى الأمر - يفيد أمورا ثلاثة:
أحدهما: يرجع إلى القول فقط، وهو أن يكون على صيغة الاستدعاء، والطلب للفعل.
والآخران يتعلقان بفاعل الأمر:
أحدهما: أن يكون قائلا لغيره افعل على طريق العلو....
والآخر: أن يكون غرضه بقوله "افعل" أن يفعل المقول له ذلك الفعلَ، وذلك بأن يريد منه الفعل، أو بأن يكون الداعى له إلى قوله "افعل" أن يفعل المقول له الفعلَ".
ثم استدل على الأوليين بما هو مذكور فى محله، ثم قال: "وأما الشرط الثالث، وهو الإرادة، فمختلف فيه، بالخبر به، لا بشرطه، لقوله: "إن الله يأمر الطاعة، ولا يريدها"، ومن الفقهاء من يقول: "إن الأمر أمر لصيغته".
وذلك يوهم أنهم يقولون: إنه استحق الوصف بأنه أمر لصيغته. والبغداديون من أصحابنا يقولون: إن الأمر أمر لعينه" [35]، انتهى كلام أبى الحسين رحمه الله.
وبعد أن أطال فى ذكر أدلة المسألة نبه على الصحيح عنده فقال: "... فصح أن صيغة الأمر إنما تكون طلبا بشرط أن يكون الغرض بها وقوع المأمور به".
ثم قال بعد ذلك: "وعندنا أن هذه الصيغة جعلت فى اللغة طلبا للفعل، إذا بان لنا أنه لا معنى لكونها طلبا للفعل إلا أن المتكلم بها أراد الفعل، وأنه هو غرضه علمنا بذلك الإرادة عند علمنا بالصيغة" [36].
تنبيه على إغفال مذهب المعتزلة في بعض المختصرات وذكره عند البيضاوي
تنبيه:
خالف صاحبا الحاصل والتنقيح أصلهما: المحصول، فلم يذكر مذهب المعتزلة، واقتصرا على ذكر مذهب أصحابنا الأشاعرة، والجبائيين [37].
ولم يظهر لنا وجه عدم ذكره له، ومن ثَمّ ترى البيضاوىَّ - وهو مختصِر للحاصلِ - نص على مذهب المعتزلة فقال فى المنهاج: "الطلب بديهى التصور، وهو غير العبارات المختلفة، وغير الإرادة، خلافا للمعتزلة... واعترف أبو على وابنه بالتغاير، وشرطا الإرادة..." [38].
أنواع الإرادة الثلاث وموضع النزاع بين الأصوليين
أنواع الإرادة وبيان محل النزاع:
قال ابن برهان: لنا ثلاث إرادات:
-
إرادة إيجاد الصيغة، وهى شرط اتفاقاً.
-
وإرادة صرْف اللفظ عن غير جهة الأمر إلى جهة الأمر، شرَطها المتكلمون، دون الفقهاء.
-
وإرادة الامتثال، وهى محل النزاع بيننا وبين أبى على وابنه [39].
قال الإسنوى: وقد ذكر هذه الثلاث أيضا الإمام، والغزالى [40]، وغيرهما.
وقد نبه أبو الحسين البصرى على محل المسألة أيضا فقال فى ثنايا الكلام: "فإن قالوا -يعنى الفقهاء القائلين بعدم اشتراط الإرادة: إنما نعنى بقولنا: إن الأمر كان أمرا لصيغته إذا تجردت، أى: أنها إذا جاءت متجردة من حكيم اكتفينا بذلك فى الحكم عليها بأنها أمرا، وإنما يحتاج فى أن المتكلم استعملها فى غير الأمر إلى دلالة.
قيل لهم: فهذا موضع وفاق، وليس هو مطلوبنا، إنما مطلوبنا ما الذى يفيده قولنا: "أمر" فيها، فأحدهما مفارق للآخر" [41].
وقال أيضا: "الذى نحن بسبيله هو: هل صيغة الأمر تستحق الوصف بأنها أمر، وإن لم يكن قد أراد بها الفعل أم لا ؟" [42].
تفصيل القرافي لمواضع الخلاف في الإرادة بين أهل السنة والمعتزلة
وقال القرافى فى شرح التنقيح:
"الخلاف بين أهل السنة والمعتزلة فى الإرادة فى ثلاثة مواطن:
أحدها: أنه هل يشترط إرادة استعمال اللفظ فى الوجوب أم لا ؟
فقالوا: صيغة الأمر تستعمل فى خمسة عشر محملا، منها الوجوب، والندب، والتهديد، والتخيير، وغير ذلك، فلا يتعين الوجوب إلا بالإرادة.
وأجيبوا بأنها موضوعة للوجوب، فينصرف للوجوب بمجرد الوضع كسائر الألفاظ، والمحتاج للنية إنما هو المجاز.
وثانيها: إرادة المأمور به، فعندهم لا يأمر الله تعالى إلا بما يريد، وعندنا ليس بين الأمر والإرادة ملازمة، بل يأمر بما يريد فى حق الطائع، وبما لا يريد فى حق العاصى، وبسط هذا فى كتب أصول الدين.
ونقول الآن: إن الله تعالى علم أن الكافر لا يؤمن، وعلم أن خلاف معلومه تعالى محال، وعلم أن الإرادة لا تتعلق بالمحال، فمن المحال إرادته تعالى الإيمان للكافر مع أنه مأمور به إجماعا، فقد وجد الأمر بدون الإرادة.
وثالثها: أن هذه الإرادة التى هى إرادة المأمور به هل تفيد الصيغة أمرية، فتصير أمرا، ومع غير هذه الإرادة الصيغة تكون تهديدا أو غيره.
فقيل لهم: هذه الصيغة التى هى الأمرية إن قامت بحرف واحد كان ذلك الحرف وحده أمرا، وإن قامت بأكثر من حرف قام الشىء الواحد بمحلين، وهو محال [43].
الاستدلال بتكليف الكافر بالإيمان على تغاير الطلب والإرادة
أدلة المذاهب:
دليل المذهب الأول على أن الطَّلَب غير الإرادة من وجوه:
أحدهما: أن الإيمانَ من الكافر الذى علم الله تعالى أنه لا يؤمن - كأبى لهب: مطلوبٌ بالاتفاق، مع أنه ليس بمراد لله تعالى؛ لأن الإيمان والحالة هذه ممتَنِع؛ إذ لو آمن لانقلب علم الله تعالى جهلا، وإذا كان ممتَنِعا فلا تصح إرادته بالاتفاق منا ومنهم، كما قال فى المحصول، قال: ولأن الإرادة صفة، من شأنها ترجيح أحد الجائزين على الآخر [44].
فالله تعالى عالم بكون إيمانه محالا، والعالم بكون الشىء محال الوجود لا يكون مريدا له بالاتفاق [45].
كما أن صدور الفعل عن العبد متوقف على وجود الداعى، والداعى مخلوق لله تعالى، دفعا للتسلسل، وعند حصول الداعى يجب وقوع الفعل، والله تعالى خلق فى الكافر ما يوجب الكفر، فلو أراد فى هذه الحالة وجود الإيمان لزم كونه مريدا للضدين، وذلك باطل بالاتفاق.
فثبت بهذين الوجهين أن الله تعالى ما أراد الإيمان من الكافر، وثبت أنه وجد الأمر بدون الإرادة، وإذا ثبت ذلك ثبت أن حقيقة الأمر مغايرة لحقيقة الإرادة وغير مشروطة بها [46].
وقال الآمدى فى تقرير هذا الوجه: "والحق فى ذلك أن يقال: أجمع المسلمون من غير مخالفة من الخصوم على أن من علم الله تعالى أنه يموت على كفره أنه مأمور بالإيمان، وليس الإيمان منه مرادا لله تعالى؛ لأنه لا معنى لكونه مرادا لله تعالى سوى تعلق الإرادة به، ولا معنى لتعلق الإرادة بالفعل سوى تخصيصها له بحالة حدوثه، فلا يعقل تعلقها به دون تخصيصها له بحالة حدوثه، وما لم يوجد لم تكن الإرادة مخصصة له بحالة حدوثه، فلا تكون متعلقة به" [47].
وقال ابن الحاجب: "الأولى فى إبطال كون الأمر هو الإرادة أنه لو كان الأمر هو الإرادة لوقعت المأمورات كلها؛ لأن الإرادة تخصص الفعل بحال حدوثه، وإذا لم يوجد لم يحدث، فلا يتصور تخصيصه بحال حدوثه" [48].
مثال السيد والعبد أمام السلطان كوجه ثان لتغاير الأمر والإرادة
الوجه الثانى: أن السلطان إذا أنكر على السيد ضرب عبده، فاعتذر إليه بأنه يأمره فلا يمتثل، ثم يأمره بين يديه، إظهاراً لتمرُّده، فإن هذا الأمر لا إرادة معه؛ لأن العاقل لا يريد تكذيب نفسه.
ولقائل أن يقول: العاقل أيضا لا يطلب تكذيب نفسه، فلو كان هذا الدليل صحيحاً لكان الأمر ينفك عن الطَّلَب [49].
قال الآمدى: من جهة أن السيد أيضا آمر فى مثل هذه الصورة لعبده، مع علمنا بأنه يستحيل منه طلب الفعل من عبده، لما فيه من تحقيق عقابه وكذبه، والعاقل لا يطلب ما فيه مضرته [50].
قال الإسنوى: وليس كذلك، فالموجود من السيد إنما هو صيغة الأمر، لا حقيقة الأمر [51].
الوجهان الثالث والرابع في إبطال كون الأمر هو عين الإرادة
الوجه الثالث: أن الرجل قد يقول لغيره: "إنى أريد منك هذا الفعل، لكننى لا آمرك به"، ولو كان الأمر هو الإرادة لكان قوله هذا جاريا مجرى قوله: "أريد منك الفعل، ولا أريده منك"، وقوله أيضا: "آمرك به ولا آمرك به"، ومعلوم أن ذلك صريح التناقض، دون الأول [52].
الوجه الرابع: أنه يجوز نسخ ما وجب من الفعل قبل مضى مدة الامتثال فلو كان الأمر والنهى عبارتين عن الإرادة والكراهة -: لزم أن يكون الله تعالى مريدا كارها للفعل الواحد فى الوقت الواحد من الوجه الواحد، وذلك باطل بالاتفاق [53].
الوجه الخامس ومسألة الدين الحال ثم مناقشة اشتراط الإرادة
الوجه الخامس: استدل الشيخ أبو إسحاق فى شرح اللمع بـ: أن الدين الحالّ مأمور بقضائه، ولو حلف: ليقضينه غدا إن شاء الله تعالى؛ فإنه لا يحنث، فدل على أن الله تعالى ما شاءه، فثبت الأمر بدون المشيئة [54].
الوجه السادس:
قلت: ذكر أبو الحسين البصرى وجوها أخرى استدل بها المخالف له -وهم الأشاعرة - فذكرها، وأجاب عنها بناء على مذهب المعتزلة، وعلى ما اختاره، وسنذكره، ونجيب على ما تعقبها به:
فمما ذكره أبو الحسين لأصحابنا: أنه لو كان الأمر إنما يكون أمرا إذا أراد الآمر الفعل لما جاز أن يستدل بالأمر على الإرادة؛ لأنه لا يعلم الأمر قبل الإرادة.
واعترضت المعتزلة: بأنا لا نستدل على الإرادة بالأمر من حيث كان أمرا، بل من حيث إنه على صيغة افعل وقد تجرد؛ لأن هذه الصيغة عندنا موضوعة للإرادة، وكلام الحكيم يجب حمله على موضوعه إذا تجرد.
واعترض أبو الحسين بناء على مختاره: بأن هذه الصيغة عندنا جعلت فى اللغة طلبا للفعل، إذا بان لنا أنه لا معنى لكونها طلبا للفعل إلا أن المتكلم بها أراد الفعل، وأنه هو غرضه علمنا بذلك الإرادة عند علمنا بالصيغة.
والجواب على ما ذكره الخصم: أنا لا نسلم لكم أن الصيغة موضوعة للإرادة، ولا نسلم أيضا أنه لا معنى لكونها طلبا للفعل إلا أن المتكلم بها أراد الفعل.
فما ذكرتموه لا يَعْدُ أن يكون استدلالا بما ننازعكم فيه.
الوجوه السابع والثامن والتاسع في الاستدلال على عدم اشتراط الإرادة
الوجه السابع - وذكره أبو الحسين أيضا: أن أهل اللغة قالوا: إن الأمر هو قول القائل "افعل" ولم يشرطوا الإرادة فلو كانت الإرادة شرطا لذكروها.
واعترض أبو الحسين: بأنه يجوز أن يكونوا لم يشرطوا الإرادة لظهورها، وأيضا لم يشرطوا انتفاء القرائن، والمخالف يشرط انتفائها.
الوجه الثامن -وذكره أبو الحسين أيضا: أن الله تعالى أمر إبراهيم عليه السلام بذبح إسماعيل، وما أراد منه الذبح، فقد وصفت صيغة الأمر بأنها أمر مع أن فاعلها لم يرد منه الفعل فى قوله
{افعل ما تؤمر} [55].
واعترض أبو الحسين: بأن ما أمر به قد أراده، والذى أمر به هو مقدمات الذبح كالإضجاع وأخذ المدية، أو أمره بالذبح نفسه، وقد فعله إبراهيم عليه السلام [56].
ونجيب: بأن ظاهر الآية أنه أمر بذبح ابنه، وما اعترضتم به لا يساعده ظاهر الآية.
الوجه التاسع - ذكره صاحب الحاصل: أن الإرادة باطنة غير معلومة، فلو شرطت دلالة الصيغة بها لما علم أمر ما [57].
وعبر فى التنقيح عن هذا الوجه بقوله: "لنا أنها معنى خفى يتوقف العلم به على اللفظ، فلو توقف اللفظ عليها لزم الدور" [58].
حجج الغزالي من آيات أهل الجنة وأمر الإنسان نفسه
الوجه العاشر - ذكره الغزالى: أنه يلزم على القول بالإرادة أن يكون قوله تعالى
{ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آَمِنِينَ}
[59]، وقوله
{كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِى الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ}
[60] أمرا لأهل الجنة، ولا يمكن تحقيق الأمر إلا بوعد ووعيد، فتكون الدار الآخرة دار تكليف ومحنة، وهو خلاف الإجماع [61].
الوجه الحادى عشر - وذكره الغزالى أيضا: أنه يلزم على القول بالإرادة أن يكون القائل لنفسه افعل مع إرادة الفعل من نفسه آمر لنفسه، وهو محال بالاتفاق؛ فإن الأمر هو المقتضى، وأمره لنفسه لا يكون مقتضيا للفعل، بل المقتضى دواعيه وأغراضه، ولهذا لو قال لنفسه: افعل، وسكت وجد هنا إرادة الصيغة، وإرادة المأمور به، وليس بأمر، فدل أن حقيقته اقتضاء الطاعة، وهو معنى قائم بالنفس من ضرورته أن يتعلق بغيره [62].
أدلة المعتزلة على اتحاد الطلب والإرادة والجواب عنها إجمالا
دليل المذهب الثانى من قال الطلب هو الإرادة:
استدلت المعتزلة على مذهبها من وجهين:
الوجه الأول: بإبطال مغايرة الطلب للإرادة:
ووجه البطلان: أن الطلب الذى يغاير الإرادة لو صح القول به؛ لكان أمرا خفيا لا يطلع عليه إلا الأذكياء، لكن العقلاء من أهل اللغة وضعوا هذه اللفظة للطلب الذى يعرفه كل واحد، وما ذاك إلا الإرادة فعلمنا أن هذه الصيغة موضوعة للإرادة.
لأن صيغة "افعل" موضوعة لطلب الفعل، وهذا الطلب إما الإرادة أو غيرها، والثانى باطل كما تقدم، فنتج أن الطلب هو الإرادة.
الوجه الثانى: أن إرادة المأمور به لو لم تكن معتبرة فى الأمر: لصح الأمر بالماضى، والواجب، والممتنع قياسا على الخبر، فإن إرادة المخبر عنه لما لم تكن معتبرة فى الخبر صح تعلق الخبر بكل هذه الأشياء.
وأجاب الإمام فى المحصول عليهما، فقال:
الجواب الأول:
لا نسلم أن الطلب النفسانى الذى يغاير الإرادة غير معلوم للعقلاء، فإنهم قد يأمرون بالشىء، ولا يريدونه، كالسيد الذى يأمر عبده بشىء، ولا يريده، ليمهد عذره عند السلطان.
والجواب عن الثانى: أنه لا بد من الجامع، وعلى أن القائل بتكليف ما لا يطاق يجوِّزه [63].
وذكر القرافى أنهم قد جمعوا بعدم اشتراط الإرادة فى كل واحد منهما، بل كان الجواب أن يقول: لا نُسلِّم اعتبار الجامع المذكور، فإنه لا يلزم من الجامع بما ليس معتبرا أن يثبت الحكم، وهذا هو غاية ما جمعوا به، فقالوا: إذا لم تكن الإرادة معتبرة، وعدم المعتبر لا يكون معتبرا فى الحكم [64].
نقد القرافي لقياس المعتزلة بين الأمر والخبر في اشتراط الإرادة
وقد سلك القرافى فى شرح المحصول مسلكا آخر فى رد مذهبهم، بعد أن بين وجه تقريره فقال:
"تقريره أن عشرة حقائق لا تتعلق إلا بالمستقبل: الأمر، والنهى، والدعاء، والشرط، وجزاؤه، والوعد، والوعيد، والترجى، والتمنى، والإباحة.
والخبر يتعلق بالماضى، والحال، والمستقبل، والواجب، والممكن، والمستحيل.
والإرادة لا تتعلق بالماضى، فإذا لم تكن الإرادة شرطا فى الأمر ساوى الأمر فى عدم اشتراط الإرادة، فقاس الخصم أحدهما على الآخر بهذا الجامع.
ويرد عليه أن الاشتراك فى الصفات الثبوتية يقع بين الأضداد، والمختلفات، ولا يوجب ذلك قياس أحدهما على الآخر، فضلا عن الاشتراك فى الصفات السلبية، كما يقول: السواد شارك البياض فى كونهما عرضين، ولونين، ومرئيين... إلخ، ومع ذلك لا يمكن أن يقاس البياض على السواد فى كونه جامعا للبصر، فإن المختلفات قد تشترك فى بعض اللوازم، ويجب اختلافها فى بعض اللوازم، فلعل الحكم النفسى هو من اللوازم التى يجب الافتراق فيها، فمن أراد القياس فلا بد أن يبين أن المقيس والمقيس عليه مثلان، أو يبين أن الاشتراك وقع فى موجِب الحكم، ولا يضره وقوع الاختلاف فى الحقائق، كما تقيس الغائب على الشاهد بجوامع هى موجبات الأحكام من إثبات الصفات وغيرها، أما مجرد إثبات جامع كيف كان فى المختلفات، فذلك لا يقبل شيئا" [65] انتهى المراد من كلام القرافى.
بداية دليل اشتراط الإرادة بتحليل معنى الأمر وشروط كونه طلبا
دليل المذهب الثالث من اشترط الإرادة:
قال أبو الحسين البصرى: والكلام فى هذه المسألة يكون من وجهين:
أحدهما: أن نفرض أن للأمر حكما، لاختصاصه به يكون أمرا، ونبين أن الوجه فى اختصاصه بذلك الوجه هو الإرادة على طريق التعليل.
والوجه الآخر: ننظر هل المعقول من قولنا: "أمر" هو الصيغة وحدها، أو الصيغة مع شرط آخر هو: الإرادة.
فنقول: إن المعقول من قولنا إن اللفظة "أمر" هو أنها على صيغة مخصوصة مفعولة على وجه العلو، وأنها طلب للفعل وبعث عليه، ولسنا نعقل من هذه اللفظة شيئا آخر...
فأما كون الصيغة طلبا: فليس يخلو إما أن تكفى صيغة الأمر فى أن تكون طلبا للفعل من غير أن يشرط معها إثبات شىء، ولا نفى شىء، أو لا تكفى فى ذلك.
فإن كفت فى ذلك حتى تكون أمرا على أى وجه وجدت عليه لزم أن يكون التهديد أمرا، وكلام الساهى أمرا إذا كان على صيغة "افعل".
وإن وجب أن يشرط فى كونها طلبا شرط، زائدا على صيغتها ووجودها؛ لم يخل:
-
إما أن يرجع إلى المأمور.
-
أو المأمور به.
-
أو إلى الآمر.
-
أو إلى محل الصيغة. ولا تعلق لمن عداهم بها.
استبعاد رجوع شرط الأمر إلى المأمور أو المأمور به أو الآمر نفيا وإثباتا
ثم أخذ أبو الحسين فى مناقشة هذه الاحتمالات الأربعة، وبيان ما يصح منها، بما يطول ذكره، ومما قاله:
1، 2. أنه لا يجوز رجوعه إلى المأمور من كونه محدثا وموجودا وقادرا وغير ذلك، ولا إلى المأمور به من كونه حسنا، وواجبا، وندبا؛ لأن كل ذلك يحصل مع التهديد، ألا ترى أن الإنسان يهدد على فعل الواجب والحسن.
- وإن رجع ذلك الشرط إلى الآمر لم يخل إما أن يكون من قبيل النفى، أو من قبيل الإثبات.
وما هو من قبيل النفى أن يقال: إن الصيغة كانت أمرا؛ لأنه لم يدلنا على أنه غير أمر، أو أنه لم يدلنا على أنه تهديد، أو إباحة، ولا ذم، أو أنها وجدت منه، وليس بكاره للفعل، أو أنه غير كاره للفعل، ولا ساه عنه.
قال أبو الحسين: وأكثر هذه الأقسام يقولها الفقهاء.
ثم أجاب عنها بأنه قد يهدد من ليس بحكيم غيره، ولا يدل على أن ما فعله تهديد لضرب من السفه، ولا تكون الصيغة التى فعلها أمرا. كما أن كلام الساهى ليس بإباحة ولا تهديد ولا ذم، ومع هذا فليس بأمر ولا طلب للفعل، ولهذا لا يسمى أمرا ولا طلبا.
ثم قال:... إذا كان المتكلم بصيغة الأمر غير ساه، ولا كاره للفعل، ولم يقصد بها الإباحة، والذم، والتحدى، وغير ذلك، فلا بد من أن يكون غرضه بإيرادها شيئا من الأشياء، فإذا لم يكن غرضه ما ذكرتم فلا بد أن يكون غرضه إيقاع المأمور به، وفى ذلك الرجوع إلى أنه لا بد من غرض وإرادة, فقد تم ما ذكرناه من إثبات غرض وإرادة. ويجب أن تكون الصيغة إنما كانت طلبا من حيث طابقت هذا الغرض، لا من حيث إن المتكلم بها ليس بساه؛ لأن فقد السهو ليس بإثبات للفعل طلبا.
قال: فأما ما يرجع إلى الآمر فيما هو إثبات، فالذى يجوز أن يكون شرطا فى ذلك: علوه، وقدرته، وإرادته، وكراهاته.
وليس يجوز أن تكون الشروط فى الصيغة طلبا للفعل قدرة فاعلها عليها، أو علمه بها، وبحسنها، أو بحسن الفعل، أو وجوبه؛ لأنه مع ذلك قد تكون الصيغة تهديدا.
قال: ولا يجوز أن تكون: إنما كانت الصيغة أمرا وطلبا؛ لأن الفاعل لها جعلها بقدرته أمرا وطلبا؛ لبطلان القول بأن للأمر حكما وصفة، فلا يمكن أن يقال: إن القادر جعل الأمر على ذلك الحكم، ولأنه ينبغى أن يعرفنا ما معنى كونها أمرا فإنا عنه نبحث.
قال: وبهذا يبطل القول بأنها صارت أمرا لأنه علمها أمرا، ولأن الشىء لا يكون على ما هو عليه بالعلم، بل ينبغى أن يكون على ما هو عليه حتى يصح أن يتناوله العلم.
- ولا يجوز أن يكون شرط كونها أمرا ما يرجع إلى المحل؛ لأنا نعقلها طلبا وأمرا من غير أن يخطر ببالنا لون المحل وطعمه وغير ذلك؛ لأن ما يرجع إلى المحل قد يثبت، والصيغة تارة أمرا وتارة تهديدا، فيثبت أنه إنما كان طلبا وأمرا لإرادته...
خلاصة حجة اشتراط الإرادة والجواب بتخصيص الصيغة بالوجوب دون التهديد
قال: ولقائل أن يقول: إنما لم يكن التهديد أمرا؛ لأن المتكلم به ما أراد كونه أمرا، أو يستحيل من جهة الداعى أن يريد كونه أمرا ويكره المأمور به.
ثم استدل أبو الحسين على مذهبه من وجه آخر فقال: وقيل أيضا: كان ينبغى جواز تعلق الأمر بالماضى كالخبر إذا كان إرادة إحداث المأمور به ليس من شرطه.
ولقائل أن يقول: إن الأمر تكليف، ولا يجوز تكليف الماضى.
والجواب: أنه لم يجب أن يكون الغرض به إيقاع الفعل، فليس بواجب أن يكون تكليفا، وكان ينبغى صحة تعلقه بالإحداث وبغير الإحداث، كالخبر، ويكون ما تعلق منه بغير الإحداث قبيحا.
قال: فصح أن صيغة الأمر إنما تكون طلبا بشرط أن يكون الغرض بها وقوع المأمور به " انتهى المراد منه [66].
وقد لخص صاحب الحاصل والبيضاوى والإسنوى دليله، وأجابوا عليه، فذكروا أن أبا على، ومن تبعه احتجّوا على اشتراط الإرادة بـ: أن الصيغة كما ترِدُ للطلَب: قد ترد للتهديد، كقوله تعالى:
{اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ}
[67]، مع أن التهديد ليس فيه طلب، فلا بد من مميِّز بينهما، ولا مميِّز سوى الإرادة.
والجواب: أن الصيغة لو كانت مشتركة لاحتيج إلى مميِّز، لكنها حقيقة فى الوجوب، مجاز فى التهديد، فإذا وردت فيجب الحمْل على المعنى الحقيقى عند عدم القرينة الصارفة إلى غيره؛ لأن دلالة الألفاظ على المعانى تابعة للوضع، فحيث ثبت الوضع ثبتت الدلالة، كسائر الألفاظ، فهذا القدر، وهو كونه حقيقة فى الإيجاب مجازا فى التهديد كافٍ فى التمييز [68].
ما شعورك تجاه هذا الفصل؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفصل؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
ما الفرق الجوهري بين العلو والاستعلاء في اصطلاح الأصوليين؟
العلو هيئة في الآمر والاستعلاء هيئة في الكلام
ما مذهب جمهور الأصوليين في اشتراط العلو والاستعلاء في الأمر؟
لا يشترطون العلو ولا الاستعلاء
من اشترط العلو وحده في حد الأمر من الأصوليين؟
المعتزلة وأبو إسحاق الشيرازي
بماذا استدل الجمهور من القرآن الكريم على عدم اشتراط العلو في الأمر؟
بقوله تعالى حكاية عن فرعون: {فماذا تأمرون}
ما الذي نصّ عليه أبو الحسين في المعتمد فعلاً بشأن شرط الأمر؟
اشتراط انتفاء التذلل
ما طبيعة الطلب عند الأصوليين؟
معنى بديهي قائم بقلب المتكلم مغاير للصيغة والإرادة
ما موقف المعتزلة من علاقة الطلب بالإرادة؟
الطلب عين الإرادة
ما اللازم الذي التزمه المعتزلة من قولهم بأن الطلب هو الإرادة؟
أن الله يريد الشيء ولا يقع ويقع وهو لا يريده
ما الإرادة التي تُعدّ محل النزاع بين الأشاعرة وأبي علي وابنه؟
إرادة الامتثال
كيف يستدل الأشاعرة بتكليف الكافر بالإيمان على تغاير الأمر والإرادة؟
لأن الكافر مأمور بالإيمان بالاتفاق مع أن إيمانه ليس مراداً لله لاستحالته
ما الجواب الأصولي على حجة اشتراط الإرادة المبنية على التفريق بين الأمر والتهديد؟
الصيغة حقيقة في الوجوب مجاز في التهديد فلا حاجة إلى الإرادة مميّزاً
ما الوجه الذي ذكره الغزالي من آيات أهل الجنة لإبطال اشتراط الإرادة؟
أن آيات {ادخلوها بسلام} لو كانت أوامر لكانت الجنة دار تكليف وهو خلاف الإجماع
ما الموطن الثاني من مواطن الخلاف بين أهل السنة والمعتزلة في الإرادة كما بيّنه القرافي؟
إرادة المأمور به حيث يرى أهل السنة أن الله يأمر بما لا يريد في حق العاصي
ما الوجه الرابع في إبطال كون الأمر هو عين الإرادة؟
أن جواز نسخ الواجب قبل الامتثال يلزم منه أن يكون الله مريداً كارهاً للفعل الواحد
كيف ردّ القرافي على قياس المعتزلة الأمرَ على الخبر في عدم اشتراط الإرادة؟
بأن الاشتراك في الصفات السلبية لا يوجب القياس لأن المختلفات قد تشترك في بعض اللوازم
ما تعريف الاستعلاء في اصطلاح الأصوليين؟
الاستعلاء هيئة في الكلام كرفع الصوت وإظهار الترفع، وقيل هو الطلب لا على وجه التذلل بل بغلظة.
ما تعريف العلو في اصطلاح الأصوليين؟
العلو هيئة في الآمر نفسه كالأب مع ابنه والسلطان مع رعيته، وقيل هو أن يكون الطالب أعلى مرتبة.
ما الفرق بين الأمر والالتماس والسؤال؟
إذا كان الطالب أعلى رتبة فهو أمر، وإن كان مساوياً فهو التماس، وإن كان دونه فهو سؤال.
من هم أبرز الأصوليين الذين اختاروا عدم اشتراط العلو والاستعلاء في الأمر؟
الغزالي والإمام الرازي وصاحبا الحاصل والتحصيل والبيضاوي والعضد، وهو مذهب الجمهور.
ما دليل المعتزلة العرفي على اشتراط العلو في الأمر؟
يُستقبح في العرف أن يقال: أمرت الأمير أو نهيته، بينما لا يُستقبح أن يقال: سألته أو طلبت منه، مما يدل على اعتبار الرتبة.
ما الإشكال الذي يرد على القائلين باشتراط الاستعلاء في الأمر؟
أن الاستعلاء غير متحقق في أمر الله تعالى، فيلزمهم إشكال في تعريف أوامر الله سبحانه.
ما الذي اشترطه القاضي عبد الوهاب في الأمر؟
اشترط القاضي عبد الوهاب العلو والاستعلاء معاً في الأمر، وهو المذهب الرابع في المسألة.
لماذا يُعدّ الطلب معنى بديهياً عند الأصوليين؟
لأنه لا يحتاج في معرفته إلى تعريف بحد أو رسم كالجوع والعطش، فمن لم يعرف الحدود يأمر وينهى ويدرك الفرق بينهما.
لماذا يُقال إن الطلب مغاير للعبارات؟
لأن معنى الطلب واحد لا يختلف باختلاف الأمم، بينما العبارات تختلف باختلاف اللغات.
ما موقف أبي علي وأبي هاشم من علاقة الطلب بالإرادة؟
اعترفا بأن الطلب غير الإرادة، لكنهما اشترطا في دلالة الصيغة على الطلب إرادةَ المأمور به، فلا يوجد الأمر إلا ومعه الإرادة.
ما الإرادة الأولى من الإرادات الثلاث التي ذكرها ابن برهان وما حكمها؟
إرادة إيجاد الصيغة، وهي شرط اتفاقاً بين الأصوليين.
ما الوجه الثالث في إبطال كون الأمر هو عين الإرادة؟
أن الرجل قد يقول: أريد منك هذا الفعل لكنني لا آمرك به، ولو كان الأمر هو الإرادة لكان هذا تناقضاً صريحاً وهو ليس كذلك.
كيف استدل أبو إسحاق الشيرازي بمسألة الدين الحال على عدم اشتراط الإرادة؟
الدين الحال مأمور بقضائه، ولو حلف ليقضينه غداً إن شاء الله لم يحنث، فدل على أن الله لم يشأه فثبت الأمر بدون المشيئة.
ما الوجه الحادي عشر الذي ذكره الغزالي في إبطال اشتراط الإرادة؟
أنه يلزم على القول بالإرادة أن يكون من قال لنفسه افعل مع إرادة الفعل آمراً لنفسه، وهو محال بالاتفاق لأن الأمر اقتضاء الطاعة وهو معنى يتعلق بالغير.
ما الوجه الأول الذي استدلت به المعتزلة على أن الطلب هو الإرادة؟
أن الطلب المغاير للإرادة لو صح لكان أمراً خفياً لا يعرفه إلا الأذكياء، لكن العقلاء وضعوا اللفظة لما يعرفه كل أحد وهو الإرادة.