اكتمل ✓
الفصل 11

ما معاني صيغة الأمر في علم الأصول وما الفرق بين الإهانة والاحتقار وما حكم الخبر إذا ورد بمعنى الأمر أو النهي؟

صيغة الأمر في علم الأصول تُستعمل لأكثر من ثلاثة وثلاثين معنى، منها: التكوين، والإنعام، والتفويض، والتعجب، والتكذيب، والوعد، والاحتياط وغيرها. والفرق بين الإهانة والاحتقار أن الإهانة لا تكون إلا بقول أو فعل أو تركهما، بينما الاحتقار قد يكون بمجرد الاعتقاد الداخلي. أما الخبر إذا ورد بمعنى الأمر فهو مجاز، وقد اختلف الأصوليون في ترتيب الوجوب عليه كما دار البحث بين ابن تيمية وابن الزملكاني.

14 دقيقة قراءة
  • هل الخبر القرآني كقوله {والوالدات يرضعن} أمرٌ واجب أم مجرد إخبار، وما الفرق بين الصيغتين في الحكم الشرعي؟

  • الإهانة تختلف عن الاحتقار؛ فالإهانة لا تتحقق إلا بقول أو فعل أو تركهما، أما الاحتقار فيكفي فيه مجرد الاعتقاد الداخلي.

  • صيغة الأمر في علم الأصول تُستعمل لثلاثة وثلاثين معنى، منها: التكوين، والإنعام، والتفويض، والتعجب، والتكذيب، والمشورة، والاعتبار، والوعد، والاحتياط.

  • البيضاوي نقل مسألة إقامة الأمر مقام الخبر من المقدمات إلى معاني الصيغة، فأوقع اختصاره في لبس لم ينبه عليه شراحه الثلاثة.

  • دار خلاف بين ابن تيمية وابن الزملكاني في حكم الخبر الوارد بمعنى الأمر أو النهي، هل يُلحق بصيغة افعل في إفادة الوجوب أم لا؟

  • القفال الشاشي ألحق الخبر الوارد بمعنى الأمر بصيغة افعل، مستدلاً بدخول النسخ عليه وامتناع وقوع خلاف الخبر.

تعريف الإهانة والاحتقار وبيان الفرق بينهما عند الأصوليين

الفرق بينه وبين الإهانة: أن الإهانة إنما تكون بـ: قول، أو فعل، أو ترك قول، أو ترك فعل، كترك إجابته، والقيام له عند سبق عادته، ولا يكون بمجرَّد الاعتقاد. والاحتقار: إما مختص بمجرَّد الاعتقاد، أو لا بد من الاعتقاد؛ فإن من اعتقد فى شىء أنه لا يعبأ به، ولا يلتفت إليه يقال: إنه احتقره. ولا يقال: إنه أهانه ما لم يصدر منه قول أو فعل ينبئ عن ذلك .

والحاصل: أن الإهانة هو الإنكار؛ كقوله تعالى

{ذُقْ}

والاحتقار عدم المبالاة؛ كقوله

{بَلْ أَلْقُوا} .

المعنى الخامس عشر لصيغة الأمر وهو التكوين والإيجاد عن العدم

المعنى الخامس عشر: التكوين:

والتكوين أى: الإيجاد عن العدم بسرعة ، كقوله تعالى:

{كُنْ فَيَكُونُ}

وقد سمى الغزالى هذا القسم بكمال القدرة، وتبعه الآمدى .

ومَثَّله إمام الحرمين ليس تعجيزا، بل هم قد أصبحوا كذلك فهو تكوين، ثم هذا هو المعنى الخامس فى البرهان، وسيذكر إمام الحرمين التعجيز فى المعنى الرابع عشر، فيكون - على ما تخيره محقق البرهان - قد وقع تكرار بذكر التعجيز مرتين خامسا ورابع عشر، فأركب إمام الحرمين خطأ لم يفعله.} بقوله تعالى

{كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} .

تمهيد للمعنى السادس عشر وكونه استعمال الأمر مقام الخبر وبالعكس

المعنى السادس عشر: الخبر :

هذا هو المعنى الذى زاده البيضاوى على الإمام وصاحبى الحاصل والتحصيل على ما سبق فى أول المسألة. وقد ذكره الإمام على ما نبه عليه الإسنوى كمسألة مستقلة. ووافق الإمام على ذلك صاحبا الحاصل والتحصيل. ولم ينبه الإسنوى على الحكمة وراء ذلك، ولا ناقش البيضاوى فى صنيعه، وبين وجه تصرفه، ووازن بينه وبين صنيع أصوله.

موقع مسألة إقامة الأمر مقام الخبر في كتب الأصول وشرحها

فنقول: قال الإمام فى المحصول: "الكلام فى الأوامر والنواهى، وهو مرتب على مقدمة، وثلاثة أقسام، أما المقدمة ففيها مسائل:... المسألة السادسة: لفظ الأمر قد يقام مقام الخبر، وبالعكس، أما أن الأمر قد يقام مقام الخبر فكما فى قوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:

"إذا لم تستح فاصنع ما شئت"

معناه صنعت ما شئت..."، ثم ذكر مثال الخبر المقام الأمر، وذكر أن النهى كذلك يقام مقام الخبر وبالعكس، وذكر أمثلتها .وتابعه على ذلك صاحبا الحاصل والتحصيل .

ومما ينبغى التنبه له أن هذه المسألة عندهم هى آخر مسألة من مسائل مقدمات باب الأوامر، يتلوها مباشرة القسم الأول، أو الفصل الثانى - حسب تقسيم صاحب التحصيل - وترجموه جميعا: بالمباحث اللفظية، وأول مسألة فيه هى مسألة صيغة افعل، وأنها مستعملة لخمسة عشر معنى.

سبب عد مسألة تبادل الأمر والخبر مسألة معنوية لا لفظية

ووجه صنيعهم هذا أن مسألة إقامة الأمر وكذا النهى مقام الخبر وبالعكس من المسائل المعنوية، لا اللفظية؛ لأن أصل الأمر والنهى للإنشاء، ومجيئهما مقام خبر خلاف الأصل. أما البيضاوى، فإنه نقل هذه المسألة من المقدمات إلى معانى الصيغة فقال: "السادس عشر الخبر: "إذا لم تستح فاصنع ما شئت"، وعكسه

{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ}

"لا تنكح المرأة المرأة" ".

قال الإسنوى شارحا : "أى: صنعت ما شئت. وقيل: المعنى إذا لم تستح من شىء لكونه جائزا -: فاصنعه؛ إذ الحرام يستحيا منه، بخلاف الجائز.

وعلى العكس قد يستعمل الخبر لإرادة الأمر؛ كقوله تعالى:

{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ}

أى: ليرضعن.

تفسير جواز المجاز بين الأمر والخبر ومثال لا تنكح المرأة المرأة

قال فى المحصول : والسبب فى جواز هذا المجاز -: أن الأمر والخبر يدلان على وجود الفعل.

وأراد أن بين المعنيين مشابَهَة فى المعنى، وهى: المدلولية؛ فلهذا يجوز إطلاق اسم أحدهما على الآخر. وقد يقع الخبر موقِع النهى أيضا كما يقع موقع الأمر؛ كقوله صلى الله عليه وسلم:

"لاتُنكحُ المرأة المرأة، ولا المرأة نفسها"

فإن المراد منه النهى، وصيغته صيغة الخبر؛ لوروده مضموم الحاء؛ إذ لو كان نهيا لكان مجزوما مكسورا على أصل التقاء الساكنين" انتهى كلام الإسنوى.

نقد عبارة البيضاوي في وعكسه وبيان الخلل في التمثيل

وقول البيضاوى: "وعكسه {والوالدات يرضعن أولادهن}، "لا تنكح المرأة المرأة"" إجحاف فى الاختصار موقع فى اللبس، لأن الضمير فى قوله "عكسه" يعود إلى المعنى السادس عشر، وتقدير الكلام: وعكس هذا المعنى -وهو استعمال الأمر بمعنى الخبر -: استعمال الخبر بمعنى الأمر. فظاهر عبارته إذا تأملتها تعنى أن المثالين المذكورين بعد قوله "وعكسه" هما مثلان لهذا العكس، ويكبر علينا أن نقول: إن البيضاوى قد أراد ذلك بالفعل، لكن عبارته تعنى ذلك، وعبارة الحاصل الذى يختصره البيضاوى هى التى أوقعته فى ذلك كما سيأتى التنبيه عليه.

فالمثالان ليسا مثالا لهذا العكس، بل أولهما مثال له، وثانيهما مثال لشىء لم يقع فى كلامه، بل فى كلام أصوله، وحذفه هو، فأخل بالكلام.

موقف الشراح من عبارة البيضاوي وعدم تنبيههم على موضع الخلل

والغريب من الشراح الثلاثة الأصفهانى والإسنوى وابن السبكى شرحوا كلامه على الصواب، ولم ينبهوا على ما فى عبارته من خلل إذا أحسنا الظن بالبيضاوى، أو خطأ فى التمثيل إذا آخذناه بظاهر عبارته. أما الإسنوى فقد تقدم كلامه.

وأما الأصفهانى فقال: "... وكذلك النهى قد يجىء بمعنى الخبر، وبالعكس، أما الأول فكقوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: "لا تنكح اليتيمة حتى تستأمر"، معناه: لا تنكح إلى غاية استئمارها، وكقوله: "لا تنكح المرأة المرأة، ولا المرأة نفسها". وأما العكس فكما فى قوله تعالى {لا يمسه إلا المطهرون}".

وأما ابن السبكى فقال: "... قوله: "لا تنكح المرأة المرأة" يعنى أن الخبر قد يأتى مرادا به النهى كما قد يقع مرادا به الأمر، وذلك أعنى مجيئه مرادا به النهى...".

تحليل نقل البيضاوي للمسألة إلى معاني الصيغة ونتائج الاختصار

فأين فى كلام البيضاوى ما يشير إلى النهى، وإلى علاقته بالخبر، وإنما هم يشرحون من خارج عن الكتاب لما علموه من أصل الكلام، وفهموه، وليس فى العبارة التى يشرحونها ما يفيده. وبفرض صحة ذلك فلا يخفى عليك أن ما صنعه البيضاوى بنقل هذه المسألة من موضعها الذى ذكرها أصوله (المحصول والحاصل والتحصيل) فيه إلى هنا يصبح عليه الكلام عن أن الخبر يقوم مقام الأمر والنهى مجرد استطراد، لئلا تذهب بقية المسألة عليه بسبب نقله لها إلى غير موضعها. بينما هذه المسألة فى محلها فى أصوله، لأنها عن العلاقة المجازية بين الإنشاء - وهو مقتضى الأمر والنهى - والخبر، فليس ذكر وجوه ذلك من الاستطراد.

ثم بقى عليه أيضا من وجوه المسألة: أن النهى قد يقام مقام الخبر، وتقدم مثاله فى كلام الأصفهانى.

أثر عبارة الحاصل على فهم البيضاوي وتنبيه الجزري على موضع الخلل

وقد حذف هذا الوجه صاحب الحاصل أيضا، وأنت إذا تأملت عبارته رأيت أنها هى التى أوقعت البيضاوى فى هذا الإخلال، قال فى الحاصل : "صيغة الأمر ترد بمعنى الخبر كقوله: "فاصنع ما شئت"، أى صنعت ما شئت. وبالعكس كقوله {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ} وكذلك ترد بمعنى النهى كقوله عليه السلام: "لا تنكح المرأة المرأة"".

فكأن البيضاوى توهم أن قول صاحب الحاصل "وكذلك" معطوف على قوله: "كقوله {وَالْوَالِدَاتُ...}"، فحذف بقية الكلام، وصاغ عبارته بالصورة التى نقلناها عنه، وإنما كذلك هذه تعود إلى الخبر، أى: وكذلك كما يأتى الخبر بمعنى الأمر يأتى بمعنى النهى.

وقد تنبه إلى شىء من ذلك الجزرى فى شرحه فقال : "ولتعلم أن هذا ليس من الكلام فى صيغة افعل فى شىء، بل هو كلام فى غير صيغة الأمر إذا استعملت فى الأمر مجازا".

اقتراح إصلاح صنيع البيضاوي بإرجاع مسألة تبادل الصيغ إلى موضعها

ولم يقع على هذا الأصفهانى ، والإسنوى، وابن السبكى فشرحوا كلام البيضاوى ومشوا حاله، مع أن الإسنوى نبه على كونها مسألة مستقلة فى المحصول، إلا أنه لم يتأمل فيما وراء ذلك. والذى نراه أن هذا الموضع من المآخذ على البيضاوى رحمه الله، وإصلاحه أن تذكر المسألة فى محلها كما فعل فى المحصول، ثم يؤخذ منها أن من فروعها أن صيغة "افعل" قد تستعمل بمعنى الخبر مجازا كالحديث المذكور، فيزاد هذا المعنى فحسب فى معانى الصيغة، ولا يتعرض للعكس، ولا لعكس ما لم يتكلم عنه، والله تعالى أعلم.

التنبيه الأول وتفسير عز الدين لحديث إذا لم تستح فاصنع ما شئت

تنبيهات:

الأول: ذكر ابن السبكى تفسيرا آخر لحديث "إذا لم تستح... " لا يصح عليه التمثيل به، فقال: "وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: هو تهكم إذ معناه اعرضه على نفسك، فإن استحيت منه لو اطلع عليه فلا تفعله، وإن لم تستح فاصنع ما شئت من هذا الجنس.

وعلى هذا التفسير يحتاج هذا القسم إلى مثال وأمثلته كثيرة"، لكن لم يذكر منها شيئا. قال ابن السبكى: فهذا شرح الأقسام الستة عشر التى فى الكتاب، وهى فى الحقيقة أكثر لاشتمال بعض أقسامها على نوعين كما عرفت.

التنبيه الثاني واعتبار ورود الخبر بمعنى الأمر أو النهي من باب المجاز

الثانى: إذا وردت صيغة الخبر للأمر نحو

{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ}

فهو مجاز والعلاقة فيه ما يشترك كل واحد منها فى تحقيق ما تعلق به، وكذا الخبر بمعنى النهى نحو "لا تنكح المرأة المرأة" .

الثالث: أشار ابن دقيق العيد فى "شرح العنوان" إلى أنه إذا ورد الخبر بمعنى الأمر فهل يترتب عليه ما يترتب على الأمر من الوجوب إذا قلنا للوجوب، أو يكون ذلك مخصوصاً بالصيغة المعنية وهى صيغة "افعل" ؟ ولم يرجح شيئاً.

خلاف ابن تيمية وابن الزملكاني في حكم الخبر إذا استعمل بمعنى الأمر أو النهي

وهذا البحث قد دار بين الشيخين ابن تيمية وابن الزملكانى فى مسألة الزيارة، فادعى ابن تيمية أنه لا فرق، وجعل قوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث" فى معنى النهى، والنهى للتحريم كما أن الأمر للوجوب. ونازعه ابن الزملكانى وقال: هذا محمول على الأمر بصيغة "افعل"، وعلى النهى بصيغة "لا تفعل"، إذ هو الذى يصح دعوى الحقيقة فيه، وأما ما كان موضوعاً حقيقة لغير الأمر والنهى، ويفيد معنى أحدهما كالخبر بمعنى الأمر، والنفى بمعنى النهى فلا يدعى فيه أنه حقيقة فى وجوب ولا تحريم؛ لأنه يستعمل فى غير موضوعه إذا أريد به الأمر أو النهى، فدعوى كونه حقيقه فى إيجاب أو تحريم، وهو موضوع لغيرهما مكابرة.

قال: وهذا موضع يغلط كثير من الفقهاء ويغترون بإطلاق الأصوليين، ويدخلون فيه كل ما أفاد نهياً أو أمراً، والمحقق الفاهم يعرف المراد، ويضع كل شىء فى موضعه.

تعقيب الزركشي ورأي القفال في إلحاق الخبر بمعنى الأمر بصيغة افعل

قال الزركشى: صرح القفال الشاشى فى كتابه بهذه المسألة، وألحقه بالأمر ذى الصيغة. قال: ومن الدليل على أن معناه الأمر والنهى دخول النسخ فيه، والأخبار المحضة لا يلحقها النسخ، ولأنه لو كان خبراً لم يوجد خلافه.

قال: ومن هذا الباب عند أصحابنا قوله تعالى:

{لاَ يَمَسُهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ} .

وقال بعضهم: "لا" إذا كانت نافية أبلغ فى الخطاب من النهى؛ لأن النهى يتضمن أن الحكم قد كان قاراً قبل وروده والنفى يتضمن الإخبار عن حالته، وأنها كانت منفية، فلم تكن ثابتة قبل ذلك .

فوائد العدول عن صيغة الطلب إلى صيغة الخبر في الأحكام الشرعية

الرابع: فى العدول عن صيغة الطلب إلى صيغة الخبر فوائد:

منها: أن الحكم المخبر به يؤذن باستقرار الأمر وثبوته على حدوثه وتجدده، فإن الأمر لا يتناول إلا فعلا حادثاً فإذا أمر بالشىء بلفظ الخبر آذن ذلك بأن هذا المطلوب فى وجوب فعله ولزومه بمنزلة ما قد حصل وتحقق، فيكون ذلك أدعى إلى الامتثال.

ومنها: أن صيغة الأمر وإن دلت على الإيجاب فقد يحتمل الاستحباب. فإذا جىء بصيغة الخبر علم أنه أمر ثابت مستقر، وانتفى احتمال الاستحباب.

ومنها: أن الأحكام قسمان خطاب وضع وأخبار، وهو جعل الشىء سبباً وشرطاً ومانعاً، فالطلاق مثلا سبب لوجوب العدة، فإذا جىء بصيغة الخبر كان فيه دلالة على أنه من قبيل خطاب الوضع والأخبار الممتازة عن سائر خطاب التكليف، ويوضح هذا أن المطلقة لو كانت مجنونة ثبت حكم العدة فى حقها وإن لم تكن مكلفة .

بحث هل المجاز في الخبر بمعنى الأمر يشمل الجملة أم الخبر فقط

الخامس: الخبر الذى هو مجاز عن الأمر فى مثل

{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ}

هل هو مجموع المبتدأ و الخبر، أو خبر المبتدأ وحده ؟ كلام صاحب الكشاف يميل إلى الثانى، وأن المعنى والوالدات ليرضعن، وذهب بعضهم إلى الأول، لأن خبر المبتدأ لا يكون جملة إنشائية .

السادس: المشهور جواز ورود صيغة الخبر والمراد بها الأمر، ومنه قولهم: "جمع رجل عليه ثيابه"، "وحسبك درهم"، أى: اكتف به. ومنعه السهيلى والقرطبى فى تفسير قوله تعالى

{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ}

قال: وإنما هو خبر عن حكم الشرع، فإن وجدت مطلقة لا تتربص فليس من الشرع. ولا يلزم من ذلك وقوع خبر الله تعالى على خلاف مخبره. وقيل: لتتربص بحذف اللام .

المعنى السابع عشر لصيغة الأمر وهو الإنعام وتذكير النعمة

المعنى السابع عشر: الإنعام:

الإنعام أى: تذكير النعمة . وهذا المعنى مما زاده إمام الحرمين فى البرهان ، وذلك كقوله تعالى:

{كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}

قال: هذا وإن كان فيه معنى الإباحة، فإن الظاهر منه تذكير النعمة.

وتابعه على زيادته ابن السبكى فى الإبهاج وجمع الجوامع .

المعنى الثامن عشر لصيغة الأمر وهو التفويض والتحكيم

المعنى الثامن عشر: التفويض:

وهو مما زاده إمام الحرمين أيضا، وذلك كقوله:

{فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ} .

نقول: وعبارته فى البرهان: "وترد بمعنى التحكيم والتفويض...". وتابعه على زيادته ابن السبكى فى الإبهاج وجمع الجوامع .

المعنى التاسع عشر لصيغة الأمر وهو التعجب وأمثلته

المعنى التاسع عشر: التعجب:

قال ابن السبكى : وزاد صفى الدين الهندى تاسع عشر، وهو: التعجب، ومَثَّل له بقوله تعالى:

{قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً}

وهذا المثال جعله الآمدى وابن برهان من قسم التعجيز.

ورأيت فى طبقات الفقهاء لأبى عاصم العبادى، فى ترجمة أبى إسحاق إبراهيم ابن محمد الفارسى، زيادات أخر، منها: التعجب، كما قال الشيخ الهندى، لكن مثّل له بقوله تعالى

{انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ}(

)" انتهى كلام ابن السبكى.

وقد ذكره ابن السبكى أيضا فى جمع الجوامع، ومَثَّلَه المحلى بما مثل به الشيخ الهندى .

المعنى العشرون لصيغة الأمر وهو التكذيب وإبطال دعوى الخصم

المعنى العشرون: التكذيب:

قال ابن السبكى : ومما زاده أبو عاصم العبادى: الأمر بمعنى التكذيب مثل قوله تعالى

{قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}

وقوله:

{قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمْ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا} .

وقد ذكره ابن السبكى أيضا فى جمع الجوامع .

المعنى الحادي والعشرون والثاني والعشرون: المشورة والاعتبار والتسليم

المعنى الحادى والعشرون: المشورة:

قال ابن السبكى : ومما زاده أبو عاصم العبادى: الأمر بمعنى المشورة مثل:

{فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى} .

المعنى الثانى والعشرون: الاعتبار:

قال ابن السبكى : وزاد أبو عاصم أيضاً فى غير هذه الترجمة - المشار إليها - الأمر بمعنى الاعتبار مثل قوله:

{انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ} .

والأمر بمعنى التسليم مثل:

{فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ}

، وهذا قد تقدم عن إمام الحرمين. وقد ذكره ابن السبكى أيضا فى جمع الجوامع .

قال ابن السبكى فى الإبهاج: وقد وصلت الأقسام بزيادات أبى عاصم وإمام الحرمين، والقسم الذى ذكره الهندى إلى اثنين وعشرين .

المعنى الثالث والعشرون والرابع والعشرون: إرادة الامتثال والإذن

المعنى الثالث والعشرون: إرادة الامتثال:

وهو مما زاده ابن السبكى فى جمع الجوامع، ومَثَّلَه المحلى فى شرحه بقولك لآخر عند العطش: اسقنى ماء .

المعنى الرابع والعشرون: الإذن:

وهو مما زاده ابن السبكى فى جمع الجوامع، ومَثَّلَه المحلى فى شرحه بقولك لمن طرق الباب: ادخل .

فهذه أربعة وعشرون، إذا أضفت لها التأديب والإنذار حصلت الستة والعشرون التى ذكرها ابن السبكى.

المعنى الخامس والعشرون والسادس والعشرون: الوعد والاحتياط

المعنى الخامس والعشرون: الوعد:

كقوله تعالى:

{وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} .

المعنى السادس والعشرون: الاحتياط:

ذكره القفال ومَثَّلَه بقوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: "إذا قام أحدكم من النوم فلا يغمس يده فى الإناء حتى يغسلها ثلاثاً" بدليل قوله: "فإنه لا يدرى أين باتت يده" أى: فلعل يده لاقت نجاسة من بدنه لم يعلمها فليغسلها قبل إدخالها لئلا يفسد الماء .

المعنى السابع والعشرون والثامن والعشرون: التحسير والتلهيف والتصبير

المعنى السابع والعشرون: التحسير والتلهيف:

ذكره ابن فارس ومَثَّلَه بقوله تعالى

{قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ}

، وقوله تعالى:

{اخْسَئُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونَ} .

المعنى الثامن والعشرون: التصبير:

كقوله:

{لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}

، وقوله تعالى:

{فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا}

وقوله

{فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا}

ذكر هذه الثلاثة الأخيرة القفال .

المعنى التاسع والعشرون والثلاثون والحادي والثلاثون: قرب المنزلة والتحذير وإرادة الامتثال لأمر آخر

المعنى التاسع والعشرون: قرب المنزلة:

ذكره الصيرفى ومَثَّلَه بقوله تعالى:

{ادْخُلُوا الْجَنَّةَ} .

المعنى الثلاثون: التحذير والإخبار عما يؤول إليه أمرهم:

كقوله تعالى:

{تَمَتَّعُوا فِى دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ}

ذكره الصيرفى.

المعنى الحادى والثلاثون: إرادة الامتثال لأمر آخر:

كقوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم "كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل"، فإنه لم يقصد الأمر بأن يقتل وإنما القصد به الاستسلام وعدم ملابسة الفتن .

وتقدم الكلام على معنيى التأديب والإنذار عند الندب والتهديد، فبلغت الجملة ثلاثة وثلاثين معنى، كما تقدم التنبيه عليه.

مقارنة عدد معاني الأمر عند إمام الحرمين والغزالي والآمدي ومواضع الاضطراب

تنبيه:

ذكر إمام الحرمين والغزالى والآمدى خمسة عشر معنى، غير أن ما ذكروه ليس على محز واحد مع ما ذكره الإمام وأتباعه. فإمام الحرمين ذكر الخمسة عشر التى ذكرها الإمام إلا أربعة: الإيجاب، والامتنان، والتسخير، والاحتقار. وذكر بدلها: الإنذار، والإنعام، والتأديب، والتفويض.

والذى ذكره الغزالى منها: الخمسة عشر معنى الأولى أيضا، غير أنه لم يذكر التعجيز، ولا الاحتقار، وذكر بدلهما التأديب والإنذار، على ما تقدم التنبيه عليه.

أما الآمدى فإنه بعد أن نقل اتفاق الأصوليين على إطلاقها بإزاء خمسة عشر: اضطرب أمره فذكر ستة عشر معنى، نص فى اثنين منهما على أنهما داخلان فى غيرهما فقال فى التأديب: وهو داخل فى الندب، وقال فى الإنذار: وهو فى معنى التهديد .

فلا أدرى أيهما يُبْقِى فى العد، وأيهما لا يعده، وإن لم تعد الاثنين أصبحت الأقسام أربعة عشر، وقد نص على خلافه !

ويدل على أن هذين القسمين مقصودان بالعدد عنده أنه يتعين عدهما فى منتهى السول فإنه لم يذكر سوى خمسة عشر معنى بحذف التمنى .

على أية حال هو موافق للإمام فى المعانى التى ذكرها، غير أنه لم يذكر الاحتقار فى كتابيه، أما التأديب والإنذار فقد علمت ما فيهما.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الفرق الجوهري بين الإهانة والاحتقار عند الأصوليين؟

الإهانة تشترط قولاً أو فعلاً ظاهراً والاحتقار يكفي فيه مجرد الاعتقاد

ما المعنى الخامس عشر لصيغة الأمر في علم الأصول؟

التكوين والإيجاد عن العدم

بماذا سمى الغزالي معنى التكوين في صيغة الأمر؟

كمال القدرة

ما سبب جواز المجاز بين الأمر والخبر عند الإمام الرازي؟

لأن الأمر والخبر يشتركان في الدلالة على وجود الفعل

أين وضع الإمام الرازي مسألة إقامة الأمر مقام الخبر في المحصول؟

في مقدمات باب الأوامر

ما موقف ابن تيمية من الخبر الوارد بمعنى النهي في مسألة شد الرحال؟

قال إنه يفيد التحريم كصيغة النهي الحقيقية

ما الدليل الذي ساقه القفال الشاشي على إلحاق الخبر بمعنى الأمر بصيغة افعل؟

دخول النسخ عليه وامتناع وقوع خلاف الخبر

ما المعنى السابع عشر لصيغة الأمر الذي زاده إمام الحرمين؟

الإنعام وتذكير النعمة

ما المعنى الثامن عشر لصيغة الأمر الذي زاده إمام الحرمين؟

التفويض والتحكيم

من أضاف معنى التعجب إلى قائمة معاني صيغة الأمر؟

صفي الدين الهندي

ما المعنى العشرون لصيغة الأمر الذي زاده أبو عاصم العبادي؟

التكذيب

كم بلغت جملة معاني صيغة الأمر بحسب ما جمعه المؤلف؟

ثلاثة وثلاثون معنى

ما وجه الخلل في عبارة البيضاوي حين قال 'وعكسه' في المعنى السادس عشر؟

أن أحد مثاليه للخبر بمعنى النهي لا للعكس المذكور

ما الفائدة الأولى من العدول عن صيغة الطلب إلى صيغة الخبر في الأحكام الشرعية؟

الإيذان باستقرار الحكم وثبوته مما يكون أدعى إلى الامتثال

ما التفسير الذي ذكره عز الدين بن عبد السلام لحديث 'إذا لم تستح فاصنع ما شئت'؟

أنه تهكم ومعناه اعرض الفعل على نفسك فإن استحيت فلا تفعله

ما تعريف الإهانة عند الأصوليين؟

الإهانة هي الإنكار الظاهر بقول أو فعل أو ترك قول أو ترك فعل، ولا تتحقق بمجرد الاعتقاد الداخلي.

ما تعريف الاحتقار عند الأصوليين؟

الاحتقار هو عدم المبالاة، ويكفي فيه مجرد الاعتقاد بأن الشيء لا يُعبأ به ولا يُلتفت إليه دون الحاجة إلى قول أو فعل.

ما مثال التكوين في صيغة الأمر؟

مثاله قوله تعالى {كُنْ فَيَكُونُ}، وهو الإيجاد عن العدم بسرعة.

لماذا عدّ الأصوليون مسألة إقامة الأمر مقام الخبر مسألة معنوية لا لفظية؟

لأن أصل الأمر والنهي للإنشاء، ومجيئهما مقام الخبر خلاف الأصل، فهي تتعلق بالعلاقة المجازية بين الإنشاء والخبر لا بالصيغة اللفظية.

كيف يُعرف أن حديث 'لا تُنكح المرأة المرأة' خبر لا نهي حقيقي؟

لأنه ورد مضموم الحاء لا مجزوماً، ولو كان نهياً حقيقياً لكان مجزوماً مكسوراً على أصل التقاء الساكنين.

ما موقف ابن الزملكاني من دعوى الوجوب في الخبر الوارد بمعنى الأمر؟

قال إن دعوى الحقيقة في الوجوب لا تصح إلا في الصيغة الموضوعة أصلاً للأمر، أما الخبر الوارد بمعناه فهو مجاز لا يُدّعى فيه الوجوب الحقيقي.

ما الفوائد الثلاث للعدول عن صيغة الطلب إلى صيغة الخبر؟

أولها الإيذان باستقرار الحكم وثبوته مما يدعو إلى الامتثال. وثانيها نفي احتمال الاستحباب. وثالثها الدلالة على أن الحكم من خطاب الوضع لا التكليف.

ما المعنى الحادي والعشرون لصيغة الأمر ومثاله؟

المشورة، ومثاله قوله تعالى {فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى}.

ما المعنى الثاني والعشرون لصيغة الأمر ومثاله؟

الاعتبار، ومثاله قوله تعالى {انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ}.

ما المعنى الخامس والعشرون لصيغة الأمر ومثاله؟

الوعد، ومثاله قوله تعالى {وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُنْتُمْ تُوعَدُونَ}.

ما المعنى السادس والعشرون لصيغة الأمر ومثاله؟

الاحتياط، ومثاله حديث غسل اليد من النوم ثلاثاً قبل إدخالها الإناء لاحتمال ملاقاتها نجاسة.

ما المعنى السابع والعشرون لصيغة الأمر ومثاله؟

التحسير والتلهيف، ومثاله قوله تعالى {قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ}.

ما المعنى الثلاثون لصيغة الأمر ومثاله؟

التحذير والإخبار عما يؤول إليه أمرهم، ومثاله قوله تعالى {تَمَتَّعُوا فِى دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ}.

ما الاضطراب الذي وقع فيه الآمدي في عد معاني صيغة الأمر؟

ذكر ستة عشر معنى ثم نصّ على أن اثنين منها داخلان في غيرهما، مما يجعل العدد أربعة عشر خلافاً لما نصّ عليه من الخمسة عشر.

ما الأربعة المعاني التي أسقطها إمام الحرمين من قائمة الإمام الرازي وما البدائل التي ذكرها؟

أسقط: الإيجاب والامتنان والتسخير والاحتقار، وذكر بدلها: الإنذار والإنعام والتأديب والتفويض.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!