هل الأمر الوارد بعد التحريم يفيد الوجوب أم الإباحة وما الفروع المترتبة على ذلك؟
اختلف الأصوليون في الأمر الوارد بعد التحريم على مذهبين: الأول أنه يفيد الوجوب وهو الأصح عند الإمام الرازي وأتباعه، والثاني أنه يفيد الإباحة وهو منسوب للشافعي وأكثر الفقهاء. ويترتب على هذا الخلاف فروع فقهية كالنظر إلى المخطوبة وأمر الكتابة، وفروع أصولية كحكم النهي الوارد بعد الوجوب.
- •
هل الأمر الوارد بعد التحريم يُعيد الحكم إلى الوجوب أم يقتصر على رفع الحرمة فقط؟ هذه المسألة من أدق مسائل أصول الفقه.
- •
المذهب الأول يرى أن الأمر بعد التحريم يفيد الوجوب، وهو الأصح عند الإمام الرازي وأتباعه ومتقدمي المالكية والشافعية.
- •
المذهب الثاني يرى أنه يفيد الإباحة، ونسبه ابن برهان لأكثر الفقهاء والمتكلمين، ورجحه ابن الحاجب وصرح به الآمدي.
- •
استدل أصحاب الوجوب بأن المقتضي للإيجاب قائم ولا معارض صالح، وبأن الحائض مأمورة بالصلاة بعد الطهارة وجوباً لا إباحة.
- •
استدل أصحاب الإباحة بآيات قرآنية وأحاديث نبوية، وعززه القرافي بتحليل عقلي قائم على ميزان الوجود والعدم.
- •
تتفرع على هذه القاعدة مسائل فقهية كالنظر إلى المخطوبة وأمر الكتابة، وأصولية كحكم النهي بعد الوجوب والأمر بعد سؤال التعليم.
- 1
تعريف مسألة الأمر بعد التحريم وعرض عبارات الأئمة فيها مع تعليق القرافي، وبيان أن الخلاف فيها على مذهبين.
- 2
المذهب الأول في الأمر بعد التحريم هو الوجوب، وهو الأصح عند الرازي وأتباعه ومتقدمي المالكية والشافعية.
- 3
المذهب الثاني يرى أن الأمر بعد التحريم للإباحة، منسوب للشافعي وأكثر الفقهاء، ورجّحه ابن الحاجب وصرّح به الآمدي.
- 4
الحظر قسمان: معلق بعلة فالأمر بعده للإباحة عند الجمهور، وغير معلل ففيه خلاف بين الإباحة والوجوب.
- 5
أدلة الوجوب: قيام المقتضي للإيجاب وعدم صلاحية المعارض، ومثال الحائض المأمورة بالصلاة بعد الطهارة وجوباً.
- 6
أدلة الإباحة: آيات قرآنية وأحاديث نبوية كلها جاءت للإباحة بعد النهي، مع دليل العرف في أمر السيد لعبده.
- 7
الرد على أدلة الإباحة بأن الدليل الخاص لا يُعمَّم، وبمعارضتها بنصوص تفيد الوجوب، وبيان تعارض دليل العرف.
- 8
القرافي يُثبت الإباحة بقاعدة ميزان الوجود والعدم: الحظر رجّح العدم والأمر يرجح الوجود فيحصل التساوي وهو الإباحة.
- 9
الفروع الفقهية للقاعدة: النظر إلى المخطوبة وحكمه الاستحباب أو الإباحة، وأمر الكتابة في القرآن الكريم.
- 10
النهي بعد الوجوب للتحريم عند القائلين بالوجوب، وخلافي عند القائلين بالإباحة، مع بيان الفرق بين المسألتين.
- 11
الأمر بعد سؤال التعليم كالأمر بعد الاستئذان، ولا يُستدل به وحده على الوجوب إلا إن ثبت الإيجاب من دليل خارجي.
ما معنى مسألة الأمر بعد التحريم وما عبارات الأئمة في تسميتها وما المذاهب فيها؟
الأمر بعد التحريم هو الأمر الوارد بعد حظر سابق، وهو نسخ للتحريم بالإجماع إذا فرعنا على أن الأمر للإيجاب. عبّر عنه الإمام الرازي بـ'الأمر الوارد عقيب الحظر والاستئذان'، وعبّر عنه صاحب التحصيل بـ'الأمر بعد الحظر والإذن'. انتقد القرافي عبارة الإمام لذكره الاستئذان بالسين والتاء وهو طلب الإذن وليس هناك طلب، ومدح عبارة صاحب التحصيل. وقد اختلف الأصوليون في هذا الأمر على مذهبين.
من قال بأن الأمر بعد التحريم يفيد الوجوب وإلى من نُسب هذا المذهب؟
المذهب الأول يقول بأن الأمر بعد التحريم يفيد الوجوب، وهو الأصح عند الإمام الرازي وأتباعه. نقله ابن برهان عن القاضي، ونقله الآمدي عن المعتزلة، ونقله القرافي عن الباجي ومتقدمي أصحاب مالك وأصحاب الشافعي.
من قال بأن الأمر بعد التحريم يفيد الإباحة وما موقف ابن الحاجب والآمدي من هذا المذهب؟
المذهب الثاني يقول بأن الأمر بعد التحريم يفيد الإباحة، ونصّ عليه الشافعي كما نقله القيروانى وابن التلمسانى والأصفهانى. ونقله ابن برهان عن أكثر الفقهاء والمتكلمين، وعزاه القرافي لبعض المالكية. رجّحه ابن الحاجب، وتوقف فيه إمام الحرمين، وصرّح به الآمدي مع ميله إلى الإباحة.
كيف قسّم القاضي عبد الوهاب الحظر وما حكم الأمر الوارد بعد كل قسم؟
شبّه المحصول الأمر بعد الاستئذان بالأمر بعد التحريم. وقسّم القاضي عبد الوهاب الحظر قسمين: حظر معلق بغاية أو شرط أو علة فإذا ورد الأمر بعد زواله أفاد الإباحة عند الجمهور، كحديث النهي عن ادخار لحوم الأضاحي ثم الإذن فيه، وكآية الانتشار في الأرض بعد الصلاة. وحظر غير معلل بعلة عارضة ففيه خلاف: مالك وأصحابه يرون الإباحة، وأكثر أهل الأصول يرون الوجوب أو الندب.
ما أدلة القائلين بأن الأمر بعد التحريم يفيد الوجوب؟
استدل أصحاب المذهب الأول بأن المقتضي للإيجاب قائم، والمعارض لا يصلح معارضاً لأن الانتقال من التحريم إلى الوجوب جائز كالانتقال منه إلى الإباحة. كما استدل صاحب الحاصل بأن الحائض والنفساء مأمورتان بعد الطهارة بالصلاة للوجوب لا للإباحة، وهذا دليل على أن الأمر بعد التحريم قد يفيد الوجوب.
ما أدلة القائلين بأن الأمر بعد التحريم يفيد الإباحة من القرآن والسنة والعرف؟
استدل أصحاب الإباحة بآيات قرآنية كقوله تعالى {وإذا حللتم فاصطادوا} و{فإذا قضيت الصلاة فانتشروا} و{فإذا تطهرن فأتوهن}، وبأحاديث نبوية كحديث 'كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها' وحديث الإذن في ادخار لحوم الأضاحي. وقالوا إن هذا النوع من الأمر في الكتاب والسنة ما جاء إلا للإباحة. كما استدلوا بالعرف إذ إن السيد إذا منع عبده ثم قال له افعله فُهم منه الإباحة.
كيف ردّ أصحاب الوجوب على أدلة القائلين بالإباحة في مسألة الأمر بعد التحريم؟
ردّ القرافي على دليل الإباحة بأن الدليل الخاص لا يُثبت حكماً عاماً، كمن يقول كل لحم حرام لأن لحم الخنزير حرام. وعارض أدلتهم بآية {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين} حيث القتال فرض كفاية بعد أن كان حراماً، وبحديث 'فإذا أدبرت الحيضة فاغسلي عنك الدم وصلي' الذي يفيد الوجوب. فلما تعارضت الأدلة تساقطت وبقي دليل الوجوب سالماً. وأجيب عن دليل العرف بأنه متعارض لأن من قال لابنه في الحبس 'اخرج إلى المكتب' فهو أمر بعد حظر يفيد الوجوب.
ما طريقة القرافي العقلية في إثبات أن الأمر بعد الحظر يفيد الإباحة؟
قرر القرافي أن الفعل المكلف به نسبة الوجود والعدم إليه متساوية ككفتي الميزان. فالأمر الوارد ابتداء يرجح كفة الوجود فيحصل الوجوب. أما إذا ورد الأمر بعد الحظر فإن الحظر قبله قد رجّح كفة العدم، فيأتي الأمر ليرجح كفة الوجود، فيحصل التساوي بين الكفتين وهو الإباحة. وهذا كميزان وُضع في إحدى كفتيه رطل ثم وُضع في الأخرى رطل فحصل التساوي.
ما الفروع الفقهية المترتبة على قاعدة الأمر بعد التحريم؟
من فروع القاعدة: أولاً النظر إلى المخطوبة بأمر النبي صلى الله عليه وسلم 'انظر إليها'، وهو أمر بعد تحريم النظر إلى الأجنبية، فهل يفيد الاستحباب أم الإباحة؟ وجهان أصحهما الاستحباب، مبنيان على هذه القاعدة. ثانياً أمر الكتابة في قوله تعالى {فكاتبوهم} وهو وارد بعد التحريم لأن الكتابة بيع مال الشخص بماله وهو ممتنع، فيُبنى حكمه على القاعدة.
ما حكم النهي الوارد بعد الوجوب وما الفرق بينه وبين الأمر بعد التحريم؟
اختلف القائلون بالإباحة في الأمر بعد الحظر في النهي الوارد بعد الوجوب: فمنهم من طرد القياس وحكم بالإباحة، ومنهم من حكم بالتحريم. والفرق من وجهين: الأول أن حمل النهي على التحريم يقتضي الترك وهو على وفق الأصل لأن الأصل عدم الفعل، بخلاف حمل الأمر على الوجوب. الثاني أن الشرع اعتبر دفع المفاسد أكثر من جلب المصالح. أما القائلون بأن الأمر بعد التحريم للوجوب فلا خلاف عندهم أن النهي بعد الوجوب للتحريم.
ما حكم الأمر الوارد بعد سؤال التعليم وهل يُستدل به على وجوب الصلاة على النبي في التشهد؟
الأمر بماهية مخصوصة بعد سؤال التعليم شبيه بالأمر بعد الاستئذان، ومثاله حديث 'قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد' الوارد بعد سؤال الصحابة عن كيفية الصلاة على النبي. وعليه لا يستقيم الاستدلال بمجرد هذا الأمر على وجوب الصلاة على النبي في التشهد عند الشافعية. نعم إن ثبت الإيجاب من دليل خارجي فيكون هذا الأمر للوجوب لأنه بيان لكيفية واجب.
الأمر بعد التحريم يفيد الوجوب عند الأصح، والإباحة عند الجمهور، وتتفرع عليه مسائل فقهية وأصولية دقيقة.
الأمر بعد التحريم مسألة أصولية خلافية بين مذهبين: الوجوب وهو الأصح عند الإمام الرازي وأتباعه ومتقدمي المالكية والشافعية، والإباحة وهو مذهب أكثر الفقهاء والمتكلمين المنسوب للشافعي. واستدل أصحاب الوجوب بأن المقتضي للإيجاب قائم ولا معارض صالح يدفعه، وبأن الحائض مأمورة بالصلاة بعد الطهارة وجوباً لا إباحة.
أما أصحاب الإباحة فاستدلوا بآيات قرآنية كقوله تعالى {وإذا حللتم فاصطادوا} وأحاديث نبوية كالإذن في زيارة القبور، وعززه القرافي بتحليل عقلي دقيق قائم على ميزان الوجود والعدم. وتتفرع على هذه القاعدة مسائل فقهية كالنظر إلى المخطوبة وأمر الكتابة، وأصولية كحكم النهي الوارد بعد الوجوب والأمر الوارد بعد سؤال التعليم كحديث الصلاة على النبي.
أبرز ما تستفيد منه
- الأمر بعد التحريم يفيد الوجوب عند الإمام الرازي وأتباعه وهو الأصح.
- أكثر الفقهاء والمتكلمين يرون أن الأمر بعد التحريم يفيد الإباحة.
- القرافي أثبت الإباحة بقاعدة ميزان الوجود والعدم عقلياً.
- النهي بعد الوجوب للتحريم عند القائلين بالوجوب، وخلافي عند القائلين بالإباحة.
- الأمر بعد سؤال التعليم لا يُستدل به وحده على الوجوب إلا إن ثبت من دليل خارجي.
تعريف مسألة الأمر بعد التحريم وبيان عبارات الأئمة فيها
المسألة الثالثة الأمر بعد التحريم للإيجاب [1] إذا فرَّعنا على أن الأمر للإيجاب؛ فورد بعد التحريم، فهو نسخ للتحريم بالإجماع. وترجم الإمام فقال: "الأمر الوارد عقيب الحظر والاستئذان". وقال صاحب التحصيل: "الأمر بعد الحظر والإذن" [2]. قال القرافى: "فيكون معناه أنه لا فرق بين تقدم الحظر، أو تقدم الإباحة، فإنه للوجوب.
قال: لكن عبارة الإمام فيها قلق؛ لذكره الاستئذان بالسين والتاء، وهو طلب الإذن، وليس هاهنا طلب، وعبارة سراج الدين - يعنى صاحب التحصيل - جيدة" [3]. ثم اختلفوا فى هذا الأمر ماذا يفيد بعد ذلك ؟ وفيه مذهبان:
المذهب الأول القائل بأن الأمر بعد التحريم يفيد الوجوب
المذهب الأول: - وهو الأصح عند الإمام وأتباعه -: أنه يكون أيضا للوجوب. قال الإمام: "الأمر الوارد عقيب الحظر والاستئذان: للوجوب، خلافا لبعض أصحابنا" [4]. ونقله ابن بَرْهَان فى الوجيز عن القاضى [5]، والآمدى عن المعتزلة [6].
ونقله القرافى عن الباجى ومتقدمى أصحاب مالك، وأصحاب الشافعى [7].
المذهب الثاني القائل بأن الأمر بعد التحريم يفيد الإباحة
المذهب الثانى: أنه يكون للإباحة، وهو الذى نَصَّ عليه الشافعى كما نقله عنه القيروانى فى كتاب المستوعب، وابن التلمسانى فى شرح المعالم، والأصفهانى فى شرح المحصول. ونقله ابن بَرْهَان فى الوجيز عن أكثر الفقهاء والمتكلمين [8]. وعزاه الإمام وأتباعه لبعض أصحابنا، يعنى من الشافعية [9].
وكذا عزاه القرافى لبعض المالكية [10]. ورجحه ابن الحاجب [11]، وتوقف إمام الحرمين [12]. وصَرَّحَ أيضا به الآمدى فى الإحكام، ومع ذلك فله ميل إلى الإباحة، فإنه قال عَقِبه: واحتمال الإباحة أرجح، نظرا لغلبته [13].
تشبيه الأمر بعد الاستئذان بالأمر بعد التحريم وتقسيم الحظر
قال فى المحصول: والأمر بعد الاستئذان كالأمر بعد التحريم، وذلك بأن استأذن على فعل شىء، فقال: له افعله. وقال القاضى عبد الوهاب فى الملخص: "الحظر قسمان تارة يرد معلقا بغاية أو شرط أو علة، فإذا ورد الأمر بعد زوال ما علق عليه أفاد الإباحة عند الجمهور من أهل العلم، كقوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
"كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحى فوق ثلاث من أجل الدافة، فكلوا وادخروا" [14]
، وكذلك قوله تعالى
{فإذا قضيت الصلاة فانتشروا فى الأرض}
بعد قوله تعالى
{وذروا البيع}
، وتارة يرد غير معلل بعلة عارضة، ولا معلق بشرط:
فمذهب مالك وأصحابه أنه للإباحة، وذلك احتج على عدم لزوم الكتابة بقوله: إنما ذلك توسعة من الله على عباده. وقال أكثر أهل الأصول إنه يقتضى الوجوب، وأنه يحمل على ما كان يحمل عليه ابتداء من وجوب أو ندب، إن قلنا إنه موضوع للندب، أو على الوقف إن قلنا بالوقف" [15].
أدلة المذهب الأول على أن الأمر بعد التحريم يفيد الإيجاب
أدلة المذهب الأول أنه للإيجاب:
-
استدلوا بأن الأمر يفيده؛ إذ التفريع عليه، فالمقتضِى للإيجاب قائم، والمعارض الموجود لا يصلح معارضا؛ إذ وروده بعد الحرمة ليس معارضا حتى يدفع ما ثبت له؛ لأن الوجوب والإباحة منافيان للتحريم، فوجب تحقق الوجوب. وإنما قلنا إن المعارض لا يصلح معارضا: لأنه لا يمتنع الانتقال من التحريم إلى الإباحة، فكذلك لا يمتنع الانتقال منه إلى الوجوب، والعلم بجوازه ضرورى [16].
-
واستدل صاحب الحاصل أيضا: بأن الحائض والنفساء مأمورتان بعد الطهارة بالصلاة، وليس للإباحة، بل للوجوب [17].
أدلة المذهب الثاني على أن الأمر بعد التحريم يفيد الإباحة
أدلة المذهب الثانى:
- احتج الخصم بورودها للإباحة؛ كقوله تعالى:
{وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [18]
،
{فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانْتَشِرُوا} [19]
،
{فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ} [20]
،
{فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ} [21]
، وفى الحديث:
"كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" [22].
و"كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحى فوق ثلاث؛ فكلوا، وادخروا" [23]. فهذا النوع من الأمر فى كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ما جاء إلا للإباحة، فوجب كونه حقيقة فيه.
- كما استدلوا بالعرف، فإن السيد إذا منع عبده من فعل شىء، ثم قال له: افعله، فُهم منه الإباحة.
مناقشة أدلة الإباحة والرد عليها بالنصوص والاعتبار
جواب الدليل الأول: قال القرافى: متى كان المطلوب عاما، والدليل خاصا لا يفيد. كمن يقول: كل لحم حرام؛ لأن لحم الخنزير حرام. أو كل عدد زوج؛ لأن العشرة زوج [24]. فهذه الأدلة معارَضَة بقوله:
{فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [25]
، فإن القتال فرض كفاية بعد أن كان حراما، فهذا يدل على الوجوب. وكذلك قوله تعالى:
{لاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْىُ مَحِلَّهُ}
، وحلق الرأس نسك، وليس بمباح محض.
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم:
"فإذا أدبرت الحيضة فاغسلى عنك الدم، وصلى" [26]
فإذا تعارضا تساقطا، وبقى دليلنا سالما عن المنع؛ فيفيد الوجوب. وأجيب عن الثانى: أن العرف متعارض؛ لأن من قال لابنه وهو فى الحبس: "اخرج إلى المكتب" فهو أمر بعد الحظر، وقد يفيد الوجوب [27].
تحليل القرافي العقلي لمسألة الأمر بعد الحظر بناء على ميزان الوجود والعدم
وللإمام القرافى طريقة أخرى فى تقرير مذهب الإباحة فقال: "الفعل المكلَّف به ممكن، فنسبة الوجود والعدم إليه نسبة واحدة على السواء، ونسبتهما إليه ككفتى الميزان. فالأمر إذا ورد على الفعل ابتداء رجح طرف الوجود، فحصل الوجوب. وإذا ورد بعد الحظر يكون الحظر قبله قد ورد على كفة العدم؛ فرجح العدم؛ لأن القاعدة أن الأمر يرجح الوجود، والنهى يرجح العدم.
فنجد الأمر: الكفة التى قباله كفة راجحة، فيرجح هو أيضا كفته، فيحصل التساوى، وهو الإباحة، كميزان وَرَدَ على أحد كفتيها رطل بعد أن كان فى الكفة الأخرى رطل، فإنه يحصل التساوى، فهذا هو الفرق بين ورود الأمر ابتداء، وبين وروده بعد الحظر عند القائلين بأنه للوجوب، وإذا وَرَدَ الأمر بعد الحظر فمقتضَى هذه القاعدة أن يكون أيضا للإباحة" [28].
فروع فقهية مبنية على قاعدة الأمر بعد التحريم
فروع فقهية: إذا علمت ما تقدم فمن فروع القاعدة:
- إذا عزم على نكاح امرأة، فإنه ينظر إليها لقوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
"انظر إليها" [29]
لكن هل يستحب ذلك، أو يباح ؟ وجهان، أصحهما: الأول. وهما مبنيان على القاعدة، كما أشار إليه الإمام فى النهاية، وصرح به غيره. فإن قيل: فلم لا حملناه على الوجوب. قلنا: القرينة صرفته، وأيضا فلقاعدة أخرى ذكرناها فى محلها، وهى: الداعية الحاملة على الفعل.
- ومنها: الأمر بالكتابة فى قوله تعالى
{فَكَاتِبُوهُمْ} [30]
، فإنه وارد بعد التحريم، كما قاله القاضى حسين فى باب الكتابة، ووجه ما قاله: أن الكتابة بيع مال الشخص بماله، كما قاله الأصحاب، وهو ممتنع بلا شك [31].
فرع أصولي في حكم النهي الوارد بعد الوجوب وعلاقته بالأمر بعد التحريم
فروع أصولية: الفرع الأول [32]: إذا فرَّعنا على أن الأمر للإباحة: فالقائلون بالإباحة فى الأمر الوارد بعد الحظر اختلفوا: فى النهى الوارد بعد الوجوب، فمنهم من طَرَدَ القياس، وحكم بالإباحة؛ لأن تقدُّم الوجوب قرينة. ومنهم من حكم بأنه للتحريم، كما لو وَرَد ابتداءً، بخلاف الأمر بعد التحريم، وقال: لا تأثير للوجوب المقدَّم.
والفرق من وجهين: أحدهما: أن حمْل النهى على التحريم يقتضى الترك، وهو على وفق الأصل؛ لأن الأصل عدم الفعل، وحمْل الأمر على الوجوب يقتضى الفعل، وهو خلاف الأصل. الثانى: أن النهى لدفع المفسَدَة المتعلِّقة بالمنهى عنه، والأمر لتحصيل المصلحة المتعلِّقة بالمأمور. واعتبار الشرع بدفْع المفاسد أكثر من جلْب المصالح. وأما القائلون: إن الأمر بعد التحريم للوجوب، فلا خلاف عندهم أن النهى بعد الوجوب للتحريم [33].
فرع أصولي في الأمر بعد سؤال التعليم ومثاله الصلاة على النبي
الفرع الثانى: الأمر بماهية مخصوصة بعد سؤال تعليمه شبيه فى المعنى بالأمر بعد الاستئذان، مثاله قولهم:
"يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلى عليك ؟ فقال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد" [34].
وحينئذ فلا يستقيم ما قاله الأصحاب - يعنى الشافعية - من الاستدلال بمجرد هذا الأمر على وجوب الصلاة على النبى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فى التشهد، نعم إن ثبت إيجابه من خارج فيكون هذا الأمر للوجوب؛ لأنه بيان لكيفية واجب [35].
ما شعورك تجاه هذا الفصل؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفصل؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
ما الحكم الذي يُفيده الأمر بعد التحريم عند الإمام الرازي وأتباعه؟
الوجوب
إلى من نسب ابن برهان مذهب الإباحة في الأمر بعد التحريم؟
أكثر الفقهاء والمتكلمين
ما الدليل الذي ساقه صاحب الحاصل على أن الأمر بعد التحريم يفيد الوجوب؟
أمر الحائض بالصلاة بعد الطهارة وجوباً
ما الآية التي استدل بها أصحاب الإباحة من سورة المائدة؟
{وإذا حللتم فاصطادوا}
كيف وصف القرافي طريقته العقلية في إثبات أن الأمر بعد الحظر يفيد الإباحة؟
بميزان الوجود والعدم وتساوي الكفتين
ما موقف إمام الحرمين من مسألة الأمر بعد التحريم؟
توقف ولم يرجح
ما الفرع الفقهي الأول الذي ذكره المصنف مبنياً على قاعدة الأمر بعد التحريم؟
النظر إلى المخطوبة
ما الحكم الأصح في النظر إلى المخطوبة بناء على قاعدة الأمر بعد التحريم؟
الاستحباب
ما الوجه الأول في الفرق بين النهي بعد الوجوب والأمر بعد التحريم؟
أن حمل النهي على التحريم يقتضي الترك وهو على وفق الأصل
ما موقف القائلين بأن الأمر بعد التحريم للوجوب من النهي الوارد بعد الوجوب؟
لا خلاف عندهم أنه للتحريم
لماذا لا يُستدل بحديث 'قولوا اللهم صل على محمد' وحده على وجوب الصلاة على النبي في التشهد؟
لأنه أمر بعد سؤال تعليم فهو كالأمر بعد الاستئذان لا يفيد الوجوب بذاته
ما الآية التي استدل بها أصحاب الوجوب معارضةً لأدلة الإباحة؟
{فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين}
ما وجه الرد على دليل العرف الذي ساقه أصحاب الإباحة؟
أن العرف متعارض لأن أمر الأب لابنه في الحبس بالخروج يفيد الوجوب
ما تعريف الأمر بعد التحريم في أصول الفقه؟
هو الأمر الوارد بعد حظر سابق، وهو نسخ للتحريم بالإجماع إذا فرعنا على أن الأمر للإيجاب.
كيف عبّر الإمام الرازي عن مسألة الأمر بعد التحريم؟
عبّر عنها بـ'الأمر الوارد عقيب الحظر والاستئذان'، وانتقد القرافي هذه العبارة لذكرها الاستئذان بالسين والتاء وهو طلب الإذن وليس هناك طلب.
ما عبارة صاحب التحصيل في مسألة الأمر بعد التحريم ولماذا مدحها القرافي؟
قال: 'الأمر بعد الحظر والإذن'، ومدحها القرافي لأنها جيدة وخالية من الإشكال الذي في عبارة الإمام.
ما المذهبان في حكم الأمر بعد التحريم؟
المذهب الأول: يفيد الوجوب وهو الأصح عند الإمام الرازي وأتباعه. المذهب الثاني: يفيد الإباحة وهو منسوب للشافعي وأكثر الفقهاء والمتكلمين.
ما الحديث النبوي الذي استدل به أصحاب الإباحة من باب زيارة القبور؟
حديث 'كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها'، وهو يدل على أن الأمر بعد النهي جاء للإباحة لا للوجوب.
ما القسمان اللذان قسّم بهما القاضي عبد الوهاب الحظر؟
الأول: حظر معلق بغاية أو شرط أو علة، فالأمر بعد زواله يفيد الإباحة عند الجمهور. الثاني: حظر غير معلل بعلة عارضة، وفيه خلاف بين الإباحة والوجوب.
ما مثال الحظر المعلق بعلة عارضة الذي ذكره القاضي عبد الوهاب؟
حديث 'كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث من أجل الدافة فكلوا وادخروا'، فالنهي كان لعلة عارضة فلما زالت جاء الأمر للإباحة.
كيف فسّر القرافي الفرق بين الأمر الوارد ابتداء والأمر الوارد بعد الحظر؟
الأمر ابتداء يرجح كفة الوجود على كفة العدم المتساويتين فيحصل الوجوب، أما بعد الحظر فالحظر رجّح العدم ثم جاء الأمر ليرجح الوجود فيحصل التساوي وهو الإباحة.
ما الآية من سورة الجمعة التي استدل بها أصحاب الإباحة؟
قوله تعالى {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض}، وهي أمر بعد النهي عن البيع وقت الجمعة، وقد جاء للإباحة.
ما الآية من سورة البقرة التي استدل بها أصحاب الإباحة في باب المباشرة؟
قوله تعالى {فالآن باشروهن}، وهو أمر بعد تحريم المباشرة في الليل في رمضان، وقد جاء للإباحة.
ما الوجه الثاني في الفرق بين النهي بعد الوجوب والأمر بعد التحريم؟
أن النهي لدفع المفسدة والأمر لتحصيل المصلحة، واعتبار الشرع بدفع المفاسد أكثر من جلب المصالح، فيُحمل النهي على التحريم أولى.
ما حكم أمر الكتابة في قوله تعالى {فكاتبوهم} بناء على قاعدة الأمر بعد التحريم؟
هو أمر وارد بعد التحريم لأن الكتابة بيع مال الشخص بماله وهو ممتنع، فيُبنى حكمه على الخلاف في الأمر بعد التحريم.
متى يكون الأمر الوارد بعد سؤال التعليم دالاً على الوجوب؟
إذا ثبت الإيجاب من دليل خارجي، فيكون هذا الأمر للوجوب لأنه بيان لكيفية واجب لا لإنشاء الوجوب ابتداء.
ما الرد العقلي الذي ساقه القرافي على أدلة الإباحة المستمدة من النصوص؟
قال إن الدليل الخاص لا يُثبت حكماً عاماً، كمن يقول كل لحم حرام لأن لحم الخنزير حرام، فهذه الأدلة خاصة ولا تُعمَّم.
ما الحديث النبوي الذي استدل به أصحاب الوجوب معارضةً لأدلة الإباحة في باب الحيض؟
حديث 'فإذا أدبرت الحيضة فاغسلي عنك الدم وصلي'، وهو أمر بعد تحريم الصلاة في الحيض ويفيد الوجوب.