ما هي مقاصد الشريعة الخمسة وكيف يُرتَّب بعضها على بعض وفق المنهج الفقهي؟
مقاصد الشريعة الخمسة هي: حفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ الدين، وحفظ كرامة الإنسان، وحفظ الملك. يرى الترتيب المنطقي الجديد البدء بالنفس لأنها محل رعاية الشريعة، ثم العقل الذي هو مناط التكليف، ثم الدين، ثم الكرامة، ثم الملك. وليس ثمة إجماع على ترتيب واحد، إذ رتَّبها العلماء على أوجه متعددة.
- •
كيف توصل العلماء إلى مقاصد الشريعة الخمسة من خلال استقراء أحكام الكتاب والسنة وطرح أسئلة متسلسلة عن العلة؟
- •
مقاصد الشريعة الخمسة هي: حفظ النفس، والعقل، والدين، وكرامة الإنسان، والملك، وقد استُخرجت بالتأمل في مجمل الشريعة ونصوصها الجزئية.
- •
ليس ثمة إجماع على ترتيب المقاصد الخمسة، فقد رتَّبها الزركشي والشاطبي وغيرهم على أوجه مختلفة.
- •
الرؤية الجديدة في الترتيب تبدأ بحفظ النفس ثم العقل ثم الدين، لأن ضياع النفس يُفضي إلى ضياع كل شيء.
- •
التوسع في مفهوم الملك ليشمل الملكية الفكرية والخصوصية، وفي مفهوم الكرامة ليشمل حرية التعبير والاعتقاد، يُقرِّب هذه المقاصد من الأفهام المعاصرة.
- •
هذه المقاصد الخمسة تمثل النظام العام لكل التشريعات في العالم، وتوافق الفطرة التي فطر الله الناس عليها.
- 1
يقين راسخ بأن حضارة الإسلام هي الوحيدة القادرة على إنقاذ العالم من أزمته وهداية الإنسانية إلى بر الأمان.
- 2
المنهج يستلزم التأمل في تراث العلماء والفقهاء واستخراج ما فيه وتطويره وإعادة صياغته لخدمة البشرية.
- 3
المقاصد الشرعية مرتبطة بمفهوم المناسب في القياس، وهو ما تتلقاه العقول بالقبول لكونه موصلًا إلى مصلحة مقصودة.
- 4
العلماء يستخرجون مقاصد الشريعة بطرح أسئلة عن علة الأحكام، سواء كانت العلة منصوصة أو مستنبطة من مجمل الشريعة.
- 5
التأمل في نصوص الشريعة الجزئية يوصل إلى غايات كلية محددة تحافظ عليها الشريعة وتقدمها، وهي المقاصد الشرعية.
- 6
تحريم البيع على البيع علته رفع النزاع، وهذه العلة تُلحق بها صور أخرى كالإيجار على الإيجار لاتحاد العلة.
- 7
تحريم الخمر مرتبط بحفظ العقل مناط التكليف، والفرق بين تغييبه بالخمر وبالنوم أو التخدير الطبي هو الاختيار والاضطرار.
- 8
حكمة التكليف تشمل العبادة وعمارة الأرض وتزكية النفس، وهي غايات قرآنية يُصل إليها بمنهج الأسئلة المتتالية.
- 9
تطبيق منهج السؤال عن العلة على كل الأحكام من محرمات وواجبات يقود بالاستقراء إلى المقاصد الكلية للشريعة.
- 10
مقاصد الشريعة الخمسة هي حفظ النفس والعقل والدين والكرامة والملك، وقد استُخرجت باستقراء أحكام الكتاب والسنة والقياس.
- 11
الترتيب المشهور للمقاصد يبدأ بالدين ثم النفس ثم العقل ثم العرض ثم المال، لكن ليس ثمة إجماع عليه إذ رتَّبها العلماء على أوجه متعددة.
- 12
الجهاد لا يعني تقديم الدين على النفس لأن غايته صد العدوان لا الموت، والفرق بين الأمر بالقتل والأمر بالجهاد فرق جوهري.
- 13
الرؤية الجديدة تبدأ بحفظ النفس ثم العقل مناط التكليف ثم الدين الذي يشمل كل الأديان، وفق منطق أن ضياع النفس يُفضي إلى ضياع كل شيء.
- 14
مقصد حفظ الدين يشمل غير المسلمين بمبدأ المساواة، وكرامة الإنسان تشمل حرية التعبير والاعتقاد وحرمة التعذيب البدني والنفسي.
- 15
مفهوم الملك أوسع من المال لأنه يشمل الملكية الفكرية والخصوصية الإنسانية والأسرية، مما يجعله أدق تعبيرًا عن هذا المقصد.
- 16
التوسع في مفاهيم المقاصد الخمسة يُقرِّبها من الأفهام المعاصرة ويجعلها أداةً لإقامة النظام العام والعدل بين الناس.
- 17
مقاصد الشريعة الخمسة توافق الفطرة الإنسانية وتمثل النظام العام الذي يوافق عليه كل البشر مسلمين وغير مسلمين.
- 18
مقصد حفظ العقل يشمل وجوب التعليم على مستوى الأمة وتحريم المسكرات والمخدرات على مستوى الفرد، وكلاهما مؤكد بالنصوص القرآنية.
- 19
الفلسفات الغربية التي تبيح المخدرات والإجهاض والشذوذ تحمل ما ينقضها، والكل متفق على أن المخدرات بلاء يضيع العقل والنفس.
- 20
خلاصة الرؤية تجمع بين ترتيب المقاصد وتوسيع مفاهيمها وتفعيلها نظامًا عامًا، مع التمييز بين دين الإسلام وحضارته التي قبلها غير المسلمين.
هل حضارة الإسلام قادرة على إنقاذ العالم المعاصر من أزمته؟
نعم، ثمة يقين بأن للمسلمين حضارة قادرة على أن تعطي الجديد للعالم، وأنها الحضارة الوحيدة المؤهلة لإنقاذ العالم من كبوته وهداية الإنسانية من حيرتها. وذلك في مقابل الحضارة الغربية العابثة التي تتأرجح بين التردي والسقوط.
ما المنهج المتبع في التعامل مع تراث العلماء والفقهاء وتطويره لخدمة البشرية؟
المنهج يقوم على التأمل في كلام المسلمين على مستوى مفكريهم وعلمائهم وفقهائهم وأصوليهم ومفسريهم، ثم استخراج ما فيه وإضافة الجديد إليه وتطويره وإعادة صياغته وعرضه على العالمين. وهذا ما تحتمه العقيدة الراسخة في القلوب.
ما تعريف المقاصد الشرعية وما علاقتها بالمناسب في باب القياس من أصول الفقه؟
المقاصد الشرعية هي الغايات التي تسعى الشريعة إلى تحقيقها، وقد ذكرها الأصوليون في سياق حديثهم عن المناسب في باب القياس من أصول الفقه. والمناسب هو ما لو عُرض على العقول تلقته بالقبول، أي أن الحكم يكون موصلًا إلى مصلحة مقصودة عقلًا.
كيف يستخرج العلماء العلل والمقاصد العامة من الأحكام الشرعية الواردة في الكتاب والسنة؟
يُستخرج ذلك بطرح أسئلة باحثة عن العلة من إعطاء الحكم لأصله، مما يوصل إلى غايات يمكن تسميتها مقاصد عامة للشرع. وهذه العلة قد تكون منصوصًا عليها في الكتاب أو السنة، وقد تكون مستنبطة فهمها العلماء من مجمل الشريعة والتأمل في النصوص.
كيف يُوصل التأمل في نصوص الشريعة الجزئية إلى المقاصد الكلية؟
من خلال التأمل في كل الشريعة ونصوصها الجزئية يمكن الوصول إلى غايات محددة، إذ رأى العلماء أن الشريعة في مجملها تحافظ على تلك الغايات وتهتم بها وتقدمها على ما سواها. وهذه الغايات هي ما أسماه العلماء فيما بعد بالمقاصد الشرعية.
ما العلة من تحريم البيع على البيع والخطبة على الخطبة وكيف تُطبَّق على صور أخرى غير منصوص عليها؟
العلة من تحريم البيع على البيع والخطبة على الخطبة هي رفع النزاع والخصام بين الناس. وبناءً على اتحاد العلة تأخذ الصور الأخرى غير المنصوص عليها كالإيجار على الإيجار نفس الحكم المنصوص عليه. وهذا يوضح أن ثمة أصلًا وعلةً وحكمًا، والعلة تُستخرج بسؤال: لماذا شرع الله هذا؟
لماذا حرَّم الله الخمر وما الفرق بين تغييب العقل بالخمر وتغييبه بالنوم أو التخدير الطبي؟
حرَّم الله الخمر لأنها مسكرة تُذهب العقل، والعقل هو مناط التكليف، فمنع الشرع أن يُغيَّب العقل من غير ضرورة. أما النوم فمرده إلى الاحتياج والضعف الذي خلق الله الإنسان عليه، والتخدير الطبي اضطرار، لكن الله حرَّم على الإنسان أن يتعمد إفساد عقله متجانفًا للإثم.
ما حكمة تكليف الله للإنسان وما الغايات التي خلقه من أجلها؟
خلق الله الإنسان لحكم منها العبادة كما في قوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، ومنها عمارة الأرض: (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها)، ومنها تزكية الأنفس: (قد أفلح من زكاها). وعن طريق الأسئلة المتتالية يُصل إلى العقيدة الثابتة الراسخة.
كيف يُطبَّق منهج السؤال عن العلة على سائر الأحكام الشرعية للوصول إلى المقاصد؟
يسأل الفقيه في كل باب وعند كل حكم: لم حرَّم الله السرقة؟ لم حرَّم القتل؟ لم حرَّم الزنا؟ لم أوجب الصلاة؟ لم أوجب الزكاة؟ وهكذا في كل المحرمات والواجبات. وبهذا الاستقراء الشامل يجد الفقيه إجابات تقوده إلى المقاصد الكلية للشريعة.
ما هي مقاصد الشريعة الخمسة التي توصل إليها العلماء بالاستقراء الفقهي؟
مقاصد الشريعة الخمسة هي: أولًا الحفاظ على النفس، ثانيًا الحفاظ على العقل، ثالثًا الحفاظ على الدين، رابعًا الحفاظ على العرض أو كرامة الإنسان، خامسًا الحفاظ على الملك أو المال. وقد توصل إليها العلماء باستقراء وتتبع أحكام الشريعة في فروعها الفقهية الواردة في الكتاب والسنة والقياس.
ما الترتيب المشهور لمقاصد الشريعة الخمسة وهل ثمة إجماع عليه بين العلماء؟
الترتيب المشهور الذي ذكره الشاطبي وكثير ممن بعده هو: الدين فالنفس فالعقل فالعرض فالمال. وسبب تقديم الدين أن الجهاد ذروة سنام الدين وقد يُقتل فيه المجاهد. غير أنه ليس ثمة إجماع على هذا الترتيب، فقد رتَّبها الزركشي وغيره على أوجه مختلفة، وإنما ثمة شيوع في الكتب لهذا الترتيب الأول.
هل يعني الأمر بالجهاد تقديم الدين على النفس في مقاصد الشريعة وما الفرق بين الأمر بالقتل والأمر بالجهاد؟
الشرع أمر بالقتال ولم يأمر بقتل الأنفس، والفرق بينهما كبير؛ فغاية الجهاد صد العدوان ورفع الطغيان لا أن يموت المجاهد. ويدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أغار على بني المصطلق وهم غارون من أجل حقن الدماء وكسر شوكة العدو دون خسائر. فالقتل ليس هو الحتم المطلوب، والفرق بين الأمر بالقتل والأمر بفعل شيء قد يتعرض فيه المرء للقتل فرق جوهري.
ما الرؤية الجديدة في ترتيب مقاصد الشريعة الخمسة ولماذا يُبدأ بحفظ النفس ثم العقل ثم الدين؟
الرؤية الجديدة ترى البدء بحفظ النفس لأن الإنسان هو محل رعاية الشريعة، وإذا ضاعت النفس ضاع معها الدين والعقل وكل شيء. ثم يأتي حفظ العقل في المرتبة الثانية لأنه مناط التكليف، ثم الدين الذي يشمل منع الكفر بالله ومخالفة مراده، وبذلك يشمل حفظ الدين كل الأديان لا الإسلام وحده.
كيف يشمل مقصد حفظ الدين غير المسلمين وما الذي تتضمنه كرامة الإنسان من حريات؟
عاش المسلمون مع غيرهم من أهل الأديان الأخرى بمبدأ: لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وأكد النبي صلى الله عليه وسلم حماية المعاهد من الظلم والانتقاص. وكرامة الإنسان تشمل حرمة تعذيب الجسد، وحرية التعبير والرأي والعمل والانتقال والاعتقاد، وتشمل العرض والنسل وفوق ذلك معنى جليلًا أكدته الشريعة في نصوصها.
لماذا يُفضَّل التعبير بحفظ الملك على حفظ المال وما الذي يشمله مفهوم الملك؟
التعبير بالملك أفضل لأن مفهومه أوسع من المال؛ إذ يشمل الملكية الفكرية والخصوصية الإنسانية والأسرية وغيرها من الأشياء التي لا تدخل في مفهوم المال. واحترام الملك بهذا المعنى الواسع يُغطي جوانب حديثة لم تكن مصطلح المال يستوعبها.
كيف يُسهم التوسع في مفاهيم المقاصد الشرعية في إقامة النظام العام والعدل بين الناس؟
التوسع في معنى العرض والدين والمال قرَّب للأفهام في العصر الحديث كيف تمثل هذه المقاصد الخمسة الإسلام. وهذه المقاصد بترتيبها الجديد تقيم النظام العام في البلاد وتقيم العدل بين العباد، وإن كان هذا الترتيب لم يحافظ على الترتيب المألوف بين الدارسين.
كيف تتوافق مقاصد الشريعة الخمسة مع النظام العام والآداب على مستوى العالم؟
هذه المقاصد توافق الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فحفظ النفس موجود في كل قوانين العالم ويوافق عليه المسلم وغير المسلم. وسر هذه الموافقة أن الإسلام اختاره الله للعالمين فهو دين ودولة له حضارة ونظام عام يوافق عليه كل البشر.
كيف يتجلى مقصد حفظ العقل على مستوى الأمة والفرد في الشريعة الإسلامية؟
حفظ العقل على مستوى الأمة يكون بوجوب التعليم والمشاركة وبناء الحضارة، وعلى مستوى الفرد بتحريم الخمور والمخدرات لما فيها من اعتداء على المخ والعقل. وقد أكد القرآن الكريم أهمية العلم في آيات عدة منها: (وفوق كل ذي علم عليم) و(اقرأ باسم ربك الذي خلق).
ما موقف الإسلام من الفلسفات الغربية التي تبيح المخدرات والإجهاض والشذوذ الجنسي؟
هذه الفلسفات تحمل بين طياتها ما ينقضها؛ فمن يبيح المخدرات في هولندا وغيرها يفعل ذلك أملًا في أن يزهد الناس فيها لا رغبةً في نشرها، والكل متفق على أنها بلاء تضيع العقل والنفس وتسبب الانتحار والإدمان. وكذلك دعاوى الإجهاض والشذوذ والتساوي المطلق كلها كلام يحمل ما ينقضه.
ما خلاصة الرؤية في ترتيب المقاصد الشرعية وتفعيلها وما الفرق بين دين الإسلام وحضارته؟
الرؤية تتناول المقاصد من ناحية ترتيبها ومفهومها وتفعيلها باعتبارها النظام العام. وثمة فرق مهم بين دين الإسلام وحضارة الإسلام؛ فحضارة الإسلام قُبلت من غير المسلمين وهم على أديانهم وعاشوا في ظلالها آمنين. وكل ذلك يخدمه ترتيب المقاصد مع توسيع مفاهيمها.
مقاصد الشريعة الخمسة تمثل النظام العام لكل التشريعات الإنسانية وتوافق الفطرة التي فطر الله الناس عليها.
مقاصد الشريعة الخمسة هي حفظ النفس والعقل والدين وكرامة الإنسان والملك، وقد توصل إليها العلماء باستقراء أحكام الكتاب والسنة وطرح أسئلة متسلسلة عن العلة من كل حكم. والترتيب المنطقي يبدأ بالنفس لأنها محل رعاية الشريعة، ثم العقل الذي هو مناط التكليف، ثم الدين، ثم الكرامة، ثم الملك.
التوسع في مفهوم كل مقصد يجعله أكثر استيعابًا للواقع المعاصر؛ فالكرامة تشمل حرية التعبير والاعتقاد والانتقال، والملك يشمل الملكية الفكرية والخصوصية الأسرية، والدين يشمل حماية كل الأديان لا الإسلام وحده. وبهذا التوسع والترتيب تُقيم هذه المقاصد النظام العام وتحقق العدل بين العباد في كل زمان ومكان.
أبرز ما تستفيد منه
- مقاصد الشريعة الخمسة مستخرجة بالاستقراء الفقهي لنصوص الكتاب والسنة.
- ليس ثمة إجماع على ترتيب المقاصد الخمسة بين العلماء.
- الترتيب المنطقي يبدأ بحفظ النفس ثم العقل ثم الدين ثم الكرامة ثم الملك.
- هذه المقاصد توافق الفطرة وتمثل النظام العام لكل تشريعات العالم.
- التوسع في مفاهيم المقاصد يجعلها تشمل حقوق الإنسان والحريات المعاصرة.
الإيمان بقدرة حضارة الإسلام على إنقاذ العالم المعاصر
من مبادئنا: أن نربط بين ما توصل إليه المُسلمون من نظريات ومن أدوات للإصلاح على أيدي عُلَمَـائِـهِم وأَعْلَامِـهِم، وبين حاضر العالم المتأرجِحِ بين التَّـرَدِّي والسقوط على أيدي الحضارة الغربية العابثة؛ لأنَّنا على يقينٍ أنَّ للمُسلمين حضارةً قادرةً على أن تُعْطِيَ الجديد للعالم، وأنَّها هي الحضارة الوحيدة الـمُؤَهَّلَةُ لِأَنْ تُـنْـقِذَ العالم من كَبْوَتـِـهِ، وأن تَـهْدِيَ الإنسانية من حيرتها، وتُخرِجها من شقوتها، حتى تصل بها إلى بـرِّ الأمان والسلام.
منهج التأمل في تراث العلماء وتطويره لخدمة البشرية
وَهَذِهِ العقيدة التي في قُـلُوبنا تُحَتِّمُ علينا أن نتأمل في كلام الْمُسْلِمِينَ على مستوى مُفكِّرِيهم وعُلمائِـهِم وفُـقَهائِـهِم وأُصُولـِـيِّيهِم ومُـفَسِّرِيـهِم، وأن نستخرج منها، وأن نُضيف إليها، وأن نقوم بتطويرها وبإعادة صياغتها وعرضِهَا على العالمين.
تعريف المقاصد الشرعية وعلاقتها بالمناسب في القياس
هذا مبدأٌ من مبادئنا في قضيةٍ مُهِمَّة وهي: قضية «الْمَـقَاصِد الشَّـرْعـِيَّـة»، تلك التي ذكرها الأُصُولـِيُّـون وهُمْ يتكلمون عن المُناسِـبِ [1] في باب «القياس» من أصول الفِقْه.
استخراج العلل والمقاصد العامة من الأحكام الشرعية
فإذا كان هُناك «أصلٌ» وارِدٌ في الشريعة بنصٍّ في الكِتابِ أو السُّنَّـة، فإنَّه يُمْكِنُ لنا عن طريق طرح الأسئلة الباحثة عن العِلَّةِ من إعطاء هذا «الحكم» لهذا «الأصل» -أن نَصِلَ إلى عددٍ من الغاياتِ، نستطيع أن نَقُولَ: إنَّها مَـقَاصِدُ عَامَّةٌ للشرع الشريف. هكذا فعل العلماء حتى وصلوا إلى هذه المقاصد الشرعية الخمسة، وهذهِ العِلَّة قد تَـكُونُ منصوصًا عليها في الكِتابِ أو في السُّنَّـة، وقد تَـكُونُ غيرَ منصوصٍ عليها، وإنَّما تكون مستنبطةً، فَهِمَهَا العُلماء مِن مُجمل الشريعةِ، ومن التأمل والتَّدبُّر في ذلك النَّصِّ وغيره.
استقراء نصوص الشريعة للوصول إلى المقاصد الكلية
ومِن خـلال التَّـأَمُّـل في كل الشـريعة ونصوصها الجزئية يُمْكِنُ أن نصـل إلى غاياتٍ محدَّدَةٍ، فلقد رأى العلماء أنَّ الشريعة في مجملها تحافظ على تلك الغايات، وتهتم بها، وتقدمها على ما سواها، تلك التي أَسْمَوْهَا فيما بعد بـ «الْمَـقَاصِدِ الشَّرْعِيَّـةِ». وبالمثال يَـتَّـضِحُ المقال:
مثال بيعي لشرح العلة والأصل والحكم في القياس
- •مثال أول:
فلو تأملنا مثلًا في الحديث الذي رواه أَبـُو هُرَيْرَةَ ر قَالَ:
«نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَـخْطُبُ عَلَى خِطْـبَـةِ أَخِيهِ، وَلَا تَسْأَلُ الْمَـرْأَةُ طَـلَاقَ أُخْتِهَا لِتَـكْفَأَ مَا فِي إِنَائِهَا» [2].
وهذا حُكْمٌ ثابتٌ بالنَّص، وحين نسأل السؤال الأول: لِـمَ أُعطيَ هذا الأصل هذا الـحُكم؟ فإنَّنا نصل من خلال التفكير في عِلَّةِ ذلك -يعني الإجابة على سُؤال: لماذا كان البيع على البيع، والخِطبة على الخِطبة ممنُوعًا وحرامًا؟- نصل إلى أنَّ ذلك مِنْ بابِ رَفْعِ النِّـزَاعِ والـخِصَام بين النَّاس، وتكون هذهِ عِلَّـةً للحكم؛ بحيث لو تَوَفَّرَتْ في صُورَةٍ أخرى لم يُنَصَّ عليها في الشرع -مِثل الإيجار على الإيجار- أخذت نفس الحكم الأول المنصوص عليه؛ وذلك لاتحاد العِلَّةِ.
إذن، فهُناك ما يُسَمَّى بالأصل، وهُناك ما يُسَمَّى بالعِلَّة، وهُناك ما يُسَمَّى بِحُكْمِ ذلك الأصل، والعِلَّة ناتِجة مِن أنَّنِي أسأل: لماذا شرع اللهُ هذا؟
مثال تحريم الخمر ومنهج الأسئلة المتسلسلة على العلة
مثال ثانٍ:
الخمر حُكْمُها الحُرْمَة، وحين نسأل: لِـمَ حرَّم اللهُ -سُبْحَانَـهُ وتعالى- الخمر؟ فهذا هو السُّؤال الأول: لِـمَ؟ يُجِيبُ الفقهاء بأنَّها مُسْكِرَة.
فنسأل سُؤالًا ثانيًا: ولـِـمَ حرم الله الْمُسْكِر؟ والإجابة: لأنَّـهُ يُذهِبُ العقل.
فنسأل ثالثًا: ولـِـمَ جعل الله ذهاب العقل مُحَرَّمًا؟ ما الذي يمكن أن يحدث إذا غاب العقل؟ فغياب العقل أمرٌ متكرر يحدث لكل النَّاس كل يوم! حيث ينام الناس. وقد يتعرض الإنسان لأخذ «الْبَـنْج» [3] المسكِر على يد الطبيب في العمليَّات الجراحية، فلِمَ حَرَّمَ الشَّرْعُ تناول الخمر ومعاقرتها؟! فتأتي الإجابة: بأنَّ الله -سُبْحَانَـهُ وتَعَالَـى- كلَّـفَنَا، وجعل العقل مناط التَّـكليف؛ ومن أجل ذلك منع الشرعُ أن نُغَـيِّب هذا العقل من غير ضرورة. أما في حالة العملية الجراحية فهذا اضطرار، وكذلك النَّوْمُ مَـرَدُّهُ إلى الاحتياج والضعف الذِّي خلق الله الإنسان عليه، ولكن الله حَرَّمَ على الإنسان أن يَتَعَمَّدَ إفساد عقله متجانفًا للإثم.
من علة التكليف إلى العبادة وعمارة الأرض وتزكية النفس
وبعد هذا تأتي أسئلة أخرى عن عِلَّةِ التكليف، فلِمَ كَـلَّـفَنِي الله سُبحانهُ وتعالى؟ والجواب: لأنَّ الله لم يخلقنا عبثًا ولم يتركنا سدًى؛ فقد خلقنا -تعالى- لِـحِكَمٍ، منها: العبادة، كما في قوله تعالى:
(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)[الذاريات: 56]
، ومنها: عمارة الأرض:
(هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) [هود: من الآية 61]
، ومنها: تزكية الأنفسِ:
(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) [الشمس: 9، 10].
وعن طريق الأسئلة المُتتالية نصل إلى العقيدة الثابتة الراسخة، فالأسئلة المُتتالية كانت منهجًا وصلوا بِهِ إلى المقاصِد كما وصلوا به إلى العقائد.
تعميم منهج السؤال على الأحكام للوصول إلى المقاصد
وليس ما ذكرنا إلَّا مثالًا، وكما قِيل: «الرِّجَالُ لا تقف عند المثال». فلو أخذنا كُلَّ آيةٍ وكُل حُكْمٍ وبحثنا فيه؛ لوجدنا أنَّ هُناك أمرًا مُنَاسِبًا من أجله شُرع الحُكم.
وهذه الأسئلة التي ذكرنا طرفًا منها في بعض الأحكام كمثال، يسألها الفقيه في كل باب وعند كل حكم؛ فوجدنا ونحنُ نسأل هذِهِ الأسئلة المُتتالية في كُل حُكم: لِـمَ حرم الله السَّرِقة؟ لِـمَ حرم الله القتل؟ لِـمَ حرم الله شُرب الخمر؟ لِـمَ حرم الله الزِّنا؟ لِـمَ حرَّم الله الرِّبا؟ لِـمَ حرَّم الله كذا وكذا... في كُل شيء من المُحرمات، وكذلك في الواجبات: لِـمَ أوجب الله الصلاة؟ لِـمَ أوجب الله الزَّكاة؟ وهكذا، نجد إجابة على هذِهِ الأسئلة المُتتالية.
من الاستقراء الفقهي إلى تحديد مقاصد الشريعة الخمسة
وبهذا الاستقراء والتَّـتَـبُّع لأحكام الشريعة في فروعها الفقهية التي وردت أحكامُها في الكِتَابِ وفي السُّنَّة؛ بل والتي وردت أيضًا عن طريق القياس بإلحاق الشبيه إلى شبيهِهِ، والنظيرِ إلى نظيره، بعدما فعلنا هذا وجدنا أنفُسَنا أمام ما أسماه العُلماء بـ «مَقَاصِد الشَّرِيعَة الْخَمْسَة»، وهـِيَ:
أولًا: «الْحِفَاظُ عَلَى النَّـفْسِ»، ثانيًا: «الْحِفَاظُ عَلَى الْعَقْلِ»، ثالثًا: «الْحِفَاظُ عَلَى الدِّينِ»، رابعًا: «الْحِفَاظُ عَلَى الْعِرْضِ»، وفي بعض الأحيان يُعبِّـرون عنه بالنَّسل بدلًا من العِرْضِ، وأنا أُعبر عنه باللُّغة الحديثة التي تُوافق الأدبيَّات الحديثة، حيث تسميه: «كرامة الإنسان»؛ لأنَّ العِرْضَ هو مفهوم كرامة الإنسان في اصطلاحهم وتعريفهم؛ خامسًا: «الْحِفَاظُ عَلَى المِـلْكِ»، وبعضُهُم يقُول: الحِفاظ على المال، والخلاف لفظي؛ لأنَّ عَلَاقة الإنسان مع المال هِيَ عَلَاقة الملكية.
إذن، خمسة أُمور هِيَ مقاصِدُ عُلْيَا للشريعة.
الترتيب المشهور للمقاصد ومناقشة دعوى الإجماع عليه
التَّـرْتِيبُ بَيْـنَ مَـقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ هناك ترتيبٌ مشهورٌ لمقاصد الشريعة الخمسة، ذكره الشَّاطِـبِيُّ [4] ومَنْ قبلَـهُ، وذكره كثيرٌ ممن بعدَهُ يـُرتِّب هَذِهِ الخمسة على هذا النحو المشهور: «الدِّين، فالنَّـفس، فالعقل، فالعِرْض، فالمال أو المِلك». ونجد أنَّهم قدَّموا الدِّين؛ والسبب الذي دعاهم إلى ذلك هو أنَّ الجهادَ هو ذِرْوَةُ سَنَامِ هذا الدِّين، والمجاهد ربما يُقْتَل، ومعنى هذا أنَّه قدَّم الدِّينَ على النَّـفس.
بعضُ العُلماء المُعاصرين من أساتِذتِنا يُورِدُ الإجماعَ على هذا التَّرتيب، ونحنُ نُؤكِّد أنَّه ليس هُناك أيُّ إجماع على هذا التَّرتيب، فإنَّ الزَّرْكَشِيَّ -مثلًا- قد رتب هذِهِ المقاصد الخمسة ترتيبًا آخر، ورتَّبها غير الزَّرْكَشِيِّ ترتيبًا ثالثًا، ورتبها غير هؤلاء ترتيبًا رابعًا... وهكذا. فليس هُناك إجماع على ترتيب معين، إلَّا أنَّ هُناك شُيُوعًا موجُودًا في الكُتُب على هذا التَّرتيب الأول؛ لوجهة نظرٍ ذكرها الإمام الشَّاطِبِيُّ في «الموافقات»، ومؤدَّاها: أنَّ الجِهاد يجعل الدِّين مُقدَّمًا على النَّفس.
التمييز بين مقصد الجهاد والقتل في فهم ترتيب المقاصد
والإجابة على ذلك: أنَّ الشَّرْعَ أمرنا بالقتالِ ولم يأمرنا بقتلِ أنْفُسِنَا، والفرق بين الاثنين كبير؛ فالشرع حين أمرنا بالجهاد جعل الغاية منه أن نَصُدَّ العُدوان، وأن نرفع الطُّغْيَان، وليس القصد منه أن يموت المجاهد في سبيل الله، مع أنَّه قد يستشهَد، وفي الحديث ما يُؤَيـِّدُ هذه الوجهة التي نقول، فقد روى الْبُخَارِيُّ:
«أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم أَغَارَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَـلِـقِ وَهُمْ غَارُّونَ وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى الْمَاءِ؛ فَـقَتَـلَ مُـقَاتِلَـتَـهُمْ، وَسَبَى ذَرَارِيَّهـُمْ، وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَةَ» [5], كلاهما من حديث عبد الله بن عمر}؛ أي: هجم عليهم في حينِ غفلتهم؛ من أجل حقن الدِّماء، ومن أجل ألَّا يَقتُـلَ أحدًا، وإنما يُريدُ صلى الله عليه وآله وسلم أن يَكْسِرَ شوكةَ هذا العدو، ويريد النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم أن يُحَقِّقَ ذلك دونِ أي خسائِر، وأن يصل إلى هذا الهدف السامي الشريف بطريقةٍ بيضاء، وليس بطريقةٍ حمراء.
ونخلص مما ذكرناه إلى أنَّ القتل ليس هُوَ الْحَتْم والمطلُوب، لكن المأمور به هو الجهاد حتى لو تعرَّضت للقتل، وهُناك فرق بين الأمر بالقتل والأمر بفعلِ شيءٍ أتعرض فيه للقتل.
الرؤية الجديدة لتقديم حفظ النفس ثم العقل ثم الدين
رُؤْيَةٌ جَدِيدَةٌ لِلتَّـرْتِيبِ
أنا أرى أن نبدأ ترتيبًا منطقيًّا نرى فيه أنَّه إذا كان هذا الإنسانُ هُوَ مَحَلَّ رِعَايـَـةِ الشريعة التي أتـَتْ بتلك المقاصِد؛ فإنَّ أول شيءٍ يجب علينا أن نُحافظ عليه هو النَّـفْس، فإنَّه إذا ضاعت النَّـفْسُ ضاع معها الدينُ والعقلُ وكلُّ شيءٍ، ثم يأتي الحفاظ على العقل الذي هو مناط التكليف في المرتبة الثانية؛ فلا بُد أن نبدأ في المقاصِد بالنَّفس، ثُمَّ بعد حفظِ النَّفس نُحافِظُ على العقل القائم فيها؛ حتى يكون ذلك العقل مناطًا للتكليف، ويأتي بعد ذلك: الحفاظ على الدِّين، والحِفاظ على الدِّينِ -حينئذٍ- معناه: منع الكُفر بالله، ومنع مُخالفة مُراد الله في كونـِه؛ وبذلك فإنَّ الدِّين المراد حفظه لن يكون الإسلام وحده؛ بل سيشمل كل الأديان.
حفظ الدين لغير المسلمين ومقصد كرامة الإنسان وحرياته
ولـِذلك عاش المسلمون في كل المجتمعات مع غيـرهم من أهـل الأديان الأخرى، وتعاملوا معهم بالمبدأ العام: «لهم ما لنا، وعليهم ما علينا» [6]. وهذا مبدأ له من واقع المسلمين ما يدُلُّ عليه، وله من النُّصُوص ما يُؤَيده، منها: قوله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث أبِـي دَاوُد:
«أَلَا مَنْ ظَـلَمَ مُعَاهِدًا أَوِ انْتَــقَصَهُ أَوْ كَـلَّـفَـهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ أَوْ أَخَذَ مِنْـهُ شَيْئًا بِغَيْـرِ طِيبِ نَفْسٍ فَـأَنـَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَـةِ» [7].
ورابِعًا: يأتي الحفاظ على كرامة الإنسان، والتي نُعبِّـر عنها بهذا التَّعبير حتى تشمل حُرْمة تعذيب الجسد، حتى وإن كان هذا من قبيل العُدوان من الحُكُومات التي تعتقل المواطنين وتُعذِّب أجسادهم، مُخالِفةً بذلك القوانين الإقليمية والعالمية، وحقوق الإنسان، ومبادئ العدالة الأولية... إلخ، فكرامة الإنسان مَصُونة، ويجب أن تصان من هذا التَّعذيب، سواء كان بدنيًّا أو نفسيًّا أو معنويًّا... إلخ، فلا يجوز أبدًا المساس بكرامة الإنسان في حُرِّيةِ تعبيرِهِ، أو في حُرِّيـةِ آرائِـهِ، أو في حُرِّيةِ عملِهِ، أو في حُرِّيـةِ انتقالِهِ، أو في حُرِّيةِ اعتقادِهِ... إلخ، فكرامة الإنسان كلمة تشمل العِرْض، وتشمل النَّسْل، وتشمل فوق ذلك معنًى جليلًا قد أكدتهُ الشريعة في نُصُوصِهَا.
مقصد حفظ الملك وتوسيع معناه ليشمل الملكية والخصوصية
خامِسًا: يأتي حفظ المال، أو حفظ المِلْك، والتعبير بالمِـلْك أفضل عِنـدِي؛ لأنَّ مفهُومَـهُ أوسع من المال، فاحترام المِلْك يشمل الملكية الفكرية، ويشمل الخُصُوصية الإنسانيــة والأُســريــة. كُــلُّ هـذِهِ الأشــياء وغيــرها تدخــل في مفهوم المِلْك، ولكنها لا تدخل في مفهوم المال.
أثر إعادة تعريف المقاصد في إقامة النظام العام والعدل
نرى أنَّ هـذا التوسع الذي ذكرناه في معنى كلٍّ من: الْعِرْض، والدِّين، والمال؛ قد قَــرَّبَ للأفهام والأذهان في العصر الحديث كيف أنَّ هذِهِ المقاصِد الخمسة تُمثِّـلُ الإسلام.
وكما نرى أيضًا أنَّ المقاصِد بهذا التَّـرتِـيبِ الذي قَدَّمْنَــاهُ -وإن كنَّـا لم نحافــظ فيه على الترتيب المألوف بين الدَّارســين- تقيم النِّـظام العام في البِلَاد، وتقيم العدل بين العِبَـاد.
توافق المقاصد مع النظام العام والآداب على مستوى العالم
وبهذين الأمرين اللذين ذكرناهما -هذا الترتيب وذاك التوسع- أصبح يسيرًا على العالَـمِين أن يدركوا أنَّ الإسلام يُوافِقُ النِّـظامَ العام والآداب. فهذا النِّظام العام وهذه الآداب ينشدها كل الناس، ولم يختلف عليها أحدٌ؛ فالحِفاظ على النَّـفس موجودٌ في كُـلِّ القوانين في كُلِّ العالم، يُوافق عليه المسلم وغير المسلم، داخل المجتمع المسلم والمجتمع غير المسلم، وذلك كله مُنْطَلِقٌ من الفطرة التي فطر اللهُ النَّاسَ عليها؛ ومن هنا تعرف سر موافقتها للإسلام الذي اختاره الله للعالمين، فهو دين ودولة، له حضارة، وله نِظامٌ عام، هو ذاته النِّظام العام الذي يُوافق عليه كُلُّ البشر.
حفظ العقل بالتعليم ومنع المسكرات كمقصد شرعي عالمي
وحفظ العقل يكون على مُستوى الأُمَّة من وجُوب التَّعليم، ووجوب المُشاركة، ووجُوب بِناء الحضارة، وحِفظ العقل يكون كذلك على مستوى الفرد؛ ولذلك حرَّم الشرعُ الخمورَ والمخدراتِ؛ لما فيها من اعتداء على ذات المخ والعقل، وأيضًا العقل الذي هو بمعنى التَّعليم؛ ولذلك كان السلف الصالح يقولون: «ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي» [8]، والله تعالى يقول:
( وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيم)[يوسف: من الآية 76]
،
(وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ) [البقرة: من الآية 282]
،
(وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) [طه: من الآية 114]
، وأَوَّلُ آيةٍ نزلت:
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) [العلق: 1].
هذه المقاصد الخمسة لم يحدُث إلى الآن في العالم كُلِّـهِ أنَّ نِظامًا استباح -من ناحيـةِ كـونـِـهِ نِظـامًا- أيَّ شيءٍ مــن هــذِهِ الخمســة، وما زالت هــذِهِ الخمســة تُمثِّـــلُ -فعلًا- النِّظام العام لِكُلِّ التَّشريعات التي في الدُّنيا.
نقد فلسفات غربية تبيح المخدرات والإجهاض والشذوذ
فَلْسَفَاتٌ غَيْـرُ إِسْـلَامِيَّـةٍ
نرى اليوم في الغرب صُورًا غريبةً عجيبةً، وانحرافاتٍ جدليَّـةً تُبيح المُخدِّرات؛ لكنها لا تبيحها رغبةً في نشرها، وإنَّما أملًا في أن يزهد الناس فيها، بحجة أنَّ الممنوع دائمًا مرغوب، كما في هُولَنْدَا وغيرها من دول الغرب؛ فالهدف من هذا أيضًا هو المنع لكنهم يجربون ذلك بطريقة أخرى يحسبونها أهون وأيسر، ولم يوجد في العالمين حتى الآن نظامٌ يبيح هذه المُخدرات؛ بل الكل يتفق على أنَّها مِنَ البلاء، وأنَّها تُضيع العقل، وأنَّها تُضيع النَّفس، وأنَّها تُضيع الحياة، وأنَّها في النهاية تُسَبِّبُ الانتحار والإدمان الذي يُحطم الإنسان. كُلُّ هذا مُـتَّـفَقٌ عليه، لكنهم يحسبون أنَّ نشرها داعٍ إلى أن يزهد الناس فيها؛ لأنَّ كُلَّ ممنوع مرغُوب؛ فهي فقط فلسفة وراء الأمر، لكن ما زال الأمر ممنوعًا عند الجميع.
كذلك ما يُقال هُنا يُقال في دعاوي الإجهاض، ودعاوي الشُّذوذ الجنسي، ودعاوي التَّساوي المُطلق... وهكذا، فكله كلام يحمِلُ بين طياته ما ينقُضُهُ، وما يَكِرُّ عليه بالبُطْـلَان.
خاتمة في تفعيل المقاصد والتمييز بين دين الإسلام وحضارته
هذه هي وجهة نظرنا في المقاصِد الشرعية العُليا من ناحية ترتيبها، ومن ناحية مفهومها، ومن ناحية تفعيلها باعتبارها النِّـظَام العام. وثَمَّ ناحيةٌ أخرى يطُول الكلامُ فيها، وهي: الفرق بين دين الإسلام وبين حضارة الإسلام؛ فإنَّ حضارة الإسلام قد قُبِلَت من غير المسلمين وهُم على أديانِهِم، وعاشوا في ظلالها الوارفة آمنين، وكُلُّ ذلك يخدمُهُ ترتيب المقاصِد مع توسيعِ مفاهيمها.
ما شعورك تجاه هذا الفصل؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفصل؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
ما الطريقة التي توصل بها العلماء إلى مقاصد الشريعة الخمسة؟
استقراء أحكام الكتاب والسنة وطرح أسئلة متسلسلة عن العلة
ما الترتيب المشهور لمقاصد الشريعة الخمسة الذي ذكره الشاطبي؟
الدين فالنفس فالعقل فالعرض فالمال
هل ثمة إجماع بين العلماء على ترتيب مقاصد الشريعة الخمسة؟
لا، فقد رتَّبها الزركشي وغيره على أوجه مختلفة
ما العلة من تحريم البيع على البيع والخطبة على الخطبة؟
رفع النزاع والخصام بين الناس
لماذا حرَّم الشرع تناول الخمر دون أن يحرم النوم رغم أن كليهما يُغيِّب العقل؟
لأن النوم مرده إلى الاحتياج والضعف الذي خلق الله الإنسان عليه وليس تعمدًا لإفساد العقل
ما الرؤية الجديدة في ترتيب مقاصد الشريعة الخمسة؟
البدء بالنفس ثم العقل ثم الدين ثم الكرامة ثم الملك
ما الفرق الجوهري بين الأمر بالجهاد والأمر بقتل النفس؟
الجهاد غايته صد العدوان ورفع الطغيان لا أن يموت المجاهد
لماذا يُفضَّل التعبير بحفظ الملك على حفظ المال في مقاصد الشريعة؟
لأن مفهوم الملك أوسع ويشمل الملكية الفكرية والخصوصية الإنسانية
ما المبدأ الذي تعامل به المسلمون مع غيرهم من أهل الأديان الأخرى؟
لهم ما لنا وعليهم ما علينا
ما الذي تشمله كرامة الإنسان بوصفها مقصدًا شرعيًا؟
العرض والنسل وحرية التعبير والرأي والعمل والانتقال والاعتقاد
كيف يتجلى مقصد حفظ العقل على مستوى الأمة؟
بوجوب التعليم والمشاركة وبناء الحضارة
ما الحكمة من إغارة النبي صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق وهم غارون؟
حقن الدماء وكسر شوكة العدو دون خسائر
ما الغايات الثلاث التي خلق الله الإنسان من أجلها وفق الآيات القرآنية المذكورة؟
العبادة وعمارة الأرض وتزكية النفس
ما الفرق بين دين الإسلام وحضارة الإسلام وفق الخاتمة؟
حضارة الإسلام قُبلت من غير المسلمين وعاشوا في ظلالها آمنين بخلاف الدين
ما تعريف المناسب في أصول الفقه؟
المناسب هو ما لو عُرض على العقول تلقته بالقبول، أي أن الحكم يكون موصلًا إلى مصلحة مقصودة عقلًا.
ما الفرق بين العلة المنصوصة والعلة المستنبطة في الأحكام الشرعية؟
العلة المنصوصة هي التي وردت صراحةً في الكتاب أو السنة، أما المستنبطة فهي التي فهمها العلماء من مجمل الشريعة والتأمل في النصوص دون نص صريح عليها.
لماذا يُعدّ العقل مناط التكليف في الشريعة الإسلامية؟
لأن الله كلَّف الإنسان وجعل العقل شرطًا للتكليف، ومن أجل ذلك منع الشرع تغييب العقل من غير ضرورة.
ما الحكم الشرعي للتخدير الطبي في العمليات الجراحية؟
التخدير الطبي جائز لأنه اضطرار، والشرع يُبيح ما يُضطر إليه، بخلاف تعمد إفساد العقل بالخمر.
ما الذي يشمله مقصد حفظ الدين في الرؤية الجديدة للمقاصد؟
يشمل منع الكفر بالله ومنع مخالفة مراد الله في كونه، وبذلك يشمل حفظ كل الأديان لا الإسلام وحده.
ما الحديث النبوي الذي يؤكد حماية المعاهد من الظلم؟
حديث أبي داود: «ألا من ظلم معاهدًا أو انتقصه أو كلَّفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة».
ما الفرق بين مفهوم العرض ومفهوم كرامة الإنسان في المقاصد الشرعية؟
العرض مصطلح تقليدي يشمل الشرف والنسل، أما كرامة الإنسان فمفهوم أوسع يشمل العرض والنسل وحرية التعبير والرأي والعمل والانتقال والاعتقاد وحرمة التعذيب.
ما أول آية نزلت من القرآن الكريم وما دلالتها على مقصد حفظ العقل؟
أول آية نزلت هي: (اقرأ باسم ربك الذي خلق)، وهي تدل على أن التعليم والقراءة من أوائل ما أمر الله به، مما يؤكد مقصد حفظ العقل.
ما موقف الأنظمة العالمية من المخدرات وفق ما تناوله المحتوى؟
لم يوجد في العالمين حتى الآن نظام يبيح المخدرات من حيث كونه نظامًا، والكل يتفق على أنها بلاء تضيع العقل والنفس وتسبب الانتحار والإدمان.
ما الحكمة من إباحة بعض الدول الغربية للمخدرات وفق ما ذُكر؟
يحسبون أن نشرها داعٍ إلى أن يزهد الناس فيها لأن كل ممنوع مرغوب، لكن الهدف في الأصل هو المنع وليس الإباحة الحقيقية.
ما الذي يشمله مفهوم الملك الذي لا يشمله مفهوم المال؟
يشمل الملك الملكية الفكرية والخصوصية الإنسانية والأسرية، وهي أمور لا تدخل في مفهوم المال.
ما الأثر العملي لتوسيع مفاهيم المقاصد الشرعية في العصر الحديث؟
يُقرِّب هذه المقاصد من الأفهام المعاصرة ويُظهر كيف تمثل الإسلام، وتُقيم النظام العام في البلاد والعدل بين العباد.
ما قول السلف الصالح الذي استُشهد به في سياق حفظ العقل بالتعليم؟
«ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي»، وهو قول منسوب إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
ما سر موافقة مقاصد الشريعة للفطرة الإنسانية؟
لأن الإسلام اختاره الله للعالمين وهو دين ودولة له حضارة ونظام عام منطلق من الفطرة التي فطر الله الناس عليها، ولذلك يوافق عليه المسلم وغير المسلم.
ما الغاية من الجهاد في الإسلام وفق ما تناوله المحتوى؟
الغاية من الجهاد صد العدوان ورفع الطغيان، وليس القصد منه أن يموت المجاهد، وإن كان قد يُستشهد فيه.