ما معنى توليد العلوم في الحضارة الإسلامية وكيف يكون جسرًا بين الشرع والواقع؟
توليد العلوم هو إبداع علوم جديدة أو استحداثها من علوم قائمة، وكان سمة المسلمين الأوائل حتى القرن السادس الهجري. وهو مظهر من مظاهر حياة الفكر والتفاعل مع العصر، ويمثل الجسر الذي يصل بين الشرع والواقع المتغير. ويقوم على التصور المبدع والمبادئ العشرة للعلوم التي وضعها التراث الإسلامي أساسًا لبناء أي علم جديد.
- •
كيف بنى المسلمون الأوائل حضارتهم على توليد العلوم وخدمة النص الشريف محورًا لكل معرفة؟
- •
استمر توليد العلوم حتى القرن السادس الهجري، ثم خبا بعد غزو التتار وسقوط بغداد عام 656هـ.
- •
دعا محمد رشيد رضا منذ أكثر من مائة عام إلى إنشاء علم جديد لدراسة السنن الإلهية في القرآن ولم يتحقق بعد.
- •
التصور المبدع ركن أساسي في الاجتهاد، وفقده علامة على خبوت العملية الاجتهادية وفق ما قرره السيوطي والغزالي.
- •
الإسلام يكفل حرية البحث العلمي المطلقة في الكون والوحي، مع سقف أخلاقي يضبط استعمال المعلومات لا اكتسابها.
- •
المبادئ العشرة للعلوم في التراث الإسلامي هي المدخل العملي لتوليد أي علم جديد وتحديد استقلاله وهويته.
- 1
الحضارة الإسلامية قامت على العلم بمحورية النص الشريف، وأبدع المسلمون علومًا متنوعة ونقلوا عن غيرهم ما يخدم إدراك الحقيقة.
- 2
علم الوضع نموذج لتوليد العلوم يضبط المصطلح ويضمن نقل العلم وتطويره، قبل أن يخبو التوليد بعد سقوط بغداد.
- 3
دعا رشيد رضا منذ أكثر من مائة عام لإنشاء علم السنن الإلهية القرآنية، وتوليد العلوم جسر بين الشرع والواقع يحتاج تصورًا مبدعًا.
- 4
التصور المبدع ركن الاجتهاد؛ فالمجتهد يتفرد بقوة النظر ويولد الغرائب، وفقده علامة خبوت الفكر وفق السيوطي والغزالي.
- 5
أصول الفقه عند الرازي يتضمن أركان المنهج العلمي الثلاثة: المصادر والطرق والباحث، وهي ذاتها ما قرره روجر بيكون لاحقًا.
- 6
الإسلام يكفل حرية البحث العلمي المطلقة في الكون والوحي معًا، ولا تعارض بينهما لأن كليهما من عند الله.
- 7
الإسلام يفصل بين حرية البحث العلمي المطلقة وبين السقف الأخلاقي الذي يضبط استعمال المعلومات لخدمة العمارة لا التدمير.
- 8
العلوم كل متكامل من تعليم وتربية وتدريب، وفقدان هذا الكل يعني فقدان دليل التشغيل في الحياة العلمية والاجتماعية.
- 9
علم الدين شأن جماعة علمية بأركان خمسة، والتدين فريضة على كل مكلف، والفرق بينهما ضروري لصحة كليهما.
- 10
الفقه يصف أفعال المكلفين بالأحكام الشرعية، والفكر جسر بين الشرع والواقع المتغير يستلزم توليد علوم جديدة باستمرار.
- 11
المبادئ العشرة للعلوم مدخل تراثي لكل علم، وهي ذاتها الأدوات العملية التي يبدأ بها المفكر لتوليد علم جديد مستقل.
كيف قامت الحضارة الإسلامية على توليد العلوم وما دور النص الشريف في ذلك؟
قامت حضارة المسلمين على العلم، واتخذوا النص الشريف محورًا لكل معرفة معيارًا للقبول والرد والتقويم. اخترع المسلمون الأوائل علومًا جديدة ونقلوا عن الأمم السابقة ما يمكّنهم من فهم الحقيقة وإدراك الواقع. وتجلى ذلك في عصر الترجمة في عهد المأمون، وفي أعمال البيروني والخوارزمي التي ترصد التنوع والتفاعل العلمي في التاريخ الإسلامي.
ما علم الوضع الذي أسسه عضد الدين الإيجي وما أهميته في ضبط المصطلح العلمي؟
علم الوضع علم جديد استله عضد الدين الإيجي من اللغة والنحو والأصول والمنطق، وعالج فيه قضية المصطلح التي تُعد من أهم القضايا العلمية حتى اليوم. يضمن هذا العلم أمرين: نقل العلم لمن بعدنا، وتطويره بصورة مطردة منضبطة. وقد خبا توليد العلوم بعد ذلك حين انشغل العلماء بتكرار الموروث إثر غزو التتار وسقوط بغداد عام 656هـ.
ما الدعوة التي أطلقها رشيد رضا لتوليد علم السنن الإلهية ولماذا لم تتحقق حتى الآن؟
دعا محمد رشيد رضا في مجلة المنار عام 1317هـ إلى إحداث علم جديد يدرس السنن الإلهية الواردة في القرآن الكريم، غير أن هذا العلم لم يُنشأ حتى بعد مرور أكثر من مائة عام على تلك الدعوة. وتوليد العلوم مظهر من مظاهر حياة الفكر والتفاعل مع العصر، وهو الجسر الذي يصل بين الشرع والواقع. ويحتاج هذا التوليد إلى قدرة التصور المبدع التي قد لا تتوفر عند كثير ممن اشتغلوا بنقل العلم فحسب.
لماذا يُعد التصور المبدع ركنًا من أركان الاجتهاد وما قول السيوطي والغزالي في ذلك؟
التصور المبدع ركن لا غنى عنه في عملية الاجتهاد، وفقده دليل على خبوت الملكة الاجتهادية. نقل السيوطي عن ابن برهان أن المجتهد الواحد قد يتفرد عن الجميع بزيادة قوة في النظر ومزية في الفكر، وأن في كل عصر مقدمًا في العلم يفرع المسائل ويولد الغرائب. وأكد الغزالي أن وضع الصور للمسائل وتصوير التفريعات ليس أمرًا هينًا بل هو شأن المجتهدين وحدهم.
كيف تتشابه أركان أصول الفقه عند الرازي مع أركان المنهج العلمي الحديث؟
عرّف الرازي ومدرسته أصول الفقه بأنه معرفة دلائل الفقه إجمالًا وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد، فتكلم عن مصادر البحث الفقهي وكيفية البحث وطرقه وشروط الباحث. وهذه الأركان الثلاثة هي بعينها التي اتُّخذت فيما بعد منهجًا علميًا كما قرره روجر بيكون: المصادر والطرق والباحث. وهذا يدل على أن المنهجية الإسلامية سبقت إلى تأسيس المنهج العلمي الحديث.
ما موقف الإسلام من حرية البحث العلمي وما العلاقة بين قراءة الكون وقراءة الوحي؟
لا حرج ولا قيد مطلقًا على البحث العلمي في الإسلام، فليبحث من شاء فيما شاء ويكشف عن خلق الله في كونه. وأول ما أنزل الله كان أمرًا بالقراءة، والقراءة الأولى في الوجود والثانية في الوحي، وكلاهما صادر عن الله من عالم الخلق وعالم الأمر. ولا تعارض بين الكون والوحي لأن كلًا منهما من عند الله، ولا نهاية لإدراك أي منهما.
ما الفرق بين حرية البحث العلمي وتقييد استعمال المعلومات في الإسلام؟
البحث العلمي حر لا قيد عليه، أما استعمال المعلومات فيجب أن يكون تحت السقف الأخلاقي المأخوذ من مهمة الإنسان: العبادة والعمارة والتزكية. هذا السقف يمنع استعمال ما يوصل إليه العلم فيما يخالف الأوامر والنواهي الربانية أو يكر على المقاصد الكلية بالبطلان. والفصل بين حرية البحث وتقييد الاستعمال أمر واضح مؤكد وإن اختلط على كثير من الناس.
ما الصورة الكلية للعلوم وما خطر فقدان دليل التشغيل في حياة المسلمين؟
للعلوم صورة كلية تتمثل في عملية متكاملة من التعليم لإدراك المعلومات، والتربية لإقرار القيم، والتدريب لتنمية الملكات. وهذا الكل لا يتجزأ، فإن تجزأ فُقد دليل التشغيل مما يوقع في حيرة واضطراب. ويبدو أن المسلمين قد فقدوا هذا الدليل في جوانب عديدة من حياتهم العلمية والسياسية والاجتماعية والدينية.
ما الفرق بين علم الدين والتدين وما أركان العملية التعليمية في الإسلام؟
علم الدين تقوم به جماعة علمية ذات مصادر ومنهج، وعملية تعليمية لها خمسة عناصر: الطالب والأستاذ والمنهج والكتاب والجو العلمي. أما التدين فهو مطالب به كل مكلف لتنظيم علاقته مع نفسه وكونه وربه. والخلط بين الأمرين يضر بكليهما ويعطل وظيفة كل منهما.
ما الفرق بين الفقه والفكر ولماذا يحتاج الفكر إلى توليد علوم جديدة باستمرار؟
الفقه موضوعه فعل المكلف ويصف أفعاله بالأحكام الشرعية الخمسة: الواجب والمندوب والحرام والمكروه والمباح. أما الفكر فموضوعه الواقع المعيش النسبي المركب المتغير، وهو الجسر بين الشرع والواقع. ولأن الواقع شديد التعقيد والتغيير فإن العملية الفكرية تحتاج إلى علوم تُجدَّد وتُولَّد كل حين.
ما المبادئ العشرة للعلوم في التراث الإسلامي وكيف تُستخدم في توليد علم جديد؟
المبادئ العشرة هي: تعريف العلم وموضوعه وواضعه ونسبته إلى العلوم الأخرى والعلوم التي يستمد منها وأحكامه ومسائله وفضله وحكمه واسمه والثمرة المترتبة عليه. وضعها التراث الإسلامي مدخلًا لكل علم يدفع الطالب إلى التشوف لدراسته. وهي بنفسها العناصر التي يحددها المفكر بداية لاستقلال علم جديد أو إبداعه.
توليد العلوم فريضة إسلامية تقوم على التصور المبدع والمبادئ العشرة جسرًا بين الشرع والواقع المتغير.
توليد العلوم في الحضارة الإسلامية لم يكن ترفًا فكريًا بل كان سمة راسخة امتدت من صدر الإسلام حتى القرن السادس الهجري، حيث أبدع المسلمون علومًا خادمة للنص الشريف كعلم الوضع الذي استله عضد الدين الإيجي من اللغة والنحو والأصول والمنطق لضبط المصطلح العلمي وضمان نقل العلم وتطويره.
يقوم توليد العلوم على ثلاثة أركان متكاملة: التصور المبدع الذي عده الأقدمون ركنًا في الاجتهاد، والمبادئ العشرة التي تحدد هوية أي علم جديد من تعريفه وموضوعه ومصادره وثمرته، والفكر بوصفه جسرًا بين الشرع والواقع المتغير. وقد نبّه رشيد رضا منذ أكثر من مائة عام إلى ضرورة إنشاء علم لدراسة السنن الإلهية في القرآن، وهو مشروع لم يكتمل حتى اليوم.
أبرز ما تستفيد منه
- توليد العلوم كان سمة المسلمين الأوائل وخبا بعد سقوط بغداد 656هـ.
- التصور المبدع ركن الاجتهاد وفقده علامة على خبوت الفكر الإسلامي.
- الإسلام يكفل حرية البحث العلمي مع سقف أخلاقي يضبط الاستعمال لا الاكتساب.
- المبادئ العشرة للعلوم هي المدخل العملي لتوليد أي علم جديد في التراث الإسلامي.
محورية النص الشريف وتنوع العلوم في الحضارة الإسلامية
حضارة المسلمين قامت على العلم، ووضع المسلمون الأوائل علومًا خادمة لمحور حضارتهم وهو النص الشريف، التزموا بهذا المحور وخدموه وانطلقوا منه وجعلوه معيارًا للقبول والرد والتقويم، وأخذ المسلمون يخترعون العلوم اختراعًا، وينقلون منها عن الأمم السابقة ما يمكِّنهم من فهم الحقيقة، وإدراك الواقع ونفس الأمر، ويصنفونها ويبلغونها لمن بعدهم، ولمن بجوارهم، ورأينا عصر الترجمة في عهد المأمون، ورأينا البيروني في كتابه «تحقيق ما للهند من مقولة ممدوحة في العقل أو مرذولة»، ورأينا الخوارزمي في كتابه «مفتاح العلوم» وهو الذي يرسم لنا الذهنية العلمية في التاريخ الإسلامي ويرصد ذلك التنوع من ناحية، والتفاعل من ناحية أخرى، وهما الصفتان المجمع عليهما لكل من اطلع على التراث الإسلامي ونتاجه الفكري.
استمرار توليد العلوم وعلم الوضع وضبط المصطلح العلمي
- فتوليد العلوم كان سمة أصحاب ذلك الدين حتى القرن الرابع الهجري، بل امتد ذلك التوليد إلى القرن السادس؛ حيث وضع عضد الدين الإيجي علمًا جديدًا أسماه بعلم (الوضع) استله من علم اللغة، والنحو والأصول والمنطق عالج فيه - أهم ما عالج - قضية المصطلح التي تعد من أهم القضايا العلمية حتى يومنا هذا، حيث تعد ضابطًا علميًّا للحفاظ على لغة العلم والتفاهم بين الجماعة العلمية بما يضمن أمرين مهمين: أولهما: هو نقل العلم لمن بعدنا، وثانيهما: هو تطوير العلم بصورة مطردة ومستمرة ومنضبطة في نفس الوقت، ثم خبا هذا التوليد وانشغل العلماء بتكرار الموروث والحفاظ عليه من الضياع كرد فعل لما حدث في القرن السابع من غزو التتار وسقوط بغداد 656هـ.
دعوة رشيد رضا لتوليد علم السنن الإلهية وحياة الفكر
- ودعا محمد رشيد رضا في مجلة «المنار» [1] إلى إحداث علم جديد يَدرُس السنن الإلهية التي وردت بالقرآن الكريم، ولم يتم ذلك حتى بعد مضي أكثر من مائة عام على تلك الدعوة، فلابد علينا أن ندرك أن توليد العلوم نوع من أنواع مظاهر حياة الفكر، وأنه لم يمت، وهو أيضًا مظهر من مظاهر التفاعل مع العصر الذي نعيشه، وهو ثالثًا الجسر الذي يصل بين الشرع وبين الواقع المحيط، ويسأل كثير من المخلصين عن كيفية توليد العلوم، وهي تحتاج إلى قدرة التصور المبدع، وهي التي قد لا توجد عند كثير ممن اشتغل بنقل العلم والحفاظ عليه.
التصور المبدع كركن للاجتهاد ونصوص السيوطي وابن برهان
فالتصور المبدع هذا أمر لابد منه لعملية الاجتهاد وعده الأقدمون ركنًا من أركانه؛ ولذلك فإن فقده يدل أيضًا على خبوت العملية الاجتهادية التي تنبثق أساسًا من ملكة قائمة بنفس الفقيه، وتأكيدًا لهذا المعنى نرى السيوطي في كتابه «الرد على من أخلد إلى الأرض، وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض» يقول في الصفحة 169 ما نصه:
«قال ابن برهان: لا ينعقد الإجماع مع مخالفة مجتهد واحد، خلافًا لطائفة، وعمدة الخصم أن عدد التواتر من المجتهدين إذا اجتمعوا على مسألة كان انفراد الواحد منهم يقتضي ضعفًا في رأيه، قلنا: ليس بصحيح؛ إذ من الممكن أن يكون ما ذهب إليه الجميع رأيًا ظاهرًا تبتدر إليه الأفهام، وما ذهب إليه الواحد أدق وأعوص، وقد يتفرد الواحد عن الجميع بزيادة قوة في النظر، ومزية في الفكر، ولهذا يكون في كل عصر مقدم في العلم، يفرع المسائل، ويولد الغرائب». اهـ.
ثم ينقل قول الغزالي من كتابه «حقيقة القولين» صفحة 181 فيقول:
«قال الغزالي في كتاب "حقيقة القولين": وضع الصور للمسائل ليس بأمر هين في نفسه، بل الذكي ربما يقدر على الفتوى في كل مسألة إذا ذكرت له صورتها، ولو كلف وضع الصور وتصوير كل ما يمكن من التفريعات والحوادث في كل واقعة عجز عنه، ولم تخطر بقلبه تلك الصور أصلاً، وإنما ذلك شأن المجتهدين».
مثال لتوليد العلوم وتعريف المنهج وعلاقته بأصول الفقه
- ولنضرب مثالاً يجيب على أولئك الذين يريدون نموذجًا لتوليد العلوم حتى يسيروا على منواله، وحتى يُهدئ بال من يشك في هذه العملية وما قد تخفيه في ظنهم من الاعتداء على ثوابت الدين، أو القدح في هوية الإسلام، فنحاول أن نلقي الضوء على بذور توليد العلوم وآليات ذلك في التراث الإسلامي عسى أن ندرك المنهجية التي ساروا عليها في خدمة حضارتهم.
وبالمناسبة فإن المنهج في ظني رؤية كلية ينبثق عنها إجراءات، وهذه الرؤية الكلية هي النموذج المعرفي الذي تكلمنا عنه سابقًا، أما الإجراءات فهي منهج البحث العلمي الذي نراه عند الأصوليين، حيث يعرف الرازي ومدرسته أصول الفقه بأنه: "معرفة دلائل الفقه إجمالاً، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد" يعني تكلم عن مصادر البحث الفقهي، ثم تكلم عن كيفية البحث وطرقه، ثم تكلم عن شروط الباحث، وهي الأركان الثلاثة بحالها التي اتخذت فيما بعد منهجًا علميًّا كما قرره «روجر بيكون»؛ المصادر والطرق والباحث.
حرية البحث العلمي في الإسلام بين الوحي والكون
وقبل أن نخوض في آليات توليد العلوم يجب علينا أن ندرك بعض الحقائق عن موقف الدين من العلم، لا نقول إن الإسلام دين العلم فحسب، بل نرى موقفه من البحث العلمي حيث أرى أنه لا حرج ولا قيد مطلقًا على البحث العلمي، فليبحث من شاء فيما شاء وليحاول أن يدرك حقيقة العالم كما شاء، ويكشف عن خلق الله في كونه كما يريد، وأن ذلك ضمانة للإبداع وهذا مؤسس على أن الله قد أنزل أول ما أنزل:
﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ ٱلْإِنسَٰنَ مِنْ عَلَقٍ * ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ﴾ [2]
وذكر أن القراءة الأولى في الوجود والثانية في الوحي، وأنهما قد صدرا عن الله، الأولى من عالم الخلق، والثانية من عالم الأمر
﴿أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾ [3]
وعلى هذا فلا نهاية لإدراك الكون؛ حيث إنه يمثل الحقيقة، لأنه من عند الله، ولا نهاية لإدراك الوحي قال رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
«لا تنتهي عجائبه، ولا يَخلَق من كثرة الرد» [4]
وأيضًا لا تعارض بينهما حيث إن كلاًّ من عند الله، وهذا التأسيس يتأكد في قوله تعالى على صفة الإطلاق:
﴿هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ﴾ [5].
السقف الأخلاقي لاستعمال العلم والتمييز بين البحث والتطبيق
إلا أن استعمال المعلومات يجب أن يكون تحت السقف الأخلاقي للتطبيق المأخوذ من مهمة الإنسان في الدنيا: العبادة، والعمارة، والتزكية، هذا السقف الذي يمنع من استعمال ما يوصلنا إليه فيما يخالف الأوامر والنواهي الربانية أو يكر على المقاصد الكلية بالبطلان فنكون بذلك من أهل التعمير، لا من أهل التدمير، وهذا السقف للاستعمال من الأهمية القصوى حيث هو الضمان الوحيد لتلك العمارة.
إن الفصل بين حرية البحث للوصول إلى صحيح المعرفة، وبين تقييد الاستعمال للوصول إلى العمارة أمر قد اختلط على كثير من الناس مع وضوحه وتأكده.
صورة العلم الكلية بين التعليم والتربية والتدريب
- ومن الحقائق أيضًا أن العلوم لها صورة كلية تتمثل في عملية متكاملة من التعليم لإدراك المعلومات، والتربية لإقرار القيم، والتدريب لتنمية الملكات، وأن هذا كل لا يتجزأ أو لو تجزأ لفقدنا (دليل التشغيل) إن صح التعبير، وفقد دليل التشغيل يوقع في حيرة واضطراب، ويبدو أننا قد فقدنا دليل التشغيل هذا في كثير من جوانب حياتنا ليس العلمية فقط، بل أيضًا السياسية والاجتماعية والدينية.
التمييز بين علم الدين والتدين وأركان العملية التعليمية
- ومن الحقائق أيضًا أن هناك فرقًا بين علم الدين، وبين التدين، فالأول تقوم به جماعة علمية وله مصادره ومنهجه والعملية التعليمية - كما أشرنا من قبل - لها أركانها التي يجب أن تكتمل بعناصرها الخمسة الطالب والأستاذ والمنهج والكتاب والجو العلمي، أما الثاني وهو التدين فهو مطالب به كل مكلف لتنظيم علاقته مع نفسه وكونه وربه.
الفرق بين الفقه والفكر ودور الفكر كجسر بين الشرع والواقع
- ومن الحقائق أيضًا أن هناك فرقًا بين الفقه والفكر، فالفقه موضوعه «فعل المكلف» ويهتم علم الفقه بوصف أفعال المكلفين بالإقدام عليها أو الإحجام عنها، وأن هذا حلال وهذا حرام بأحكام شرعية خمسة وهي الواجب، والمندوب، والحرام، والمكروه، والمباح، أما الفكر فموضوعه «الواقع المعيش النسبي المركب المتغير» وهذا الفكر يرتب فيه الإنسان أمورًا معلومة كمقدمات ليتوصل بها إلى شيء مجهول كنتيجة، والعملية الفكرية هي الجسر الذي بين الشرع والواقع، ولذلك تحتاج إلى علوم تجدد وتولد كل حين حيث إن طبيعة الواقع الذي نريد أن ندركه شديدة التعقيد والتغيير.
المبادئ العشرة للعلوم ودورها في توليد علم جديد
- فإذا تقرر كل ما سبق، فإن التراث الإسلامي وضع ما يسمى بالمبادئ العشرة من أجل أن يطلع عليها طالب العلم؛ ليتشوف للعلم الذي سوف يدرسه، أو ليعرف ما لابد له من معرفته، وهي بذاتها هي العناصر التي يجب الالتفات إليها عند توليد العلوم.
ووضعها بعضهم في صورة نظم يحفظه صغار الطلاب حتى يحدث لهم هذا التشوف الذي انحسر بعد ذلك عند المسلمين في التلقي دون إنشاء العلوم واستمرار الفكر، قال:
من رام فنًّا فليرم أولا * علمًا بحده وموضع تلا
وواضع ونسبة وما استمد * منه وفضله وحكم معتمد
واسم وما أفاد والمسائل * فتلك عشر للمنى وسائل
وبعضهم فيها على البعض اقتصر * ومن درى جميعها انتصر
فالمبادئ العشرة هي تعريف العلم، وموضوعه، ومن الذي وضعه، ونسبته إلى العلوم الأخرى، ومن أي العلوم يستمد، وأحكامه ومسائله، وما فضله وما حكمه وما اسمه، وما الثمرة والفائدة المترتبة عليه؟ فهذه العشرة تعد مدخلاً للعلم تدفع طالب العلم إلى التشوف لدراسته وتحصيله، وهي بنفسها التي يمكن للمفكر إذا أراد أن يبني علمًا أن يحددها كبداية لاستقلال العلوم أو إبداعها، فكيف ذلك (يتبع).
ما شعورك تجاه هذا الفصل؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفصل؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
ما العلم الجديد الذي أسسه عضد الدين الإيجي واستله من اللغة والنحو والأصول والمنطق؟
علم الوضع
ما الأمران اللذان يضمنهما ضبط المصطلح العلمي وفق علم الوضع؟
نقل العلم لمن بعدنا وتطويره بصورة مطردة
في أي مجلة ومتى دعا محمد رشيد رضا إلى إنشاء علم السنن الإلهية؟
مجلة المنار عام 1317هـ
ما الحدث التاريخي الذي أدى إلى خبوت توليد العلوم عند المسلمين؟
غزو التتار وسقوط بغداد 656هـ
ما الأركان الثلاثة التي يتضمنها تعريف الرازي لأصول الفقه والتي تتوافق مع المنهج العلمي الحديث؟
المصادر والطرق والباحث
ما أول ما أنزله الله على النبي صلى الله عليه وسلم وما دلالته على حرية البحث العلمي؟
آيات سورة العلق وتدل على القراءة في الوجود والوحي
ما مهمة الإنسان في الدنيا التي يستند إليها السقف الأخلاقي لاستعمال العلم؟
العبادة والعمارة والتزكية
ما العناصر الخمسة للعملية التعليمية في الإسلام؟
الطالب والأستاذ والمنهج والكتاب والجو العلمي
ما الأحكام الشرعية الخمسة التي يصف بها الفقه أفعال المكلفين؟
الواجب والمندوب والحرام والمكروه والمباح
ما قول ابن برهان الذي نقله السيوطي حول إمكانية تفرد المجتهد الواحد عن الجميع؟
قد يتفرد الواحد عن الجميع بزيادة قوة في النظر ومزية في الفكر
كم عدد المبادئ التي وضعها التراث الإسلامي مدخلًا لكل علم؟
عشرة مبادئ
ما الصفتان المجمع عليهما لدى كل من اطلع على التراث الإسلامي ونتاجه الفكري؟
التنوع والتفاعل
ما الفرق الجوهري بين الفكر والفقه في التراث الإسلامي؟
الفكر موضوعه الواقع المتغير والفقه موضوعه فعل المكلف
ما المحور الذي قامت عليه الحضارة الإسلامية وجعله المسلمون معيارًا للقبول والرد؟
النص الشريف، الذي التزم به المسلمون الأوائل وخدموه وانطلقوا منه في بناء علومهم وحضارتهم.
من هو صاحب كتاب «مفتاح العلوم» الذي يرسم الذهنية العلمية في التاريخ الإسلامي؟
الخوارزمي، الذي رصد في كتابه التنوع والتفاعل العلمي في الحضارة الإسلامية.
ما القضية الرئيسية التي عالجها علم الوضع عند عضد الدين الإيجي؟
قضية المصطلح العلمي، وهي ضابط للحفاظ على لغة العلم والتفاهم بين الجماعة العلمية.
لماذا يُعد توليد العلوم جسرًا بين الشرع والواقع؟
لأن الواقع المعيش شديد التعقيد والتغيير، والعملية الفكرية تحتاج إلى علوم تُجدَّد وتُولَّد كل حين لإدراكه وفهمه.
ما الملكة التي تنبثق منها العملية الاجتهادية وفق التراث الإسلامي؟
ملكة التصور المبدع القائمة بنفس الفقيه، وفقدها دليل على خبوت الاجتهاد.
ما قول الغزالي في صعوبة وضع الصور للمسائل الفقهية؟
قال إن وضع الصور للمسائل ليس أمرًا هينًا، وأن الذكي قد يقدر على الفتوى إذا ذُكرت له الصورة لكنه يعجز عن وضعها بنفسه، وإنما ذلك شأن المجتهدين.
ما الدلالة الإسلامية لآية ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ في سياق البحث العلمي؟
تدل على أن القراءة الأولى في الوجود والكون والثانية في الوحي، وكلاهما من عند الله، مما يؤسس لحرية البحث العلمي بلا قيد.
ما الضمان الوحيد لتحقيق العمارة في الأرض وفق المفهوم الإسلامي؟
السقف الأخلاقي لاستعمال المعلومات، المأخوذ من مهمة الإنسان: العبادة والعمارة والتزكية.
ما الثلاثة التي تتكامل في الصورة الكلية للعلوم؟
التعليم لإدراك المعلومات، والتربية لإقرار القيم، والتدريب لتنمية الملكات، وهي كل لا يتجزأ.
ما الفرق بين علم الدين والتدين؟
علم الدين تقوم به جماعة علمية بمصادر ومنهج وأركان خمسة، أما التدين فمطالب به كل مكلف لتنظيم علاقته مع نفسه وكونه وربه.
ما الثمرة الأولى من ثمرتي ضبط المصطلح العلمي؟
نقل العلم لمن بعدنا بصورة سليمة محفوظة من التحريف والاضطراب.
ما الكتاب الذي نقل فيه السيوطي قول ابن برهان حول الاجتهاد؟
كتاب «الرد على من أخلد إلى الأرض، وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض».
ما آخر المبادئ العشرة للعلوم في التراث الإسلامي؟
الثمرة والفائدة المترتبة على العلم، وهي التي تدفع طالب العلم إلى التشوف لدراسته وتحصيله.
ما الذي يميز الفكر عن الفقه من حيث الموضوع؟
الفقه موضوعه فعل المكلف ووصفه بالأحكام الشرعية، أما الفكر فموضوعه الواقع المعيش النسبي المركب المتغير.
ما الذي يقصده النص بـ«دليل التشغيل» في سياق العلوم؟
الصورة الكلية المتكاملة للعلوم من تعليم وتربية وتدريب، وفقدانها يوقع في حيرة واضطراب في الحياة العلمية والاجتماعية والدينية.