اكتمل ✓
الفصل 59

كيف تطور علم أصول الفقه من اجتهاد الصحابة والتابعين إلى منهج مدوّن لاستنباط الأحكام الشرعية؟

علم أصول الفقه هو المنهج المنظّم لاستنباط الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة، وقد كان الصحابة والتابعون يمارسونه بالطبع والسليقة دون تدوين. ثم جاء الإمام الشافعي فدوّن أول منهج مكتوب في كتاب الرسالة، يبيّن كيفية التعامل مع النصوص الشرعية واستنباط الأحكام منها. وتشمل مباحثه نظرية الدلالة والأمر والنهي والعام والخاص والمنطوق والمفهوم وغيرها من الأدوات التي تُحوّل الفهم إلى قواعد فقهية.

42 دقيقة قراءة
  • هل يمكن أن يكون الصحابة الكرام قد مارسوا علم أصول الفقه دون أن يعرفوا اسمه، وكيف انتقل هذا العلم من الملكة الفطرية إلى التدوين المنهجي؟

  • اتبع أبو بكر وعمر منهجًا قضائيًا قائمًا على الكتاب والسنة ثم الشورى مع علماء الصحابة، مع التعليل والقياس ومراعاة المصالح.

  • برز فقهاء التابعين في الأمصار المختلفة كالمدينة والكوفة والشام ومصر، وورثوا منهج الاستنباط عن الصحابة دون حاجة إلى تدوين لقرب عهدهم من النبوة.

  • كشفت رسالة الليث بن سعد إلى الإمام مالك عن خلافات فقهية حقيقية بين الأمصار في مسائل الجمع بين الصلاتين والقضاء بشاهد ويمين والإيلاء والصداق.

  • جاء الإمام الشافعي بكتاب الرسالة أول منهج مدوّن لأصول الفقه، فأيقظ أصحاب الحديث وعلّمهم كيفية استنباط السنن وفهم الكتاب والسنة.

  • تشمل مباحث علم أصول الفقه نظرية الدلالة بأقسامها من وضع وحقيقة ومجاز وأمر ونهي وعام وخاص ومنطوق ومفهوم، وهي الأدوات الأساسية لاستنباط الأحكام الشرعية.

منهج ابي بكر وعمر في القضاء والاجتهاد والشورى

ما كان في عهد أبي بكر الصديق، كان إذا عرضت عليه قضية ولم يجد لها حكمًا في الكتاب والسنة، يسأل الناس هل علموا لها حكمًا قضى به الرسول ﷺ؟ فإن وجده عمل به، وإن لم يجد سنة جمع رؤساء الناس - وهم علماء الصحابة - فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به، وسار عمر بن الخطاب على نفس النهج، مضيفًا إلى ذلك الخبرة الاجتهادية السابقة في عهد سلفه أبي بكر، «فإن كان لأبي بكر قضاء قضى به، وإلا جمع علماء الناس - وهم علماء الصحابة - واستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به» .

وقد استندت اجتهادات الصحابة إلى التعليل والقياس، ومراعاة المصالح، ودرء المفاسد، وهم في ذلك كله مطبقون لسنة رسول الله ﷺ في الأقضية فكان أبو بكر يرى أن أرش -أي تعويض- الجناية على الأذن خمسة عشرة من الإبل، وعلل قضاءه بهذا التعويض القليل، بكون قطع الأذن ليس لها تأثير كبير على وظيفتها ولا على جمالية صاحبها وقوته وذلك بقوله: «إن ذهابها لا يضر سمعًا ولا ينقص قوة، ويغيبها الشعر والعمامة» ولكنَّ عمر بن الخطاب كان يرى أن فيها نصف الدية .

اجتهاد عمر في حد الخمر بالشورى وتعليل علي بن ابي طالب

وقدم أبو وبرة الكلبي إلى عمر بن الخطاب، موفدًا من طرف خالد بن الوليد، فأتاه في المسجد ومعه عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، فقال أبو وبرة لعمر: «إن خالدًا يقول: إن الناس قد انهمكوا في الخمر وتحاقروا العقوبة» فقال عمر «هؤلاء عندك، فسلهم» فقال علي بن أبي طالب: «نرى أن تجلده ثمانين، فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فاجعله حد الفرية» وقال عبد الرحمن بن عوف: «اجعله كأخف الحدود ثمانين» فجعله عمر ثمانين وكتب بذلك إلى خالد وأبي عبيدة بن الجراح .

وروى مسروق أنه ذكر عند عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها «ما يقطع الصلاة: الكلب والحمار والمرأة»، فقالت: «شبهتمونا بالحمر والكلاب، ولقد رأيت النبي ﷺ، وإني على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة، فتبدو لي الحاجة فأكره أن أجلس فأوذي النبيَّ، فأنسل من عند رجليه» .

ترجيح عائشة للاقـرار النبوي على القياس في مسألة قطع الصلاة

فها هنا استخدام لقاعدة الترجيح عند التعارض، فلقد اعتبرت عائشة أن الأمر يتعلق بتعارض قياس مع أثر يؤكد إقرار النبي ﷺ لما يخالف هذا القياس، فرجحت رضي الله عنها الإقرار النبوي، باعتباره نصًّا في المسألة سابقًا على التشبيه -أي القياس- والاجتهاد.

فكانت اجتهادات الصحابة رضوان الله عليهم في استنباط الأحكام الشرعية وفي فهم النصوص منارا للأمة فيما بعد وطريقا للفهم عن رسول الله ﷺ؛ فبرز فقهاء التابعين الذين ساروا على نهج الصحابة في الاستنباط ولم يحسوا بالحاجة إلى تدوين أصول استخراج الأحكام من أدلتها لقرب عهدهم من عصر النبوة وتفقههم على الصحابة وأخذهم العلم منهم كالفقهاء السبعة وهم سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وخارجة بن زيد، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وسليمان بن يسار، وعبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعود، وفي مكة كان عطاء بن أبي رباح، وطاوس بن كيسان، ومجاهد بن جبر، وعبيد بن عمير، وعمرو بن دينار، وعكرمة، وفي الكوفة وجد علقمة بن قيس النخعي، والأسود بن يزيد النخعي ومسروق بن الأجدع، وعبيدة السلماني، وشريح بن الحارث القاضي، وإبراهيم النخعي، وعامر الشعبي، وسعيد بن جبير، وفي الشام كان قبيصة بن ذؤيب الخزاعي، ومكحول، وعمر بن عبد العزيز، ورجاء بن حيوة، وعبد الملك بن مروان.

مدارس التابعين في الامصار وتكوين ملكة الاستنباط الفقهي

وقد تخرج على هؤلاء العشرات من الفقهاء الأفذاذ فاشتهر بالكوفة حماد بن أبي سليمان الأشعري، وسليمان بن المعتمر، وسليمان بن الأعمش، ومسعر بن كدام.

ثم جاء من بعدهم محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن شبرمة، وسعيد بن أشوع، وشريك القاضي، والقاسم بن معن، وسفيان الثوري، وأبو حنيفة النعمان، والحسن بن صالح بن حي.

لم يكن هؤلاء يتعلمون محض المسائل الفقهية المحضة؛ بل كانت ملكة الاستنباط والفهم في دين الله تُربى في عقولهم وبناء ذلك على أن الكتاب والسنة هما المصدران الأساسيان للتشريع، بجانب ما اجتمع عليه أمة رسول الله ﷺ، والقياس بإلحاق غير المنصوص عليه بالمنصوص، بجانب ما تربوا عليه من عربية خالصة.

اتساع الاجتهاد بعد التابعين وتعدد طرق الاستنباط

وبعد انقراض عصر التابعين اتسعت البلاد الإسلامية، وجدَّت حوادث، ووقائع كثيرة، واختلط العرب بالعجم على نحو لم يعد معه اللسان العربي على سلامته الأولى، وكثر الاجتهاد والمجتهدون وتعددت طرق الاستنباط، واتسع النقاش والجدل وكثرت الاشتباهات والاحتمالات.

وهذا مثل النقاش الذي دار في عصر الإمام مالك حول «عمل أهل المدينة» فذهب الإمام مالك إلى حجيته والاعتماد عليه في الفهم عن رسول الله ﷺ؛ وذهب غيره كالليث وغيره إلى عدم اعتباره، وتجري بينهم المناقشات في ذلك، كرسالة الإمام الليث بن سعد للإمام مالك التي رد فيها على رسالة من الإمام مالك ونصها: «سلامٌ عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد - عافانا الله وإياك، وأحسن لنا العاقبة في الدنيا والآخرة - قد بلغني كتابك تذكر فيه من صلاح حالكم الذي يسرني، فأدام الله ذلك لكم وأتمه بالعون على شكره والزيادة من إحسانه، وذكرت نظرك في الكتب التي بعثت بها إليك وإقامتك إياها وختمك عليها بخاتمك، وقد أتتنا فجزاك الله عما قدمت منها خيرًا، فإنها كتب انتهت إلينا عنك فأحببت أن أبلغ حقيقتها بنظرك فيها، وذكرت أنه قد أنشطك ما كتبت إليك فيه من تقويم ما أتاني عنك إلى ابتدائي بالنصيحة، ورجوت أن يكون لها عندي موضع، وأنه لم يمنعك من ذلك فيما خلا إلا أن يكون رأيك فينا جميلًا إلا لأني لم أذاكرك مثل هذا، وأنه بلغك أني أفتي بأشياء مخالفة لما عليه جماعة الناس عندكم، وأني يحق علي الخوف على نفسي لاعتماد من قبلي على ما أفتيتهم به، وأن الناس تبع لأهل المدينة التي إليها كانت الهجرة وبها نزل القرآن، وقد أصبت بالذي كتب به من ذلك إن شاء الله تعالى، ووقع مني بالموقع الذي تحب، وما أجد أحدًا ينسب إليه العلم أكره لشواذ الفتيا ولا أشد تفضيلًا لعلماء أهل المدينة الذين مضوا ولا آخذ لفتياهم فيما اتفقوا عليه مني والحمد لله رب العالمين لا شريك له، وأما ما ذكرت من مقام رسول الله ﷺ بالمدينة ونزول القرآن بها عليه بين ظهري أصحابه وما علمهم الله منه وأن الناس صاروا به تبعًا لهم فيه فكما ذكرت، وأما ما ذكرت من قول الله تعالى:

استدلال الليث بالآية وبدور الصحابة في نشر العلم في الامصار

﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100) وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: 101]

فإن كثيرًا من أولئك السابقين الأولين خرجوا إلى الجهاد في سبيل الله ابتغاء مرضاة الله؛ فجندوا الأجناد، واجتمع إليهم الناس فأظهروا بين ظهرانيهم كتاب الله وسنة نبيه ولم يكتموهم شيئا علموه.

وكان في كل جند منهم طائفة يعلمون كتاب الله وسنة نبيه ويجتهدون برأيهم فيما لم يفسره لهم القرآن والسنة، وتقدمهم عليه أبو بكر وعمر وعثمان الذين اختارهم المسلمون لأنفسهم، ولم يكن أولئك الثلاثة مضيعين لأجناد المسلمين ولا غافلين عنهم، بل كانوا يكتبون في الأمر اليسير لإقامة الدين والحذر من الاختلاف بكتاب الله وسنة نبيه، فلم يتركوا أمرًا فسره القرآن أو عمل به النبي ﷺ أو ائتمروا فيه بعده إلا علموهموه، فإذا جاء أمر عمل فيه أصحاب رسول الله ﷺ بمصر والشام والعراق على عهد أبي بكر وعمر وعثمان ولم يزالوا عليه حتى قبضوا لم يأمروهم بغيره، فلا نراه يجوز لأجناد المسلمين أن يحدثوا اليوم أمرًا لم يعمل به سلفهم من أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين لهم، مع أن أصحاب رسول الله ﷺ قد اختلفوا بعد في الفتيا في أشياء كثيرة، ولولا أني قد عرفت أن قد علمتها كتبت بها إليك، ثم اختلف التابعون في أشياء بعد أصحاب رسول الله ﷺ سعيد بن المسيب ونظراؤه أشد الاختلاف، ثم ابن شهاب وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وكان من خلاف ربيعة لبعض ما قد مضى ما قد عرفت وحضرت، وسمعت قولك فيه وقول ذوي الرأي من أهل المدينة يحيى بن سعيد، وعبيد الله بن عمر، وكثير بن فرقد، وغير كثير ممن هو أسن منه حتى اضطرك ما كرهت من ذلك إلى فراق مجلسه.

امثلة الليث على اختلاف عمل الامصار في الجمع والقضاء والايلاه

وذاكرتك أنت وعبد العزيز بن عبيد الله بعض ما نعيب على ربيعة من ذلك، فكنتما من الموافقين فيما أنكرت، تكرهان منه ما أكرهه، ومع ذلك بحمد الله عند ربيعة خير كثير، وعقل أصيل، ولسان بليغ، وفضل مستبين، وطريقة حسنة في الإسلام، ومودة لإخوانه عامة ولنا خاصة -رحمه الله - وغفر له وجزاه بأحسن من عمله، وكان يكون من ابن شهاب اختلاف كثير إذا لقيناه، وإذا كاتبه بعضنا فربما كتب إليه في الشيء الواحد على فضل رأيه وعلمه بثلاثة أنواع ينقض بعضها بعضًا، ولا يشعر بالذي مضى من رأيه في ذلك، فهذا الذي يدعوني إلى ترك ما أنكرت تركي إياه.

وقد عرفت أيضًا عيب إنكاري إياه أن يجمع أحد من أجناد المسلمين بين الصلاتين ليلة المطر، ومطر الشام أكثر من مطر المدينة بما لا يعلمه إلا الله لم يجمع منهم إمام قط في ليلة مطر، وفيهم أبو عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ومعاذ بن جبل، وقد بلغنا أن رسول الله ﷺ قال:

استشهاد الليث بفضل معاذ وكبار الصحابة في الشام ومصر والعراق

«أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل»

وقال: «يأتي معاذ يوم القيامة بين يدي العلماء برتوة» وشرحبيل بن حسنة، وأبو الدرداء وبلال بن رباح، وكان أبو ذر بمصر والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص، وبحمص سبعون من أهل بدر، وبأجناد المسلمين كلها وبالعراق ابن مسعود وحذيفة بن اليمان وعمران بن حصين، ونزلها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في الجنة سنين، وكان معه من أصحاب رسول الله ﷺ كثير فلم يجمعوا بين المغرب والعشاء قط.

ومن ذلك القضاء بشهادة شاهد ويمين صاحب الحق، وقد عرفت أنه لم يزل يقضي بالمدينة به، ولم يقض به أصحاب رسول الله ﷺ بالشام وبحمص ولا بمصر ولا بالعراق، ولم يكتب به إليهم الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ثم ولي عمر بن عبد العزيز وكان كما قد علمت في إحياء السنن والجد في إقامة الدين والإصابة في الرأي والعلم بما مضى من أمر الناس، فكتب إليه رزيق بن الحكم: إنك كنت تقضي بالمدينة بشهادة الشاهد الواحد ويمين صاحب الحق، فكتب إليه عمر بن عبد العزيز: إنا كنا نقضي بذلك بالمدينة، فوجدنا أهل الشام على غير ذلك؛ فلا نقضي إلا بشهادة رجلين عدلين أو رجل وامرأتين؛ ولم يجمع بين العشاء والمغرب قط ليلة المطر، والمطر يسكب عليه في منزله الذي كان فيه بخناصرة ساكنًا.

اختلاف الامصار في الصداق والايلاه وتخيير المرأة وزواج الامة

ومن ذلك أن أهل المدينة يقضون في صدقات النساء أنها متى شاءت أن تتكلم في مؤخر صداقها تكلمت فدفع إليها، وقد وافق أهل العراق أهل المدينة على ذلك وأهل الشام وأهل مصر، ولم يقض أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ولا من بعدهم لامرأة بصداقها المؤخر إلا أن يفرق بينهما موت أو طلاق فتقوم على حقها.

ومن ذلك قولهم في الإيلاء إنه لا يكون عليه طلاق حتى يوقف وإن مرت الأربعة الأشهر، وقد حدثني نافع عن عبد الله بن عمر - وهو الذي كان يروى عنه ذلك التوقيف بعد الأشهر - أنه كان يقول في الإيلاء الذي ذكر الله في كتابه: لا يحل للمولي إذا بلغ الأجل إلا أن يفيء كما أمر الله أو يعزم الطلاق، وأنتم تقولون: إن لبث بعد الأشهر التي سمى الله في كتابه ولم يوقف لم يكن عليه طلاق، وقد بلغنا أن عثمان بن عفان وزيد بن ثابت وقبيصة بن ذؤيب وأبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قالوا في الإيلاء: إذا مضت الأربعة الأشهر فهي تطليقة بائنة، وقال سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام وابن شهاب: إذا مضت الأربعة الأشهر فهي تطليقة، وله الرجعة في العدة.

ومن ذلك أن زيد بن ثابت كان يقول: إذا ملك الرجل امرأته فاختارت زوجها فهي تطليقة، وإن طلقت نفسها ثلاثًا فهي تطليقة، وقضى بذلك عبد الملك بن مروان، وكان ربيعة بن عبد الرحمن يقوله، وقد كاد الناس يجتمعون على أنها إن اختارت زوجها لم يكن فيه طلاق، وإن اختارت نفسها واحدة أو اثنتين كانت له عليها الرجعة، وإن طلقت نفسها ثلاثًا بانت منه ولم تحل له حتى تنكح زوجًا غيره فيدخل بها ثم يموت أو يطلقها، إلا أن يرد عليها في مجلسه فيقول: إنما ملكتك واحدة، فيستحلف ويخلى بينه وبين امرأته.

ومن ذلك أن عبد الله بن مسعود كان يقول: أيما رجل تزوج أمة ثم اشتراها زوجها فاشتراؤه إياها ثلاث تطليقات، وكان ربيعة يقول ذلك، وإن تزوجت المرأة الحرة عبدًا فاشترته فمثل ذلك.

نقد الليث لبعض فتاوى مالك في الاستسقاء والزكاة والمفلس وسهام الزبير

وقد بلغنا عنكم شيئا من الفتيا مستكرهًا، وقد كنت كتبت إليك في بعضها فلم تجبني في كتابي، فتخوفت أن تكون استثقلت ذلك، فتركت الكتاب إليك في شيء مما أنكره وفيما أوردت فيه على رأيك، وذلك يستسقي - أن يقدم الصلاة قبل الخطبة، فأعظمت ذلك؛ لأن الخطبة والاستسقاء كهيئة يوم الجمعة إلا أن الإمام إذا دنا من فراغه من الخطبة فدعا حول رداءه ثم نزل فصلى، وقد استسقى عمر بن عبد العزيز وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وغيرهما، فكلهم يقدم الخطبة والدعاء قبل الصلاة، فاستهتر الناس كلهم فعل زفر بن عاصم من ذلك واستنكروه.

ومن ذلك أنه بلغني أنك تقول في الخليطين في المال إنه لا تجب عليهما الصدقة حتى يكون لكل واحد منهما ما تجب فيه الصدقة، وفي كتاب عمر بن الخطاب أنه يجب عليهما الصدقة ويترادان بالسوية، وقد كان ذلك يعمل به في ولاية عمر بن عبد العزيز قبلكم وغيره، والذي حدثنا به يحيى بن سعيد ولم يكن بدون أفاضل العلماء في زمانه فرحمه الله وغفر له وجعل الجنة مصيره ابن سعيد ومن ذلك أنه بلغني أنك تقول: إذا أفلس الرجل وقد باعه رجل سلعة فتقاضى طائفة من ثمنها أو أنفق المشتري طائفة منها أنه يأخذ ما وجد من متاعه، وكان الناس على أن البائع إذا تقاضى من ثمنها شيئًا، أو أنفق المشتري منها شيئًا فليست بعينها.

ومن ذلك أنك تذكر أن النبي ﷺ لم يعطِ الزبير بن العوام إلا لفرس واحد، والناس كلهم يحدثون أنه أعطاه أربعة أسهم لفرسين ومنعه الفرس الثالث ، والأمة كلهم على هذا الحديث أهل الشام وأهل مصر وأهل العراق وأهل إفريقية، لا يختلف فيه اثنان؛ فلم يكن ينبغي لك - وإن كنت سمعته من رجل مرضي - أن تخالف الأمة أجمعين.

خاتمة رسالة الليث لمالك والتمهيد لعلم اصول الفقه

وقد تركت أشياء كثيرة من أشباه هذا، وأنا أحب توفيق الله إياك وطول بقائك؛ لما أرجو للناس في ذلك من المنفعة، وما أخاف من الضيعة إذا ذهب مثلك مع استئناسي بمكانك، وإن نأت الدار؛ فهذه منزلتك عندي ورأيي فيك فاستيقنه، ولا تترك الكتاب إلي بخبرك وحالك وحال ولدك وأهلك وحاجة إن كانت لك أو لأحد يوصل بك، فإني أسر بذلك، كتبت إليك ونحن صالحون معافون والحمد لله، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم شكر ما أولانا وتمام ما أنعم به علينا، والسلام عليك ورحمة الله» .

إن مناهج الاستنباط هي المعبر عنها بـ «علم أصول الفقه» لأن علم الأصول هو معرفة دلائل الفقه، ولكن كانت هذه العلوم عند هؤلاء كالصحابة والتابعين ملكات كما التقي السبكي رحمه الله «فإن قلت: قد عظمت أصول الفقه وهل هو إلا نبذ جمعت من علوم متفرقة نبذة من النحو، وهي الكلام في معاني الحروف التي يحتاج إليها الفقيه، والكلام في الاستفتاء وما أشبه ذلك، ونبذة من علم الكلام وهي الكلام في الحسن والقبيح، والكلام في الحكم الشرعي وأقسامه، وبعض الكلام في النسخ وأفعاله ونحو ذلك، ونبذة من اللغة وهي الكلام في معنى الأمر والنهي وصيغ العموم والمجمل والمبين والمطلق والمقيد وما أشبه ذلك، ونبذة من علم الحديث وهي الكلام في الأخبار، والعارف بهذه العلوم لا يحتاج إلى أصول الفقه في الإحاطة بها؛ فلم يبق من أصول الفقه إلا الكلام في الإجماع وهو من أصول الدين أيضًا، وبعض الكلام في القياس والتعارض مما يستقلُّ به الفقيه، فصارت فائدة الأصول بالذات قليلة جدًّا بحيث لو جُرِّد الذي ينفرد به ما كان إلا شيئًا يسيرًا.

دفاع السبكي عن اهمية اصول الفقه وتمييزه عن النحو واللغة

قلت: ليس كذلك فإن الإصوليين دققوا في فهم أشياء من كلام العرب لم يصل إليها النحاة ولا اللغويون؛ فإن كلام العرب متسع جدًّا، والنظر فيه متشعب فكتب اللغة تضبط الألفاظ ومعانيها الظاهرة دون المعاني الدقيقة التي تحتاج إلى نظر الأصول واستقراء زائد على استقراء اللغوي، مثاله دلالة صيغة «افعل» على الوجوب، و«لا تفعل» على التحريم، وكون «كل وأخواتها للعموم» وما أشبه ذلك مما ذكر السائل أنه من اللغة؛ ولو فتشت كتب اللغة لم تجد فيها شفاء في ذلك، ولا تعرضًا لما ذكره الأصوليون، وكذلك كتب النحو لو طلبت معنى الاستثناء، وأن الإخراج هل هو قبل الحكم أو بعد الحكم ونحو ذلك من الدقائق التي تعرض لها الأصوليون وأخذوها باستقراء خاص من كلام العرب وأدلة خاصة لا تقتضيها صناعة النحو، فهذا ونحوه مما تكفل به أصول الفقه، ولا ينكر أن له استمداد من تلك العلوم ولكن تلك الأشياء التي استمده منها لم تذكر فيه بالذات بل بالعرض، والمذكور فيه بالذات ما أشرنا إليه مما لا يوجد إلا فيه ولا يصل إلى فهمها إلا من يلتفت إليه.

فإن قلت: قد كانت العلماء في الصحابة والتابعين وأتباع التابعين من أكابر المجتهدين؛ ولم يكن هذا العلمُ حتى جاء الشافعي وصنف فيه فكيف تجعله شرطًا في الاجتهاد؟

معرفة الصحابة بالاصول بالطبع واحتياج المتأخرين للتدوين

قلت: الصحابة ومن بعدهم كانوا عارفين به بطباعهم؛ كما كانوا عارفين النحو بطباعهم قبل مجئ الخليل وسيبويه، فكانت ألسنتهم قويمة وأذهانهم مستقيمة وفهمهم لظاهر كلام العرب ودقيقه عتيد؛ لأنهم أهله الذي يؤخذ عنهم، وأما بعدهم فقد فسرت الألسن وتغيرت الفهوم فيحتاج إليه كما يحتاج إلى النحو» .

ومرحلة التدوين لطرق الفهم هذه ظهرت في مرحلة كتاب «الرسالة» للإمام الشافعي وهو أول منهج مدون يبين كيفية التعامل مع السنة النبوية المطهرة ولذلك يقول الكرابيسي: «ما فهمنا استنباط أكثر السنن إلا بتعليم الشافعى إيانا. وقال: ما كنا ندرى ما الكتاب والسنة والإجماع حتى سمعنا الشافعى» .

«وقال الزعفراني: كان أصحاب الحديث رقودًا حتى أيقظهم الشافعي، وقال الربيع بن سليمان: كان أصحاب الحديث لا يعرفون تفسير الحديث حتى جاء الشافعي» .

الرسالة للشافعي والاجابة عن اسئلة الحجية والثبوت والاستنباط

إن الناظر في علم أصول الفقه الذي ظهر في كتاب «الرسالة» كأنه يجيبنا على أسئلة مطروحة مصاغة في «الحجية»، ثم «الثبوت» وقد تعرضنا لهما قبلًا في هذه المباحث المتعلقة بالسنة النبوية، ثم كيف نقرأ القرآن والسنة حتى نستثمر ونستنبط منهما؟ والاستثمار يأتي من الثمرة التي تأتي من الشجرة برعايتها، والاستنباط هو محاولة الحصول على الماء من الأرض حتى ننتفع به، وعلى ذلك فالاستنباط هو استجلاب الحكم من النصوص الشرعية، وهذا القرآن وهذه السنة ألفاظ أمامنا وجمل مفيدة ينبغي علينا أن نعرف كيف نستفيد ونستنبط منهما الحكم الشرعي الذي يصف أفعال البشر، فتتكون الجملة المفيدة في الفقه.

ذهب الأصولي يقرأ في الكتاب والسنة فوجدهما أدلة لفظية، أي عبارة عن أقوال وألفاظ تقرأ باللسان وتسمع بالآذان بلا فارق هاهنا بين الكتاب والسنة باعتبارها أدلة لفظية، ومن هنا تساءل الأصولي عن الدلالة كيف أفهم هذين الأصلين ؟ هذا السؤال يتبادر إلى أذهان كثير من الناس ومن طلبة العلم وهذا هو الجانب الثاني في تعريف أصول الفقه فهذا هو جانب الاستفادة من الدلالة وشروط المستفيد -المجتهد من لدن الصحابة وعبر مسيرة العلم.

تقسيم الكلام الى خبر وانشاء ومناقشة معنى الصدق والكذب

ذهب المجتهد يتأمل ويتساءل فيما هو أمامه، أمامه جمل مفيدة في سياق الشريعة، وجد الأصولي هذه الجمل على قسمين: قسم يفيد الطلب، وقسم يفيد غير الطلب كالخبر والاستفهام.

والأصل في المسألة أن الأسلوب العربي –الذي اعتنى به المجتهد الأصولي- مقسم إلى الخبر والإنشاء، الخبر هو عبارة عن الجملة التي تحتمل الصدق أو الكذب لذاتها . مثل: «نحن الآن في المسجد» فإن صادفت الواقع فهي صادقة، وإن كانت غير ذلك تكون كاذبة، فهي في ذاتها «تحتمل» الصدق و «تحتمل» الكذب، وقد اختلف المجتهدون في أن الكذب هل هو مخالفة الواقع، أم الاعتقاد، أم الاثنين معًا؟ فكيف فكروا في هذا الاختلاف؟

البعض قال: إن الكذب مخالفة الواقع حتى لو وافق المعتقد . وردوا عليهم بأن لو قلت: في حقيبتي نقود؟ أنا أعتقد ذلك، فهل إذا لم يكن فيها نقود هل أكون –عند العرب وفي دلالات كلامهم – كاذبًا ؟ رغم أنني لم أقصد الكذب وكنت أعتقد ما أقول فعلًا؟ فالنبي ﷺ نسي في صلاته مرة، وبعد الانتهاء قال له رجل يدعى ذا اليدين: يارسول الله ﷺ أقصرت الصلاة أم أنك نسيت ؟ قال ﷺ «كلُّ ذَلِكَ لم يكُن» أي لم تقصر الصلاة ولا نسيت. فقالوا «قد كان بعض ذلك يا رسول الله ﷺ» فهل يعد ذلك اتهامًا لرسول الله ﷺ وحاشا لله بالكذب ؟ فقام الرسول ﷺ فصلى بهم ركعتين. إذن لا أستطيع أن أقول إن الكذب هو مجرد مخالفة الواقع أو أنه مجرد مخالفة الاعتقاد.

تطور تعريف الكذب عند الاصوليين وامثلة من السنة

فقالوا لا، لا بد أن نجعل الكذب كل مخالفة للواقع والاعتقاد معًا؛ لكنهم توقفوا أمام مسألة مهمة: لو قلنا إن الصدق هو ما وافق الاثنين معًا، والكذب هو ما خالف الاثنين معًا فإذا ما وافق أحدهما وخالف الآخر كقول غير المسلم «محمد رسول الله ﷺ» فهو مطابق للواقع في عقيدتي ومخالف لعقيدته كذب، فهل هناك شيء ثالث وسط بين الكذب والصدق؟ هل في لغة العرب مثل هذا الشيء ؟ قالوا: لا. قالوا إذن هذا ليس حقيقة.

ثم ذهب بعض جماهيرهم في النهاية إلى أن الكذب هو مخالفة الواقع، وأن النبي ﷺ إن كان كلامه مخالفًا للواقع إلا أنه لا يسمى كذبًا، وأن الكذب يطلق ويراد منه الخطأ أي عدم التعمد، فعند فتح مكة قال سعد بن عبادة: اليوم يوم الملحمة فقال الرسول ﷺ «كذب سعد» فقال كذب وقصد أنه أخطأ بلغة أهل مكة.

وقال بعضهم إن ما خرج من فم رسول الله ﷺ كان صدقًا لأنه ﷺ قال: «كل ذلك لم يكن» ، أي إن مجموع الأمرين لم يكن، فالذي كان هو بعض ذلك ولس هذين الأمرين معًا.

هذه كلها أمثلة على مشكلات علمية، ومحاولات مرَّنت عقول أهل تراثنا على طرائق التفكير، والعمل على إيجاد حلول سواء كانت ضعيفة في بادئ الأمر أو كانت قوية.

تعريف الانشاء والتركيز على الطلب في الدليل الشرعي

والقسم الثاني من الكلام العربي هو الإنشاء، وهو ما لا يحتمل الصدق والكذب لذاته مثل: اسقني ماء. وعندما ذهبوا إلى القرآن يتأملونه وجدوا منه الخبر ووجدوا منه الإنشاء، ووجدوا أن الإنشاء مقسم إلى طلب وسؤال وغير ذلك، ووجدوا أن الذي يهمهم هو الطلب، ووجدوا أيضًا أن بعض الخبر يراد منه الطلب، ولكنهم ركزوا على الطلب، فقالوا: إن المسألة بين «الطلب» وغير «الطلب»، فالإنشاء منه ما يفيد الطلب، ومنه ما يفيد غير الطلب، والخبر منه ما يراد به الطلب، ومنه ما يراد غير الطلب، والفقيه يريد هذه المساحة وهي الطلب في الدليل في الكتاب والسنة.

والطلب في الدليل وجدوه أنه الفعل: افعل. مثل أقم الصلاة، فاكتبوه، أو اسم الفعل مثل ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: 105] أو المصدر ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: 4] ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴾ [النساء: 92] أو الفعل المضارع المقترن باللام ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ [آل عمران: 187] وكذلك في الخبر مثل قوله عز وجل ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: 97] هذا في ظاهره خبر يحتمل الصدق والكذب، أو الوقوع وعدم الوقوع، لكنهم اهتموا بما فيه من طلب فقالوا: ليس المقصود هنا الإخبار بل المقصود «أمِّنوا من دخل البيت الحرام» أي أنه مفيد للإنشاء، وعلى ذلك تكون معصية أية أفعال يكون من نتيجتها ترويع أو عدم تأمين من دخل البيت الحرام.

الامر والنهي وبداية بحث العلاقة بين اللفظ والمعنى

وكل ما سبق سموه الأمر، وأصبح من مباحث علوم أصول الفقه، ورأوا أنه قد يكون على شكل «لا تفعل» وسموه «النهي»، ووجدوا أن الأمر والنهي يقعان تحت كلمة «افعل» و «لا تفعل»، لهما معنى واحد محدد ولهما فرد وسموا هذا الفرد الخاص، ووجدوا أن بعض الكلمات تشتمل فيها أفرادها وتستغرقها فسموها «العام» وأصبح الخاص والعام قسمين من أقسام الكلام الأصولي الأمر الذي يدخل فيه الأمر والنهي، ولما رأوا هذا بدءوا في بناء نظرية الدلالة: ما علاقة الألفاظ التي أمامنا بمعانيها؟ وبدأ البحث يأخذ خطواته إلى الوراء، فبدأ السؤال عندهم: ما قصة العلاقة بين الألفاظ والمعاني؟

تأمل الأصوليون في الوجود المشهود «الأشياء» وعلاقته بالوجود المكتوب «النص» فوجدوا أنفسهم أمام ما أسموه بالوجودات الأربعة فالشيء له تعين «وجود معين» في الخارج سواء رأيته أم لم أره، لكنه أيضًا له صورة في الذهن، وإذ به له لفظ على لساني، وإذ بي أكتبه ببناني:

  1. وجود في الأعيان.

  2. وجود في الأذهان.

  3. وجود على اللسان.

  4. وجود في البنان.

الوجودات الاربعة وتمهيد بحث الوضع اللغوي

فهناك شيء أو أصل، وهناك درجات لهذا الشيء أو صوره، أو وجودات أخرى لهذا الشيء، ثلاثة منه تدل على الرابع، فالكتابة تدل على اللفظ، واللفظ يدل على ما قام في الأذهان، وهذا ليس إلا صورة لما قام في الخارج، ومن هنا بدأ اختلاف المفكرين في الدلالة، هل اللفظ وضع للدلالة على ما في الخارج، أم على ما في الذهن الذي هو صورة ما في الخارج؟

ولنضرب لذلك مثلًا: لو أنني رأيت شبحًا يتحرك من بعيد، لا أعرف ما هو بالضبط، هل هو جماد أم حيوان أم إنسان؟ يبدأ الذهن في محاولة الاقتراح، فيقول هذا عمود إنارة، مثلًا فهل هذا اللفظ معبر عما هو في الخارج، أم ما هو في الذهن؟ إنه يعبر بالطبع عما هو في الذهن، فلو رأيته يتحرك لعرفت أنه ليس كذلك، قلت: قد يكون شجرة تهتز، فلما اقتربت منه وجدته سيارة مثلًا؛ إذن هذه الالفاظ تدل على ما في الأذهان، لا على ما في الخارج؛ لكن يأتي آخر ويقول لي: إنك تصورت الأشياء التي رأيتها من قبل في الخارج، فقلت عمود إضاءة على أساس أنك تصورته بعدما رأيته من قبل، فتلك تصورات لأشياء في الواقع سبق معرفتها، هكذا يفكرون في كل جزئية من الجزئيات.

تعريف الوضع والخلاف في واضع اللغة والوضع الشرعي والاصطلاحي

إذن هناك ألفاظ موضوعة بإزاء معان، مثل الأسد وضع للحيوان المفترس، والإنسان وضع للكائين الأرضي المفكر، فما هو الوضع؟ قالوا جعل لفظ بإزاء معني.

فتساءلوا: من الذي وضع اللغة؟ قالوا هو الله عز وجل، لقوله عز وجل: ﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ﴾ [البقرة: 31] وقال البعض الثاني: واضع اللغة هو البشر، وبعضهم قال: إن الله عزَّوجل واضع القوانين الأساسية للغة مثل أن اسم الفاعل هو الذي فعل، واسم المفعول هو ما وقع عليه الفعل، ثم البشر ولدوا منها أشياء، وبعضهم قال: لا نعرف، فهناك مذاهب أربعة تجدها في أصول الفقه لأنها تؤصل لقضية الدلالة وتجيب عن أسئلة جوهرية.

بل وجدنا الوضع لم يقتصر على اللغة، لأننا لاحظنا أن الشرع الشريف جاء فوضع ألفاظًا بإزاء معان ليست هي معانيها اللغوية، مثلا الصلاة –في اللغة- تعني العطف، وانعطف أي انثنى، والشرع أطلقها مجازًا على الدعاء؛ لأن الدعاء فيه نوع من أنواع العطف، خالق يعطف على المخلوق، والفرس الثاني في السباق يسمى المصلي، والأول المجلى، فالثاني ثنى أي عطف على الأول، والشرع الذي وضع لفظ الصلاة إزاء المعنى الشرعي المشهور (هيئة تبدأ بالتكبير وتنتهي بالتسليم) لم ينفِ علاقة دالة اللفظ باللغة العربية؛ لكنه أعطى اللفظ أيضًا معنى جديدًا؛ إذن فقد يكون الوضع لغويًّا وقد يكون شرعيًّا.

الوضع الاصطلاحي والعرفي ونشأة علم الوضع عند الاصوليين

ثم لما جاءت العلوم ودوِّنت وجدوا اصطلاحات جديدة فكلمة «فقه» نفسها تعني الفهم عند العرب، لكن أصبحت تطلق على الحكم المخصوص وعلمه، فهذا الذي وضعه ليس العرب ولا الشرع إنما اصطلح عليه الفقهاء، لذلك فهناك وضع لغوي، ووضع شرعي، ووضع اصطلاحي.

كذلك يمكن أن يتفق أهل بلد معين على معنى معين للفظ غير المعنى اللغوي، فأهل مصر مثلًا يتفقون على كلمة لحم لغير السمك، بل يصرفونه إلى لحم الحيوان دون لحم السمك، كذلك كلمة السقف عند الناس للبيت وعند الله تدل على السماء، والفراش هو ما يفرش الأسرة في عرف الناس، والله عزوجل سمى الأرض فراشًا، فهناك فارق بين الوضع اللغوي والوضع الشرعي والوضع العرفي العام لأهل بلد مثلًا، والوضع العرفي الخاص الاصطلاحي عند أهل فنٍّ أو علم ما.

كل هذا نتج عن تفكيرهم؛ لأنهم توقفوا قليلا عند اللفظ إزاء المعنى وتساءلوا حتى أقاموا علم الوضع وأول من ألف فيه كان أحد الأصوليين الكبار عضد الدين الإيجي، ووضع فيه كتابًا سماه الرسالة العضدية في القرن السابع ثم أصبح بعد ذلك علما مولدًا مستقلًا.

الكلي والجزئي والمتواطئ والمشكك والمشترك في دلالة الالفاظ

سأل الأصولي نفسه في نظرية الدلالة: ما علاقة اللفظ بالمعنى؟ وما أنواع هذه العلاقات وتقسيماتها؟ وبحثها من عدة مداخل ووجد أشياء عجيبة ودونها.

فمن مدخل أول وجد ما أطلق عليه بالكل والجزء، أو الكلي والجزئي، على أساس دلالة الشيء على معنى واحد أو متعدد. الكلي: هو ما لا يمنع نفس تصور معناه من وقوع الشركة فيه. الجزئي: هو ما يمنع نفس تصور معناه من وقوع الشركة فيه .

فوجد فارقًا بين إنسان وبين فاطمة. فالإنسان لا يمنع نفس تصور معناه من وقوع الشركة فيه، فنتصور في إنسان رجلًا أو امرأة أسود أو أبيض... وهكذا، أما فاطمة فيمنع نفس تصور معناها من وقوع الشركة فيه، فهي شخص معين واحد لا يمكن تكراره له شكل معين، وهو شخص واحد له مكان معين، فالأول نسميه كليًّا والثاني نسميه جزئيًّا.

استعانوا في ذلك بالفكر الإغريقي، لأنهم وجدوا أن هذا المبحث عند أرسطو في البحث عن الكليات الخمس التي سماها الجنس والنوع والعرض العام والخاصة فأخذوها منه، وحاول الأصولي أن يحولها تحويلًا تامًّا بما يتفق مع ذهن العرب واللسان العربي وبما يخدم الشريعة.

وبذلك كان المنطق العربي، وهو عمل من العلوم التي أخذت كثيرًا عن المنطق الصوري لأرسطو مثالًا يحتذى في كيفية التعامل مع الفكر الغربي؛ لأن الأصولي ذهب إلى فكر غيره، ففصل فيه بين التجربة الإنسانية العامة والتجربة الخاصة التي تميز قيم الغير. وأخذ التجربة البشرية المجردة وطورها وأدخلها في نسيجه بما يخدم أغراضه في قضية الدلالة.

ووجد من مدخل ثانٍ وقريب أن اللفظ –في علاقته بالمعنى- قد يكون متواطئًا، وقد يكون مشككًا أو مشتركًا.

فالمتواطئ تتساوى أفراده فيه ، مثل كلمة «إنسان» أفراد الإنسان متساوية في الإنسانية كل إنسان عبارة عن حيوان قابل لأن يفكر، يتساوى أفراده في تحقيق المعنى فهو لفظ واحد ومعناه واحد.

لكن المشكك يتفاوت أفراده في تحقيق المعنى. ككلمة النجاح قد يكون بنسبة 50% أو 70% أو أكثر، كذلك كلمة البياض يختلف بين الثلج والقطن واللبن، ولون الإنسان درجات متفاوتة، فهذا لفظ واحد وله معان متدرجة متقاربة لكنها ليست واحدة.

ثم المشترك وهو الذي يكون اللفظ الواحد فيه له معان عديدة مختلفة مثل لفظ العين، ويطلق ويقصد به العين الجارحة من جوارح الإنسان، أو يقصد بها الجاسوس، أو حرف الهجاء «ع» أوالشمس، أو البئر، أو البستان، أو الذهب، أو الرجل الغني «عين من الأعيان» ولا علاقة ضرورية بين هذه المعاني فهي معان متعددة.

المفرد والمركب والاضافة ومعاني اللام في العربية

ومن مدخل ثالث في علاقة اللفظ بالمعنى قالوا إن اللفظ إما أن يكون «مفردًا» أو يكون «مركبًا».

والمفرد: هو ما لا يدل جزؤه على جزء معناه . مثل «زيد» لا تدل الزاي على رأسه، ولا الياء على جذعه، ولا الدال على أطرافه مثلًا، بل الكلمة كلها تدل عليه كله، والمركب: هو ما يدل جزؤه على جزء معناه ، مثل غلام زيد يدل جزءاها على شيئين.

ومن وحي «المركب» يبحثون في «الإسناد» فيقولون «عبدالله» نسبة إضافية كما سبقت الإشارة في الفلسفة اللغوية، وهكذا فهناك تفكير وأسئلة دائمة، فالتفكير يستوجب أسئلة لنصل إلى حقيقة الأمور.

فيبدوا له -مثلًا- أن الإضافة تأتي في لغة العرب بمعنى اللام، فـ «كتاب علي» فكأننا نقول كتاب لعلي بمعنى الملكية، وعندما نقول حافر الفرس، فالفرس لا يملك حافره، الإنسان هو الوحيد الذي يمتلك؛ لأن له ذمة، إذن هناك اختلاف، وبالتالي فالإسناد علاقة لها وجود متعددة أو بتعبير نظرية الدلالة: له دلالات متعددة.

أعملوا الفكر في دلالة الإضافة غير الملكية، فقالوا إنها دلالة الاختصاص: حافر خاص بالحصان أو غلاق مختص بالكتاب... وهكذا، ثم جربوا الإضافات الأخرى، فقالوا صلاة الليل لا تعبر عن ملكية ولا اختصاص، إنما عن ملابسة أو ما أسموه «أدنى ملابسة» ملابسة ظرفية زمانية، وهناك ملابسة ظرفية مكانية.

الآن خرج بنظرية في المركب والإضافة والإضافة -فالإضافة يعبر عنها باللام، واللام تأتي للملكية والاختصاص أو أدنى ملابسة- ليكون بذلك صورة متكاملة عن الموجودات بصفة عامة، لكنه في النهاية يخدم بهذه النظرية غرضه في فهم دلالة اللفظ على المعنى.

دلالات المطابقة والتضمن والالتزام وانواع اللزوم

ثم يمضي إلى دلالة رابعة للفظ من حيث علاقته بالمتصور الممكن فقال هناك ثلاث دلالات: دلالة كل، ودلالة جزء، ودلالة لا كل ولا جزء؛ إنما شيء ضروري أو لازم الاتصال بالمتصور من اللفظ، وسماها دلالات المطابقة والتضمن والالتزام.

فحين نتلفظ بلفظ «عمارة» فقد تطلق ويراد بها: مجمل العمارة فتسمى دلالة مطابقة، لأن اللفظ يدل على كامل معناه.

وقد يراد بها «شقة من العمارة» أو يتبادر إلى ذهن «الطابق الأرضي منها» فهذه دلالة تضمن، ودلالة التضمن هي دلالة اللفظ على جزء معناه.

وقد يتبادر إلى الذهن «من شاركوا في بناء هذه العمارة من مهندسين وعمال» وهم لا يمثلون مجمل العمارة ولا جزءًا من مكوناتها، إنما هم من اللوازم الضرورية لوجودها، هذه علاقة «لزوم» .

ثم يتساءلون: ما معنى اللزوم؟ إنه عدم الانفكاك. أي أن شيئًا يلازم آخر لا ينفك عنه، يقولون: إذن هناك هناك لازم، وهناك ملزوم، وهناك اللزوم نفسه: ثلاث قضايا، فيتساءلون عن مصادر علاقة اللزوم في الموجودات: هل هو مما استلزمه الوجود، أم مما تستلزمه العادة؟ أم مما يستلزمه العقل؟ فيكون اللزوم ثلاثة:

لزومًا عاديًّا كقولنا: الغراب أسود. لأن العقل لا يحتم أن يكون الغراب أسود إنما الواقع يدل عليه.

ولزومًا عقليًّا: كقولنا: العشرة عدد زوجي. يحتمها العقل وإن لم يشهد لها الواقع.

ولزومًا عرفيًّا: كقولنا «القائد مهاب الجناب» لا يحتمها عقل ولا وجود، إنما عرف الناس وعادتهم.

ثم تكلم عن اللزوم بالمعنى الأعم، واللزوم بالمعنى الأخص، واللزوم البين، واللزوم غير البين وتوسعوا في ذلك.

الاستعمال والحقيقة والمجاز وقاعدة الاستعمال والحمل والوضع

الغريب أنك تجد نفس هذه المباحث في علوم أخرى كالمنطق والبلاغة كما هي أيضًا في علم الأصول؛ لكن كلًّا يتناولها لغرضه لخدمة علمه.

ثم تكلموا عن قضية خامسة في نظرية الدلالة وهي قضية الاستعمال.

فلفظ أسد معلوم أنه يستعمل للدلالة على الحيوان المفترس ذي الأوصاف المعروفة، لكننا نلاحظ أن العرب تستعملها أيضًا لدلالات أخرى كمعنى الرجل الشجاع وهنا يفرقون بين استعمالين: الحقيقة والمجاز.

وقضية الحقيقة والمجاز تتداخل بشدة مع قضية الوضع ومع الموقف من هذه الأخيرة.

فالحقيقة: هي استعمال اللفظ فيما وضع له أولًا . مثل: رأيت أسدًا في الغابة. والمجاز: هو استعمال اللفظ في غير ما وضع له أولًا ؛ مثل قولك: رأيت أسدًا في المعركة يقهر الأعداء، أو كان حمزة أسدًا من أسد الله عز وجل.

ومن مدخل سادس – في قضية الاستعمال – استخرجوا قضية أخرى ربطوها بها وهي قضية «الحمل» وبهما تكتمل نظرية «الاتصال» أو «التواصل اللغوي» عند الأصوليين:

فحين أتلفظ أمامك باللفظ وأستعمله بمعنى، وأنت قد تسمعه بمعنى مختلف، يكون التفاهم بيننا متعسرًا، وينقطع التواصل، وتضيع فائدة اللغة، فماذا فعلوا؟ وضعوا قاعدة تقول «الاستعمال من صفة المتكلم، والحمل من صفة السامع، والوضع قبلهما».والوضع قبلهما: يعني ضرورة الاستعمال والحمل بناء على وضع سابق للفظ إزاء معناه أو معانيه المحتملة، إما وضعًا لغويًّا، أو وضعًا شرعيًّا، أو عرفيًّا، أو وضعيًّا اصطلاحيًّا.

من نظرية الدلالة الى دراسة الجملة ومباحث الامر والنهي

وعند هذا الحد بدأت نظرية الدلالة تنتقل إلى مستوى أكثر نضوجًا واختمارًا، حين اشتبكت وتراكمت فيها القضايا والتفريعات من الوضع والاستعمال والحمل والاتصال... إلخ، كل ذلك بهدف أساسي؛ وهو معرفة مراد المتكلم من كلامه، وهو حقيقة الفقه.

وبعد هذا الإجمال والشعور باكتمال النظرية على مجملها، اتجهوا مع المفرد والمركب إلى دراسة «الجملة» والنسب أو العلاقات التي تحتويها الجملة. ففصلوا القول في قضايا الأمر والنهي، وقضايا الخصوص والعموم، وقضايا المطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول، والنص والظاهر، والخفي... إلخ.

وضع الأصولي «الجملة العربية المفيدة» أمامه، وراح يطرح أسئلته عليها على كافة المستويات؛ على مستوى اللفظ المفرد، وعلى مستوى التركيب، وأخذ في السؤال من كل جهة، كان يهدف بداية إلى «الفهم» ثم انطلق إلى مهمة أعلى: كيف يحيل هذا الفهم إلى قواعد أو أحكام تصف الأفعال البشرية وتطبق في الواقع -وهو ما نطلق عليه نظرية الإفتاء- مثال قضية الأمر والنهي؛ كيف رتب الأصوليون مباحث هذه القضية.

تطور تعريف الامر في اصول الفقه وصيغة افعل واشكال الترك

البداية –عند الأصولي- تأتي من التحديد أو التعريف، يبدأ بتعريف أولي ثم يأخذ التعريف –مع كثرة الترداد والتحاور حوله- ينضج حتى يصير أكثر متانة ودقة. ففي البداية قالوا: إن «الأمر» هو طلب -أن تطلب شيئًا من شخص ما أو كائن ما- ثم قيل لهم إن النهي أيضًا يعد طلبًا، فقالوا إن الأمر إذن هو طلب الفعل -على أساس أن النهي هو طلب الترك.

فقيل: وما صيغتها؟ قالوا: «افعل» مثل اضربْ، اذهبْ. فقيل: إن في اللغة أفعالًا للأمر على نفس الصيغة «افعل» لكنها لا تفيد الطلب، بل تفيد «الترك» كالنهي؛ مثل قولهم: اترك، دع، ذر... فهل هي أمر أم هي نهي ؟!

فقالوا: إن «الترك» فعل، وليس كـ «عدم الفعل» الذي هو محل النهي، فهناك فارق بين عدم شرب الخمر وبين «الإحجام» عن شربها مع الدعوة إليها أو القدرة عليها أو حضورها. وقالوا: والفارق بين «الترك» و «عدم الفعل». وتوسعوا في مباحثها.

فطوَّروا التعريف مع تزايد الأخذ ومع الروح المنفتحة على كل جديد من الطروحات والأسئلة، فصار تعريف الأمر «طلب فعل غير كف مدلول عليه بغير كف ونحوها» .

اسئلة الاصوليين حول الامر والتكرار والفور والنهي عن الضد

ويشار هنا إلى أنه رغم أن هذه العبارة هي عبارة رائعة توضح مدى عمق الصياغة ومدى الخدمة التي لاقاها هذا العلم، فإن طرائق التدريس التي وقفت عند تحليل العبارة فقط دون بحث ما وراءها قد قصرت أكثر مما خدمت.

هذه العبارة تتضح فيها فلسفة الصياغة عند الأصوليين حين نضج علمهم، أو كان في مسار نضوجه، حين كانوا يعنون في الصياغة بـ «التحقيق، والتدقيق، والترقيق، والتنميق، والتزويق» فعلى سبيل المثال نجد قولهم: «كَف» و «كُف» من قبيل التزويق. ولو لاحظت تكرار «غير» في التعريف فهي تعبر عن تعقد المسألة، مما تطلب منهم أن «يثبتوا» دخول فعل «كف» في الأمر بنفي نفيه، ونفي النفي إثبات، فالأمر هو طلب بغير الكف، والكف يخرج منه فعل كف ونحوه.

هذا نموذج على تحليل العبارات عندهم، لكن ليس هذا هو المطلوب من الباحثين اليوم، لكن الشيء المهم أنهم بعد التعريف ظلوا يستخرجون مسائلهم وأجوبتها من قبيل:

  • هل الأمر يفيد التكرار؟ والذي عليه الجمهور أن الأمر لا يفيد التكرار .

  • هل الأمر يفيد الفور؟ والذي عليه الجمهور أن الأمر لا يفيد الفور .

  • هل الأمر بالشيء نهي عن ضده؟ والذي عليه الجمهور أن الأمر بالشيء يفيد النهي عن أضداده .

  • هل الأمر بالشيء يفيد الأمر بذلك الشيء؟

تطبيقات عملية لمسائل التكرار والفور والامر بالشيء نهي عن ضده

وتفصيل ذلك كما يلي:

لو أنك قلت «أقم الصلاة» فهل هذا الأمر يفيد التكرار أم لا؟ الجمهور قالوا لا يفيد إلا فعل الشيء للمرة الواحدة، وإذا كان الشرع يريد التكرار فليأت بما يدل على إرادة التكرار من القرائن والأمارات، مثل ﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ﴾ [الإسراء: 78] وغيرها من الآيات والأحاديث التي أوضحت تكرار ومواقيت الصلاة وهذا غير أن يقال لك: اسقني ماء، فهي لا شك لا تفيد التكرار.

فقالوا: وماذا عن «الفور» فقوله عز وجل ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: 97] هل يفيد الفور؟ الجماهير على أنه يفيد التراخي، والخلاف قائم بين الحنفية والشافعية في ذلك .

وبخصوص الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده، فقالوا: إن هناك أشياء لها ضد واحد، فيكون الأمر بالشيء نهي عن هذا الضد المعروف، كالأمر باليقظة هو نهي عن النوم؛ لأنه ليس ضد اليقظة إلا النوم، وإذا كان للشيء أضداد متعددة فالأمر به نهي عن مجموع أضداده لا عن ضد معين منها، ومن ثم قالوا: الأمر بالشيء نهي عن ضده لا عن أضداده، والنهي عن الشيء أمر بضده لا بأضداده.

وهذه القاعدة في أصول الفقه لا تتعلق فقط بفهم النص إنما أيضا تتعلق بتطبيقه.

فقضية الأيمان والتعاليق من أهم القضايا التي شغلت الفقه الإسلامي فترة طويلة تجد امتدادات لها في هذه القاعدة، فالأيمان هي الأقسام جمع «يمين» بمعنى قسم أو حلف، والتعاليق تظهر في الطلاق والعتاق: تعليق الطلاق أو العتاق على فعل أو حدث ما. فإن قال الرجل لامرأته: إن خالفت أمري فأنت طالق. فإذا فعلت نهيًا له ولم تخالف أمرًا له، هنا يتحرك المذهبان بين المؤيد لهذه القاعدة والمخالف لها.

مسألة الامر بالامر بالشيء ومثال امر النبي لعمر بابنه

ثم هل الأمر بالأمر بالشيء يفيد الأمر بذلك الشيء ؟ قيل إن رسول الله ﷺ أمر عمر أن يأمر ابنه عبدالله أن يرجع زوجته ، هنا عمر مأمور بأمر ابنه أن يرجع زوجته، فهل عبدالله هنا مكلف من رسول الله ﷺ ؟ بمعنى أن أمر الرسول ﷺ لأبيه بأن يأمره يعد أمرًا لابن عمر نفسه؟ هل واجب على عبد الله أن يطيع؟ اختلفوا؛ لكنهم على كل حال كانوا يسعون للاقتراب من الحق كما يتصورونه .

وقد جرَّنا إلى هذا التفصيل أن نظرية الدلالة تعد هي النظرية القلب في علم أصول الفقه، وهي تحتاج إلى مزيد ومزيد من التفصيل، كما أن تفاصيلها مشحونة بأبعاد منهجية كثيرة.

ثم قال الأصولي: لا بد أن أفكر في «الأمر» وما يقتضيه، فقال: إن الأمر للوجوب ما لم تصرفه قرينة تدل على غير ذلك، والنهي للتحريم ما لم تصرفه قرينة، وغير ذلك من المباحث الأخرى.

المنطوق والمفهوم وانواعهما ومثال سائمة الغنم

ثم تكلموا عن مدخل سابع أو ثامن عن المنطوق والمفهوم ودلالتهما:

أريد -كأصولي- أن أستدل بالألفاظ التي أمامي لأتوصل إلى معناها على مستوى اللفظ والجملة. وهنا يأتينا تصور نشأ عندهم بالتفكر، وكأنه منهج للتعامل مع اللغة العربية، وهو قضية المنطوق والمفهوم.

وعندهم المنطوق قسمان: صريح وغير صريح، والمفهوم قسمان هما مفهوم الموافقة، ومفهوم المخالفة، والفارق الأساسي بين المنطوق والمفهوم أن المنطوق ما كان محل النطق، والمفهوم ما كان في محل السكوت، أي المعنى الذي جاء إلى ذهنك، فقد جاء في معنى مسكوت عنه في اللفظ، ولكنه مفهوم من الكلام، وقد يكون المفهوم موافقًا للمنطوق، وقد يكون مخالفًا له .

ومثال ذلك أنهم سمعوا رسول الله ﷺ يقول: «في سائمة الغنم الزكاة» والسائمة هي التي ترعى في المراعي تأكل من العشب والخصب والجدب، وضدها المعلوفة، وهي التي تحبس في الحظائر ونأتي لها بأكلها، والنبي ﷺ يجعل الزكاة في السائمة؛ فهي التي لا تكلف صاحبها شيئًا، في حين أن المعلوفة تتكلف عليه؛ لأنه يحبسها (وهذا الحبس له مؤنة أو كلفة) فعفا الرسول ﷺ عن أخذ شيء منها. الذي أمامنا (النص) هنا هو المنطوق، وهو يفرض الزكاة على السائمة، هذا ما نقرأه أو نسمعه، ولكن المعلوفة مسكوت عنها. ولذلك عندما آتي فأحكم على المسكوت عنه بـ «ضد» المذكور أمامي فهو مفهوم المخالفة أو «مع» المذكور فهذا هو مفهوم الموافقة.

دلالة الاقتضاء والاختلاف الفقهي في لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب

والمنطوق صريح وغير صريح. المنطوق الصريح هو أيضًا الذي سمعته كالقول السابق، ولكن غير الصريح قالوا إنه ثلاث دلالات: دلالة الاقتضاء، ودلالة الإيماء، ودلالة الإشارة . فما هذه الدلالات؟

دلالة الاقتضاء تعني أنه لا بد على أن أكمل النص حتى يتفق مع الواقع أو مع الشرع. فلو حملت الكلام الذي أسمعه على حقيقته الصلبة الجافة لكان كذبًا، فالنبي ﷺ عندما يقول «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» والحقيقة المجردة التي وضع من أجلها النفي في اللغة العربية هي نفي الوجود. وبناء عليها فإذا صليت ولم أقرأ الفاتحة، فإن الذي رآني وجد أنني أصلي، بينما المعنى الجاف الصلب الحاد في الحديث هو أنني لم أصلِّ، فهل هذا صحيح في الواقع؟ لا، فمعنى هذا الكلام أن هناك محذوفًا يقتضيه الواقع والشرع؛ وهو أنه لا صلاة «صحيحة» أو «كاملة» إلا بأم الكتاب؛ ومنبع هذا اليقين أن ثَمَّ شيئًا محذوفًا، وقد وجهني إليه الشرع أو الواقع.

ولأجل أن هناك دلالة اقتضاء في اللغة، سنجد أن هناك اختلافًا بين الفقهاء، وسنجدهم انتبهوا لما هو القطعي وما هو الظني؛ لأنهم تأكدوا هنا -في المثال السابق- أن الأمر ظني، وأنني عندما أقدر أن المحذوف هو «صحة» الصلاة وليس «كمالها» فذلك لاعتبارات عقلية وليست نقلية. ولأن الأمر ظني فلا يكفر بعضهم بعضًا ولا يفسقون؛ لأن الإطار المرجعي واحد، وهو أنهم حكموا الكتاب والسنة في القضية، فقضيته قضية فهم الدلالة، وليست قضية حجية أو ثبوت.

حديث من لم يبيت الصيام ودلالات الايماء والاشارة في السرقة والنية

وهذا التنوع أمر أراده الله عزوجل لعل فيه تدريبًا للفكر، وبناء لمناهج اختلاف التنوع وتعدد الفروع، والنبي ﷺ يقول: «من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له» وهنا يختلف الأئمة: هل هي في كل ليلة أو في أول رمضان، اختلفوا في محذوف قد يقتضيه الأمر، الشافعي –هو والجمهور- يقول في كل ليلة، لأن النفي هو نفي صحة، والحنفية يقولون بل نفي كمال . فالفقه -وهو فهم النص- اختلف لاختلاف الأدوات، وهي التي نسميها أصول الفقه.

أما عن دلالة الإيماء فقد وجدنا في هذه الألفاظ أن الله عزوجل بنى الأحكام الشرعية على أوصاف قائمة بذوات كما في قوله عز وجل ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [المائدة: 38] ودلالة الإيماء تعني أن الله عزوجل يرتب الحكم وهو القطع على وصف السرقة ، فلو لم يكن الوصف علة للحكم لما كان لذكره معنى، فقد رتب القطع وجعله مبنيًا على السرقة لا يمكن أن يكون القطع إلا وسببه السرقة، ولذلك أخرجوا قاعدة لهذه القضية «إن بناء الحكم على المشتق يؤذن بعلية ما منه الاشتقاق».

دلالة الإيماء هي مسلك من مسالك إدراك العلية يفيدنا في نظرية الإلحاق «القياس».

ثم يتكلمون بعد ذلك عن دلالة الإشارة وذلك أن اللفظ يشير إلى شيء ليس من صميم مراد المتكلم ولا قصده الأساسي. فعندما أقول (السارق..) فالسرقة علة للقطع، أنا أقصد -هنا- أن السرقة علة القطع، لكن ماذا يكون الحال لو أنني قلت لك في نص شرعي: تعقد النية في أول العمل؟ فلا بد أن أفهم أن هذا متعذر في الصيام، لأن أول العمل يقتضي ضرورة تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر كل يوم، وهذا شيء شبه مستحيل أن يخرج المسلمون إلى الصحراء كل يوم حتى يتبين لهم مطلع الفجر وعند ذلك ينوون الصيام؛ فهذا غير ممكن –فهنا يشير ذلك اللفظ أو ذلك التركيب إلى أن الليل كله موطن لهذه النية.

من أين أتيت بهذا؟ من الواقع، ومن التصور العقلي، ومن سؤالي: كيف أنفذ هذا الأمر الإلهي، فإن لم أستطع بهذه الكيفية المباشرة؛ فلا بد أن آخذ إشارة من هذا بهذا.

العام والخاص وصيغ العموم ومعيار الاستثناء

يتكلمون تاسعًا عما يسمى بالخاص والعام، ويقولون إن هناك ألفاظًا تستغرق ما تصلح له بالوضع –وضع اللغة- وهذا هو «العام» والخاص بعكسه، كأنه ذلك الذي يدل على شيء واحد. فجعلوا يفكرون: هل هناك ألفاظا معينة للعموم؟ فوجدوا ألفاظا مثل «من» مثل: من جاءك فأكرمه. ولفظة (ما) عفوت عما فعلت، ومثل الجمع المحلى بالألف واللام مثل «المسلمون تتكافأ دماؤهم» أي كل المسلمين، ومثل الجمع المضاف: أولاد زيد، وهكذا.

ثم من تلك الصيغ يتكلمون عن أحكامها: ماذا لو حدث أن خصص العام؟ هل الباقي يكون قطعيًّا في معناه أم يكون ظنيًّا؟ فبدأ العلماء يكتبون في كيفية هذا التخصيص أبوابًا:

أولًا: اللفظ العام كيف أعرف أنه «عام» قالوا إذا جاز منه الاستثناء، فالاستثناء هو معيار العموم، فالآية التي يجوز لي فيها الاستثناء وتبقى كما هي تامة المعنى، تكون آية عامة، وما دامت هي عامة فهي تستغرق كل ما وضعت له، فإذا ما خصصت فالباقي فيه خلاف هل هو قطعي أو ظني.

والمهم في هذا المقام أن نفهم كيف كانوا يفكرون. فلماذا قالوا: الذي يخصص هو الاستثناء؟ المثال يوضح فقوله عز وجل ﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ ﴾ [الإسراء: 78] عام لأنه يجوز أن يقال: أقم الصلاة إلا صلاة العصر. الصلاة جنس للصلاة فهي عام.

النص والظاهر والمؤول ومثال اجمال آية السارق والسارقة

ثم يتكلم العلماء عاشرًا عما أسموه بـ «المجمل» و «المبين» ويقولون إن هناك تقسيما للألفاظ على الوجه التالي:

النص: وهو ما لا يحتمل إلا المراد منه ، مثل قوله عزوجل ﴿ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ﴾ [البقرة: 196] فقوله عشرة منع الخلاف. وقوله عز وجل ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾ [البقرة: 229] تقضي أن الطلاق ثلاث مرات، ولم يختلفوا في ذلك. وهذا من المبين.

الظاهر والمؤول : ما يحتمل المراد وغيره، فله معنيان، لكنه في المراد أرجح، لكن لو كان المراد هو المرجوح يسمى المؤول.

هذا كله فيما له دلالة واضحة، لا تحتمل غير الراجح، أو تحتمل الراجح أكثر، أو تحتمل المرجوح.

﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ [طه: 5] ما معنى استوى؟ في الذهن عند العرب معناها يجلس ولكن الله عز وجل يقول ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ [الشورى: 11] ويقول ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد ﴾ [الإخلاص: 4] هل هناك معنى مرجوح في كلمة استوى؟ نعم، وهو الاستيلاء، أي قهر واستولى، إذن لا نستطيع أن نأخذ بالظاهر الراجح، لأن هذا سيصف الله عز وجل بما لا يليق بجلاله، فلا بد أن نخرج من ذلك، ويسمونه «التأويل» وهو ترك الظاهر، لماذا؟ لأدلة عقلية ونقلية.

كل هذا في مقابل ما له دلالة واضحة، وهو الذي يسمى «بالمجمل» الآية التي ذكرناها ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا ﴾ [المائدة: 38] هذه الآية في ذاتها مجملة في موضعين، «فاقطعوا» القطع يطلق ويراد منه الشق، ويطلق ويراد منه الإبانة أو الانفصال، إذن ماذا يقصد هنا؟ هل هناك ما يدل على هذا أو ذاك؟ لا؛ إذن فهو من قبيل المجمل الذي يحتاج إلى مبين.

دور السنة والاجماع في بيان موضع قطع يد السارق ووظيفة الاجماع

المعضلة الثانية أنه عزوجل قال: «أيديهما» واليد تطلق من أطراف الأصابع إلى نهاية الكف، أو من بداية الأصابع إلى نهاية الكتف. فمن أين تقطع اليد؟ فهذا مجمل أيضًا، فأصبح عندي أربعة احتمالات لتنفيذها: جرح في الكتف، أو جرح في اليد، أو فصل الكتف، أو فصل الذراع كله.

فهنا نرجع إلى الحجية؛ إلى السنة، خاصة أن الأمر فيه قطع جزء من جسم الإنسان، وهذا في ظاهره مخالف للدين الذي ينهاني عن الاعتداء على جسم الآدمي، إذن فلا بد أن ألجأ للسنة، ولا يصح أن أسارع بتحكيم عقل أو بتقديم رأي مجرد عن الهدى.

وسنحتاج إلى قضية الإجماع التي تقول إننا نقطع من الكف، ونفصل ولا نشق، فقد حدد الإجماع واحدة من الاحتمالات الأربعة. وهذا مهم لفهم دور الإجماع الأصولي؛ فهو ينشئ حكما، ولكنه ينفي الظن، ويرفع الجدال والخصام، فيحول الظني إلى قطعي، فهل هناك من يخالف في ذلك؟! أبدًا.

اسباب الاجمال وبداية مبحث المطلق والمقيد

ما سبب أو أسباب الإجمال؟

في بعض الاحيان يكون الضمير لا نعرف أين مرجعه فيقع الإجمال، كقوله عز وجل ﴿ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ﴾ [البقرة: 237] من هو الذي بيده عقدة النكاح؟ الولي –وهو أبو العروس، أم الزوج؟ لا نعلم على سبيل القطع من النص؛ لأنه يحتمل ويحتمل، لأن المرجع للضمير يجوز على الاثنين.

وسبب الإجمال قد يكون أيضًا الاشتراك أو تردد العبارة؛ يعني بما شاع أو بما كان حقيقة مهجورة.

أيضًا يتكلمون -أخيرًا- عن قضية المطلق والمقيد، والتي يلحقها بعض العلماء بقضية العام والخاص، ويجعلها بعضهم موضوعًا مستقلًا، ويقولون: المطلق هو ما دلَّ على ماهية بلا قيد، والشرع يقول: اعتق رقبة. رقبة تدل على الرِّق، وفي هذا المجال فهي مطلقة، أما لو قال رقبة مؤمنة فقد قيدها بصفة الإيمان، أو يقول يحرم عليك أن تأكل الدم، فهذا مطلق أيضًا؛ لأنه لم يحدد هل هو دم لحيوان، أو لطير، أو هو لمسفوح أو غيره، والمقيد على ذلك: ما دل على الماهية بقيد زائد.

إن الذي نلاحظه في ذهن العقل الأصولي وسط كل هذه المسائل التي تضمنها علم الأصول على مدى التاريخ العلمي؛ كيف نقرأ؟

مصادر استمداد اصول الفقه واعتماد المنهج الاصولي في فهم السنة

هذه القراءة التي انتهى علم الأصول لبيان كيفيتها في صورته النهائية مستمدة –كما أشرنا لذلك -من ثلاثة علوم: علم الكلام، واللغة العربية، والأحكام الشرعية –أماالاستمداد من علم الكلام فلتوقف الأدلة الشرعية الكلية- على معرفة الباري سبحانه وتعالى، بقدر الممكن من ذاته وصفاته وأفعاله، ومعرفة صدق رسوله المبلغ، ومعرفة صدق الرسول بتوقف ثبوته على أن المعجزة تدل على دعوى الرسالة، ودلالة المعجزة على صدق الرسول تتوقف على امتناع تأثير غير القدرة القديمة فيها، وهذا كله مبين في علم الكلام.

أما الاستمداد من علم اللغة العربية فلأن الأدلة الكلية من الكتاب والسنة والاستدلال بها يتوقف على معرفة اللغة من حيث الحقيقة والمجاز، والعموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، والمنطوق والمفهوم، وغير ذلك من المباحث اللغوية التي لها أثر في استنباط الأحكام من الأدلة.

أما الأحكام الشرعية كالوجوب والتحريم فمن حيث تصورها؛ لأن مقصود الأصولي من الأصول إثبات الأحكام أو نفيها من حيث إنها مدلولة للأدلة الشرعية ومستفادة منها كما أن مقصود الفقيه من الفقه إثبات الأحكام أو نفيها من حيث تعلقها بفعل المكلف وهي تقع جزء من محمولات مسائلها كقولنا: الأمر للوجوب.

هذا هو الأمر الأول الذي نستند إليه في قراءتنا للسنة النبوية، اعتماد المنهج الأصولي؛ الذي يصل بنا إلى الغاية «الفهم».

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الذي كان يفعله أبو بكر الصديق حين لا يجد حكمًا في الكتاب والسنة؟

يجمع علماء الصحابة ويستشيرهم

ما تعليل علي بن أبي طالب في جعل حد الخمر ثمانين جلدة؟

لأن شارب الخمر إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى فيكون حده حد الفرية

لماذا لم يحتج الصحابة والتابعون إلى تدوين علم أصول الفقه؟

لأنهم كانوا يعرفونه بطباعهم وسليقتهم العربية

من هو أول من دوّن منهج أصول الفقه في كتاب مكتوب؟

الإمام الشافعي

ما الوجودات الأربعة التي تأملها الأصوليون في نظرية الدلالة؟

الوجود في الأعيان والأذهان واللسان والبنان

ما الفرق بين الحقيقة والمجاز في علم أصول الفقه؟

الحقيقة استعمال اللفظ فيما وضع له أولًا والمجاز استعماله في غير ما وضع له

ما موقف جمهور الأصوليين من مسألة هل الأمر يفيد التكرار؟

الأمر لا يفيد التكرار إلا بقرينة

ما دلالة الاقتضاء في علم أصول الفقه؟

تقدير محذوف في النص حتى يتفق مع الواقع أو الشرع

ما وظيفة الإجماع الأصولي في المسائل الظنية؟

يحوّل الحكم الظني إلى قطعي ويرفع الجدال

ما الفرق بين المطلق والمقيد في علم أصول الفقه؟

المطلق ما دلّ على ماهية بلا قيد والمقيد ما دلّ عليها بقيد زائد

من أين تُقطع يد السارق وفق الإجماع الفقهي؟

من الكف

ما المشترك اللفظي في علم الدلالة الأصولي؟

اللفظ الواحد الذي له معانٍ عديدة مختلفة

ما مصادر استمداد علم أصول الفقه الثلاثة؟

علم الكلام واللغة العربية والأحكام الشرعية

ما الذي يميّز السائمة عن المعلوفة في حديث زكاة الغنم؟

السائمة ترعى في المراعي والمعلوفة تُحبس وتُطعم

ما أول من ألّف في علم الوضع من الأصوليين؟

عضد الدين الإيجي

ما منهج عمر بن الخطاب في القضاء حين لا يجد نصًا في الكتاب والسنة؟

كان عمر يبحث أولًا عن قضاء سابق لأبي بكر، فإن لم يجد جمع علماء الصحابة واستشارهم وقضى بما اجتمعوا عليه.

ما قاعدة الترجيح التي طبّقتها عائشة في مسألة قطع الصلاة؟

رجّحت عائشة الإقرار النبوي على القياس، معتبرةً أن الإقرار النبوي نصٌّ سابق على التشبيه والاجتهاد.

من هم الفقهاء السبعة من التابعين في المدينة؟

سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وخارجة بن زيد، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة.

ما الأسس التي كانت تُبنى عليها ملكة الاستنباط الفقهي عند فقهاء الكوفة؟

الكتاب والسنة كمصدرين أساسيين، والإجماع، والقياس بإلحاق غير المنصوص بالمنصوص، واللغة العربية الخالصة.

ما موقف الليث بن سعد من حجية عمل أهل المدينة؟

خالف الليث الإمام مالك في حجية عمل أهل المدينة، مستدلًا بأن كبار الصحابة انتشروا في الأمصار ونشروا العلم فيها، فلا تنفرد المدينة بالحجية.

ما الوضع اللغوي والشرعي والاصطلاحي؟

الوضع اللغوي هو ما وضعته العرب للألفاظ، والشرعي ما وضعه الشرع كالصلاة للهيئة المعروفة، والاصطلاحي ما اتفق عليه أهل فن معين كلفظ فقه عند الفقهاء.

ما الكلي والجزئي في نظرية الدلالة الأصولية؟

الكلي ما لا يمنع نفس تصور معناه من وقوع الشركة فيه كإنسان، والجزئي ما يمنع نفس تصور معناه من وقوع الشركة فيه كاسم فاطمة.

ما دلالة التضمن وكيف تختلف عن دلالة المطابقة؟

دلالة المطابقة هي دلالة اللفظ على كامل معناه، ودلالة التضمن هي دلالة اللفظ على جزء معناه فقط.

ما اللزوم العقلي واللزوم العادي واللزوم العرفي؟

اللزوم العقلي ما يحتمه العقل كالعشرة عدد زوجي، والعادي ما يدل عليه الواقع كالغراب أسود، والعرفي ما جرى به عرف الناس كالقائد مهاب الجناب.

ما قاعدة الاستعمال والحمل والوضع عند الأصوليين؟

الاستعمال من صفة المتكلم، والحمل من صفة السامع، والوضع قبلهما، أي يجب أن يبنيا على وضع سابق للفظ إزاء معناه.

ما مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة؟

مفهوم الموافقة هو أن يكون حكم المسكوت عنه موافقًا لحكم المنطوق، ومفهوم المخالفة هو أن يكون حكم المسكوت عنه مخالفًا لحكم المنطوق.

ما دلالة الإيماء وما القاعدة المستخرجة منها؟

دلالة الإيماء هي بناء الحكم على وصف قائم بذات، والقاعدة المستخرجة: إن بناء الحكم على المشتق يؤذن بعلية ما منه الاشتقاق.

ما النص والظاهر والمؤول في تقسيم الألفاظ الأصولي؟

النص ما لا يحتمل إلا المراد، والظاهر ما يحتمل المراد وغيره لكن المراد أرجح، والمؤول ما حُمل على المعنى المرجوح لدليل صارف.

ما أسباب الإجمال في النصوص الشرعية؟

من أسباب الإجمال: إبهام مرجع الضمير، والاشتراك اللفظي، وتردد العبارة بين معنى شائع وحقيقة مهجورة.

ما موقف الجمهور من مسألة هل الأمر يفيد الفور؟

ذهب الجمهور إلى أن الأمر لا يفيد الفور بل يفيد التراخي، مع خلاف قائم بين الحنفية والشافعية في ذلك.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!