اكتمل ✓
الفصل 20

هل شكر المنعم واجب عقلاً وما حكم الأفعال الاختيارية قبل ورود الشرع؟

شكر المنعم ليس واجباً عقلاً عند الأشاعرة، بل وجب بالشرع فقط، استناداً إلى أن التعذيب لا يجوز قبل بعثة الرسل. أما الأفعال الاختيارية التي يمكن الاستغناء عنها قبل ورود الشرع، فقد اختلف العلماء فيها بين الإباحة والحظر والوقف، والراجح عند الأشاعرة هو الوقف لانتفاء الأحكام الشرعية قبل الشرع.

5 دقائق قراءة
  • هل يمكن للعقل وحده أن يوجب شكر الله دون نص شرعي، وهل يُعاقَب من لم يشكر قبل بعثة الرسل؟

  • شكر المنعم عند الأصوليين هو الثناء على المنعم بذكر آلائه، سواء باللسان أو القلب أو الجوارح.

  • الأشاعرة يرون أن وجوب شكر المنعم ثابت بالشرع لا بالعقل، محتجين بأن التعذيب لا يجوز قبل بعثة الرسل.

  • المعتزلة يقولون بوجوب شكر المنعم عقلاً، والشرع جاء مؤكداً لما أدركه العقل، وهو مبني على مذهبهم في التحسين والتقبيح.

  • مسألة شكر المنعم فرع عن مسألة التحسين والتقبيح العقليين، وقيل إنها عينها لا فرعها عند بعض العلماء.

  • الأفعال الاختيارية قبل ورود الشرع اختلف فيها العلماء بين الإباحة والحظر والوقف، والأشاعرة يقفون لانتفاء الأحكام الشرعية.

تمهيد فرعي التنزل وتعريف شكر المنعم عند الأصوليين

( فرعان على التنزل: الأول، شكر المنعم ليس بواجب عقلاً ). عرفنا مما تقدم أن الأشاعرة لا يقولون بالحسن والقبح العقليين، وأن المعتزلة يقولون بهما، وقد جرت عادة الأصوليين بذكرهما بعد إبطال مذهب المعتزلة فيها لشدة سخافة مذهب المعتزلة بالنسبة إليهما. ولهذا يقال: إنهما على التنزل، أي الافتراض، والتكليف في النزول عن المذهب الحق الذي هو في الذروة إلى مذهب الباطل الذي هو في الحضيض .

الأول: شكر المنعم وشكر المنعم: هو الثناء عليه بذكر آلائه وإحسانه. وقل: هو فعل ينبئ عن تعظيم المنعم لإنعامه، سواء أكان الفعل قولاً باللسان أم اعتقادًا بالقلب أم عملاً بالجوارح والأركان .

موقف الأشاعرة والمعتزلة من وجوب شكر المنعم عقلا

قالت الأشاعرة: شكر المنعم وهو الله تعالى ليس واجبًا عقلاً، وإنما وجب بالشرع. وقالت المعتزلة: شكر المنعم وجب بالعقل والشرع جاء مؤكدًا لما أدركه العقل. والمراد هنا بوجوب الشرك عقلاً: أنه يجب على المكلف تجنب المستقبحات العقلية، وفعل المستحسنات القلية، وحجة الأشاعرة أنه لو وجب الشكر، لجاز تعذيب تاركه؛ لأن جواز التعذيب على الترك من لوازم الوجوب، لكن تارك الشكر قبل الشرع لا يجوز تعذيبه لقوله تعالى:

{ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولًا }[الإسراء:15] .

ربط مسألة شكر المنعم بالتحسين والتقبيح العقليين

مبني الخلاف في المسألة: قال الإمام الزركشي رحمه في [ سلاسل الذهب ]: وهذه المسألة مبنية على التحسين والتقبيح العقليين، وهذا هو المشهور، أعني أنها فرعها، وخالف في ذلك الكيا الهراسي في تعليقه في [ الأصول ] وابن برهان في كتاب [ الأوسط ]. وقالا: هي عينها وليست فرعها؛ لأن الفرع قد يوجد بينه وبين أصله مغايرة، ولا مغايرة هنا؛ لأنهم إن أرادوا بالشكر قولنا: الحمد الله وأنها تجب عقلاً، فهو باطل؛ لأن الشكر يستدعي تقدم المعرفة ولأن المعرفة واجبة لشكر الإنسان عليها، فمن المحال أن تكون هي المعرفة وهي الشكر.

فإن المراد بشكر المنعم عندهم: اتباع ما حسنه العقل والانزجار عما قبحه. والمراد به عندنا: اتباع أوامر الشرع والانزجار عن نواهيه، فقد تبين بهذا التفسير أن هذه عين مسألة التحسين والتقبيح حذو القذة بالقذة، إلا أن العلماء أفردوها بالذكر بعبارات شيقات فتبعناهم .

تقسيم الأفعال قبل الشرع وتمييز محل النزاع في الاختيارية

الأفعال الاختيارية قبل البعثة ( الفرع الثاني: الأفعال الاختيارية قبل البعثة مباحة عند البصرية وبعض الفقهاء، محرمة عند البغدادية وبعض الإمامية وابن أبي هريرة، وتوقف الشيخ والصيرفي، وفسره الإمام بعدم الحكم، والأولى أن يفسر بعدم العلم؛ لأن الحكم قديم عنده، ولا يتوقف تعلقه على البعثة لتجويزه التكليف بالمحال ). هذا الفرع في حكم الأشياء قبل ورود الشرع ومن المعلوم أن الأفعال الصادرة من العبد إما أن تكون اضطرارية تصدر عن غير إرادته كحركة المرتعش، وإما أن تكون اختيارية، أي يكون للعبد دخل فيها وتصدر عن إرادته.

والنوع الثاني، الأفعال الاختيارية قسمان: أحدهما: لا يمكن الاستغناء عنه ويعرف بالضروري كالتنفس في الهواء وما يحفظ الحياة من الطعام والشراب. وثانيهما: ما يمكن الاستغناء عنه، كأكل الفاكهة. والأفعال الاختيارية التي وقع فيها النزاع هي القسم الثاني من النوع الثاني وهي ما يمكن الاستغناء عنه مع كون العقل لم يدرك فيها حسنًا ولا قبحًا.

أقوال العلماء في حكم الأفعال الاختيارية قبل البعثة وتفسير الوقف

واختلف العلماء في حكم الأفعال الاختيارية الذي يمكن للإنسان الاستغناء عنها، قبل ورود الشرع على ثلاثة أقوال: الأول: الإباحة، وبه قال معتزلة البصرة، وأهل الرأي، وأهل الظاهر. الثاني: أنها محرمة وبه قال معتزلة بغداد. الثالث: أنها على الوقف، لا نقول إنها مباحة ولا محظورة، وهو قول كثير من الشافعية منهم، أبو بكر الصيرفي، وأبو على الطبري، وبه قال الشيخ أبو الحسن الأشعري وأتباعه.

وقد اختلف العلماء في تفسير الوقف الذي نسب إلى الأشعري؛ فمنهم من فسره بأنه: حكم موجود قبل البعثة ولكن لا يعرف عينه أهو الإباحة أم التحريم ؟ والذي يعرفنا عينه هو الشرع. ومنهم من فسره بأنه: لا حكم قبل البعثة ، ورد ذلك من وجهين: أحدهما: أن الأشعري يقول، بقدم الحكم، فكيف يتصور منه القول نفيه قبل البعثة. ثانيهما: أن ذلك ليس وقفًا، بل جزمًا بعدم الحكم.

سبب مذهب الوقف في حكم الأفعال قبل البعثة عند الأشاعرة والمعتزلة

سبب الوقف عند القائلين به، القائلون بالوقف اختلفوا في سببه: فقالت الأشاعرة: لأن الوجوب وغيره من الأحكام، أمور شرعية، ولا شرع فتنتفي الأحكام. وقال بعض المعتزلة: لعدم الدلالة على أحدهما مع تجويز أنه يكون العقل دليلاً بالوقف لأجل عدم الدليل .

استدلال الزركشي بالآيات على الحظر أو الإباحة قبل ورود الشرع

فائدة: قال الإمام الزركشي رحمه الله في [ البحر المحيط ]: واعلم أن من قال من أصحابنا بالحظر أو بالإباحة ليس موافقًا للمعتزلة على أصولهم بل لمدرك شرعي، أما التحريم: فلقوله تعالى:

{ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ } [ المائدة: 4].

ومفهومه أن المتقدم قبل الحل التحريم، فدل على أن حكم الأشياء كلها على الحظر. وأما الإباحة فلقوله تعالى:

{ خَلَقَ لَكُم مَّا في الأَرْضِ جَمِيعًا } [ البقرة: 29].

فهذه مدارك شرعية دالة على الحال قبل ورود الشرع، فلو لم ترد هذه النصوص، لقال هؤلاء الفقهاء: لا علم لنا بتحريم ولا إباحة بخلاف المعتزلة فإنهم يقولون: المدرك عندنا العقل، ولا يضرنا عدم ورود الشرع. ا هـ .

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما تعريف شكر المنعم عند الأصوليين؟

الثناء على المنعم بذكر آلائه وإحسانه قولاً وقلباً وجوارح

ما موقف الأشاعرة من وجوب شكر المنعم؟

واجب بالشرع فقط لا بالعقل

ما الآية القرآنية التي استدل بها الأشاعرة على أن تارك الشكر لا يُعذَّب قبل ورود الشرع؟

{وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولًا}

ما موقف المعتزلة من وجوب شكر المنعم؟

واجب بالعقل والشرع جاء مؤكداً له

على أي مسألة أصولية كبرى تُبنى مسألة شكر المنعم؟

مسألة التحسين والتقبيح العقليين

من قال إن مسألة شكر المنعم هي عين مسألة التحسين والتقبيح لا فرعها؟

الكيا الهراسي وابن برهان

ما الأفعال الاختيارية التي وقع فيها النزاع قبل ورود الشرع؟

الأفعال التي يمكن الاستغناء عنها ولم يدرك العقل فيها حسناً أو قبحاً

ما القول الذي ذهبت إليه معتزلة البصرة في حكم الأفعال الاختيارية قبل ورود الشرع؟

الإباحة

ما القول الذي ذهبت إليه معتزلة بغداد في حكم الأفعال الاختيارية قبل ورود الشرع؟

التحريم

ما سبب القول بالوقف في حكم الأفعال قبل البعثة عند الأشاعرة؟

لأن الوجوب وسائر الأحكام أمور شرعية ولا شرع قبل البعثة

بأي آية استدل القائلون بأن حكم الأشياء قبل الشرع هو الحظر؟

{يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ}

بأي آية استدل القائلون بأن حكم الأشياء قبل الشرع هو الإباحة؟

{خَلَقَ لَكُم مَّا في الأَرْضِ جَمِيعًا}

ما المقصود بـ'التنزل' في مسائل أصول الفقه؟

الافتراض والنزول عن المذهب الحق لمناقشة المذهب الباطل

ما معنى شكر المنعم في اصطلاح الأصوليين؟

هو الثناء على المنعم بذكر آلائه وإحسانه، وقيل هو فعل ينبئ عن تعظيم المنعم لإنعامه سواء أكان قولاً باللسان أم اعتقاداً بالقلب أم عملاً بالجوارح.

لماذا تُذكر مسألة شكر المنعم على سبيل التنزل؟

لأنها تُذكر بعد إبطال مذهب المعتزلة في الحسن والقبح العقليين، فيُفترض مذهبهم ويُناقَش على سبيل الافتراض والنزول عن المذهب الحق.

ما حجة الأشاعرة على أن شكر المنعم غير واجب عقلاً؟

لو وجب الشكر عقلاً لجاز تعذيب تاركه، لكن تارك الشكر قبل ورود الشرع لا يجوز تعذيبه لقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولًا}.

ما الفرق بين موقف الأشاعرة والمعتزلة من شكر المنعم؟

الأشاعرة يرون وجوبه بالشرع فقط، بينما المعتزلة يرون وجوبه بالعقل والشرع جاء مؤكداً لما أدركه العقل.

ما المراد بشكر المنعم عند المعتزلة؟

اتباع ما حسّنه العقل والانزجار عما قبّحه، وهو ما يجعل المسألة عين مسألة التحسين والتقبيح العقليين.

ما المراد بشكر المنعم عند الأشاعرة؟

اتباع أوامر الشرع والانزجار عن نواهيه، لا اتباع ما حسّنه العقل.

ما الفرق بين الأفعال الاضطرارية والاختيارية؟

الاضطرارية تصدر عن غير إرادة العبد كحركة المرتعش، والاختيارية تصدر عن إرادته ويكون له دخل فيها.

ما الأفعال الاختيارية الضرورية؟

هي التي لا يمكن الاستغناء عنها كالتنفس في الهواء وما يحفظ الحياة من الطعام والشراب.

ما القول الثالث في حكم الأفعال الاختيارية قبل ورود الشرع ومن قال به؟

القول بالوقف، وبه قال الشيخ أبو الحسن الأشعري وأتباعه وكثير من الشافعية كأبي بكر الصيرفي وأبي علي الطبري.

ما التفسيران المختلفان للوقف المنسوب إلى الأشعري؟

الأول: أن ثمة حكماً موجوداً قبل البعثة لكن لا يُعرف عينه أهو الإباحة أم التحريم. الثاني: أنه لا حكم قبل البعثة أصلاً، وهذا رُدَّ بأن الأشعري يقول بقِدَم الحكم.

لماذا رُدَّ تفسير الوقف بأنه نفي الحكم قبل البعثة؟

لأن الأشعري يقول بقِدَم الحكم فلا يتصور منه نفيه قبل البعثة، ولأن ذلك ليس وقفاً بل جزم بعدم الحكم.

ما سبب الوقف عند بعض المعتزلة القائلين به؟

عدم الدليل على الإباحة أو التحريم مع تجويز أن يكون العقل دليلاً على الوقف لأجل عدم الدليل.

كيف فرّق الزركشي بين من قال بالحظر أو الإباحة من الفقهاء وبين المعتزلة؟

أوضح أن الفقهاء استندوا إلى مدارك شرعية من القرآن، بينما المعتزلة يستندون إلى العقل وحده ولا يضرهم عدم ورود الشرع.

ما مفهوم آية {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ} الذي استُدل به على الحظر؟

مفهومها أن المتقدم قبل الحل هو التحريم، فدل على أن حكم الأشياء كلها على الحظر قبل ورود الإذن الشرعي.

ما وجه الاستدلال بآية {خَلَقَ لَكُم مَّا في الأَرْضِ جَمِيعًا} على الإباحة؟

الآية تدل على أن الله خلق ما في الأرض لمنفعة الإنسان، فيكون الأصل في الأشياء الإباحة قبل ورود نص التحريم.

من هم أهل الرأي وأهل الظاهر في موقفهم من الأفعال قبل الشرع؟

هم من القائلين بالإباحة في حكم الأفعال الاختيارية قبل ورود الشرع، إلى جانب معتزلة البصرة.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!