اكتمل ✓
الفصل 26

ما هي بنود وثيقة المدينة المنورة وكيف تعامل النبي مع بني قريظة وعبد الله بن أبي بن سلول؟

وثيقة المدينة المنورة هي دستور سياسي اجتماعي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم قام على أربعة محاور: التعايش السلمي، والحرية الدينية، والمشاركة العادلة، والمسؤولية الفردية. أما بنو قريظة فقد نقضوا عهدهم وتحالفوا مع المشركين في غزوة الخندق، فاختاروا سعد بن معاذ قاضيًا فحكم عليهم بالقتل والسبي جزاء خيانتهم العظمى. وأما عبد الله بن أبي بن سلول فقد آثر النبي عدم قتله حفاظًا على المصلحة العليا للمسلمين.

10 دقائق قراءة
  • كيف أمكن لمجتمع مقسم بين مسلمين ويهود ومنافقين ومشركين أن يعيش تحت دستور واحد في المدينة المنورة؟

  • وثيقة المدينة المنورة قامت على أربعة محاور: التعايش السلمي، والحرية الدينية، والمشاركة العادلة، وإقرار المسؤولية الفردية.

  • بنو قريظة نقضوا عهدهم وتحالفوا مع المشركين في غزوة الخندق، فكانت خيانتهم العظمى سببًا في تغليظ عقوبتهم عن غيرهم من اليهود.

  • حكم سعد بن معاذ في بني قريظة بالقتل والسبي بعد أن اختاروه هم بأنفسهم قاضيًا، في سابقة فريدة في تاريخ العدالة.

  • النبي صلى الله عليه وسلم أبدى رحمة استثنائية حتى في تنفيذ العقوبة، وأجاز حالات عفو فردية، ونهى عن الجمع بين حر الشمس وحر السلاح على المحكوم عليهم.

  • موقف النبي من عبد الله بن أبي بن سلول وسائر المنافقين والمشركين في المدينة يكشف عن منهج نبوي قائم على الصبر والمصلحة العليا لا على الانتقام.

تركيب مجتمع المدينة وسؤال التعايش بين الفئات المختلفة

وفيها كانت المدينة مقسمة تقريبًا بين المسلمين واليهود والمنافقين والمشركين.

فكيف تعامل وتعايش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه مع هذه الأصناف؟

لقد كتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وثيقة(1) سياسية اجتماعية، كانت بمثابة الدستور الذي سار عليه أهل المدينة، وثيقة قائمة على العدالة، والعدالةُ في هذه الوثيقة تمثلت في توافق الحقوق والواجبات وتناسقها، فإنها تضمنت حقوقَ الأفراد جميعًا في ممارسة الشعائر الدينية الخاصة، وحقوقَهم في الأمن والحرية وصون أنفسهم وأموالهم وأعراضهم ودور عبادتهم.

فقد قامت وثيقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين أهل المدينة على أربعة محاور:

محاور وثيقة المدينة في التعايش والحرية والمسؤولية

الأول: التعايش السلمي بين الجميع، وتوفير الأمن للجميع، فمما جاء فيها: «أنه من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة، إلا من ظلم وأثم، وأن الله جار لمن بر واتقى».

وفيها: «وأن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم».

الثاني: المحافظة على الحرية الدينية للجميع، ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «وأن لليهود دينهم وللمسلمين دينهم».

الثالث: إعطاء الفرصة للجميع في المشاركة الاجتماعية والسياسية والعسكرية بصورة عادلة؛ كان مما جاء في الصحيفة: «وَأنّ عَلَى الْيَهُودِ نَفَقَـتَهُمْ وَعَلَى المُسْلِمِينَ نَفَقَـتَهُمْ، وَأَنَّ بَيْنَهُمُ النَّصْرَ عَلَى مَنْ حَارَبَ أَهْلَ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، وَأَنَّ بَيْنَهُمُ النُّصْحَ وَالنّصِيحَةَ وَالْبِـرَّ دُونَ الْإثْمِ».

الرابع: إقرار مبـدأ المسئولية الفرديـة، وأصل هذه المسئولية هـو الإعلان عن النظام، وأخذ الموافقة عليـه: «وأنه لا يكسب كاسب إلا على نفسه، وأن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره. وأنه لا يأثم امرؤ بحليفه وأن النصر للمظلوم».

مفهوم المواطنة والعقد الاجتماعي في تجربة المدينة

في هذا النموذج، الشعب خليط من المسلمين وغير المسلمين.. الحكومة مسلمة بقيادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونجد هنا إقرارًا لمبدأ المواطنة، والتقنين، ووضع دستور يسير عليه الجميع، فيما يسمى بعد ذلك عند جان جاك روسو(1) «العقد الاجتماعي»(2)، وكأنه تعلم هذا من المسلمين، فقد عقد النبي -عليه الصلاة والسلام- عقدًا بين تلك الطوائف المختلفة، وكأنه -صلى الله عليه وآله وسلم- أراد أن يقول فيه: إن بيننا مشتركًا؛ فلا أوس ولا خزرج، ولا مشرك ولا مسلم ولا يهودي، وذلك المشترك هو الدفاع عن المدينة، وهو ما يمكن أن نسميه بالمواطنة.

كانت هذه هي الوثيقة التي بنى عليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسس المواطنة في المدينة.

والمسلمون كان منهم مهاجرون وأنصار، والأنصار كان منهم أوس وخزرج.

فآخى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين المهاجرين والأنصار، بمعنى أن كل أنصاري اتخذ لنفسه أخًا من المهاجرين، يتولى مساندته ورعايته حتى يتجاوز هذه المرحلة التي خرج فيها من أرضه وماله وبيته وتجارته وكل شيء.

موادعة اليهود ثم غدرهم وخيانة بني قريظة العظمى

وأما اليهود فقد وادعهم صلى الله عليه وآله وسلم، وجعل لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، لكن ما لبثوا أن غدروا ولم يحترموا تلك العهود وهذه المواثيق، وخانوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين، ولقد كان غدر بني قريظة، وخيانتهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين في المدينة أشد من خيانة غيرهم من اليهود؛ فإنهم سعوا إلى خيانةٍ لو تَمَّتْ لهم لَفَنِيَ المسلمون عن آخرهم.

فقد كانوا يملكون حصنًا منيعًا أسفل المدينة، فنقضوا عهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتحالفوا مع أعدائه من المشركين الذين قدموا لغزو المدينة في غزوة الخندق، ولو تم لهم ما أرادوا لهلك المسلمون، فكان لا بد من الجزاء لتلك الخيانة.

اختيار بني قريظة لقاضيهم وحكم سعد بن معاذ عليهم

ولأول سابقةٍ في التاريخ يسمح صاحب السلطان والنفوذ والمنتصر، يسمح للمجرم والخائن والضعيف أن يختار قاضيه ومَنْ يحكم عليه بالعقوبة.

فقد سمح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليهود بني قريظة أن يختاروا شخصًا يحكم عليهم، فاختاروا سعد بن معاذ، وظنوا أنه سيعفو عنهم أو يخفف عنهم العقاب، ولكنه على العكس من ذلك حكم عليهم بعقوبة الغدر والخيانة، وهي القتل والسبي.

وبالرغم من قسوة العقوبة -والتي كان بنو قريظة يتوقعونها- استمروا في القتال دون طلب السلم أو العفو، وهم يعلمون ما يستحقونه من عقاب، ولم يطلبوا الاحتكام إلى قضاء سعد بن معاذ إلا بعدما رأوا أنهم سينهزمون في المعركة، وعلموا أن رسول الله ومن معه لن ينصرفوا عنهم حتى يحسموا الأمر معهم.

محاولة الوقيعة بين الأوس والخزرج وتكريم النبي لسعد

وحينما طلب اليهود الاحتكام إلى سعد بن معاذ كانوا يريدون الوقيعة بين الأوس والخزرج، وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، فقد كان سعد زعيم الأوس، وفي تجنبهم حكمَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعدم رضاهم بالنزول على حكمه واختيارهم لسعد بن معاذ محاولة منهم خاسرة لإيقاع الفرقة والضغينة بين المسلمين.

وقد أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يكشف لسعد بن معاذ ما ينويه اليهود من إيقاع الفتنة في نفسه، فإنه لما أَقْـبَـلَ سَعْدٌ إلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَالنَّاسُ حَوْلَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم جُلُوسٌ، فَلَمَّا طَـلَعَ سَعْدٌ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم:

«قُومُوا إلَى سَيِّـدِكُمْ»(1).

ولم يقتل المسلمون من النساء إلا امرأة واحدة، وَقَدْ عَرَفَتْ أَنَّهَا تُقْتَـلُ، وَهِيَ الَّتِي طَرَحَتْ الرَّحَا عَلَى خَلَّادِ بْنِ سُوَيْدٍ، فَقَـتَـلَـتْـهُ.(2) فَقَدْ كَانَ قَـتْلُهُا قِصَاصًا.

طبيعة قتال بني قريظة وسبب تغليظ عقوبتهم عن غيرهم

فهذا يعني أن يهود بني قريظة لم يكونوا متحصنين في الحصون فقط، بل كانوا يحاربون المسلمين من ورائها، فيقذفونهم بالحجارة والسهام وغير ذلك.

ولقد نقض بنو قينقاع وبنو النضير عهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحاربوه، فلما انتصر عليهم لم يأمر فيهم بمثل ما أمر في بني قريظة، وما ذلك إلا لأن بني قريظة ارتكبوا جريمة زائدة وهي الخيانة العُظمى، والتي كان من شأنها لو أحاطت بالمسلمين أن قضت عليهم جميعًا.

حالات العفو الفردية وشعور بني قريظة ومقولة حيي بن أخطب

وفي وقت تطبيق العقوبة على بني قريظة كانت هناك حالات عفوٍ فردية، فإن الزبير القُرَظِي استوهب دمَه ثابتُ بن قيس لِمِنَّةٍ كانت له عليه، ثم طلب زوجه وولده فاستوهبهم له من النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك ماله، وبعد كل ذلك طلب أن يُلْحَقَ بأصحابه ممن قُتل، مما يعكس أن بني قريظة قد سيطرت عليهم فكرة أنهم ضحايا مظلومون مضطهدون شهداء، وليس الأمر كذلك، فلم يكونوا إلا خونة وغادرين، ومَا كَان يُصِيبُ النبيَّ وأصحابـَـه من جَراء خيانتهم لَهُوَ أَبـْشَعُ بكثيرٍ مِمَّا أَصَابَهُم.

ويؤكد ذلك عبارة تكررت على لسان زعيم اليهود حُيَيِّ بنِ أَخْطَبَ والذي شهد ما فعله بنو النضير وما فعله بنو قريظة، وقال في المَوطِنَـيْنِ: فَـأَيُّ غِرَّةٍ نُصِيبُ مِنْهُمْ؟ هِيَ مَلْحَمَةٌ وَبَلَاءٌ كُتِبَ عَلَيْنَا.

وعند قَـتْـلِـهِ كرر نفس العبارة قال: مَلْحَمَةٌ كُتِبَتْ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ.

قصة رفاعة بن سموأل وعفو النبي وتجلي الرحمة النبوية

ومن حالات العفو أيضًا أن سَلْمَى بِنْتَ قَيْسٍ أُمَّ الْمُنْـذِرِ، سَأَلَت النبي صلى الله عليه وآله وسلم رِفَاعَةَ بْنَ سَمَوْأَلٍ الْقُرَظِيَّ، فقد كانت تعرف رفاعة، فلما أصابه ما أصابه واستحق القتل لاذ بها يطلب منها الحماية والجوار، فوهبه لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ويلاحظ أن رسول الله وهبه لها أولًا، ولم يطلب منها أن ترغمه على الإسلام أو تفاوضه على الحياة مقابل الإسلام، ولكن كل ما في الأمر أن سلمى قالت له: استحي من رسول الله وقد عفا عنك وأنت تعرف صدقه. فَأَسْلَمَ بعد نجاته من القتل، ولم يسلم لكي ينجو.

وفي هذا الموقف تتجلى رحمةُ سيد الكونين صلى الله عليه وآله وسلم، فلما تجمع الرجال البالغون من بني قريظة عند رسول الله ينتظرون تنفيذ ما حكم به سعد أَمَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم بِأَحْمَالِ التَّمْرِ فَـنُـثِـرَتْ عَلَيْهِمْ(1)، وقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم:

«أَحْسِنُوا إِسَارَهُمْ وَقَـيِّـلُوهُمْ وَاسْقُوهُمْ حَتَّى يُبْرِدُوا فَـتَــقْـتُـلُوا مَنْ بَقِيَ، لَا تَجْمَعُوا عَلَيْهِمْ حَرَّ الشَّمْسِ وَحَرَّ السِّلَاحِ». وَكَانَ يَوْمًا صَائِفًا(2).

حديث لا تبدؤوهم بالسلام ورواياته في صحيح مسلم

وفي هذه الغزوة قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لصحابتـه الكـرام: «لا تبدءوهم بالسلام»، وقــد كــره بعــض الفقهــاء ابتــداءهــم بالســلام، لمـا رواه مسـلـم في «صحيحـه» عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ر أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ:

«لَا تَـبْدَؤُوا الْيَهُودَ وَلا النَّصَارَى بِالسَّلاَمِ، فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَـرُّوهُ إِلَى أَضْيَـقِهِ»(3).

ثم أورد الإمام مسلم روايات أخرى للحديث، منها: «إِذَا لَقِيتُمُ الْيَهُودَ»، ومنها: «أَهْلَ الْكِتَابِ»، ومنها: «إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ». وَلَمْ يُسَمِّ أَحَدًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ(4).

الخلاف الفقهي في جواز السلام على الكافر واستدلالات العلماء

وذهبت طائفة أخرى إلى جواز ابتدائهم بالسلام، رُوِي ذلك عن ابن عباس، وغيره(5).

قال القرطبي: «قيل لابن عيينة: هل يجوز السلام على الكافر؟ قال: نعم. قال الله تعالى:

﴿لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓا۟ إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8].

وقال:

﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌۭ فِىٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ [الممتحنة: 4]،

وقال إبراهيم لأبيه:

﴿سَلَٰمٌ عَلَيْكَ﴾ [مريم: 47]،

وسئل الأوزاعي عن مسلم مَـرَّ بكافر فسلم عليه فقال: إن سلمتَ فقد سلم الصالحون قبلك، وإن تركت فقد ترك الصالحون قبلك، وروي عن الحسن البصري أنه قال: إذا مررت بمجلس فيه مسلمون وكفار فسلم عليهم»(1).

تخصيص النهي ببني قريظة وعموم رحمة النبي مع أهل الكتاب

وأما قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ففيه خصوصية، فهو يخص اليهود فقط من بني قريظة، لما غدروا بالعهد، وخانوا وهمُّوا بإدخال المشركين في ظهور المسلمين في غزوة الخندق، ورأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم معاقبتهم على هذه الخيانة، وفسخ العهد الذي بينه وبينهم بمجرد أن يَرُدَّ خطر الأحزاب الذين أحاطوا بالمدينة، وأراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم -خلال فترة الحصار- من أصحابه أن ينبذوا إليهم عهدهم ويشعروهم في صورة رمزية بدنو الحرب عليهم، ولم يُؤْثَرْ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه غلظ لأهل الكتاب عامة أو اليهود أو حتى المشركين عبدة الأوثان، فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم رحمة، قال عنه ربه:

﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍۢ﴾ [القلم: 4]،

وقال عنه:

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159].

حسن جوار النبي وتعليمه الرفق لعائشة في الرد على اليهود

فكان صلى الله عليه وآله وسلم يُحْسِنُ جوارهم، ويَعُود مرضاهم، ويُعزِّيهم في مصائبهم، فمن يتصور أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة أو في مكة كان يزور اليهود أو المشركين فلا يسلم عليهم.

فمسألة الامتناع عن إلقاء السلام على بني قريظة كان يُشْبِهُ الإعلان بالحرب، وليس فيه حُكْمٌ عام يشمل أهل الكتاب جميعًا أو اليهود جميعًا، ولكن ربما يشمل من كان من أهل الذمة أو أهل العهد أشبه حالُه حال بني قريظة من خيانة للعهد.

ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لينهى عن السلام على أهل الكتاب أو أهل الذمة ثم هو يرد عليهم السلام، بل يرد عليهم وهو يعلم أنهم يدعون عليه ويسيئون القول، ويُعَلِّمُ السيدة عائشة أن الرفق ما كان في شيء إلا زانه وأن الفحش والغلظة والعنف ما كان في شيء إلا شانه(1).

سوء أدب بعض اليهود في السلام وموقف النبي وعائشة

وما فعلت السيدة عائشة 1 مع هؤلاء اليهود ما فعلت إلا أنهم قوم ماكرون بذيئون، يلحنون بالسلام ليجعلوه دعاء، وعلى الرغم من ذلك ما وجدوا عند رسول الله إلا حُسْنَ الرد، وحسن الخلق، والرأفة والرحمة، فما بالنا لو أنهم كانوا مسالمين أو كانت أخلاقهم طيبة، هل يُتَوَقَّعُ من رسول الله أو من المسلمين أن يتجنبوهم أو يغلظوا عليهم؟ ولا يوصف الامتناع عن السلام إلا بالشدة والجفاء.

أحاديث تخصيص النهي بالسلام عند الخروج إلى يهود بني قريظة

ومما يؤيد أن خصوصية النهي عن السلام ببني قريظة؛ لنبذ عهدهم إليهم:

  1. ما رواه ابن ماجه عن أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قال صلى الله عليه وآله وسلم:

«إِنِّي رَاكِبٌ غَدًا إِلَى الْيَهُودِ. فَلاَ تَبْدَءُوهُمْ بِالسَّلاَمِ. فَإِذَا سَلَّمُوا عَلَـيْـكُمْ فَقُولُوا: وَعَلَـيْـكُمْ»(2).

  1. وما رواه أحمد في «مسنده» وابن أبي شيبة في «مصنفه» عن أبي نضرة الغفاري أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

«إِنَّا غَادُونَ إِلَى يَهُودَ، فَلاَ تَبْدَؤُوهُمْ بِالسَّلاَمِ، فَإِذَا سَلَّمُوا عَلَـيْكُمْ فَقُولُوا وَعَلَـيْكُمْ»(3).

وذلك يجعلنا نخصص نهي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم السابق بحادثة بني قريظة، إضافة إلى أنه في القرآن الكريم من العموم ما يؤيد ذلك؛ مثل قوله تعالى:

﴿وَقِيلِهِۦ يَٰرَبِّ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ قَوْمٌۭ لَّا يُؤْمِنُونَ فَٱصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَٰمٌۭ ۚ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: 88-89].

ضرورة فهم النصوص بسياقها والانتقال للحديث عن المنافقين

فلا بد من دراسة النصوص من خلال سياقاتها ومعرفة أسبابها؛ حتى يتهيأ لنا الفهم الصحيح المتسق مع مقاصد الشريعة ومآلاتها.

وأما المنافقون فهم أهل الجبن والدسيسة، وقد لعبوا دورًا في الوقيعة بين المسلمين وتأليب أحزاب الكفر على المسلمين، وإيذاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والإساءة إلى عِرضه، ومع ذلك صبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليهم، وعَلِمَ أن عوامل الهدم والانقراض تعمل فيهم، وأنهم سرعان ما سينتهي أمرهم وسيبطل مفعول مكرهم وشرهم.

قصة عبد الله بن أبي بن سلول وامتناع النبي عن قتله

وهذا ما فعله مع رأسهم وكبيرهم عبد الله بن أُبـَيِّ بن سَلُول، فلما قدم رسول الله المدينة من بني المُصطلِق أتاه عبد الله بن عبد الله بن أبي سلول، قال له: يا رسول الله، إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أُبـَيٍّ، فإن كنت فاعلًا فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان بها رجل أبر بوالده مني، ولكني أخشى أن تأمر به رجلًا مسلمًا فيقتله فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبد الله يمشي في الأرض حيًّا حتى أقتله، فأقتل مؤمنًا بكافر فأدخل النار، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:

«بل نحسن صحبته ونترفق به ما صحبنا»(1).

ولم يقتلهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم إيثارًا للمصلحة العُليا للمسلمين، وفي ذلك يقول صلى الله عليه وآله وسلم:

«لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه»(2).

وضع المشركين في المدينة وعدم تعرضهم للأذى

وأما المشركون وهم الصِّنف الرابع فلم تخل منهم المدينة تمامًا، فقد انتشر الإسلام في المدينة بين الأوس والخزرج قبل مجيءِ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليها، وظل ينتشر فيها بعد مجيئه، داخل المدينة وخارجها، ولكن بقي بعض أهل المدينة على شركهم.

والمشركون في المدينة كانوا أقليَّـة، لم يُؤْثَر أنها شاغبت أو آذت جماعة المسلمين، ولم تتكتَّل لمحاربة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما فعل المنافقون أو اليهود، ولذلك لم يُؤْثَر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو أحدًا من أصحابه تعرض إليهم بسوء أو تضييق.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

على كم محور قامت وثيقة المدينة المنورة؟

أربعة محاور

ما العقوبة التي حكم بها سعد بن معاذ في بني قريظة؟

القتل والسبي

لماذا غُلِّظت عقوبة بني قريظة عن بني قينقاع وبني النضير؟

لأنهم ارتكبوا الخيانة العظمى بالتحالف مع المشركين في الخندق

ما الذي قاله حيي بن أخطب عند قتله؟

ملحمة كتبت على بني إسرائيل

لماذا امتنع النبي عن قتل عبد الله بن أبي بن سلول؟

إيثارًا للمصلحة العليا ودرءًا لمقولة أن محمدًا يقتل أصحابه

ما الذي نصت عليه وثيقة المدينة بشأن الحرية الدينية؟

أن لليهود دينهم وللمسلمين دينهم

ما الذي فعله النبي قبيل تنفيذ عقوبة بني قريظة إظهارًا للرحمة؟

أمر بأحمال التمر فنُثرت عليهم وأوصى بإحسان أسرهم

ما الذي يربط حديث النهي عن ابتداء اليهود بالسلام بحادثة محددة وفق روايات ابن ماجه؟

قوله: إني راكب غدًا إلى اليهود فلا تبدؤوهم بالسلام

من استدل بقول إبراهيم لأبيه: سلام عليك، على جواز السلام على الكافر؟

ابن عيينة

ما الذي يشبهه الامتناع عن إلقاء السلام على بني قريظة وفق السياق التاريخي؟

إعلان الحرب ونبذ العهد رمزيًا

ما المفهوم الذي أرسته وثيقة المدينة والذي يشبه ما سماه جان جاك روسو لاحقًا؟

العقد الاجتماعي

ما موقف الأوزاعي من السلام على الكافر؟

إن سلمت فقد سلم الصالحون قبلك وإن تركت فقد تركوا

ما المحاور الأربعة التي قامت عليها وثيقة المدينة المنورة؟

التعايش السلمي وتوفير الأمن، والحرية الدينية للجميع، والمشاركة العادلة في الحياة الاجتماعية والسياسية والعسكرية، وإقرار مبدأ المسؤولية الفردية.

ما القاسم المشترك الذي جمع جميع طوائف المدينة في وثيقة النبي؟

الدفاع عن المدينة، وهو ما يمكن تسميته بمبدأ المواطنة الذي جمع المسلمين واليهود والمشركين تحت دستور واحد.

لماذا كانت خيانة بني قريظة أشد من خيانة بني قينقاع وبني النضير؟

لأن بني قريظة تحالفوا مع المشركين في غزوة الخندق وسعوا إلى خيانة لو تمت لفني المسلمون عن آخرهم، وهي جريمة زائدة لم يرتكبها غيرهم.

ما السابقة التاريخية الفريدة التي حدثت في قضية بني قريظة؟

أن المنتصر سمح للمجرم الخائن أن يختار قاضيه ومن يحكم عليه بالعقوبة، وهو ما لم يُعرف له نظير في التاريخ قبل ذلك.

لماذا اختار بنو قريظة سعد بن معاذ قاضيًا وما النتيجة؟

ظنوا أنه سيعفو عنهم أو يخفف العقاب لكونه زعيم الأوس، وأرادوا إيقاع الفرقة بين المسلمين. لكن سعدًا حكم عليهم بالقتل والسبي جزاء خيانتهم.

ما قصة رفاعة بن سموأل وكيف أسلم؟

لاذ رفاعة بسلمى بنت قيس طالبًا الحماية، فوهبه النبي لها دون اشتراط إسلامه. فقالت له سلمى: استحي من رسول الله وقد عفا عنك. فأسلم طوعًا بعد نجاته لا خوفًا من القتل.

ما الوصية النبوية في تنفيذ عقوبة بني قريظة يوم الصيف؟

أمر النبي بإحسان أسر المحكوم عليهم وسقيهم وإطعامهم وتأجيل التنفيذ حتى يبردوا، قائلًا: لا تجمعوا عليهم حر الشمس وحر السلاح.

ما الفرق بين موقف الفقهاء من ابتداء غير المسلمين بالسلام؟

فريق يكره الابتداء بالسلام استنادًا لحديث مسلم، وفريق آخر يجيزه استنادًا لآيات قرآنية وأقوال الصالحين كإبراهيم عليه السلام وأقوال ابن عيينة والأوزاعي والحسن البصري.

ما الدليل القرآني الذي استُشهد به على جواز السلام على غير المسلمين؟

قوله تعالى: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، وقول إبراهيم لأبيه: سلام عليك.

ما الذي يجعل النهي عن السلام على اليهود خاصًا ببني قريظة لا عامًا؟

ارتباط الأحاديث بسياق الخروج إلى بني قريظة تحديدًا، وكون النبي كان يحسن جوار اليهود ويعود مرضاهم ويرد سلامهم، فضلًا عن الآيات القرآنية العامة بالعفو والسلام.

ما الذي علّمه النبي لعائشة في التعامل مع من يسيء القول؟

علّمها أن الرفق ما كان في شيء إلا زانه، وأن الفحش والغلظة والعنف ما كان في شيء إلا شانه.

ما موقف النبي من المشركين الذين بقوا في المدينة؟

كانوا أقلية مسالمة لم تشاغب المسلمين ولم تتكتل لمحاربة النبي، فلم يتعرض لهم النبي أو أصحابه بسوء أو تضييق.

ما الحكمة من مؤاخاة النبي بين المهاجرين والأنصار؟

لمساندة المهاجرين الذين تركوا أرضهم وأموالهم وبيوتهم وتجارتهم، بأن يتولى كل أنصاري رعاية أخيه المهاجر حتى يتجاوز مرحلة الهجرة الصعبة.

ما عبارة حيي بن أخطب التي كررها في موطنين وما دلالتها؟

قال في الموطنين: فأي غرة نصيب منهم؟ هي ملحمة وبلاء كتب علينا. وعند قتله قال: ملحمة كتبت على بني إسرائيل. وهو اعتراف ضمني بأن مصيرهم كان نتيجة غدرهم لا ظلمًا عليهم.

ما الذي طلبه عبد الله بن عبد الله بن أبي سلول من النبي وما رد النبي؟

عرض أن يحمل إلى النبي رأس أبيه المنافق، فرد النبي: بل نحسن صحبته ونترفق به ما صحبنا، مؤثرًا الرفق والمصلحة العليا على العقوبة.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!