ما الفرق بين ثقافة الضجيج وثقافة التأمل وكيف أصّل لهما القرآن والسنة؟
ثقافة الضجيج تبني العقلية الهشة وتُضيّع التفكر والتدبر، وهي من وسائل إبليس في الإغواء كما جاء في القرآن الكريم. أما ثقافة التأمل فهي المنهج القرآني الذي يدعو إلى التدبر والإنصات وخفض الصوت، وقد جسّدها النبي صلى الله عليه وسلم في تعامله مع الأذان والتلاوة والدعاء. الفارق بين الثقافتين يظهر جليًا في الآيات والأحاديث التي تذم الضجيج وتمدح التأمل والسكينة.
- •
هل يمكن بناء معيار نقدي أدبي وفني يفصل بين ثقافة الضجيج وثقافة التأمل انطلاقًا من القرآن والسنة؟
- •
ثقافة الضجيج تبني العقلية الهشة وتُقدّم النشاط على الفكر، وهو ما عدّه رينيه جينو من سمات الحضارة الحديثة القاتلة للإنسان.
- •
القرآن الكريم يكشف أن الضجيج أول وسائل إبليس في الإغواء، وأن المشركين استخدموا اللغو والصخب لمنع سماع القرآن.
- •
دعا القرآن مرارًا إلى التدبر والتفكر في الآيات والكون، ووصف المؤمنين الصادقين بأنهم يذكرون الله ويتفكرون في خلق السماوات والأرض.
- •
وصايا لقمان وآيات الأدب النبوي تُرسّخ ثقافة خفض الصوت واللين في المعاملة والإنصات الهادئ كمنهج حياة شامل.
- •
اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بجمال الصوت في الأذان والتلاوة والشعر يُجسّد ثقافة التأمل التي تُعلي من قيمة الجمال الهادئ لا الضجيج الصاخب.
- 1
ثقافة الضجيج تبني العقلية الهشة وتُقدّم النشاط على الفكر، وهو ما انتقده رينيه جينو في الحضارة الحديثة، بينما ثقافة التأمل هي البديل القرآني.
- 2
الضجيج أول وسائل إبليس في الإغواء، واستخدمه المشركون لمنع سماع القرآن، وهو يُضيّع التفكر والتأمل والراحة.
- 3
القرآن يدعو مرارًا إلى التدبر والتفكر، ويصف المؤمنين الصادقين بأنهم يتفكرون في خلق السماوات والأرض ذكرًا دائمًا.
- 4
الاستماع للقرآن والإنصات له طريق الرحمة، ويُقابل في القرآن من يصد عن سبيل الله، مما يُجلّي الفرق بين الثقافتين.
- 5
وصايا لقمان تُرسّخ خفض الصوت كأدب إسلامي، ويمتد هذا التهذيب ليشمل البصر والمعاملة بين الناس.
- 6
خفض الجناح للوالدين والمؤمنين يتحول إلى منهج حياة نبوي قائم على اللين والرحمة، وهو جوهر ثقافة التأمل.
- 7
خفض الصوت عند النبي علامة التقوى وسبب المغفرة، والنداء الجافي من وراء الحجرات وصفه القرآن بعدم العقل.
- 8
الهدي النبوي يأمر باعتدال الصوت في الصلاة والدعاء، فالله سميع بصير لا يحتاج إلى رفع الصوت والضجيج.
- 9
بدأ الأذان برؤيا عبدالله بن زيد، واختار النبي بلالًا مؤذنًا لأن صوته أندى وأجمل، مما يُجسّد تقدير الإسلام لجمال الصوت.
- 10
اكتشف النبي صوت أبي محذورة حين كان يستهزئ بالأذان، فاختاره مؤذنًا لمكة لجمال صوته، مما يُؤكد تقدير الإسلام للصوت الحسن.
- 11
أثنى النبي على جمال صوت ابن مسعود في التلاوة وعلى شعر حسان وكعب، مما يُجسّد تقدير ثقافة التأمل للجمال الصوتي.
- 12
يدعو الكاتب إلى محاكمة الحالة الثقافية وبناء معيار نقدي أدبي وفني مستمد من التأصيل القرآني للفصل بين الضجيج والتأمل.
ما المقصود بثقافة الضجيج وثقافة التأمل وما أثر سبق النشاط على الفكر؟
ثقافة الضجيج تبني العقلية الهشة التي لا تقدر على التفكير، وعادةً ما يسبق النشاطُ الفكرَ في هذه الثقافة. وقد عدّ رينيه جينو سبق النشاط للفكر من السمات التي قتلت الإنسان أمام نفسه في الحضارة الحديثة. في المقابل، ثقافة التأمل هي المنهج الذي يُقدّم الفكر والتدبر على الحركة والصخب.
كيف يرتبط الضجيج بوسائل إبليس في الإغواء وبمنع سماع القرآن؟
وسائل إبليس تبدأ بالصوت والضجيج كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ﴾، ثم يتأكد الضجيج بالجلب والمشاركة حتى يصبح جزءًا من الحياة اليومية. هذا الضجيج يُضيّع التفكر والتدبر والتأمل والراحة والهناء. وقد استخدم المشركون اللغو وعلو الصوت عند تلاوة القرآن لمنع الناس من سماعه والتدبر فيه.
كيف يدعو القرآن الكريم إلى التدبر والتفكر وما صفة المؤمنين الصادقين في ذلك؟
دعا القرآن الكريم مرارًا إلى تدبر آياته بقوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾، وبيّن أن القرآن أُنزل ليتدبر الناس آياته ويتذكر أولو الألباب. ووصف المؤمنين الصادقين بأنهم يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض. وكرّر سبحانه عبارة ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ مرات كثيرة تأكيدًا لثقافة التأمل.
ما الفرق بين من يستمع للقرآن وينصت ومن يصد عن سبيل الله وفق الآيات القرآنية؟
القرآن يُقابل بين من يبيع آيات الله بثمن قليل ويصد عن سبيله، وبين من يستمع للقرآن وينصت طلبًا للرحمة كما في قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. هذا التقابل يُجلّي الفرق بين ثقافة الضجيج واللغو وثقافة التأمل والإنصات الهادئ لكلام الله.
ماذا قال لقمان لابنه عن الصوت وكيف امتد هذا الأدب إلى البصر والمعاملة؟
أوصى لقمان ابنه بخفض الصوت قائلًا: ﴿وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾. وامتد هذا الأدب ليشمل غض البصر والحفاظ على الفروج كما في آيتي النور للمؤمنين والمؤمنات. وهكذا يتحول خفض الصوت إلى تهذيب عام يشمل جوانب الحياة كلها.
كيف يتحول خفض الجناح للوالدين والمؤمنين إلى منهج حياة نبوي قائم على اللين؟
أمر الله بخفض جناح الذل للوالدين رحمةً بهما، وبخفض الجناح للمؤمنين عمومًا. ثم جعل سبحانه اللين منهج حياة نبوية بقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. وهذا يُؤكد أن ثقافة التأمل واللين هي التي تجمع الناس وتبني المجتمعات.
ما فضل من يخفض صوته عند رسول الله وما حكم النداء من وراء الحجرات؟
بيّن القرآن أن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله هم الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ولهم مغفرة وأجر عظيم. في المقابل، وصف القرآن الذين ينادون النبي من وراء الحجرات بأن أكثرهم لا يعقلون. ولو صبروا حتى يخرج إليهم لكان خيرًا لهم، مما يُرسّخ أن الضجيج وعلو الصوت مذموم حتى في أعلى مقاماته.
ما الهدي النبوي في اعتدال الصوت في الصلاة والدعاء وما الدليل على ذلك؟
نهى القرآن عن الجهر المفرط والإسرار المفرط في الصلاة وأمر بالاعتدال: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾. وحين رفع الصحابة أصواتهم بالدعاء قال النبي: «اربعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا بصيرًا». وهذا يُجسّد ثقافة التأمل في العبادة بعيدًا عن الضجيج.
كيف كانت بداية الأذان ولماذا اختار النبي بلالًا مؤذنًا رغم أن عبدالله بن زيد هو صاحب الرؤيا؟
رأى عبدالله بن زيد في منامه رجلًا يُعلّمه ألفاظ الأذان، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: «إنها لرؤيا حق، فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به فإنه أندى منك صوتًا». فاختار النبي بلالًا لأن صوته أندى وأجمل، مما يدل على أن النبي كان يُقدّر جمال الصوت ويختار به. وقد سمع عمر بن الخطاب الأذان فخرج مسرعًا يُخبر النبي أنه رأى مثل ذلك.
كيف اختار النبي أبا محذورة مؤذنًا لمكة وما قصة اكتشاف صوته؟
خرج أبو محذورة مع تسعة آخرين يستهزئون بالأذان، فسمعهم النبي وقال: «لقد سمعت في هؤلاء تأذين إنسان حسن الصوت». فأذّن كل واحد منهم حتى كان أبو محذورة آخرهم، فأجلسه النبي بين يديه ومسح على ناصيته وبارك عليه وأمره بالأذان عند البيت الحرام. وقد وصفه الذهبي بأنه كان من أندى الناس صوتًا وأطيبه.
كيف أثنى النبي على جمال الصوت في تلاوة القرآن والشعر عند ابن مسعود وحسان وكعب بن زهير؟
قال النبي: «من سره أن يقرأ القرآن كما أنزل فليقرأه على ابن أم عبد»، مما يدل على تميّز ابن مسعود في جمال التلاوة. وقال لحسان بن ثابت حين سمع شعره الذي ينصر الإسلام: «إن روح القدس معك». كما استمع النبي لقصيدة كعب بن زهير التي افتتحها بـ«بانت سعاد». وهذا كله يُجسّد أن ثقافة التأمل تُعلي من قيمة الجمال الصوتي الهادئ المُعبّر.
هل يمكن بناء معيار نقدي أدبي وفني من التأصيل القرآني للفصل بين ثقافة الضجيج وثقافة التأمل؟
بعد هذا التأصيل القرآني والنبوي يمكن محاكمة الحالة الثقافية لمعرفة إلى أي الجهتين تميل: ثقافة الضجيج أم ثقافة التأمل. ويطرح الكاتب إمكانية بناء معيار نقدي أدبي وفني مستمد من هذا التأصيل يُخرج من التيه ويُرسي على بر الأمان.
ثقافة التأمل هي المنهج القرآني النبوي الذي يُقابل ثقافة الضجيج الشيطانية بالتدبر والإنصات وخفض الصوت.
ثقافة الضجيج وثقافة التأمل ليستا مجرد ذوق شخصي، بل هما منهجان متقابلان أصّل لهما القرآن الكريم بوضوح؛ فالضجيج أول وسائل إبليس في الإغواء كما جاء في سورة الإسراء، واستخدمه المشركون لمنع سماع القرآن كما في سورة فصلت، بينما يدعو القرآن مرارًا إلى التدبر والتفكر والإنصات الهادئ.
امتدت ثقافة التأمل لتشمل كل جوانب الحياة الإسلامية: من وصايا لقمان في خفض الصوت، إلى الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم في عدم النداء من وراء الحجرات، إلى اعتدال الصوت في الصلاة والدعاء. واهتمام النبي بجمال الصوت في الأذان والتلاوة والشعر يُجسّد أن ثقافة التأمل لا تعني الصمت المطلق، بل الجمال الهادئ المُعبّر.
أبرز ما تستفيد منه
- الضجيج أول وسائل إبليس في الإغواء وفق آية الإسراء.
- القرآن يدعو إلى التدبر والتفكر في عشرات الآيات.
- خفض الصوت أدب قرآني يشمل العبادة والمعاملة والحياة.
- النبي اختار المؤذنين بجمال الصوت لا بعلوّه وضجيجه.
- ثقافة التأمل تصلح معيارًا للنقد الأدبي والفني الإسلامي.
موقف الكاتب من ثقافة الضجيج وثقافة التأمل وأثر النشاط قبل الفكر
واستمرارًا لمحاولة المشاركة الثقافية طلب مني كثير أن أؤصل لثقافة الضجيج وثقافة التأمل، وابتداءً فأنا مع ثقافة التأمل وضد ثقافة الضجيج، وثقافة الضجيج تبني العقلية الهشة، التي لا تقدر على التفكير، وعادة ما يسبق النشاطُ الفكرَ، وسبق النشاط للفكر أحد السمات العظمى في التأثير في الحضارات والفنون والآداب والحياة، وعدها عبدالواحد يحيى «رينيه جينو قبل أن يسلم» في كتابه عن الحضارة الحديثة - أحد السمات التي قتلت الإنسان أمام نفسه، أما تأصيل ذلك من القرآن والسنة فنراه فيما يلي:
الضجيج كوسيلة لإبليس في الإغواء وتشويش سماع القرآن
- يحكي ربنا عن حال إبليس - وهو عنوان للشر والقبح - فيقول:
﴿وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِى ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَوْلَٰدِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [1]
فوسائل إبليس تبدأ بالصوت الضجيج ثم يتأكد الضجيج بقوله: "وَأَجْلِبْ" وهي من الجلب، ثم يتأكد الضجيج ثانية بالمشاركة وأن يصبح الضجيج جزءًا من حياتنا اليومية، وهي حالة يضيع معها كثير من التفكر والتدبر والتأمل، ويضيع معها شيء كثير من الراحة والهناء.
وإذا كان هذا من وسائل إبليس - عنوان الشر والقبح - فإنه منهج للتشويش على الحق؛ يقول سبحانه في شأن المشركين:
﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَسْمَعُوا۟ لِهَٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْا۟ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [2]
فالمنع من سماع القرآن الذي يأمرنا بالتدبر والتفكر والتأمل، واللغو أمامه، وعلو الصوت عند تلاوته - يمثل ما بين الثقافتين من فوارق.
دعوة القرآن للتدبر والتفكر وثقافة التأمل في الآيات والكون
قال تعالى:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَٰفًۭا كَثِيرًۭا﴾ [3]
وقال تعالى:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ﴾ [4]
وقال سبحانه:
﴿كِتَٰبٌ أَنزَلْنَٰهُ إِلَيْكَ مُبَٰرَكٌۭ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَٰبِ﴾ [5]
وقال تعالى في وصفه لحال المؤمنين الصادقين:
﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمًۭا وَقُعُودًۭا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَٰطِلًۭا سُبْحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [6]
ثم كرر سبحانه مرات كثيرة ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ، ويجعل سماع القرآن واستماعه جزءًا من الدعوة الطيبة.
الاستماع للقرآن والإنصات له كجزء من الدعوة الطيبة
قال تعالى:
﴿ٱشْتَرَوْا۟ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا فَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِهِۦٓ ۚ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ [7]
وقال سبحانه:
﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [8]
ويجعل سماع القرآن واستماعه جزءًا من الدعوة الطيبة، فيقابل من يبيع آيات الله بثمن قليل ويصد عن سبيله، بمن يستمع وينصت طلبًا للرحمة، فيتجلى الفرق بين من يسير في ثقافة الضجيج واللغو، ومن يسلك طريق التأمل والإنصات الهادئ لكلام الله.
وصايا لقمان في خفض الصوت وأدب السمع والبصر والمعاملة
- ثم يجعل الله علو الصوت والضجيج خارجًا عن حد الأدب عند كل الناس، فيذكر من وصايا لقمـان لابنه وهو يعظه:
﴿وَٱقْصِدْ فِى مَشْيِكَ وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ ٱلْأَصْوَٰتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ﴾ [9]
ويتحول هذا الأدب إلى تهذيب عام يشمل البصر والمعاملة بين الناس، قال تعالى:
﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [10].
خفض الجناح للوالدين وللمؤمنين ومنهج اللين النبوي
وقوله تعالى:
﴿وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًۭا﴾ [11]
وقوله:
﴿وَٱخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [12]
ثم يتحول هذا إلى منهج حياة قال تعالى:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [13].
الأدب مع رسول الله في خفض الصوت وترك النداء الجافي
- ويأمرهم في خصوص النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بعدم الضجيج، قال تعالى:
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَٰتَهُمْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمْتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ ۚ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَٰتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا۟ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًۭا لَّهُمْ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ﴾ [14].
امتداد ثقافة الضجيج والتأمل إلى الصلاة والدعاء واعتدال الصوت
- وامتدت الثقافتان إلى الصلاة. قال تعالى:
﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلَّا مُكَآءًۭ وَتَصْدِيَةًۭ ۚ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [15]
وقال سبحانه:
﴿وَقُومُوا۟ لِلَّهِ قَٰنِتِينَ﴾ [16]
وقال:
﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًۭا﴾ [17]
وقال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لأصحابه حينما رفعوا أصواتهم بالدعاء:
«اربَعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا بصيرًا» [18].
حب النبي للصوت الحسن في الأذان وقصة رؤيا عبد الله بن زيد
- وكان النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يحب الصوت الحسن، فأمر بلالا بالأذان، وقال لعبدالله بن زيد، وقد كان عبدالله بن زيد هو الذي رأى رؤية الآذان حيث قال: لما أمر بالناقوس يعمل به للناس ليجتمعوا للصلاة طاف بي وأنا نائم رجلا يحمل ناقوسًا في يده، فقلت: يا عبدالله أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة. قال أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت: بلى. قال: تقول الله أكبر، فذكره مربع التكبير بلا ترجيع. قال: ثم استأخر بعيدًا فقال: تقول إذا قمت إلى الصلاة فذكر الإقامة مفردة وثنى قد قامت الصلاة. فلما أصبحت أتيت رسول الله فأخبرته بما رأيت فقال: «إنها لرؤيا حق إن شاء الله فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به فإنه أندى منك صوتا» فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به، قال: فسمع بذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته فخرج يجر رداءه يقول والذي بعثك بالحق يا رسول الله لقد رأيت مثل ما أرى، فقال: «فلله الحمد» [19].
اختيار أبي محذورة مؤذنا لمكة واختبار النبي للأصوات الحسنة
واتخذ أبو محذورة مؤذنًا له بمكة وهو أوس بن معير بن لوذان بن ربيعة بن سعد بن جمح، وقيل: اسمه سمير بن عمير بن لوذان بن وهب بن سعد بن جمح، وأمه خزاعية. يقول عنه الذهبي: كان من أندى الناس صوتا وأطيبه. وقد روى عنه قصة أذانه واختبار النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم للأصوات حيث قال: لما رجع النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم من حنين خرجت عاشر عشرة من مكة نطلبهم، فسمعتهم يؤذنون للصلاة فقمنا نؤذن نستهزئ. فقال النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: «لقد سمعت في هؤلاء تأذين إنسان حسن الصوت». فأرسل إلينا فأذنا رجلا رجلا فكنت آخرهم. فقال حين أذنت: «تعال». فأجلسني بين يديه فمسح على ناصيتي وبارك علي ثلاث مرات، ثم قال: «اذهب فأذن عند البيت الحرام» [20].
جمال الصوت في تلاوة القرآن والشعر عند ابن مسعود وحسان وكعب
وكان يقول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: «من سره أن يقرأ القرآن كما أنزل فليقرأه على ابن أم عبد» [21]. وقال لحسان بن ثابت عندما سمع شعره الذي ينصر فيه الإسلام: «إن روح القدس معك» [22].
وسمع كعب بن زهير في قصيدته التي افتتحها بقوله:
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول * متيم إثرها لم يفد مكبول
وما سعاد غداة البين إذ رحلوا * إلا أغن غضيض الطرف مكحول
دعوة لمراجعة الحالة الثقافية وبناء معيار بين الضجيج والتأمل
- هل لنا بعد هذا التأصيل أن نحاكم حالتنا الثقافية لنرى إلى أي جهة نميل أو نرغب أن تكون، إلى جهة ثقافة الضجيج أو إلى جهة ثقافة التأمل؟ وهل يصلح أن نبني معيارًا من هذا كله للنقد الأدبي والفني يخرجنا من التيه أو يرسو بنا على بر الأمان؟
ما شعورك تجاه هذا الفصل؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفصل؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
ما الوصف الذي أطلقه القرآن على الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله؟
الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ولهم مغفرة وأجر عظيم
بماذا وصف القرآن الكريم الذين ينادون النبي من وراء الحجرات؟
أن أكثرهم لا يعقلون
ما أول وسائل إبليس في الإغواء كما جاء في سورة الإسراء؟
الصوت والضجيج
لماذا اختار النبي بلالًا مؤذنًا بدلًا من عبدالله بن زيد صاحب الرؤيا؟
لأن بلالًا كان أندى صوتًا
ما الذي قاله النبي لأصحابه حين رفعوا أصواتهم بالدعاء؟
اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا
ما الذي قاله النبي عن قراءة ابن مسعود للقرآن؟
من سره أن يقرأ القرآن كما أنزل فليقرأه على ابن أم عبد
ما الأسلوب الذي استخدمه المشركون لمنع الناس من سماع القرآن؟
اللغو وعلو الصوت عند تلاوته
ما وصف لقمان لأنكر الأصوات في وصيته لابنه؟
صوت الحمير
ما الذي قاله النبي لحسان بن ثابت حين سمع شعره الذي ينصر الإسلام؟
إن روح القدس معك
ما الهدي القرآني في الصوت أثناء الصلاة؟
الاعتدال بين الجهر والإسرار
من هو أبو محذورة الذي اتخذه النبي مؤذنًا لمكة؟
رجل من قريش اكتشف النبي جمال صوته حين كان يستهزئ بالأذان
ما الذي يُضيّعه الضجيج وفق ما جاء في التأصيل القرآني؟
التفكر والتدبر والتأمل والراحة والهناء
ما الآية التي تصف المؤمنين الصادقين بالتفكر في خلق السماوات والأرض؟
آية 191 من سورة آل عمران
ما تعريف ثقافة الضجيج وما أثرها على العقل؟
ثقافة الضجيج هي الثقافة التي يسبق فيها النشاط الفكر، وتبني العقلية الهشة التي لا تقدر على التفكير، وتُضيّع التفكر والتدبر والتأمل والراحة والهناء.
من هو رينيه جينو وما علاقته بموضوع ثقافة الضجيج؟
رينيه جينو هو عبدالواحد يحيى قبل إسلامه، وقد عدّ في كتابه عن الحضارة الحديثة أن سبق النشاط للفكر من السمات التي قتلت الإنسان أمام نفسه.
ما معنى كلمة «وأجلب» في آية الإسراء المتعلقة بإبليس؟
«وأجلب» مشتقة من الجلب، وتعني تأكيد الضجيج وتكثيفه، وهي تُشير إلى أن إبليس يُكثّف الضجيج ليصبح جزءًا من الحياة اليومية.
ما الفرق بين الاستماع والإنصات في السياق القرآني؟
الاستماع هو توجيه الأذن للسماع، والإنصات هو السكوت التام مع الانتباه. وقد جمع القرآن بينهما في قوله: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ مما يُجسّد ثقافة التأمل الكاملة.
ما الآية التي تُبيّن أن اللين النبوي كان سبب التفاف الناس حول النبي؟
قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ من سورة آل عمران.
ما الذي كانت صلاة المشركين عند البيت الحرام وفق القرآن؟
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾، أي صفيرًا وتصفيقًا، وهو نموذج لثقافة الضجيج في العبادة.
ما معنى «اربعوا على أنفسكم» في الحديث النبوي؟
تعني ارفقوا بأنفسكم وخففوا، وقالها النبي لأصحابه حين رفعوا أصواتهم بالدعاء، مُذكّرًا إياهم بأن الله سميع بصير لا يحتاج إلى رفع الصوت.
ما الذي يُميّز ثقافة التأمل عن الصمت المطلق في الإسلام؟
ثقافة التأمل لا تعني الصمت المطلق، بل تعني الجمال الهادئ المُعبّر، كما يظهر في اهتمام النبي بجمال الصوت في الأذان والتلاوة والشعر.
ما الآية التي تُبيّن الغرض من إنزال القرآن وفق سورة ص؟
قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، أي أن الغرض الأساسي من إنزاله هو التدبر والتذكر.
ما الذي يُميّز خفض الجناح للوالدين عن خفض الجناح للمؤمنين؟
خفض الجناح للوالدين جاء مقرونًا بالذل والرحمة: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾، بينما خفض الجناح للمؤمنين جاء أمرًا عامًا: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
كيف علم عمر بن الخطاب بألفاظ الأذان قبل أن يُعلنها النبي؟
رأى عمر بن الخطاب في منامه مثل رؤيا عبدالله بن زيد، فخرج مسرعًا يجر رداءه يُخبر النبي بذلك، فقال النبي: «فلله الحمد».
ما الهدف الذي يطرحه الكاتب من التأصيل القرآني لثقافتي الضجيج والتأمل؟
يطرح الكاتب إمكانية بناء معيار نقدي أدبي وفني مستمد من هذا التأصيل، يُخرج من التيه الثقافي ويُرسي على بر الأمان، ويُحاكم به الحالة الثقافية الراهنة.
ما قصيدة كعب بن زهير التي سمعها النبي وما مطلعها؟
هي قصيدة «بانت سعاد» التي افتتحها بقوله: «بانت سعاد فقلبي اليوم متبول * متيم إثرها لم يفد مكبول»، وقد استمع إليها النبي صلى الله عليه وسلم.
ما الصفة التي ذكرها الذهبي عن صوت أبي محذورة؟
قال الذهبي عن أبي محذورة: «كان من أندى الناس صوتًا وأطيبه»، مما يُؤكد أن اختياره مؤذنًا لمكة كان بسبب جمال صوته.