اكتمل ✓
الفصل 1

ما هي صفات عباد الرحمن في سورة الفرقان وما جزاؤهم؟

صفات عباد الرحمن في سورة الفرقان خمس عشرة صفة، أبرزها: المشي على الأرض هونًا، والحلم مع الجاهلين بقول السلام، وقيام الليل سجدًا وقيامًا، والدعاء بصرف عذاب جهنم، والاعتدال في الإنفاق، وترك الشرك والقتل والزنا، وترك شهادة الزور، والمرور باللغو كرامًا. جزاؤهم الغرفة في الجنة بما صبروا، ويُلقَّون فيها تحية وسلامًا وخلودًا في أحسن مستقر ومقام.

10 دقائق قراءة
  • هل تعلم أن صفات عباد الرحمن في سورة الفرقان خمس عشرة صفة تُعرِّف جوهر الرسالة الإسلامية وتُحدد من هم خواص الرحمن؟

  • وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا يتعاملون مع الكون برفق ورحمة، وتترقرق الرحمة في قلوبهم نحو الإنسان والحيوان والأكوان.

  • إذا خاطبهم الجاهلون ردوا بالسلام حلمًا ورحمة، سادين بذلك موارد النزاع والخصام وحافظين على الأمن والاستقرار.

  • من صفات عباد الرحمن قيام الليل سجدًا وقيامًا في ثلث الليل الأخير حيث تنزل الرحمة الإلهية واستجابة الدعاء.

  • يتركون الشرك والقتل بغير حق والزنا، ويعتدلون في الإنفاق بعيدًا عن الإسراف والتقتير، ويتجنبون شهادة الزور والمرور باللغو.

  • جزاء عباد الرحمن الغرفة في الجنة بما صبروا، خالدين فيها في أحسن مستقر ومقام، والبداية بإصلاح النفس وتبليغ الدعوة ولو بآية.

تمهيد حول خواص الرحمن وجوهر الدعوة الإسلامية

من أفكار الخطبة..

  1. خواصّ الرحمن؛ وبنوره يمشون؛ هم أعرف الناس بالحق وأرحمهم بالخلق؛ تترقرق الرحمة في قلوبهم؛ فهم على قدم نبيهم رحمة الله للعالمين صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

  2. عباد الله الذين آمنوا به وحمدوه على نعمة الرحمة ففروا برحمة الله إلى رحمته، فهم لنعم الرحمن شاكرون، وهم بذكره قائمون.

  3. عرَّفنا ربنا بصفاتهم التي بها تحققوا، وفيها ارتقوا حتى نعرفهم، وبهم نعرف جوهر الرسالة، وروح الشريعة.

  4. خمس عشرة صفة تتأملها وتتخلق بها حتى تكون عبدًا ربانيَّا رحمانيًّا قادرًا على تحمل الدعوة التي هي رحمة للعالمين.

  5. للمتقين إماما؛ رفعوا العبادة مقامها وعمروا الأرض كما أمر الله وعلى مراده؛ هم على قلب رجل واحد، قبلتهم واحدة، ووجهتهم واحدة، وإليهم يؤم المتقون.

  6. نفسٌ عظيمة من غير كبر.. كريمة من غير سرف.. رحيمة من غير ضعف.. قوية من غير قسوة.. نفسٌ ربَّاها رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فكانت من عباد الرحمن.

  7. وهكذا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بقرآن ربه- الذي كان خلقه العظيم- ربى أمة جاهلية يأكلون ما يعبدون، ويقتلون ما ينسلون! حتى كان منهم هذه الروح العالية الفياضة.

  8. بما صبروا..! إذا مد أحدهم يده إلى السماء وهي قبلة الدعاء: "يا رب"_ اهتز له الكون.

  9. جوهر الدعوة الإسلامية: (الإنسان المسلم) الذي هو عبد لله تعالى من عباد الرحمن.

  10. يا لها من موعظة لو وافقت من القلوب حياة..!

عالمية رسالة الإسلام وكون النبي رحمة للعالمين

فإن الله سبحانه وتعالى قد

﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَرْسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحُقِّ لِيُظْهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ﴾

وليبلغه إلى العالمين وجعله خاتمًا للأنبياء والمرسلين، واصطفانا فجعلنا خير أمة أخرجت للناس نحمل الدعوة عن سيد المرسلين إلى يوم الديـن؛ يـأمره ربـه فيقـول:

﴿قُلْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ٱلَّذِى لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِىِّ ٱلْأُمِّىِّ ٱلَّذِى يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾

وقال:

﴿وَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ إِلَّا رَحْمَةًۭ لِّلْعَٰلَمِينَ﴾

وجعل دين الإسلام ناسخًا لما قبله من الأديان، وجعل القرآن مهيمنًا على ما بين أيديهم من الكتب؛ قال تعالى:

﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍۢ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ﴾

سؤال عن صفات عباد الرحمن وبدء بيان مكانتهم

حُمِّلنا الرسالة.. فما هي صفات عباد الرحمن الذين حملوها؟ وما هو جوهر الرسالة التي كُلفنا بأن نحملها إلى العالمين؟

ربنا يتكلم عن حزب الله وعن حزب الشيطان.. وعن حزب الرحمن وعن حزب الأبالسة؛ يقول في أولئك الذين رفعوا عبادة الله مقامها.. يقـول في أولئـك الذيـن عمـروا الأرض كمـا أراد الله وعلـى مـراد الله: ﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَٰنِ﴾، وهم كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: خواصّ الرحمن ؛ نسبهم إلى اسمه (الرحمن) وخصهم به، وبه وبنوره يمشون في الناس، فهم أعرف الناس بالحق وأرحمهم بالخلق، هم الراحمون يرحمهم الرحمن ويعاملون من في الأرض بالرحمة، وهم السائرون على قدم نبيهم صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم الذي أرسله ربه رحمة للعالمين.. عرفنا ربنا بصفاتهم التي بها تحققوا، وفيها ارتقوا حتى نعرفهم وأمرنـا فقـال:

﴿وَٱتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَىَّ ۚ﴾

.. عدد لهم خمس عشرة صفة إلى نهاية سورة الفرقان، تتأملها أيها المسلم وتتخلق بها حتى تكون عبدًا ربانيَّا رحمانيًّا قادرًا على تحمل الدعوة للعالمين، حتى تكون مرضيًّا عنك من رب العالمين، حتى تكون حقيقًا بأن تمد يدك إلى السماء: يا رب يا رب؛ فيستجيب الله لك..

المشي على الأرض هونًا والتعامل الرحيم مع الكون

﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ هَوْنًۭا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَٰمًۭا﴾

لا يمشون على الأرض طغيانًا وتجبرًا، ولكن مشيهم بالسكينة والوقار، والتواضع والخشية.. يمشون على الأرض وهم يدركون أنها تسبح لله، يمشون على الأرض وفي قلوبهم حب لعباد الله الإنسان قبل الحيوان، والحيوان قبل الأكوان ﴿يَمْشُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ هَوْنًۭا﴾ تترقرق الرحمة في قلوبهم، يتعاملون مع الكون وكأنه حي مدرك، ويتعاملون معه برفق.

الحلم مع الجاهلين ودفع النزاع والخصام بالسلام

عبد من عباد الرحمن؛ يمشي على الأرض هونًا، ويعتذر لخلق الله، ويقـدر حـالهـم من الجهـل والجهـالة

﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَٰمًۭا﴾

خاطبوهم بالجهل بشأنهم وما هم عليه، أو بالجهالة عليهم والتطاول في الخطاب، إلا أنهم لا يواجهونهم إلا بالسلام، فالقول السلام يشمل الفعل السلام، فهم- رحمة بهم- يحلمون عليهم، وكأنهم يسدون عليهم موارد الفساد، وكأنهم يسدون عليهم موارد النزاع والخصام؛ فإن النزاع والخصام لا يكون معه استقرار، وإذا لم يكن هناك استقرار لا يكون هناك أمن، وإذا كان هناك اضطراب وانعدام أمن فإن الإيمان في خطر، يفهم المؤمن ذلك عن ربه في طوال القرآن وعرضه، ويقول لمن سابه أو لاعنه أو تفاحش عليه من خلق الله مسلمهم وكافرهم- وقد رأى الجهالة في تصرفه ورأى الخروج عن دائرة المعقول في فعله وسلوكه - ﴿سَلَٰمًۭا﴾ يدعوه ويذَكِّره بالسلام، وهو اسم من أسماء الله تعالى..

قيام الليل وفضل ثلث الليل الأخير في حياة المؤمن

﴿وَٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًۭا وَقِيَٰمًۭا﴾

يعلمون أنه (يتَنزلُ ربُّنا تَبارَكَ وتعالى كلَّ ليلةٍ إلى سماءِ الدنيا حين يَبقى ثلثُ الليل الآخر، فيقول: مَن يَدعوني فأستجيبَ له، من يسألني فأعطِيَه، من يستغفِرُني فأغفِرَ له) ..

في ثلث الليل الأخير منحة إلهية، ونفحة صمدانية، حالة ربانية يستجيب الله للدعاء فيها، وما معنى في ثلث الليل الأخير؟ معناه أنه قد هجر فراشه لله، وترك لذَّته لله، وأنَّ حُبَّ الله في قلبه أعلى وأجلى وأكثر وأرجح من حب الحياة الدنيا..

امنع جفونك أن تذوقَ مناما وذر الدموع على الخدود سِجاما

واعلم بأنك ميتٌ ومحـاسبٌ يا مـن على سخـط الجليل أقاما

الإخلاص في حب الله والصبر لتحمل أعباء الرسالة

لله قـــوم أخلصـوا في حبه فرضِي بهم واختارهم خُدَّاما قـومٌ إذا جنَّ الظلام عليهمُ باتـوا هنـالك سُجَّـدا وقيامـا

مَن هذا شأنه كان قادرًا على تحمل أعباء الرسالة إلى العالمين، ومن ضبط نفسه هكذا حال الغضب مع الآخرين فقد عرف دوره في الحياة الدنيا، وعرف معنى عالمية الإسلام، وأدرك معنى الدعوة ومعنى تبليغها.

إنه ناصح صافي السريرة يعرف كيف يفهم عن ربه ما يقول له، ويعرف كيف يخاطبه..

دعاء صرف عذاب جهنم والتفكر في سوء مستقرها

﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾

فيه غُرمٌ وضياع وهلاك لازم ثابت.. يا رب سلِّم سلِّم

﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًّۭا وَمُقَامًۭا﴾

تذكروا أنه يستعيذ من عذاب الله وعقابه وسخطه، ويرى في هذه جهنم، ويرى أنها ساءت مستقرًا ومقامًا، في مقابلتها الجنة ورضا الله

﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّۭا وَمُقَامًۭا﴾

كما سنرى في آخر السورة. هذا هو سخط الله وهذا هو رضوان الله، والعاقل عليه أن يختار، ولذلك كان الكفار ضالين

﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَٱلْأَنْعَٰمِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾

وإنه ليس من العقل أن يختار الإنسان سخط ربه على رضوانه، ولا ناره على جنته، ولا عذابه على ثوابه، هو مغفل والكفار مغفلون، هو غافل والكفار كذلك في غفلة عن ربهم وحجاب..؛

﴿فِى غَمْرَةٍۢ سَاهُونَ﴾

مهمة المسلم في الهداية والاعتدال في الإنفاق والحكمة

ومهمة المسلم الذي هو من عباد الرحمن أن يزيل الحجاب بين الإنسان وبين ربه، وأن يدل ويرشد والهداية بيد الله؛

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ﴾ ﴿إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرًّۭا وَمُقَامًۭا﴾

المسلم معتدل: عنده ميزان، والميزان يمثل عنده الحكمة

﴿وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًۭا كَثِيرًۭا ۗ﴾ ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُوا۟ لَمْ يُسْرِفُوا۟ وَلَمْ يَقْتُرُوا۟ وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًۭا﴾

لم يحشروا مع المترفين

﴿إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ * وَكَانُوا۟ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾

ولم يحشر مع أولئك الذين كنزوا الذهب والفضة فاكتوت جنوبهم بها في جهنم يوم القيامة، لا..؛ إنه معطاء باذل كريم في غير سرف، إنه يأكل ويشرب ولا يسرف

﴿إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾

ترك الشرك والقتل والزنا وفتح باب التوبة وتبديل السيئات

﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ﴾

هم يَقتلون إنما عندما يكون في القتل درء للقتل، وعندما يكون في القتل نفي للقتل؛ عندما يكون فيه الحياة

﴿وَلَكُمْ فِى ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌۭ يَٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ﴾ .

﴿وَلَا يَزْنُونَ ۚ﴾ بل يتزوجون؛ أُبيح لكم - بشرط الطَّول والعدل- واحدة والثانية والثالثة والرابعة، وحرم عليكم الزنا ﴿فَٱنكِحُوا۟ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ﴾

؛ أما الزنـا

﴿إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةًۭ وَسَآءَ سَبِيلًۭا﴾

وحرَّمه الله من بدايته

﴿وَلَا تَقْرَبُوا۟ ٱلزِّنَىٰٓ﴾

ولم يقل في القرآن بطوله حرم الله عليكم الزنا، بل جعل التحريم حتى من النظرة الأولى ومن الكلام بغير المعروف، ومن الخلوة واللمس؛ جعل ذلك كله مقدمات للزنا، وجعل ذلك كله حرامًا..

﴿وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًۭا * يُضَٰعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِۦ مُهَانًا * إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًۭا صَٰلِحًۭا فَأُو۟لَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمْ حَسَنَٰتٍ﴾

سبحانه وتعالى يجعل هذه السيئات تتحول بتغير بيئتها إلى حسنات يوم القيامة، ويفهم هذا عن ربه من فتح الله عليه، ونمر هنا بها مرور الكرام لدقتها، ولكن فضل الله كبير، ورحمة الله واسعة؛ فتدبروا وتأملوا كتاب ربكم وعيشوا فى ظلاله فظلاله وافرة..

﴿وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا﴾.......

التوبة المتاب وترك شهادة الزور وخطورة الكذب

﴿وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَٰلِحًۭا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابًۭا﴾

فعبر بالمفعول المطلق للتأكيد، فالمفعول المطلق يبين الحقيقة وينفي المجاز، ويؤكد المصدر مرة بعد أخرى، فاستعمله ربنا هنا؛ فيقول:

﴿وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَٰلِحًۭا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابًۭا﴾

لم يسكت؛ قال جل في علاه:

﴿مَتَابًۭا﴾

أي قبول حقيقي لها، أي توبة نصوحًا مقبولة على حقيقتها، وليس فيها أي نوع من أنواع المجاز، ومؤكدة.

﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ ٱلزُّورَ﴾

فما الذي شاع في الناس الآن؟ على حد إخبار النبي المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في علامات آخر الزمان أنهم (يشهدون قبل أن يُسْتَشْهَدوا)، ويَشْهَدون بالزور، وشهادة الزور ظاهرها جميل- زَوُرَ في لغة العرب: جَمُلَ وحَسُنَ وباطنه قبيح؛ فهو كذب- ورسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يعظم علينا الكذب فيقول فيما أخرجه مالك في موطئه، عن صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ الله: أَيَكُونُ المُؤْمِنُ جَبَانًا؟ فَقَالَ: (نَعَمْ) فَقِيلَ لَهُ: أَيَكُونُ المُؤْمِنُ بَخِيلاً؟ فَقَالَ: (نَعَمْ) فَقِيلَ لَهُ: أَيَكُونُ المؤمن كَذَّابًا؟ فَقَالَ: (لاَ)..! .. وشهادة الزور من الكذب، وقد شاع الكذب في الناس...؛

استحالة حمل الكذاب للدعوة والمرور باللغو كرامًا

كيف يحمل الكذاب دعوة ربه إلى العالمين؟! كيف يحمل شاهد الزور_ بشهادته هذه_ دين ربنا وهو صدق كله؟! وهو دين جاء ونعى على الأمم السابقة الكذب والتحريف والتخريف الذي أحدثوه في أديانهم وكتبهم وعقائدهم!! لا يتسق ذلك ولا يكون؛ والأمر أمر هداية من عند الله، والأمر أمر توفيق من عند الله سبحانه وتعالى للعبد

﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ ٱلزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا۟ بِٱللَّغْوِ مَرُّوا۟ كِرَامًۭا﴾ ..

﴿ وَإِذَا مَرُّوا۟ بِٱللَّغْوِ مَرُّوا۟ كِرَامًۭا﴾..

انظر إلى تلك النفسية الراقية النبيلة التقية النقية؛ يمر باللغو فلا يندرج فيه، يراه أمامه ويسمعه بأذنيه ولكنه لا يُستدرج إليه..

نفس عظيمة من غير كبر، نفس كريمة من غير سرف، نفس رحيمة من غير ضعف، نفس قوية من غير قسوة, نفس ربَّاها رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فكانت من عباد الرحمن، وعباد الرحمن إذا مد أحدهم يده إلى السماء وهي قبلة الدعاء: "يا رب"_ اهتز له الكون، هكذا ربى رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بقرآن ربه، وبكريم خلقه، بتربية ربنا سبحانه وتعالى له، ربى أمة جاهلية كانوا يأكلون ما يعبدون، ويقتلون ما ينسلون! أمة لا يمكن أن يتصور أحد من العالمين أن يتحول الشاب الفذ من أعرابهم إلى نبيلٍ له هذه الروح الفياضة العالية، وله هذا الخلق القويم، لا يتصور أحد أبدًا أن يتم ذلك وإنما نتصوره لأنه تم من رب العالمين، وبجَعْلِ الله وحده، ولإرساله هذا الرسول الكريم الذي استوفى الأمر كله وكان إنسانًا كاملاً يُحتذى؛ فصلى الله عليك وسلم يا سيدي يا رسول الله.

خاتمة صفات عباد الرحمن وجزاؤهم بالغرفة بما صبروا

﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ ٱلزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا۟ بِٱللَّغْوِ مَرُّوا۟ كِرَامًۭا * وَٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا۟ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا۟ عَلَيْهَا صُمًّۭا وَعُمْيَانًۭا * وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍۢ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا * أُو۟لَٰٓئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا۟ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةًۭ وَسَلَٰمًا﴾ ..

قال الحسن رضي الله عنه: "كنتَ والله إذا رأيتهم قومًا كأنهم رأي عين. والله ما كانوا بأهل جدل وباطل، ولكن جاءهم من الله أمر فصدقوا به، فنعتهم الله في القرآن أحسن نعت، لأمرٍ مّا سهر ليلهم، ولأمرٍ ما خشع نهارهم.. صدَق القوم. والله الذي لا إله إلا هو فعلوا ولم يتمنوا. فإياكم وهذه الأماني يرحمكم الله! فإن الله لم يعط عبدًا بالمُنية خيرًا في الدنيا والآخرة قط". وكان يقول: "يا لها من موعظة لو وافقت من القلوب حياة"!

كأن هذه التكاليف تحتاج إلى تربية وتحتاج إلى صبر، كأن هذه التكاليف تحتاج إلى حبس النفس، كأن هذه التكاليف تحتاج إلى تغيير المعتاد..

﴿أُو۟لَٰٓئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا۟ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةًۭ وَسَلَٰمًا﴾

كما كانوا يقولونه في الحياة الدنيا للجاهلين تقوله الملائكة لهم في الجنة...

﴿خَٰلِدِينَ فِيهَا ۚ حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّۭا وَمُقَامًۭا﴾

في مقابلة ما تعوذوا به من الإساءة في المستقر والمقام من جهنم أعاذنا الله وإياكم حرَّها ومنظرَها

﴿قُلْ مَا يَعْبَؤُا۟ بِكُمْ رَبِّى لَوْلَا دُعَآؤُكُمْ ۖ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًۢا﴾ ..

فادعوا ربكم عسى أن يفتح علينا فتوح العارفين به.

جوهر الدعوة الإنسان المسلم والبدء بإصلاح النفس وتبليغ آية

الحمد لله رب السموات والأرض وما بينهما حمدًا كثيرًا طيبًا طاهرًا مباركًا فيه، ملء السماوات والأرض وما بينهما، وأشهد ألا إله إلا الله وحده، صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله؛ اللهم صَلِّ على سيدنا محمد وآله وأصحابه وأنصاره وأزواجه وذريته ومن اتبع هداه إلى يوم نلقاك ونلقاه.

أما بعد...؛ فيا عباد الله هذا جزء من جوهر الدعوة الإسلامية (الإنسان المسلم) الذي هو عبد لله تعالى من عباد الرحمن، هذا الإنسان المسلم يعلمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم كيف يكون. وكيف نبدأ ؟ فقال: " ابدأ بنفسك" ..

فابدأ بنفسك ولا تنظر القذاة في عين أخيك وتترك جذع النخلة في عينك..

واشتغل بعيوبك.. وغيِّر نفسك وجدد إيمانك..

وتهيأ لأن تكون مسلمًا داعيًا إلى الله، إما بقالك وإما بحالك..؛ "بلغوا عني ولو آية" ..

وتعامل مع الرحمن سبحانه وتعالى على أنه يحبك، وعلى أنه وفقك لشيء قد حُرمه الكثير..؛

فقل الحمد لله الذي عافاني مما ابتلى به كثيرًا من عباده.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

كم عدد صفات عباد الرحمن المذكورة في سورة الفرقان؟

خمس عشرة صفة

بماذا وصف ابن عباس رضي الله عنهما عباد الرحمن؟

خواص الرحمن

ما الذي يفعله عباد الرحمن حين يخاطبهم الجاهلون؟

يقولون سلامًا

في أي وقت من الليل ينزل الله إلى سماء الدنيا ليستجيب الدعاء؟

ثلث الليل الأخير

ما معنى كلمة 'غرامًا' في قوله تعالى: ﴿إن عذابها كان غرامًا﴾؟

غرم وضياع وهلاك لازم ثابت

كيف يُنفق عباد الرحمن أموالهم؟

لا يسرفون ولا يقترون وكان بين ذلك قوامًا

ما الجزاء الذي وعد الله به عباد الرحمن في الآخرة؟

الغرفة في الجنة بما صبروا

ما الذي يحدث لسيئات من تاب وآمن وعمل صالحًا من عباد الرحمن؟

يبدلها الله حسنات يوم القيامة

ما موقف عباد الرحمن من اللغو؟

يمرون به كرامًا دون أن يُستدرجوا إليه

ما الدعاء الذي يقوله عباد الرحمن طلبًا لصلاح ذريتهم؟

ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما

ما الذي قاله الحسن البصري رضي الله عنه عن عباد الرحمن؟

لأمر ما سهر ليلهم وخشع نهارهم، صدق القوم فعلوا ولم يتمنوا

بماذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم من يريد الدعوة أن يبدأ؟

بنفسه

ما الذي يميز شهادة الزور في اللغة العربية؟

ظاهرها جميل وباطنها كذب قبيح

ما الذي يجعل الكذاب غير قادر على حمل الدعوة الإسلامية؟

لأن الإسلام دين صدق كله ونعى على الأمم السابقة الكذب والتحريف

ما الذي يُميز مشي عباد الرحمن على الأرض؟

يمشون بالسكينة والوقار والتواضع والخشية

من هم خواص الرحمن؟

هم عباد الرحمن الذين نسبهم الله إلى اسمه وخصهم به، وبنوره يمشون في الناس، فهم أعرف الناس بالحق وأرحمهم بالخلق، وهم السائرون على قدم النبي صلى الله عليه وسلم.

ما جوهر الدعوة الإسلامية؟

جوهر الدعوة الإسلامية هو الإنسان المسلم الذي هو عبد لله تعالى من عباد الرحمن، يبدأ بإصلاح نفسه ثم يبلغ الدعوة بقاله أو بحاله.

لماذا يرد عباد الرحمن على الجاهلين بالسلام؟

لأن النزاع والخصام لا يكون معهما استقرار، وبلا استقرار لا أمن، وبلا أمن الإيمان في خطر. فردهم بالسلام رحمة بالجاهلين وسد لموارد الفساد والنزاع.

ما الذي يدل على أن حب الله في قلب عبد الرحمن أعلى من حب الدنيا؟

قيامه في ثلث الليل الأخير، إذ هجر فراشه لله وترك لذته لله، وهذا دليل على أن حب الله في قلبه أعلى وأجلى وأرجح من حب الحياة الدنيا.

ما الفرق بين الجنة وجهنم في وصف المستقر والمقام؟

جهنم ساءت مستقرًا ومقامًا وعذابها غرام أي هلاك لازم ثابت، بينما الجنة حسنت مستقرًا ومقامًا وهي جزاء عباد الرحمن الصابرين.

ما حكم الزنا في الإسلام وكيف حرّمه الله؟

الزنا فاحشة وساء سبيلًا، وحرّمه الله من بدايته حتى من النظرة والكلام بغير المعروف والخلوة واللمس، جعل ذلك كله مقدمات للزنا وحرامًا.

ما معنى التوبة المتاب في سورة الفرقان؟

هي توبة نصوح مقبولة على حقيقتها مؤكدة بالمفعول المطلق، ليس فيها أي نوع من المجاز، وهي قبول حقيقي من الله للتوبة.

ما علامة شيوع شهادة الزور في آخر الزمان؟

أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من علامات آخر الزمان أن الناس يشهدون قبل أن يُستشهدوا، ويشهدون بالزور.

لماذا لا يستطيع الكذاب حمل الدعوة الإسلامية؟

لأن الإسلام دين صدق كله، وقد نعى على الأمم السابقة الكذب والتحريف الذي أحدثوه في أديانهم وكتبهم، فلا يتسق الكذب مع حمل هذا الدين.

ما صفة عباد الرحمن حين يُذكَّرون بآيات ربهم؟

لا يخرون عليها صمًا وعميانًا، بل يتدبرونها بقلوب حية واعية، ويستجيبون لها بالعمل والتطبيق.

ما الدعاء الذي يدعو به عباد الرحمن لصرف العذاب؟

يقولون: ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غرامًا، إنها ساءت مستقرًا ومقامًا.

ما الذي يميز النفس التي ربّاها رسول الله من عباد الرحمن؟

نفس عظيمة من غير كبر، كريمة من غير سرف، رحيمة من غير ضعف، قوية من غير قسوة، ربّاها رسول الله بقرآن ربه وكريم خلقه.

ما مهمة المسلم من عباد الرحمن تجاه الناس؟

مهمته إزالة الحجاب بين الإنسان وربه، والدلالة والإرشاد، والهداية بيد الله، ثم تبليغ الدعوة بقاله أو بحاله ولو بآية.

ما الذي تقوله الملائكة لعباد الرحمن في الجنة؟

تقول لهم تحية وسلامًا، كما كانوا يقولونه في الحياة الدنيا للجاهلين حين خاطبوهم.

ما الذي يجعل عباد الرحمن قادرين على الاستجابة المقبولة في الدعاء؟

صبرهم وإخلاصهم وقيامهم الليل وضبطهم لأنفسهم، حتى إذا مد أحدهم يده إلى السماء قائلًا يا رب اهتز له الكون.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!