اكتمل ✓
الفصل 20

ما هو النموذج المعرفي الإسلامي وكيف يختلف عن النموذج الغربي في الرؤية الكونية والتشريع؟

النموذج المعرفي الإسلامي هو الرؤية الكلية للإنسان والكون والحياة وما قبلها وما بعدها، المبنية على الكتاب والسنة واجتهادات الأئمة. يختلف عن النموذج الغربي في أن الإسلام يجعل التشريع لله وحده، ويؤمن بالخالق واليوم الآخر، ويُكرِّم الإنسان ويجعله مأموراً بالعبادة والعمارة والتزكية. أما النموذج الغربي فيحصر العلم في التجريب الحسي وينحّي قضية الألوهية واليوم الآخر جانباً.

14 دقيقة قراءة
  • هل يستطيع العقل البشري وحده أن يُنشئ الأحكام ويُحلل ويُحرم، أم أن ذلك حق لله وحده؟

  • النموذج المعرفي هو الرؤية الكلية للإنسان والكون والحياة، وهو المكوّن الأساسي لشخصية المسلم والضابط لفكره.

  • الحضارة الغربية بنت نموذجها على حصر العلم في التجريب الحسي، مما أفضى إلى تنحية الألوهية واليوم الآخر من دائرة المعرفة المعتبرة.

  • النموذج المعرفي الإسلامي مصادره الكتاب والسنة واجتهادات الأئمة، ويجيب عن الأسئلة الكبرى: من أين نحن؟ وماذا نفعل؟ وما مصيرنا؟

  • يتميز النموذج الإسلامي بتكريم الإنسان وتكليفه بالعبادة والعمارة والتزكية، وبإيمانه بالسنن الإلهية ومقاصد الشريعة الخمس.

  • الهدف من إبراز هذا النموذج هو تجديد الخطاب الديني ومواجهة متطلبات العصر وتعريف المسلم بهويته الحضارية.

تعريف النموذج المعرفي وعلاقته بشخصية المسلم والثورات العلمية

«النَّمُوذَجُ الْمَعْرِفـِيُّ» من المبادئ المهمة التي نريد أن نتكلم عنها ونستفيض في شـرحها، ونقصـد بالنَّمُـوذَجِ الْمَعْـرِفـِيِّ: الرؤيـة الكلية للإنسان، والكـون، والحياة، وما قبل ذلك، وما بعد ذلك؛ ذلك النموذج الذي يمثل الإطار المرجعي، والمعيار المعتمد في عقل المسلم ونفسيته، وهو المكوِّن الأساسي لشخصية المسلم، والضابط لفكره، وهو ما يُسَمَّى بالإنجليزية: «paradigm»؛ والنَّمُوذَجُ الْمَعْرِفـِيُّ هو الذي تحكَّم -كما يقول كوين- في الثورات العلمية المختلفة التي نقلت البشر نُـقلة نوعية في مسارها وتطورها.

فهم النموذج المعرفي عبر المقارنة بين الإسلام والحضارة الغربية

نستطيع أن نفهم النَّمُوذَجَ الْمَعْرِفـِيَّ فَهْمًا جيدًا عندما نقارن بين وجهة النظر الإسلامية وبين تلك التي بُنيت عليها الحضارة الغربية، والتي يَدَّعي كثيرٌ من الفلاسفة مثل: «فُوكُويَامَا» في نظرية «نِـهَايـَة التَّارِيخ» أنَّها قد انتصرت على الحضارات الأخرى وقضت عليها، واستطاعت أن تنتشر في واقع الناس بملابسها أو بطريقة أكلِها وشربِها، أو تفكيرها، أو إدارتها، أو علومها الإنسانية والاجتماعية...

مظاهر هيمنة الحضارة الغربية ودعوى نهاية الحضارات الأخرى

وغير ذلك مما هو من مظاهر انتصار هذه الحضارة، مما هو واقعٌ في جامعاتنا وفي حياتنا اليومية، كما استطاعت هذه الحضارة أن تخترع للإنسان المواصلات والاتصالات والتقنيات الحديثة؛ بحيث إنَّها سيطرت على البرنامج اليومي للإنسان، وبذلك نكون قد انتهينا إلى إعلان النصر والفوز والسيطرة للحضارة الغربية على كل الحضارات الأخرى، وأنَّها ضربت جميع الحضارات في مقتل، فغربت شموس كل هذه الحضارات، والتاريخ قد انتهى بانتصار هذه الحضارة التي أصبحت هي الحضارة الوحيدة في عالم اليوم. هكذا يرى هذا الفيلسوف أو المفكر في شأن العالم، وما يحدث فيه.

الجذور المعرفية للحضارة الغربية وحصر العلم في الساينس

فما هو النَّمُوذَجُ الْمَعْرِفِـيُّ الذي بُنيت عليه تلك الحضارة التي ادُّعي أنَّها نهاية التاريخ، وأنَّها هي الحضارة الوحيدة؟

في أواخر القرن الثامن عشر نشأت فكرة الموسوعات، فظهرت الموسوعة البريطانية بعد سنة (1760م)، وهي التي تسمى: «Britannica» وهي عبارة عن ثلاثة مجلدات كبيرة، واعتبروا أنَّ العلم إنَّما هو العلم التجريبي الذي سمي بالإنجليزية: «Science»، وأنَّ ما سواه إنَّما يكون انطباعات أو رؤًى أو أفكارًا، ولكنه ليس علمًا؛ لأنَّـه لا عَلاقة له بالـ Science الذي هو العلم التجريبي الحسي؛ ولذلك كل ما كان خارجًا عن هذا الكم من المعرفة؛ فإنَّه لا يكون موثوقًا به؛ بل يحتاج إلى تجريبٍ، فإن ثبت كان علمًا وإلَّا فلا. وعلى هذا الأساس قام النَّمُوذَجُ الْمَعْرِفِـيُّ الْغَرْبِـيُّ.

موسوعة بريتانيكا والكتب العظيمة في تشكيل الفكر الغربي

ثم تطورت الـ Britannica حتى أصبحت مؤسسة كبيرة ضخمة تُقاد من أمريكا، ونشأت موسوعات عالمية أخرى، كالموسوعة الإيطالية، والموسوعة الروسية في مجلدات كبيرة تصل إلى (60) مجلدًا وأكثر، ولكن ظلت الـ Britannica لها رونقها القديم، وقد أصدرت مجموعةً من الكتب أسمتها بالكتب العظيمة، والتي كان لها أكبر الأثر في بناء الحضارة الغربية الحالية، وهذه المجموعة -والتي تسمى في الإنجليزية بالـ «Great Books» منشورةٌ في أكثر من خمسة وخمسين مجلدًا: المجلد الأول والثاني من هذه المجلدات يتكلم عن المفاهيم، ويعالج أكثر من مئة مفهوم، منها: مفهوم الإنسان، ومفهوم الغيب، ومفهوم العلم، ومفهوم الثقافة والحضارة والفكر... إلى آخره، وأَسْمَوُا المجلدين الأولين بـ «المفاهيم» وهي ما تسمى بالإنجليزية: «Concepts»، وبقية الأجزاء تشتمل على النصوص الأصلية للمفكرين العظام الذين أثَّروا في بناء الحضارة، ابتداءً من أَرِسْطُوطَالِيس(1) في الحضارة اليونانية القديمة، وانتهاءً ببرتراند رَاسَل(2)، وجان بول سارتر(3)، ومرورًا بعصر التنوير، وقبله -قبل ذلك- في العصور الوسطى: توما الأكويني(4)، وكذلك جان جاك روسـو(5)، وفولتـير(6)... إلى آخـر ما هنالك من فلاسـفة وأدباء وعلماء أثَّروا تأثيرًا واضحًا في الحضارة، فمنهم: أينشتاين(1)، ومنهم: داروين(2)، ومنهم: نيوتن(3)... إلخ المفكرين الغربيين عبر التاريخ الطويل.

وأخرجت هذه المؤسسة (450) كتابـًا فيها خلاصة الفكر الأوروبي، وقد عرَّفوا فيها نحوًا من (102) من المفاهيم، ونشروا كل هذا، وهو بين أيدي الناس، وهم يطوِّرونه كل سنة بإضافة الجديد الذي يرون أنَّه أثَّر في الحضارة الغربية.

بداية عرض النموذج المعرفي الإسلامي ومصادر تكوينه

النَّمُوذَجُ الْمَعْرِفِـيُّ الْإسْلَامِيُّ هذا عن النَّمُوذَجِ الْمَعْرِفـيِّ الْغَرْبِـيِّ الذي تكوَّن من هذا التراكم الفكري عبر التاريخ، وتغير عندهم في العصر الحديث أكثر من مرة، ونتج عن ذلك -كما يقول كوين- أنَّ النَّمُوذَجَ الْمَعْرِفِـيَّ إذا تغير تغير معه حال العلم.

فمثلًا: علم الميكانيكا عند نيوتن يختلف عن علم الرياضيات عند فيثاغورث(4) أو عند إقليدس(1) أو عند أرشميدس(2)، ثم بعد ذلك نرى أنَّه انتقل نُقلة نوعية أخرى عند أينشتاين وزملائه وتلامذته. كل ذلك بسبب تغيُّر النَّمُوذَجِ الْمَعْرِفِيِّ.

فما هو النَّمُوذَجُ الْمَعْرِفِيُّ الْإسْلَامِيُّ الذي نخاطبهم به بإزاء هذا النموذج المركب المعقد؟

النَّمُوذَجُ الْمَعْرِفِيُّ في الإسلام له مصادر تكوَّن منها وبُني عليها، وله مفردات كثيرة وروافد تغذيه، من هذه المصادر: الكتاب، والسُّنَّة، واجتهادات الأئمة في سائر العلوم الإسلامية، سواء علم الكلام، أو علم العقيدة، أو علم التوحيد، أو علم الفقه، أو علم التصوف والأخلاق والقيم... إلخ.

تميّز النموذج الإسلامي والإجابة عن الأسئلة النهائية الكبرى

من هذه المصادر تَـكَوَّنَ النَّمُوذَجُ الْمَعْرِفِيُّ الْإسْلَامِيُّ، ومن خلالها تـميَّـز المسلم عن غيره في اعتقاداته وسلوكياته وتصرفاته، ومن خلالها كانت هذه الإجابات الواضحة على الأســئلـة الكبــرى، تلك الأسـئلة التي حـيَّـرت الغــرب حـتى أسـمـوها بـ «الأسئلة النهائية». وهي الأسئلة الثلاثة: من أين نحن؟ وماذا نفعل هنا؟ وماذا سيكون بعد الموت؟ فهي أسئلة عن الماضي والحاضر والمستقبل.

جواب الإسلام عن سؤال الأصل وعموم اسم الإسلام للدين الحق

أمَّا السؤال الأول فهو سؤال متعلق بالماضي، وقد نشأ من حيرة الإنسان وجهله الحسي بنشأته ومبتدئه، كالطفل الصغير يسأل: من أين أتيت؟ إنَّه لا يتذكر يوم ولادته، ولم تكن عنده القدرة على ذلك، قال تعالى:

﴿مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: 51]

والإجابة عندنا: أنَّه قد خلَقنا ربٌّ كريم، وأنَّه هو الرزاق المحيي المميت، وهذا الخالق لم يخلقنا عبثًا، ولم يتركنا سدًى؛ بل أرسل الرسل وأوحى بالوحي، وتعبدنا بطاعته، فهناك شرائع وكتب ووحي، قال سبحانه وتعالى:

﴿لِكُلٍّۢ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: 48]

ولكنه جعل الإسلام اسمًا للديانة التي ارتضاها عبر التاريخ من لدن آدم إلى سيدنا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم، قال تعالى:

﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَٰمُ﴾ [آل عمران: 19]

وقال سبحانه:

﴿ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَٰمَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3]

التكليف ووظيفة الإنسان والإيمان بالمصير الأخروي

والتكليف يجعلنا نلتزمُ بالأوامر وننتهي عن النواهي، فـبَـيْـنَ الأمرِ والزجرِ يعيشُ المؤمن عندما يتوثق من أنَّ هـذا أمــر وأنَّ هـذا نهي أو زجــر، وقضيـة التكليف تجـيب -أو ينبغي أن تجيب- عن السؤال الثاني: ماذا نفعل هنا؟

ثم بعد ذلك نعود إلى ربنا في يـومٍ للحساب؛ فإمَّا الجنة أو النـار، والله -سبحانه وتعالى- لا يضيع أجــر من أحسن عمـلًا. وهذه هي إجابة السؤال الثالث المتعلـق بالمستقبل.

أثر الإيمان باليوم الآخر على السلوك وحماية الحياة

وهذا الإيمان باليوم الآخر يتحكم في سلوك الإنسان، ويتحكم في أفعاله، ويتحكم في اتخاذ قراراته فتراه يقدم على شيء -وإن كانت فيه مشقة أو فوات لذة- إذا رأى أنَّ ذلك يقربه من الجنة ويترتب عليه الثواب، وتراه يمتنع عن شيء -وإن كانت فيه لذة- ويحجم عنه؛ لأنَّه يراه يقـرب إلى النار، وهذا مرتبط بقضية الإيمان بالله والإيمـان بالتكليـف، فلِمَ يُحجم الإنسان عن الزنا أو السرقة أو القتـل؟ إنَّه يخاف الله ويأتمر بأمره، وليست القضيةُ قضيةً أخلاقية فقط، وليست تَـفَضُّلًا من ذلـك الإنسان الذي امتنع عن الزنا والخنا والفاحشة والسرقة؛ بل هي قضية الإيمان باليوم الآخر الذي ربط الله -سبحانه وتعالى- فيه الخير بالثواب، والشر بالعقاب.

وهذا الإيمان يؤثـر أيضًا على الحياة، ويجب أن يؤثـر عليها بصورة إيجابيـة؛ وإلَّا تحول الخوف والرجاء إلى أسبابٍ لإعاقة الحياة، والحقيقة: أنَّ الله شرعها لحماية الحياة، ولدفعها، فإذا كانت تصرفاتنا قد حولتها إلى عائق للحياة؛ كان ذلك ضد مقصود الشرع الشريف؛ فالحج -مثلًا- شُرع لحفظ النفس في كل صورها، فلا ينبغي أن نحوله إلى ما يكون سببًا في قتل النفس التي حرم الله قتلها إلَّا بالحق؛ حيث يجب علينا أن ندرك الزمان وما حدث فيه، والمكان وسعته، والأشخاص ومدى علمهم بدينهم، والأحوال وما طرأ عليها من تغير؛ فنحقق مقصود الشرع منه.

مقارنة بين النموذج الإسلامي والغربي في قضايا الألوهية واليوم الآخر

هذه رؤية واضحـة نــراها في نَمُوذَجِـنَـا الْمَعْـرِفِـيِّ الـذي يـؤمـن بأنَّ هـنـاك خالقًا لهذا الكون، بخـلاف النمـوذج الآخــر الذي نَحَّى قضيــة الألوهية واليـوم الآخـر جانبًا، وجعلها من مجال الإيمان لا مجال العلم؛ ولذلك فليؤمن بــه من آمن وليكفر بـه من كـفــر. فهذه حـريـةٌ شخصية لا يُسـأل عنها الإنسـان، وليفعـلْ ما يشـاء في هذا المجال.

الرؤية الغربية لنشأة الكون ونظرية التطور ومحدوديتها

كَيْفَ يَنْظُـرُونَ إِلَى نَشْأَةِ الْكَوْنِ فِي النَّمُوذَجِ الْمَعْرِفِـيِّ الْغَرْبِـيِّ؟

في سبيل الإجابة عن هذا السؤال وُضعت نظريات، ثم نُقضت هذه النظريات في جدلٍ لا نهـايـة لــه، وفي تخبـطٍ ما بعـده تخبـط؛ وذلـك بسبب أنَّهم نَحَّوْا قضية الإله جانبًا.

هنـاك نظـريـة الانفجـار الكبيــر، والتي يــرى أصحـابهـا أنَّ العــالـم كـــان نقـطــة ثم انفجـر، فكانت هذه المادة الأولى التي تشكلت بدورانٍ عشـوائيٍّ، وهو يدور حتى الآن.

وما هذا إلَّا رجمٌ بالغيب، لا يقف على أرضية ثابتة من العلم أو النظر؛ لأنَّ الخالق تعالى قال:

﴿مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: 51]

فمن أين لهم الأدلة على ما يقولون وهم لم يشهدوا الخلق الأول؟! فالله تعالى لم يُشْهِدهم خلق السماوات ولا خلق الأرض، ولم يَدُلُّـهم على ذلك.

وفي سبيل ذلك نشأت مجموعةُ علومٍ، كالجيولوجيا والأنثروبولوجيا؛ هذه تبحث في طبقات الأرض، وهذه تبحث في الإنسان، وفي ثقافاته، واجتماعه، وتفرقه، وانتقالاته، وهجراته؛ حتى تصل إلى إجابة بعض الأسئلة.

ثم يأتي دَارْوِين بنظرية التطور، وفيها يرى أنَّ الإنسان على قمة التطور؛ حيث بدأ من السمكة، فالطائر، فالحيوان، فالقرد، فالقِرَدَة العليا، فالإنسان؛ ولكنه لم يُجب عن كل الأسئلة، واختلط عليه وَحْدة الخلق التي تدل على وحدة الخالق:

اختـلــط عليــه ذلك لـمَّا رأى أنَّ هناك خالقًا واحدًا وراء الجميع، ونظريـة التطور التي ألَّـفَها قد انتُـقدت كثيرًا، حتى لزم الأمر أن يأتي كثيرٌ من العلماء بالداروينية الحديثة.

الرؤية الإسلامية للكون المسبح وغاية خلق الجن والإنس

أمَّـا في الإســلام فإنَّنــا نجـد رؤيـــةً أخـرى غـيــر تلك الرؤيــة التي نَحَّــتِ الإلــه من ناحية، ونَحَّتِ اليوم الآخر من ناحيـة ثانية؛ فالإسـلام يرى أنَّ هذا الكون مخلوق لله، يُسبح ويعبد ربه، وأنَّه يمتـثل للإرادة الإلهية، فيقول تعالى:

﴿ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ﴾ [الإسراء: 44]

فإذا ما استجاب المسلم لدينه؛ فإنَّه بذلك يكون قد سار في تيار هذا الكون المسبح، وإذا لم يفعل كان نشازًا في هذا الكون الذي تسبح أرضه وسماؤه:

﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].

دور العقل في التشريع بين الإسلام والغرب وآثار الوثائق الدولية

هذا الإنسان الذي يجب أن يسير في تيار هذا الكون المسبح: كيف ينظرون إليه في الغرب؟

الإنسان له عقل يستطيع أن يفكر، لكن هذا العقل عند الغرب قادرٌ على أن يُنشِئَ الأحكام. أما في نَمُوذَجِنَا الْمَعْرِفِـيِّ فالإنسان مكرمٌ، له عقل يفسر الأحكام، ويطبق الأحكام، ويفهم الأحكام؛ لكنَّ الذي يُنشئ الحكم هو الله؛ فالله هو الحاكم لا إله إلا هو.

وترتب على ذلك أنَّ المجالس النيابية -في الغرب- كان من وظيفتها: التشريع، والتحليل والتحريم، وإنشاء الأحكام؛ وعلى ذلك فقد أباحوا ما حرَّم الله من إجهاضٍ ومن شذوذٍ ومن أمورٍ لا تليق بالبشرية ولا بالاجتماع البشري حتى عند العقلاء، وما زال العقلاء في أغلب بقاع الدنيا يأبون هذا ويرفضونه. حدث هذا عندما ظهرت وثيقة الأمم المتحدة لمؤتمر «السكان»(1) في القاهرة، ومؤتمر «بكين»(2)، و«بكين + 5»(3)، و«بكين + 10»(4)؛ فقــد اجتمع أتباعُ أكثــر من ثلاثين دينًا على وجه الأرض، منهم: الشِّنـْتـُو(5)، والهـندوك، والبوذيون(6)، والمسلمون، واليهود، والنَّصارى، وكل أنواع الديانات الكبرى على وجه الأرض، اجتمعوا في بلجيكا واتفقوا على رفض هذه الوثيقة؛ لِـمَا تشتمل عليه من إباحة جنسية، ومن شذوذٍ وإجهــاضٍ... إلـخ. كــل ذلـك تحــت اســـم الـ «New Age»، أو العصــر الجـديــد، أو الفكر الجديد.

تكريم الإنسان في الإسلام مقابل التساوي المطلق والطب التجريبي

هناك في الغرب يؤمنون بالتسـاوي المطلق حتى بين الإنسان وبين الكائنات. أما عندنا فالأمر ليس هكذا؛ فالمؤمن يرى أنَّ الإنسان مُكَرَّم، وأنَّه ليس مجرد جزء من الكون، قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ وَحَمَلْنَٰهُمْ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَرَزَقْنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلْنَٰهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍۢ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70]

فالإنسان كائن فريد في هذا الكون؛ لأنَّه متحمل للأمانة, قال تعالى:

﴿إِنَّا عَرَضْنَا ٱلْأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلْإِنسَٰنُ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72]

ولكن هناك -في الغرب- يُرى على أنَّه جزءٌ من الكون؛ ولذلك يخضع للطب التجريبي ولا تُراعى -إلَّا إذا ثبت ذلك بالتجريب أيضًا- المسائلُ الروحية والنفسية، حتى إنَّ هذا التخصص المُهلك -الذي عاش فيه كـثير من الأطباء- عاملوا بـه الإنسان كقطعة لحم بيولوجية، وليس كإنسان مكرم مخلوق له نفس.

نقد اختزال الإنسان في الجسد وبروز الطب البديل

قديمًا كان الطبيب يَشَمُّ عرق الإنسان، ويسأله عن مشكلاته بينه وبين أبنائه، وبينه وبين زوجته، عن مشكلاته المالية، وكذا... إلى آخره؛ حتى يصف له العلاج المناسب. أما الآن فإنَّ الأمر محصورٌ في التحاليل والأشعة، وشيء من التعامل شبه المادي مع هذا الجسد الذي أمامنا؛ مما دعا كثيرًا من الناس إلى أن يقوموا بالدعوة إلى الطب البديل، والذي نشأ في أكثر من عشرين نوعًا من أنواع الطب البديل؛ وذلك لأنَّ «الفارماكولوجي»(1) أو هذا النظام الطبي التجريبي الذي عامل الإنسان كمادة، لم يعد يُفلح في كثيرٍ من الأحيان.

ولم يكتف الغربيون بإخضاع الجسم المادي للتجريب؛ بل أخضعوا المسائل الروحية والنفسية لهذا المنهج الذي يتم تطبيقـه والتعامل بـه مـع الماديات في المعمل التجريبي!!

الإنسان سيد في الكون والتسخير الإلهي وواجب الإصلاح

كذلك فإنَّ نَمُوذَجَنَا الْمَعْرِفِـيَّ يرى أنَّ الله تعالى خلق الإنسانَ سيدًا في الكون، وليس سيدًا للكون؛ فإنَّ السيد على الحقيقة هو الله تعالى، وأما هذا الكون فهو مسخر لنا، سخر الله لنا السماوات وسخر لنا الأرض، وسخر لنا ما بينهما:

﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: 13]

وقال سبحانه وتعالى:

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحج: 65]

على أن نقوم في هذا الكون بالإصلاح والتعمير لا الإفساد والتدمير.

سجود الملائكة لآدم ووظيفة الإنسان في العبادة والعمارة والتزكية

فالإنسان في هذا الكون يسير سيرَ السَّيدِ المكرم، فلقد أسجد الله الملائكة لآدم؛ لعلو شأنه ولـِعِلْمِه، والقرآن الكريم في حديثه عن قصة خلق آدم في سورة البقرة وغيرها يؤكد ذلك المعنى الذي يفيدنا في بِنَاءِ نَمُوذَجِنَا الْمَعْرِفِـيِّ.

ونحن نؤمن أنَّ هذا الإنسان المكـرم مأمـور بالعبادة، والعِمَارة، والتزكية؛ فربنا -سـبحانه وتعــالى- أمرنا بالعبادة، فقال:

﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]

وأمرنا أيضًا بعمارة الأرض:

﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]

وأمرنا بالتزكية:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ [الشمس: 9-10]

ونهى الله تعالى عن الخراب والتدمير وأمر بالإتقان والتعمير,

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: 204-205]

ويقول:

﴿يَٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍۢ وَكُلُوا وَٱشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوٓا إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِىٓ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍۢ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 31-32].

التقديس في النموذج الإسلامي للرسول والكعبة والزمان والمصحف

في النَّمُوذَجِ الْمَعْرِفـِيِّ الْإسْلَامِيِّ نرى أنَّ المسلم يُقدِّسُ أشياء؛ بعضُها من عالم الأشخاص، وبعضُها من عالم الأشـيـاء، وبعضها من عالم الزمـان، وبعضها من عالم المكان؛ فنحن نحترم النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم احترامًا بالغًا:

﴿لَّا تَجْعَلُوا دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُم بَعْضًا ﴾ [النور: 63]

وقال تعالى:

﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَرْفَعُوٓا أَصْوَٰتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِىِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُۥ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَٰلُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: 2]

ونقدس الكـعـبـة:

﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍۢ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَٰلَمِينَ﴾ [آل عمران: 96]

وقال النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم:

«مَا أَطْيَـبَكِ وَأَطْيَبَ رِيـحَكِ! مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ! وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَـحُـرْمَــةُ الْمُؤْمِـنِ أَعْظَــمُ عِنْــدَ اللهِ حُرْمَــةً مِنْــكِ؛ مَالِهِ وَدَمِـهِ، وَأَنْ نَظُنَّ بِهِ إِلَّا خَيْرًا»(1)

؛ ولأنَّنا نعلم أنَّ الكعبةَ هي محل نظر الله سبحانه وتعالى.

ونعظـم شـهـر رمضـان ونفضلـه على باقي الشهور، كذلك نعظم يوم الجمعة ويوم عرفة.

ونقدِّس المصحف:

﴿لَّا يَمَسُّهُۥٓ إِلَّا ٱلْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 79]

ولقد بلغ من تقديسنا للمصحف أنَّ أحدنا لا يستطيع أن يُلْقِيَ بالمصحف، أو أن يقذفه إلى أخيه من بعيد، وكلما أمسكنا بالمصحف وضعناه فوق كل الكتـب؛ بل قبَّلناه ووضعناه فوق رءُوسنا. ما هذا؟ إنَّه التقديس الذي تُنكره حضارات أخرى؛ حيث ينكرون التقديس مطلقًا، حتى إنَّـهم ينكرون تقبيل يد الأب أو الأم أو العالِم أو الكبير، أو كبير القبيلة مثلًا!

السنن الإلهية كإطار حاكم للنشاط البشري في النموذج الإسلامي

إذن، نحن أمام نَمُوذَجٍ مَعْرِفِـيٍّ مختلفٍ يؤمن بالاحترام وإنزال كلٍّ منزلتَـه، بخلاف النموذج الآخر الذي يؤمن بالتساوي المطلق حتى بين الإنسان وبين سائر الكائنات والحيوانات والجمادات؛ وعلى هذا فالنَّمُوذَجُ الْمَعْرِفِـيُّ يؤثر في حياة الناس سلبًا أو إيجابـًا.

لو أخذنا نتتبع مفردات النَّمُوذَجِ الْمَعْرِفِـيِّ الْإسْلَامِيِّ لطال بنا المُقام؛ لأنَّ النَّمُوذَجَ الْمَعْرِفِـيَّ يشتمل أيضًا على مجموعةٍ من السُّنَنِ الْإلَـهِيَّـةِ(1) التي علَّمنا الله سبحانه وتعالى إياها في القرآن، ولقد تكلم القرآن عن هذه السُّنَنِ الْإلَـهِيَّـةِ وبَيَّـنَها، وهي بمنزلة البيئة الخارجية للنشاط البشري، وهي التي تتحكم في المسلم عند نشاطه واختياراته ووضع برامجه وأهدافه، حتى إذا ما غابت هذه الإدراكات عن ذهن مسلم؛ فإنَّه يتخبط ويفقد المعيار السليم للقرار السليم.

عَلَّمنا سبحانه أنَّ هذا الكون قد حُكِم بالتوازن، وأنَّ الأصل في العَلاقة بين الإنسان والكون، وبين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان وأخيه؛ إنَّما هي التكامل وليست الصراع، وأنَّ العَلاقة بين الرجل والمرأة هي التكامل أيضًا.

والسُّنَنُ الْإلَـهِيَّــةُ تبلغ أكثر من خمسين سُنَّة إلهية في القـرآن الكريم، منها: التوازن، والتكامل، والتدافع، والاختلاف... إلى غير ذلك، وهذه السُّنَنُ هي الحاكمة في مسيرة حياة الناس.

المبادئ القرآنية العامة وأمثلة مثل القصاص وتحمل المسؤولية

أيضًا من مفردات النَّمُوذَجِ الْمَعْرِفِـيِّ الْإسْلَامِيِّ: «الْمَـبَادِئ الْقُرْآنِيَّـة»(2)، والتي منها مثلًا:

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [فاطر: 18]

؛ فهذا مبدأ قرآني يمنع فكرة توارث الخطيئة التي بُنيت عليها أديانٌ أخرى، ومن الْمَـبَادِئ الْقُرْآنِيَّة -أيضًا- قــوله تعالى:

﴿وَلَكُمْ فِى ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ يَٰٓأُولِى ٱلْأَلْبٰبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 179]

فـ «الْقِصَاصُ حَيَاة» مبدأ قرآني يطبق في التربية، ويطبق في الجنايات والعقوبات، ومن الْمَبَادِئ الْقُرْآنِيَّة أيضًا:

﴿وَجَزَٰٓؤُا سَيِّئَةٍۢ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ﴾ [الشورى: 40]

فهذه المقابلة والمشاكلة مبدأ قرآني، والْـمَبَادِئ الْقُرْآنِيَّـة تصل تقريبًا إلى ثلاثين مبدأً قرآنيًّا.

مقاصد الشريعة الخمس وربطها بمصالح العباد في النموذج المعرفي

كذلك علمنا الإسلام من نَمُوذَجِهِ الْمَعْرِفِـيِّ أنَّ مقاصد الشريعة الغرَّاء هي: حفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ الدين، وحفظ كرامة الإنسان التي تسمى بالعِرْض، وحفظ المِلْك والمال؛ فهناك مراعاة لمصالح الناس ومصالح العباد في هذا النَّمُوذَجِ الْمَعْرِفِـيِّ.

تكوين عقلية المسلم وعالمية الرسالة ووحدة الأمة عبر التاريخ

ومن مجمل ذلك كله تتكون عقلية المسلم ونفسيته؛ لتكون شخصية متميزة ترى أنَّ الدعوة عامَّةٌ، وأنَّ الله -سبحانه وتعالى- كما أرسل الرسل بالعهد القديم، والعهد الجديـد؛ فـقـد خـتمهم برَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم الـذي أنزل مـعـه العـهـد الأخيــر، وجـعـل الله -سبحانه وتعالى- الأمة واحدة من لدن آدم إلى يومنا هذا:

﴿وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلنَّبِيِّۦنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَٰبٍۢ وَحِكْمَةٍۢ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِى قَالُوٓا أَقْرَرْنَا قَالَ فَٱشْهَدُوا وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ﴾ [آل عمران: 81].

وظيفة النموذج المعرفي في التقويم وتجديد الخطاب وتعريف المسلم

وهذا النَّمُوذَجُ الْمَعْرِفـِيُّ ينبغي أن يكون مُنْطَلَـقًا للتقويم، ومعيارًا لقبول ما هنالك من أفكار البشر وتوجهاتهم، ومبدأً لتجديد الخطاب الديني الذي يتوافق مع إدراك الواقع بعوالمه المختلفة.

«النَّمُوذَجُ الْمَعْرِفـِيُّ» يُفيد في الدعوة إلى الله، ويُفيد في الخطاب العالمي؛ حيث إنَّنا نؤمن بعالمية الإسلام، ويُفيد في المقارنة بين المسلم وبين الآخرين، ويفيد كذلك عندما يُسأل أحدُنا: من أنت؟ وما إسلامك؟ وما معنى أنَّك مسلم؟

هذا هو النَّمُوذَجُ الْمَعْرِفِـيُّ الذي نسعى لصَوْغِهِ، وهو أمـرٌ لم نبتدعه من عنـد أنفسنا؛ بل هو مجرد صياغة جديدة لكلامٍ معروف مألوف كلنا نقرأه في الكتاب وفي السُّنَّة، ولكن قد يكون بألفاظ أخرى، قد يكون بترتيبٍ آخر، ولكن مصدر هذا هو الكتاب والسُّنَّة لا يخرج عنهما أبدًا.

أهمية إبراز النموذج المعرفي ورحلة في عقل المسلم المعاصر

نريد أن نبرز ذلك النَّمُوذَج؛ حتى نجيب به عن الأسئلة الكلية الكبرى في حياة الإنسان، ورؤيته لنفسه ولما حوله، وحتى نواجه به متطلبات العصر، وحتى يفهمنا الآخرون -على أقل تقدير- إذا لم ينبهروا بهذا النَّمُوذَج ويسعوا إلى اعتناقه والإيمان به وتبنِّيه.

ما نريد فعله هو أن نقوم برحلة في عقل المسلم، نستكشف فيها أسس تفكيره ومميزات عقله ووجدانه، ونبين كيف أثَّرَ ذلك في الآداب والفنون والحياة، وكيف يمكن أن يؤثر مرةً ثانية فيخرج المسلم من حزنه، ويمارس عمارة الأرض مع الآخرين، ويمنحهم ما هم في أشد الحاجة إليه.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما المصطلح الإنجليزي المقابل للنموذج المعرفي؟

Paradigm

من المفكر الذي أكد أن النموذج المعرفي يتحكم في الثورات العلمية؟

كوين

في أي قرن نشأت فكرة الموسوعات وظهرت موسوعة بريتانيكا؟

القرن الثامن عشر

كم مجلداً تضم مجموعة الكتب العظيمة التي أصدرتها مؤسسة بريتانيكا؟

أكثر من خمسة وخمسين مجلداً

ما الأسئلة الثلاثة الكبرى التي أسماها الغرب بالأسئلة النهائية؟

من أين نحن؟ وماذا نفعل هنا؟ وماذا سيكون بعد الموت؟

ما مصادر النموذج المعرفي الإسلامي؟

الكتاب والسنة واجتهادات الأئمة

ما مقاصد الشريعة الخمس في النموذج المعرفي الإسلامي؟

حفظ النفس والعقل والدين والعرض والمال

ما الوظائف الثلاث التي كُلِّف بها الإنسان في الإسلام؟

العبادة والعمارة والتزكية

كم سنة إلهية تقريباً وردت في القرآن الكريم وفق ما ذُكر؟

أكثر من خمسين سنة

ما المبدأ القرآني الذي يمنع فكرة توارث الخطيئة؟

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾

ما الفرق الجوهري بين دور العقل في الإسلام ودوره في الفكر الغربي؟

في الإسلام العقل يفسّر الأحكام وفي الغرب يُنشئها

لماذا نشأ الطب البديل في أكثر من عشرين نوعاً؟

لأن الطب التجريبي عامل الإنسان كمادة وأهمل أبعاده الروحية والنفسية

ما الآية القرآنية التي تُبيّن غاية خلق الجن والإنس؟

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾

ما نظرية فوكوياما المتعلقة بالحضارة الغربية؟

نظرية نهاية التاريخ

كم مبدأً قرآنياً تقريباً يشتمل عليها النموذج المعرفي الإسلامي؟

ثلاثين مبدأً

ما تعريف النموذج المعرفي في الإسلام؟

هو الرؤية الكلية للإنسان والكون والحياة وما قبلها وما بعدها، وهو الإطار المرجعي والمعيار المعتمد في عقل المسلم ونفسيته، والمكوّن الأساسي لشخصيته.

على ماذا بُني النموذج المعرفي الغربي؟

بُني على حصر العلم في التجريب الحسي المسمى Science، واعتبار ما سواه من انطباعات ورؤى لا يُعدّ علماً حقيقياً.

ما الأسئلة الثلاثة التي يُسمّيها الغرب بالأسئلة النهائية؟

من أين نحن؟ وماذا نفعل هنا؟ وماذا سيكون بعد الموت؟ وهي أسئلة عن الماضي والحاضر والمستقبل.

ما إجابة الإسلام عن سؤال من أين نحن؟

خلقنا ربٌّ كريم وهو الرزاق المحيي المميت، ولم يخلقنا عبثاً بل أرسل الرسل وأوحى بالوحي، وجعل الإسلام اسم الدين الحق من آدم إلى محمد صلى الله عليه وسلم.

ما إجابة الإسلام عن سؤال ماذا نفعل هنا؟

تُجيب عنه قضية التكليف، إذ يلتزم المؤمن بالأوامر وينتهي عن النواهي بين الأمر والزجر.

ما السنن الإلهية وكم عددها في القرآن؟

هي قوانين إلهية علّمنا الله إياها في القرآن تُمثّل البيئة الخارجية للنشاط البشري، وتبلغ أكثر من خمسين سنة، منها: التوازن والتكامل والتدافع والاختلاف.

ما الفرق بين كون الإنسان سيداً في الكون وسيداً للكون؟

الإنسان سيد في الكون أي مُكرَّم ومُسخَّر له الكون، لكنه ليس سيداً للكون لأن السيد الحقيقي هو الله تعالى وحده.

ما مجالات التقديس في النموذج المعرفي الإسلامي؟

يشمل التقديس عالم الأشخاص كالنبي، وعالم المكان كالكعبة، وعالم الزمان كرمضان والجمعة وعرفة، وعالم الأشياء كالمصحف الشريف.

لماذا يُعدّ الإنسان كائناً فريداً في الكون وفق الرؤية الإسلامية؟

لأنه متحمّل للأمانة التي أبت السماوات والأرض والجبال حملها، قال تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾.

ما الأثر الذي ترتّب على جعل المجالس النيابية الغربية مُنشئةً للأحكام؟

أباحت هذه المجالس ما حرّم الله من إجهاض وشذوذ وأمور لا تليق بالبشرية، مما دفع أتباع أكثر من ثلاثين ديناً إلى الاجتماع ورفض وثيقة مؤتمر السكان ومؤتمر بكين.

ما الأصل في العلاقة بين الإنسان والكون وفق السنن الإلهية؟

الأصل هو التكامل لا الصراع، سواء في العلاقة بين الإنسان والكون أو بين الإنسان ونفسه أو بين الإنسان وأخيه، وكذلك العلاقة بين الرجل والمرأة.

ما الهدف من إبراز النموذج المعرفي الإسلامي في العصر الحاضر؟

الإجابة عن الأسئلة الكلية الكبرى، ومواجهة متطلبات العصر، وتمكين الآخرين من فهم المسلم، وتجديد الخطاب الديني، وإخراج المسلم من حزنه ليمارس عمارة الأرض.

ما الآية التي تُثبت أن كل شيء في الكون يُسبّح لله؟

قال تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: 44].

ما نقد الإسلام لنظرية الانفجار الكبير ونظرية التطور؟

هي رجم بالغيب لا تقف على أرضية ثابتة من العلم، لأن الله لم يُشهد البشر خلق السماوات والأرض، ونظرية التطور انتُقدت كثيراً ولم تُجب عن كل الأسئلة.

ما الفرق بين الطب القديم والطب الحديث في التعامل مع الإنسان؟

الطبيب القديم كان يسأل المريض عن مشكلاته الأسرية والمالية ليصف العلاج المناسب، أما الطب الحديث فمحصور في التحاليل والأشعة والتعامل المادي مع الجسد متجاهلاً الأبعاد الروحية والنفسية.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!