اكتمل ✓
الفصل 26

ما الفرق بين النسبي والمطلق في الإسلام وكيف يؤثر ذلك على تفسير القرآن الكريم؟

الإسلام يؤمن بالمطلق المتمثل في الله سبحانه وتعالى الذي يتجاوز الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، ويعترف في الوقت ذاته بالنسبي المتعلق بتفاصيل الواقع المعيش. إطلاقية القرآن تعني أنه كلام الله غير المخلوق الصالح لكل زمان ومكان، وليس محصورًا في عصر نزوله. التفسير الواقعي يوازن بين ثبات القيم المطلقة ومرونة التطبيق الجزئي، دون الوقوع في النسبية المطلقة التي تنفي حقائق الأشياء.

9 دقائق قراءة
  • هل يمكن أن يكون القرآن الكريم محصورًا في زمانه ومكانه، أم أن إطلاقيته تجعله خطابًا للعالمين في كل عصر؟

  • الفكر الإسلامي يقوم على ركيزتين: الإيمان بالمطلق المتمثل في الله وإطلاقية القيم كالعدل والرحمة، والاعتراف بالنسبي في تفاصيل الواقع المتغير.

  • العلمانية الشاملة تقوم على النسبية المطلقة التي تنفي وجود حقائق ثابتة للأشياء، وتحوّل الإيمان بالله إلى شأن شخصي جانبي.

  • محنة الإمام أحمد بن حنبل في قضية خلق القرآن كانت دفاعًا عن إطلاقيته ورفضًا لحصره في زمان أو مكان بعينه.

  • اللغة العربية تتضمن الحقيقة والمجاز، وقاعدة الاستعمال والحمل والوضع تضبط التفسير وتحفظ للنص هويته الثابتة مع مرونة الفهم.

  • مفهوم القراءتين — قراءة القرآن وقراءة الكون — يكشف عن تكامل عالم الأمر وعالم الخلق في منظومة معرفية إسلامية متكاملة.

الايمان بالمطلق والنسبي في تكوين العقل المسلم

المتأمل في الفكر الإسلامي يجد أن المسلمين قد آمنوا بالمطلق، واعترفوا بالنسبي، وإيمانهم بالمطلق تمثل في إيمانهم بالله، فالله سبحانه وتعالى كان قبل الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، وهي الجهات الأربع التي تحكم الواقع المعيش، والتي ينسب إليها؛ ولذلك نسمي هذا المتغير بالنسبي، نسبي في الزمان أو نسبي في المكان، أو نسبي في الأشخاص أو نسبي في الأحوال، والله سبحانه وتعالى هو المطلق الفرد الذي لا يحده شيء من ذلك كله.

وآمنوا بإطلاقية القيم، فالعدل عدل في كل ذلك - أعني: هذه الأربع - والرحمة رحمة، والظلم ظلم، والقسوة قسوة، ولذلك نرى في القرآن الكريم قوله تعالى:

﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ۚ ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ .

ويقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَأَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُوا۟ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُوا۟ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ، فالإيمان بالمطلق بهذا المعنى أحد أركان الإسلام، والمكون الأساسي للعقل المسلم، فهو من النموذج المعرفي الذي يواجه به المسلمُ الواقعَ ويفسره به، ويقوِّمه من خلاله.

العلمانية الشاملة والنسبية المطلقة وانعكاسها على الايمان

وقد نستطيع أن نعرف العلمانية، بأنها تؤمن بالنسبية المطلقة، وأن الإيمان بالنسبية المطلقة هو الذي يمثل ما أسماه الدكتور عبدالوهاب المسيري بـ (العلمانية الشاملة) وحينئذ فلا بأس عند ذلك المعتقد أن ينكر الله، ولا بأس عنده أن ينحيه من التلقي منه سبحانه وتعالى، أو من تهميشه من الحياة، وتحويل مسألة الإيمان بالله إلى مسألة شخصية جانبية تمثل إيمانا خاصًّا، ولا تمثل قضية للوجود.

وهذه النسبية المطلقة تؤثر كثيرًا في التفسيرات اللغوية، وتجعل الكون لا حقيقة له في نفسه، بل إنه كما يراه الراصد، وكما يراه كل إنسان على حدة، فليس للأشياء حقيقة ثابتة، وهو ما ينقلنا إلى مذهب السوفسطائية القدماء وإلى مذهب الغموصية الحلولية، والتي يتصور الإنسان فيها الله - جل جلاله - داخل الكون، وليس مفارقا له.

وهو التيار الذي شاع في أواسط حركة مع بعد الحداثة، وكاد يتحكم في التيار العام للفكر الغربي في العصر الحديث. وعليه يمكن لنا أن نطبق هذا المدخل على تفصيلات تزيده وضوحا في كيفية التعامل بواسطته مع النصوص الشرعية ومع الواقع المعيش.

اطلاقية القرآن ومحنة خلقه في مواجهة تاريخية النص

  1. إن هناك فارقًا بين معنى إطلاقية القرآن، وبين تفسيره بصورة واقعية، وبين تفسيره من خلال منظومة النسبية المطلقة، فإطلاقية القرآن عرفها تاريخ الفكر الإسلامي في صورة القول بأنه غير مخلوق، وكلنا يتذكر محنة الإمام أحمد بن حنبل - إمام أهل السنة والجماعة، وأحد الأئمة الأربعة المتبوعين إلى يومنا هذا - حيث وقف وقفة صلبة في قضية الدعوة لخلق القرآن، والتي تؤدي مباشرة إلى أنه محصور في زمانه، أو مكانه، أو للأشخاص الذين خاطبهم، أو في الحال الذي نزل فيه، وهو الأمر الذي رفضه جماهير المسلمين؛ لأنهم يعلمون لازم ذلك المذهب، وهو ما يسميه بعضهم في العصر الحاضر بتاريخية القرآن، بمعنى أنه نزل لعصر بعينه، وأن العصر قد انقضى بظروفه وأشخاصه ومصالحه، وأنه لم يبق لنا من القرآن إلا ما يمكن أن نؤمن به، أو نستعمله في عصرنا الحاضر، ويتم بذلك تنحية القرآن عن واقع الناس، وتنحيته عن كونه كتاب هداية، وتنحية الإسلام عن عالميته، وعن مفهوم النسق المفتوح الذي جاء به، ولم يفرق فيه بين عربي وأعجمي، ولا بين أبيض وأسود، ولا بين رجل وامرأة، كما أنه يفتح القول بالنسبية المطلقة التي نراها قد أدت إلى نفي حقائق الأشياء.

التفسير الواقعي للقرآن بين اطلاقية النص ومرونة التطبيق

  1. أما - التفسير الواقعي فهو يؤمن بإطلاقية القرآن، وأنه متجاوز للجهات الأربعة المذكورة، وأنه غير مخلوق، بل هو كلام الله الذي ما زال سبحانه وتعالى يتكلم، وكأن القرآن قد نزل الآن، وكأنه دائما يخاطب قارئه، وهو دائما كتاب هداية، لا يختلف عن الواقع المعيش، لكنه يقيده بأخلاق مطلقة، وبقيم ثابتة، وفيه من الأنظمة ما جعله الله سبحانه وتعالى ثابتا، كنظام الشهادات، وفيه من الإجمال ما جعله الله صالحا لكل زمان ومكان، وبذلك نراه حمّال أوجه، كما وصفه سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه عندما قال لعبدالله بن عباس رضي الله عنهما وهو يفاوض الخوارج:

«لا تخاصمهم بالقرآن؛ فإن القرآن حمّال ذو وجوه، تقول ويقولون» .

وكما وصفه رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فيما يرويه علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال:

«إنها ستكون فتنة». قال: قلت فما المخرج؟ قال: «كتاب الله، فيه نبأ مَن قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، مَن تركه مِن جبار قصمه الله، مَن ابتغى الهدى - أو قال: العلم - مِن غيره أضله، هو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلَق عن كثرة الردّ، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي تناهى الجن إذ سمعته حتى قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًۭا يَهْدِىٓ إِلَى ٱلرُّشْدِ﴾ مَن قال به صدق، ومَن عمل به أُجر، ومَن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم» .

ونحن نرى في القرآن دساتير كثيرة تنظِّم الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بوضع المبادئ والأسس لهذه المناحي من مناحي الحياة، ولكنها لا تدخل في التفاصيل الجزئية لمرونتها، وهي التي في هذا المقام يمكن أن نسميها

بـ (نسبية جزئية) أي أنها ليست نسبية مطلقة تصل إلى حد اختلاف التضاد، بل هي نسبية جزئية، تشتمل على اختلاف التنوع الذي نقدر معه على تحصيل تلك المرونة.

كل هذا كان مقدمة لابد منها لمناقشة هذه القضية، التي نرجو أن نتوصل فيها إلى أسس تميز بين الغث والثمين، في قضية تفسير القرآن في العصر الحديث.

المعنى الاصلي والتابع للنص القرآني وحدود التفسير الباطني

  1. والقرآن الكريم قد نزل بلغة العرب، وما دام هو نصًّا يتعلق فهمه بإدراك اللغة، فدائما يكون له معنى أصلي، ويكون له معنى تابع، أما المعنى الأصلي فهو ذلك المعنى الذي يمكن أن يُترجَم من لغة إلى لغة أخرى، والذي يستفاد من دلالة الألفاظ في صورتها المعجمية، ومن تراكيب السياق، وما يتبادر منها إلى ذهن أهل تلك اللغة، مع مراعاة التطور الدلالي للألفاظ، والذي نراه مختلفًا في اللغات المقدسة، ونعني بها تلك التي بها نصوص مقدسة تتعلق بالأديان (كالعبرية، والآرامية، والسنسكريتية، والعربية) وهو أمر يختلف عن قداسة اللغة، كما فصّلنا ذلك في مقال (اللغة المقدسة وقدسية اللغة، نشر بالأهرام 11-9-2004).

والمعنى الأصلي تعدده محصور، أما المعنى التابع فهو أكثر تعددًا وأكثر احتياجًا إلى الضوابط التي لا تجعله يميل إلى الرمزية، أو يوغل في الإغراب، ومن شروطه المهمة أن لا يكر على المعنى الأصلي بالبطلان، بل يضيف إليه معنى جديدًا ينضم إليه ولا يلغيه، وقد يكون هذا هو الفارق المهم بين التصوف السني، الذي فهم معاني كثيرة من النصوص الشرعية - خاصة القرآن الكريم - ضمها إلى المعنى الأصلي الذي تمسك به، وبين الباطنية التي جعلت ذلك المعنى التابع قاضيا على المعنى الأصلي؛ بحيث صار هو الأصل، والمعنى الأصلي هو الحجاب للفهم، ولقد ألف الإمام الغزالي كتابه «فضائح الباطنية» من أجل الكشف عن هذا المعنى، والرد عليهم، وبيان فساد مذهبهم؛ لأن مزية القرآن أنه جاء خطابًا للعالَمين، فلا يمكن قبول نظرية التفسير الرمزي أو الباطني الذي يجعله مفهومًا عند بعض الناس، وغير مفهوم عند أكثرهم.4

الحقيقة والمجاز وقاعدة الاستعمال والحمل في فهم النص الشرعي

  1. إلا أن اللغة قد اشتملت على ما أسماه علماؤها فيما بعد بالحقيقة والمجاز، أما الحقيقة فهو أن نستعمل اللفظ في معناه الذي وضعه واضع اللغة ابتداء، وواضع اللغة عند جماهير علماء المسلمين هو الله سبحانه وتعالى، ويستدلون على ذلك بقوله تعالى:

﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا﴾ ،

والأسماء هنا هي ألفاظ وضعت بإزاء معان أو ذوات وأعيان معينة، وهذا هو حقيقة الوضع اللغوي، هو جعل اللفظ بإزاء المعنى، أما المجاز فهو استعمال ذلك اللفظ في معنى لم يوضع له، ويدل على ذلك قرينة، ولابد من وجود علاقة بين اللفظ وبين هذا المعنى.

ولقد عدوا هذه العلاقات التي يمكن أن تكون بين اللفظ وبين معانيه الأخرى سوى معناه الحقيقي، فوجدوها أكثر من خمس وعشرين علاقة؛ منها: دلالة اللفظ على جزء معناه، أو دلالته على معنى أعم، أو دلالته على المحل أو على الحال، أو باعتبار ما سيكون، أو باعتبار ما كان... إلى آخر هذه العلاقات التي اهتم بها علماء البلاغة، واهتم بها أيضًا علماء أصول الفقه، من أجل فهم صحيح مؤسس على منهج علمي رصين للنص الشرعي، سواء أكان كتابًا أم سنة.

ولم يقع مفسرو القرآن في عمومهم في إنكار المجاز، فلم ينكر المجاز إلا الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، ثم تبعه بعد ذلك الشيخ ابن تيمية لتوجهات عقدية رآها، ولم يوافقه عليها جماهير العلماء وجُلَُّ المفسرين، وبالرغم من ذلك أطلق العلماء قاعدة مهمة وهي "إن المجاز خلاف الأصل"، فالأصل في الكلام هو الحقيقة، ومعنى هذا أن أغلب الكلام إنما يكون على الحقيقة، وأن السامع يحمل الكلام المسموع ابتداء على الحقيقة، فالحقيقة هي التي تتبادر بالذهن أوّلا، ووضع علماء الأصول في هذا المقام قاعدة جليلة تشتمل على وظيفة اللغة من ناحية وعلى ما مَنَّ الله علينا به من فائدة الكلام، وقالوا: الاستعمال من صفة المتكلم، والحمل من صفة السامع، والوضع قبلهما.

ففي هذه العبارة المختصرة قرار بثبات اللغة التي كتبت بها النصوص، وفيها أيضًا إقرار الحرية للمتكلم في استعمال كلامه لما يريد أن يعبر عنه، وأن ينقله للآخرين، وفيها أيضًا إشارة إلى وظيفة التلقي التي يقوم بها السامع، والتي يتاح له فيها أن يحمل الكلام على ما يمكن أن يحتمله، وشرح هذه العبارة له تعلق قوي بقضية النسبي والمطلق، وله تعلق كذلك بصلاح القرآن لكل زمان ومكان، وبالاحتياج الشديد لأدوات منهجية لتفسير القرآن لا تؤدي إلى إنكار نسبية الواقع والإغراق في الإطلاق، ولا تؤدي كذلك إلى انفراط التفسير بحيث لا يبقى للدين هوية ويقول فيه كل من شاء ما شاء؛ لأن هذا ضد أصل المعتقد، وأصل الواقع من لزوم بقاء المطلق والنسبي أثناء إدراكنا للنص وإدراكنا للواقع، والوصل بينهما.

كتاب الله المسطور والمنظور ومفهوم القراءتين للخلق والوحي

  1. ولقد قررنا في مرات كثيرة أن هناك معنى صالحًا في إطلاقهم كتاب الله المسطور على القرآن، وكتاب الله المنظور على الكون، وأشرنا إلى التطابق بينهما، وهو يعني أنهما قد صدرا من الله، القرآن صدر من عالم الأمر، والكون صدر من عالم الخلق، والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه:

﴿أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾ .

وفي نفس السياق تأتي قضية القراءتين، وهو أن هناك قراءة للقرآن، وقراءة للأكوان، تشير إليها آيات سورة العلق، وهي أول ما نزل، حيث كرر الله فيها الأمر بالقراءة، وعلَّق الأولى على الخلق والثانية على الوحي، فقال:

﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ ٱلْإِنسَٰنَ مِنْ عَلَقٍ * ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ﴾ ،

والقلم إشارة إلى الوحي، كقوله تعالى:

﴿نٓ ۚ * وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ ،

نرى هنا أنه بدأ بالخلق وثنَّى بالوحي، وكأن الإنسان لابد عليه أن يطلع العالم وما حوله ليكون قادرًا على فهم الوحي، وكذلك لابد عليه من إدراك الوحي إدراكًا صحيحًا من أجل أن يغيِّر واقعه نحو التغيير الصحيح؛ ولذلك نرى أن الخلق والأمر يتكاملان في دائرة واحدة يصح أن نبدأ من أي نقطة منها فنصل إلى تمامها، ونرى قوله تعالى:

﴿ٱلرَّحْمَٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ * خَلَقَ ٱلْإِنسَٰنَ﴾ فيه إشارة إلى تلك الدائرة.

ولذلك نرى أن النعي على مطابقة النص القرآني للواقع وإنكار ذلك بصورة مطلقة ليس بسديد؛ لأن فيه سدَّ باب القراءتين من ناحية، وفيه إنكار للواقع من ناحية أخرى، إن القرآن الكريم نزل مركبًا يرسم شبكة علاقات يستطيع المتدبر فيه استنباط مبادئ ومقررات كثيرة من تقاطعات هذه الشبكة، وكذلك الواقع في تطوره وتدهوره يكون شبكة، وليس دالَّة خطية كما يعبر علماء الرياضيات. (يتبع)

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الجهات الأربع التي تحكم الواقع المعيش وتجعله نسبيًا في الفكر الإسلامي؟

الزمان والمكان والأشخاص والأحوال

من الذي عرّف العلمانية الشاملة بوصفها إيمانًا بالنسبية المطلقة؟

الدكتور عبدالوهاب المسيري

ما الذي يؤدي إليه القول بخلق القرآن مباشرة وفق ما ناقشه النص؟

حصر القرآن في زمانه ومكانه وأشخاصه وأحواله

بماذا وصف علي بن أبي طالب رضي الله عنه القرآن الكريم في وصيته لعبدالله بن عباس؟

حمّال ذو وجوه

ما الشرط الأهم للمعنى التابع في تفسير القرآن حتى يكون مقبولًا؟

ألا يكرّ على المعنى الأصلي بالبطلان

ما الفارق الجوهري بين التصوف السني والباطنية في التعامل مع معاني القرآن؟

التصوف السني يضم المعنى التابع إلى الأصلي، والباطنية تجعل التابع قاضيًا على الأصلي

من العلماء الذين أنكروا المجاز في اللغة العربية؟

أبو إسحاق الإسفراييني وابن تيمية

ما القاعدة التي وضعها علماء الأصول لتحديد وظيفة اللغة في التفسير؟

الاستعمال من صفة المتكلم، والحمل من صفة السامع، والوضع قبلهما

ما الكتاب الذي ألّفه الإمام الغزالي ردًّا على الباطنية؟

فضائح الباطنية

ما الذي تشير إليه آيات سورة العلق بتكرار الأمر بالقراءة؟

قراءة الكون وقراءة الوحي كمنظومة متكاملة

ما المقصود بـ'النسبية الجزئية' في سياق التفسير الواقعي للقرآن؟

نسبية تشتمل على اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد

ما الآية القرآنية التي استدل بها العلماء على أن الله هو واضع اللغة؟

﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾

كم علاقة مجازية أحصاها علماء البلاغة وأصول الفقه بين اللفظ ومعانيه غير الحقيقية؟

أكثر من خمس وعشرين علاقة

ما الفرق بين كتاب الله المسطور وكتاب الله المنظور؟

المسطور هو القرآن الصادر من عالم الأمر، والمنظور هو الكون الصادر من عالم الخلق

ما الأصل في الكلام عند علماء اللغة والأصول؟

الحقيقة

ما الجهات الأربع التي تجعل الواقع نسبيًا في الفكر الإسلامي؟

الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، وهي التي ينسب إليها الواقع المعيش، بينما الله سبحانه وتعالى متجاوز لها جميعًا.

لماذا يُعدّ الإيمان بالمطلق ركنًا أساسيًا في الإسلام؟

لأنه المكوّن الأساسي للعقل المسلم والنموذج المعرفي الذي يواجه به المسلم الواقع ويفسره ويقوّمه، ويتمثل في الإيمان بالله وإطلاقية القيم.

ما تعريف العلمانية الشاملة كما وصفها الدكتور عبدالوهاب المسيري؟

هي الإيمان بالنسبية المطلقة التي تجيز إنكار الله أو تهميشه من الحياة وتحويل الإيمان به إلى مسألة شخصية جانبية لا تمثل قضية للوجود.

كيف تؤثر النسبية المطلقة على فهم اللغة والكون؟

تجعل الكون بلا حقيقة ثابتة في نفسه، بل كما يراه كل راصد على حدة، مما يؤدي إلى نفي حقائق الأشياء وهو ما يقترب من مذهب السوفسطائية.

ما نظرية تاريخية النص وما خطرها على القرآن الكريم؟

هي القول بأن القرآن نزل لعصر بعينه وانقضى بظروفه، فلا يبقى منه إلا ما يمكن استعماله في العصر الحاضر، مما يؤدي إلى تنحيته عن واقع الناس وإلغاء عالمية الإسلام.

ما الموقف الذي وقفه الإمام أحمد بن حنبل في قضية خلق القرآن؟

وقف وقفة صلبة رافضًا القول بخلق القرآن لأنه يؤدي إلى حصره في زمانه ومكانه وأشخاصه وأحواله، وهو ما رفضه جماهير المسلمين لعلمهم بلازم هذا المذهب.

ما المقصود بأن القرآن حمّال ذو وجوه؟

أن القرآن يحتمل وجوهًا متعددة من التفسير بسبب ما فيه من إجمال يجعله صالحًا لكل زمان ومكان، وهو ما وصفه به علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

ما النسبية الجزئية وكيف تختلف عن النسبية المطلقة؟

النسبية الجزئية تشتمل على اختلاف التنوع الذي يتيح المرونة في التطبيق، بخلاف النسبية المطلقة التي تصل إلى حد اختلاف التضاد ونفي الحقائق الثابتة.

ما الفرق بين المعنى الأصلي والمعنى التابع في تفسير القرآن؟

المعنى الأصلي مستفاد من دلالة الألفاظ المعجمية وتراكيب السياق وتعدده محصور، أما المعنى التابع فأكثر تعددًا ويشترط ألا يلغي المعنى الأصلي بل يضيف إليه.

ما الفارق بين التصوف السني والباطنية في التفسير؟

التصوف السني يضم المعنى التابع إلى المعنى الأصلي ويتمسك به، بينما الباطنية تجعل المعنى التابع قاضيًا على الأصلي حتى يصير الأصلي مجرد حجاب للفهم.

لماذا لا يمكن قبول التفسير الرمزي أو الباطني المطلق للقرآن؟

لأن مزية القرآن أنه جاء خطابًا للعالمين، فلا يمكن قبول تفسير يجعله مفهومًا عند بعض الناس وغير مفهوم عند أكثرهم.

ما تعريف الحقيقة في علم اللغة والأصول؟

الحقيقة هي استعمال اللفظ في المعنى الذي وضعه واضع اللغة ابتداءً، وهي الأصل في الكلام الذي يتبادر إلى ذهن السامع أولًا.

ما تعريف المجاز وما شرطه الأساسي؟

المجاز هو استعمال اللفظ في معنى لم يوضع له، ويشترط وجود قرينة تدل على ذلك وعلاقة بين اللفظ وهذا المعنى الجديد.

ما معنى قاعدة 'الاستعمال من صفة المتكلم والحمل من صفة السامع'؟

تعني أن المتكلم حر في استعمال كلامه للتعبير عما يريد، والسامع يحمل الكلام على ما يمكن أن يحتمله، والوضع اللغوي ثابت قبلهما.

ما المقصود بكتاب الله المسطور وكتاب الله المنظور؟

كتاب الله المسطور هو القرآن الكريم الصادر من عالم الأمر، وكتاب الله المنظور هو الكون الصادر من عالم الخلق، وكلاهما صادر من الله سبحانه وتعالى.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!