اكتمل ✓
الفصل 4

كيف تؤدي النسبية المطلقة عند منكري وجود الله إلى ضياع معايير الحق والقيم وتحكيم القوة؟

أصحاب فكرة عدم وجود الله يدعون إلى النسبية المطلقة، إذ يرون أنه لا ممدوح ولا مذموم على الإطلاق، وأن كل شيء نسبي تبعاً لرؤية كل فرد. وهذا يُفضي إلى سقوط المرجعية الأخلاقية وتحكيم القوة بديلاً عن الحق، فمن كان أقوى فرض واقعه وسُمِّي على الصواب. وقد وصف القرآن الكريم هذه الحال بقوله: ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ﴾، أي أن الهوى حلَّ محل الله في الاعتقاد والفكر.

دقيقتان قراءة
  • هل يمكن الحكم على الخير والشر بمعزل عن الإيمان بالله، أم أن إنكار وجوده يُفضي حتماً إلى انهيار كل معيار أخلاقي؟

  • أصحاب فكرة عدم وجود الله يدعون إلى النسبية المطلقة، فلا ممدوح ولا مذموم على الإطلاق، بل كل شيء نسبي تبعاً لرؤية الفرد.

  • رؤية الكون في هذا المنهج تابعة للهوى الشخصي، وهو ما يُجسّده قوله تعالى: ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه﴾، إذ يحلّ الهوى محل الله.

  • سقوط المرجعية الدينية والأخلاقية أفضى إلى منطق القوة، فمن كان أقوى فرض واقعه وصار هو الحق في غياب أي معيار مطلق.

  • نيتشه أرسى النسبية المطلقة وتركها سمةً للعصر، وسط مخاوف من ضياع الاجتماع البشري وانتشار الهرج والفوضى.

  • لمعالجة فوضى النسبية المطلقة اقترح مفكرون علمانيون كجون ديوي جعل المصلحة والإنجاز معياراً جديداً يضبط السلوك الإنساني.

تساؤلات حول الحكم على القيم مع إنكار وجود الله

ولكن هذا المذهب يجعلنا نتساءل: إذا كان الله غير موجود فكيف نحكم على الأشياء؟ كيف نعرف أن الصدق والجمال والخير أشياء ممدوحة؟ وكيف نعرف أن الشر والكذب والظلم أشياء مذمومة؟

وأصحاب فكرة عدم وجود الله يدعون إلى النسبية المطلقة، فيقولون: ليس هناك ممدوح على الإطلاق، ولا مذموم على الإطلاق، وإنما هذه الأشياء ممدوحة عند من يراها ممدوحة، ومذمومة عند من يراها مذمومة.

رؤية الكون تبعا للهوى والاستشهاد بالآية الكريمة

وينشأ سؤال آخر وهو: كيف نرى الكون؟ وتقتضي نظرتهم إلى الإجابة عنه بأنه كما تراه، فإذا كانت رؤيتك لهذا الكون أنه كئيب فهو كئيب بالنسبة لك، وإذا كان غيرك يراه سعيدًا فهو سعيد بالنسبة له، مما يجعلنا نتمثل قول ربنا تعالى:

﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍۢ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِۦ وَقَلْبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَٰوَةًۭ فَمَن يَهْدِيهِ مِنۢ بَعْدِ ٱللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ .

فهو قد ألغى الله من اعتقاده وفكره، ووضع مكانه الهوى، وبهذا الشكل يُفقد المشترك في الكلام، وتنعدم فائدة الكلام تمامًا، ثم نشأت بعد ذلك التفكيكية والبنيوية، ثم ديانة الفوضى.

سقوط المرجعية والانتقال إلى منطق القوة في تحديد الحق

كنا نذهب للشيخ أو القسيس نُحَكِّمه فيما حدث حتى يحكم من الصواب ومن الخطأ، والآن إلى مَنْ نذهب لمعرفة الحق والباطل؟ قالوا: الآن تأخذ حقك بالقوة، فإذا كنت قويًّا فأنت على الصواب؛ لأنه ليس هناك معيار مطلق للحق والباطل، كلها معايير نسبية فما تراه أنت حقًّا لمصلحتك الشخصية أراه أنا باطلاً، وليس هناك ما يلزمني أن أعتقد ما تعتقده ولا ما يلزمك أن تعتقد ما أعتقده إلا القوة، هي التي تفرض على أرض الواقع من الحق ومن الباطل.

إذن فالواقع هو المعيار والواقع يصنعه الأقوى، فهل هذا يعني أن العلاقة بين الرجل والمرأة ستكون على هذا المنوال، بمعنى أن الرجل سوف يفرض الواقع ويكون هذا هو الصواب لأنه أقوى جسديًّا؟ والمشكلة إذا تقوت المرأة وأصبحت أقوى من الرجل من الذي يحدد الصواب ويصنع الواقع؟ ففي الستينيات وجدنا المرأة تدخل المصارعة، وتلعب كمال الأجسام.

دور نيتشه في ترسيخ النسبية المطلقة ومخاوف ضياع الاجتماع

هذا ما أراده نتشه وقد انتهى نتشه سنة (1900م)، وترك لنا ما يمكن أن نسميه «النسبية المطلقة»، التي أصبحت سمة من سمات العصر، وانتشرت النسبية المطلقة بين رواد الفكر الأوربي واقتنعوا بها، ولكنها كانت محاطة بمخاوف كثيرة أهمها ضياع الاجتماع البشري؛ حيث سيبغي الناس بعضهم على بعض، ولن يكون هناك مسوّغ لإلزامهم بالكفِّ عن هذا الهرج والفوضى.

قالوا: لابد أن نجعل النسبية المطلقة فكرة قابلة للتنفيذ والتطبيق في حياة الناس، ونستطيع أن نقضي على هذه الفوضى بأن نضع معيارًا يتفق عليه الناس في الإقدام على الفعل أو تركه، في القتل والغصب أو تركهما، وانتهوا إلى أن هذه المعيار هو «المصلحة» وهي ما تسمى بـ «الدبلوماسية النفعية»، وقال كل من «جون ديوي» و«جيمس كوهن» وهما يعتبران كهنة العلمانية، حيث جعلا المقياس الجديد الذي يضبط النسبية المطلقة، وجعلا الإنجاز هو القيمة المقدمة على كل القيم باعتباره يحقق تلك المصلحة، فأصبح من سمات العصر «الإنجاز».

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الموقف الذي يتبناه أصحاب فكرة عدم وجود الله تجاه القيم الأخلاقية؟

يدعون إلى النسبية المطلقة في الحكم على الأشياء

من أي سورة قرآنية وردت الآية ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه﴾ في السياق المذكور؟

سورة الجاثية

ما الذي يحلّ محل الله في فكر من يتبع هواه وفق الآية الكريمة؟

الهوى الشخصي

وفق منطق النسبية المطلقة، ما الذي يحدد الحق والباطل على أرض الواقع؟

القوة

ما أبرز المخاوف التي أحاطت بانتشار النسبية المطلقة في الفكر الأوروبي؟

ضياع الاجتماع البشري وبغي الناس بعضهم على بعض

ما المعيار الذي اقترحه المفكرون العلمانيون لضبط النسبية المطلقة؟

المصلحة والإنجاز

من المفكران اللذان وصفا بأنهما كهنة العلمانية وجعلا الإنجاز قيمة مقدَّمة؟

جون ديوي وجيمس كوهن

ما التيارات الفكرية التي نشأت نتيجة إلغاء المشترك في الكلام وفقدان المرجعية؟

التفكيكية والبنيوية وديانة الفوضى

في أي عام توفي نيتشه تاركاً إرثه الفكري القائم على النسبية المطلقة؟

1900م

ما الإشكالية التي يطرحها منطق القوة في تحديد الصواب على العلاقة بين الرجل والمرأة؟

أن الرجل الأقوى جسدياً يفرض واقعه ويُعدّ على الصواب، وهذا يتغير إذا تقوّت المرأة

ما الذي يحدث للمشترك في الكلام حين يُلغي الإنسان الله من اعتقاده ويضع الهوى مكانه؟

يُفقد وتنعدم فائدة الكلام

ما المقصود بالنسبية المطلقة في سياق إنكار وجود الله؟

هي القول بأنه لا ممدوح على الإطلاق ولا مذموم على الإطلاق، وأن الأشياء ممدوحة عند من يراها ممدوحة ومذمومة عند من يراها مذمومة، دون وجود معيار موضوعي ثابت.

كيف تنعكس النسبية المطلقة على رؤية الإنسان للكون؟

تجعل رؤية الكون تابعة للهوى الشخصي، فإذا رأيته كئيباً فهو كئيب بالنسبة لك، وإذا رآه غيرك سعيداً فهو سعيد بالنسبة له، دون حقيقة موضوعية مشتركة.

ما الذي يعنيه إلغاء الله من الاعتقاد ووضع الهوى مكانه؟

يعني فقدان المشترك في الكلام وانعدام فائدة الحوار تماماً، ثم نشوء التفكيكية والبنيوية وديانة الفوضى.

ما الآية القرآنية التي تصف من يجعل هواه إلهه؟

قوله تعالى: ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون﴾ من سورة الجاثية.

لماذا يُعدّ سقوط المرجعية الدينية مشكلة عملية في الحياة اليومية؟

لأنه يُزيل الجهة المحايدة التي يُحتكم إليها لمعرفة الحق والباطل، فلا شيخ ولا قسيس يُرجع إليه، ويصبح الناس بلا مرجعية مشتركة.

كيف يُحدَّد الصواب والخطأ في ظل النسبية المطلقة وغياب المعيار المطلق؟

يُحدَّد بالقوة؛ فمن كان قوياً فرض واقعه وصار على الصواب، لأنه لا يوجد معيار مطلق يُلزم أحداً باعتقاد بعينه.

ما الإشكالية التي يطرحها منطق القوة في تحديد الصواب على صعيد العلاقات الاجتماعية؟

يطرح إشكالية حادة في العلاقة بين الرجل والمرأة، إذ يصبح الأقوى جسدياً هو من يصنع الواقع، وهذا يتغير إذا تقوّت المرأة وأصبحت أقوى.

ما الدور الذي أدّاه نيتشه في تاريخ الفكر الغربي المتعلق بالنسبية؟

أرسى نيتشه النسبية المطلقة وجعلها سمة من سمات العصر، وانتشرت بين رواد الفكر الأوروبي الذين اقتنعوا بها، وقد توفي سنة 1900م.

ما أبرز الخطر الذي رآه المفكرون في تطبيق النسبية المطلقة على المجتمع؟

ضياع الاجتماع البشري، حيث سيبغي الناس بعضهم على بعض ولن يكون هناك مسوّغ لإلزامهم بالكف عن الهرج والفوضى.

ما الحل الذي اقترحه المفكرون العلمانيون لجعل النسبية المطلقة قابلة للتطبيق؟

اقترحوا جعل المصلحة معياراً يتفق عليه الناس في الإقدام على الفعل أو تركه، وهو ما يُعرف بالدبلوماسية النفعية.

من جون ديوي وجيمس كوهن وما دورهما في الفكر العلماني؟

يُعتبران كهنة العلمانية، وقد جعلا المقياس الجديد الذي يضبط النسبية المطلقة هو الإنجاز باعتباره يحقق المصلحة، فأصبح الإنجاز من سمات العصر.

ما العلاقة بين النسبية المطلقة والدبلوماسية النفعية؟

الدبلوماسية النفعية هي محاولة لضبط النسبية المطلقة وجعلها قابلة للتطبيق، عبر اعتماد المصلحة معياراً مشتركاً بدلاً من المعيار الأخلاقي المطلق.

ما التيارات الفكرية التي نشأت في أعقاب إلغاء المرجعية وفقدان المشترك في الكلام؟

نشأت التفكيكية والبنيوية ثم ديانة الفوضى، وهي تيارات تعكس انهيار الأسس المشتركة للتواصل والحوار الإنساني.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!