اكتمل ✓
الفصل 22

كيف تؤدي تزكية النفس والتفكر إلى الأنس بالله وما هو العلم النافع الموصل إليه؟

تزكية النفس تبدأ بتوجيه الفكر نحو الله في ملكوته وخلقه، فيتدرج الإنسان من العلم إلى اليقين إلى المشاهدة حتى يصل إلى الأنس بحضرة القدس. والعلم النافع هو ما أوصل صاحبه إلى الله، وهو الآية المحكمة والسنة القائمة والفريضة العادلة، لا ما يؤدي إلى التفاخر والتكبر. وتتم تزكية النفس بالتخلية من القبيح والتحلية بالصحيح والتخلق بصفات الجمال، حتى يتجلى الله على القلب النظيف.

11 دقيقة قراءة
  • ما الفرق بين العلم النافع الذي يوصل إلى الله وبين المعرفة التي لا تنفع وما الجهل بها لا يضر؟

  • التفكر في ملكوت الله يؤدي تدريجيًا من العلم إلى اليقين إلى المشاهدة إلى الحضور ثم إلى الأنس بحضرة القدس.

  • العلم النافع حدده النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثة: آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة، وما سوى ذلك فضل.

  • تزكية النفس تمر بمراحل متتالية: التخلية من القبيح، والتحلية بالصحيح، والتخلق بصفات الجمال، والتعلق بصفات الجلال، ثم التجلي الإلهي.

  • الأسماء الحسنى ثلاثة أضرب: صفات جمال كالرحمة والمغفرة، وصفات جلال كالقوة والقهر، وصفات كمال تدل على تفرد الله وعلوه.

  • الطريق إلى الله واحد في مقصوده وإن تعددت مشاربه، وغاية الجميع الوصول إلى الله سبحانه وتعالى.

تعريف قضية الفكر في الخلوة والسير إلى الله

ونتكلم الآن علىٰ قضية الفكر، حيث قلنا: إن الخلوة فيها ذِكْر وفيها فكر، أما الذِّكْر فقد أشرنا إليه، وإلىٰ طرف منه، وكيف يكون، ثم نحن هنا نتكلم عن الفكر، والفكر أيضًا هو للّٰه سبحانه وتعالى، وهذا الفكر ينبغي أن يكون في ملكوت اللّٰه، وفي ملك اللّٰه، في السموات وفي الأرض، في النفس، وفي الحيوان، وفي النبات، وفي كل شيء يتأتىٰ للإنسان أن يستشعره، وأن يدركه، وأن يفهمه، وأن يعلمه، وأن يطلع عليه، وأن يُحصّل معناه، أي أن يتفكر الإنسان في كل شيء.

ثمرات الفكر من العلم واليقين إلى الأنس بالقدس

ولا بد من أن يؤدي هذا الفكر إلىٰ علم، وهذا العلم يؤدي إلىٰ يقين، وهذا اليقين يؤدي إلىٰ مشاهدة، وهذه المشاهدة تؤدي إلىٰ حضور، وفي الحضور أنس بحضرة القدس، والأنس بالقدس أمر هو في نهاية الفكر، أي أن الفكر سيوصلنا إلىٰ حضرة القدس سبحانه وتعالى، فهذا هو هدف الفكر.

وليس هدف الفكر التكبُّر علىٰ الناس، ولا هدف الفكر الاعتزاز بالنفس، ولا هدف الفكر الضلال، ولا هدف الفكر الإيذاء، ولا هدف الفكر التعالي؛ بل إن هدف الفكر دائمًا هو اللّٰه.

توجيه الفكر نحو الله وتمييز العلم النافع عن المعرفة

فينبغي علينا أن نوجه فكرنا ليدفعنا إلىٰ اللّٰه، وكل شيء حولناه إلىٰ دلالة علىٰ اللّٰه في أنفسنا صار علمًا، وكل شيء لم يكن كذلك لا يكون علمًا، إنما يكون معرفة لا تنفع، والجهل بها لا يضر.

حديث العلم ثلاثة ونموذج العلم الموصل إلى الله

النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجد رجلًا يلتف حوله الناس، فقال: (ما هذا؟) كأنه تعجب من التفات الناس واهتمامهم بذلك الرجل، لم يقل: من هذا؟ بل قال: ما هذا؟ يعني الذي يتم من وقوف رجل في وسط حلقة، هذا الرجل يتكلم، ويستمع إليه الناس، ويتكوكبون عليه، قالوا: هذا علامة. قال: (وما علامة؟!) قالوا: يعرف أنساب العرب، وأيامهم، وحروبهم، وقتالهم، ومشاهدهم، ولغاتهم، وأشعارهم، قال:

«الْعِلْمُ ثَلاَثَةٌ، وَمَا سِوَىٰ ذَلِكَ فَهُوَ فَضْلٌ: آيَةٌ مُحْكَمَةٌ، أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ، أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ» ،

هذا هو العلم الموصل إلىٰ اللّٰه سبحانه وتعالى، لا الذي يؤدي إلىٰ التفاخر بين الناس، ولا إلىٰ الاعتزاز بالنفس، ولا إلىٰ التكبر والتعالي، ولا إلىٰ الإيذاء، ولا إلىٰ الفساد في الأرض، فكل علم وصل إلىٰ اللّٰه ووجد الإنسان نفسه يسبح ربه بعده ويقول: سبحان اللّٰه الخالق العظيم، ويرىٰ أن كل شيء في الكون وراءه قدرة اللّٰه سبحانه وتعالى كما قال قائلهم:

وفِي كُلّ شيء له آية * تدلُّ علىٰ أنَّهُ الواحِد

تفكر السالك في العالم والنفس للوصول إلى اليقين

وعليه فإن السالك في سيره إلىٰ اللّٰه تعالىٰ ينظر، ويتأمل، ويتفكر، ويستنبط من هذا الترتيب العجيب، في العالم العلوي، والعالم السفلي، ما يوقن معه في اللّٰه سبحانه وتعالى يقينًا لا يتزعزع، لا يكون بعده فيه ريب، ويتفكّر في مخلوقات اللّٰه تعالىٰ، ويتفكّر في نفسه، وقديمًا قالوا: (من عرف نفسه فقد عرف ربه).

تأمل بداية الإنسان وضعفه وافتقاره لربه

الإنسان يتفكر في نفسه فيجد نفسه لها بداية، وهذه البداية كانت بداية مجهولة، هو لا يتذكرها؛ إذ لا يتذكر الإنسان متىٰ ولد، وهذه البداية ضعيفة؛ لأنه كان ضعيفًا قبل أن يستقلَّ بقضاء حوائج نفسه، وكان محتاجًا إلىٰ الغير احتياجًا تامًا، لا يستطيع حتىٰ أن يأكل، ولا أن يشرب، ولا أن يتداوىٰ، ولا أن يُذْهِبَ عن نفسه أي ضرر، فهو عبارة عن قطعة من اللحم في يد أمه، وهو محتاج إليها الاحتياج التام، واللّٰه ألقىٰ في قلوب الأمهات الشفقة من أجل هذا الاحتياج التام، وفيه إشارة إلىٰ أن الإنسان حينما يحتاج إلىٰ ربه فاللّٰه رءوف.

فالإنسان يحتاج إلىٰ غيره ابتداءً؛ واللّٰه يشير إليك بأنك في بداية طريقك في هذه الحياة الدنيا كنت تحتاج احتياجًا تامًا، وما زلت تحتاج في وجودك إلىٰ اللّٰه.

شفقة الأمهات مثال يقرب رحمة الله بالعباد

إذا تأملنا الأمهات في بني الإنسان، أو في الحيوان، أو في الطير، أو حتىٰ في النبات وجدناها تحنو علىٰ أبنائها، وتتعلق بها تعلقًا شديدًا يخرجها حتىٰ من التصرفات العاقلة، وتلك الشفقة شفقة عظيمة يُضْرَبُ بها المثل، فاللّٰه سبحانه وتعالى أحنّ علينا من حنان الأم علىٰ ولدها؛ لأننا ليس لنا في الكون إلا هو سبحانه وتعالى، وليس لنا اعتماد في هذا العالم، لا في وجودنا، ولا في بقائنا، ولا في استمرارنا، إلا علىٰ اللّٰه، وهو عظيم، ورحيم، ورءوف، وهو سبحانه وتعالى لا يخيب حالنا هذا، حتىٰ الإنسان الكافر الذي يولي ظهره عن اللّٰه، كالابن العاق الذي يعقُّ أباه ويعق أمه، فإن الأم لا تستطيع أن تتخلىٰ عنه علىٰ الرغم من أنها قد تضربه، وقد تؤدبه، وقد تدعو عليه، ولكنها لا تستطيع أن تخرجه من قلبها، وكلما وجدت له عذرًا -أي عذر- فإنها تبادر إليه، وتقبل عذره، وتضمه إليها، وهذه إشارة إلىٰ أن المحتاج إليه هذا شأنه عند اللّٰه، فما بالكم برب العالمين! فالإنسان إذا تفكر في نفسه، وعرف فيها الضعف والحدوث، تيقن من أن ربه قائم بنفسه لا يحتاج إلىٰ غيره، قوي لا بداية له، ولا نهاية له، وأنه سبحانه وتعالى سيقبل من يرجع إليه، وسينظر إليه بنظر الرحمة، وسينظر إليه بنظر الرأفة، وأنه مهما تاه الإنسان، وضل في ضلال الحياة، ثم رجع إلىٰ ربه سيجد اللّٰه سبحانه وتعالى عنده، وسيجد اللّٰه سبحانه وتعالى رءوفًا، رحيمًا، عفوًا، غفورًا، يأخذه بأحنِّ مما تأخذ الأم ولدها الضائع، أو العاق، أو ولدها الذي يرجع إليها.

فقر الإنسان الدائم وغنى الله وتنزهه عن الزمان والمكان

الفكر يؤدي بالإنسان إلىٰ أنه محتاج في قيامه بنفسه إلىٰ غيره؛ ولذلك لا يستطيع أن يمتنع بالكلية عن الطعام، ولا يستطيع أن يمتنع بالكلية عن الشراب، ولا يستطيع أن يمتنع بالكلية عن النوم، ولا يستطيع أن يمتنع بالكلية عن قضاء الحاجة، ولا يستطيع أن يمتنع بالكلية عن الناس، ولا يستطيع أن يمتنع بالكلية عن أشياء كثيرة، إذًا هذا الإنسان مستمر في ضعفه، وهذا الإنسان محتاج إلىٰ غيره، وهذا الإنسان محتاج إلىٰ أشياء قائمة به، واللّٰه سبحانه وتعالى علىٰ عكس ذلك، ولذلك فهو قائم بنفسه، لا بداية له، ولا نهاية له؛ لأنه كما سنرىٰ من الفكر أن الإنسان يعتريه الموت، وتعتريه الأطوار، وهو داخل في حد الزمان، وفي حد المكان، ولكن اللّٰه لا زمان يحيط به، ولا مكان يحدّه، ولا شيء يسيطر عليه أو يقهره، ولا شيء يعتمد عليه سبحانه وتعالى، إنه سبحانه إذا أراد شيئًا يقول له: (كن) فيكون، السموات والأرض يقول لها: (كن) فكانت من غير عناء ولا تعب

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍۢ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍۢ﴾

أي أنه: ما أصاب اللّٰه سبحانه وتعالى في خلق السموات والأرض أمرًا من عنده وصدورًا من جلالته سبحانه وتعالى -أي تعب، ولا أي لغوب.

التفكر في الحياة والموت المؤدي للإيمان بالصفات العلى

الإنسان يتفكر في مولده، وفي حياته، وفي مماته، وفي كل شيء، فإذ به يرىٰ اللّٰه سبحانه وتعالى في مقابل ذلك كله، فإذا فعل الإنسان ذلك في الفكر لا يعتريه الريب، ولا تهجم علىٰ قلبه الشكوك، وتراه مطمئنًا بذِكْر اللّٰه، فالذِّكْر والفكر يكونان الدعامة الأساسية لهذا الطريق مع اللّٰه، لا تهتز له عندما تصيبه مصيبة جامحة، ولا يضطرب، ولا يسقط في وهنة الجزع، الإنسان إذا ما تيقن بهذا الفكر تيقن أن اللّٰه متصف بالصفات العلىٰ، والصفات العلىٰ لخصها اللّٰه سبحانه وتعالى في الأسماء الحسنىٰ، والأسماء الحسنىٰ كثيرة خصّ النبي ص منها مائة وقال:

«إِنَّ لِلّٰهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمَا، مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» ،

وقد ذكرها أبو هريرة في روايته عن رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن عندما قال اللّٰه في القرآن:

﴿وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾

لم يحصرها ولم يعدها، ولذلك نجد في القرآن وصفًا للّٰه سبحانه وتعالى مائة وثمانية وخمسون اسمًا له، في حين أن الحديث لو أننا جمعنا ما ورد فيه برواياته المختلفة وجدنا أنه مائة وأربعة وستون اسمًا، ولو جمعنا هذا مع هذا وحذفنا المكرر يكون نحو مائتين وعشرين اسمًا للّٰه تعالىٰ، ورد في الكتاب والسنة منها؛ القادر، والقدير، والمقتدر، بعضها موجود، وبعضها غير موجود في الأسماء الحسنىٰ التي معنا، وموجودة في القرآن وهكذا.

إطلاق الأسماء الحسنى بين القرآن والحديث النبوي

وانظر إلىٰ جلال القرآن، وعلو قدره، مع كلام سيد الخلق صلى الله عليه وآله وسلم؛ سيد الخلق يرشدنا علىٰ التحديد، واللّٰه سبحانه وتعالى واسع يطلق فيقول:

﴿وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا ﴾

لم يتكلم عن عد ولا حصر، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يفهمنا ويرشدنا إلىٰ هذا الإطلاق الذي تميز به كلام اللّٰه عن كلام سيد الخلق نفسه صلى الله عليه وآله وسلم وإن كان مبلغًا عن ربه يرشدنا بذلك فيقول:

«...أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجَلاَءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي... الحديث»

هذا شأن اللّٰه.

تقسيم الأسماء الحسنى إلى جمال وجلال وكمال

وإذا ما تأملنا في أسمائه الحسنىٰ وجدناها علىٰ ثلاثة أضرب: هناك صفات الجلال، وهناك صفات الجمال، وهناك صفات الكمال.

أما صفات الجمال ففيها، الرحمة، والرأفة، والعطف، والمغفرة، وأمثال هذه الصفات التي تدعو الناس إذا ما تخلقوا بها إلىٰ رقة القلوب.

وأما صفات الجلال ففيها القوة والشدة والعزة والقهر والجبروت والملكوت.

وأما صفات الكمال فهي صفات تبين أن اللّٰه سبحانه وتعالى

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ﴾

وأنه متفرد بالجمال والجلال معًا، وأنه يعلو الخلق ويخالفهم، وأنه سبحانه وتعالى خالقهم وإليه المرجع والمصير.

التخلق بصفات الجمال والتعلق بصفات الجلال

المؤمن يتخلق بصفات الجمال، لأن اللّٰه إنما تجلىٰ علينا في مفتتح كتابه بها فقال:

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾

ولم يقل: بسم اللّٰه الرحمن المنتقم، فجاء بجمال وجلال، بل تجلَّىٰ علينا فقط بالرحمن الرحيم أي بالجمال وحده.

هناك تخلّق وهناك تعلّق؛ فالتخلّق يكون للجمال، والتعلّق يكون للجلال، فلا يتخلق الإنسان بالكبر، اللّٰه هو المتكبر العليٰ، ولا يتخلق الإنسان بالعلو، ولا يتخلّق الإنسان بالانتقام، ولا يتخلّق الإنسان بمثل هذه الصفات العالية الشديدة.

إذًا يتخلق ويتعلق، فإذا ما تخلّق وتعلّق فهذا متصل في القلب، والتخلي والتحلي قلنا قبل ذلك: أن المؤمن ينبغي عليه خاصة في بداية الطريق أن يقاوم نفسه، وأن يخلّي قلبه من كل قبيح، وأن يحلّي قلبه بكل صحيح، فالتخلية والتحلية تتأتىٰ من أجل أن يعيش الإنسان في هذا النور الرباني، تساعده علىٰ ذِكْر اللّٰه وعلىٰ التفكُّر السليم.

مرحلة التجلي وكون القلب مجلى لصفات الكمال

هناك مرحلة بعد التحلي والتخلي وهي التجلي، وهذه المرحلة هي التي تتعلق بهذا النوع الأخير من الأسماء وهو الكمال، فالكمال لا نتخلّق به، ولا نتعلّق به، إنما هو يتجلّىٰ في القلب، فحتىٰ نخلّي قلوبنا من القبيح، ونحلّيها بالصحيح، فعلينا بالتخلّق والتعلّق، فإن تم ذلك حدث التجلّي الإلهي، وأصبح الإنسان مجلّىٰ لصفات اللّٰه سبحانه وتعالى، وهذا كرم وفيض رباني يتجلّىٰ به ربنا سبحانه وتعالى علىٰ تلك القلوب النظيفة الطاهرة الشفافة، التي تخلت وتحلت، والتي تخلقت وتعلقت، فيتجلىٰ اللّٰه سبحانه وتعالى بصفات كماله عليها.

الحكمة الربانية والميزان المنزل مع الكتاب

من هذه الصفات: (الحكيم)، فنجد أن الإنسان حينئذ وصل إلىٰ الحكمة، وربنا سبحانه وتعالىٰ يجعلها قمة ما يصل إليه الإنسان فيقول:

﴿وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُولُوا ٱلْأَلْبَٰبِ﴾

هذه قمة أن يصل الإنسان إلىٰ مرحلة الحكمة الربانية فيكون حكيمًا، والحكيم إنما يهبه اللّٰه سبحانه وتعالىٰ مع عقله ميزانًا يزن به الأمور، وهذا الميزان هو عين الحكمة، واللّٰه سبحانه وتعالى يقول:

﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ وَٱلْمِيزَانَ ﴾

أي أنه أنزل الميزان أيضًا وليس الكتاب فقط، فيكون معطوفًا علىٰ الكتاب في الإنزال؛ فاللّٰه أنزل الكتاب وأنزل الميزان؛ الكتاب يستهدي به سالك الطريق إلىٰ اللّٰه، ولكن الميزان أنزله اللّٰه وهبًا لا كسبًا يهبه للإنسان فيؤتيه الحكمة

﴿وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾.

برنامج الخلوة بين الذكر والفكر والأنس بحضرة القدس

يدخل المسلم الخلوة إذا ما سلك، فإذ به يذكر ويتفكر، الذِّكْر له برنامج وطريق، والفكر له أسس وطريق, وكل هذه الأشياء ترتقي بالإنسان، وتساعده في الطريق، بأن يخلّي قلبه من القبيح ويحلّيه بالصحيح، حتىٰ يصل إلىٰ التخلّق والتعلّق، فيحدث بعد ذلك له التجلي، ويحدث له مقصود الأنس مع اللّٰه، فيصل إلىٰ الأنس في حضرة القدس، الكلام في هذا المعنىٰ قليله يكفي وكثيره لا يفيد، لأنه إذا وجد طريقًا إلىٰ قلبك فقد وجد، وإلا، فاللّٰه هو الهادي إلىٰ سواء السبيل.

وحدة الطريق إلى الله مع اختلاف المشارب والطرائق

وملخص ما ذكرناه نعيده مرة بعد مرة، حتىٰ يتضح الحال، تكلمنا عن الطريق إلىٰ اللّٰه سبحانه وتعالى وأن هذا الطريق: اللّٰه فيه مقصود الكل، وأن الطريق إلىٰ اللّٰه واحدة، وأن الخلاف إنما هو خلاف مشارب بين طريقة وأخرىٰ، ولكن الكل كأنهم يقفون علىٰ محيط دائرة واحدة غايتهم جميعًا أن يصلوا إلىٰ مركزها حيث اللّٰه سبحانه وتعالى، كلها متساوية للوصول إلىٰ اللّٰه، ولكن تختلف الجهة، ويختلف التوجه، وتختلف مكونات الطريق؛ من الشيخ ومن الذكر ومن الخلوة ومن الجلوة ومن الفكر، ولكن المقصود واحد وهو اللّٰه سبحانه وتعالى.

الملك والملكوت وعدم الالتفات للأنوار عن المقصود

وقلنا أيضًا: إن الإنسان حينما يسير في الطريق فإنه ينبغي ألا يلتفت إلىٰ ما سوىٰ اللّٰه؛ فإن ملتفتًا لا يصل، وقلنا: إن الذي يشغل بال السالك إلىٰ اللّٰه قد يكون ملتبسًا عليه بأمور يظنها أنها للّٰه وهي ليست كذلك؛ فتكلمنا عن أن الإنسان يعيش في الملك، وأنه أيضًا قد يدرك الملكوت، وأن عالم الملك إنما هو العالم المحسوس، وأن عالم الملكوت إنما هو العالم الغائب عنه من الملائكة والروحانيات والجن وغير ذلك، وأن الملك والملكوت مخلوقة للّٰه سبحانه وتعالى، وأن في الملك والملكوت أسرار وأنوار؛ فهناك أسرار في الملك وأسرار في الملكوت، وهناك أنوار في الملك وأنوار في الملكوت، وكل ذلك سوىٰ اللّٰه لأنه من العالم، والعالم سوىٰ اللّٰه، فاللّٰه رب العالمين، وينبغي علىٰ الإنسان إذا ما فتح عليه أو كشف له سر من أسرار الملك أو الملكوت، أو تنزلت عليه أنوار الملك أو الملكوت ألا ينشغل بها عن اللّٰه سبحانه وتعالى، وألا يقف عندها أبدًا، بل يسعىٰ في طريقه علىٰ ما قد فتح اللّٰه عليه من فتح، ولا يلتفت فإن ملتفتًا لا يصل.

الأدب مع الله ميزان صحة سير السالك

وقلنا إن المؤمن السالك ينبغي عليه أن يختبر نفسه في الأدب مع اللّٰه؛ فكلما يزيد في الأدب مع اللّٰه فهو خير وهو علىٰ خير، وكلما شغله أو لم يزد في الأدب مع اللّٰه عنده فهو نافلة من نوافل القول، وزيادة لا يلتفت إليها؛ لأنها تكون شاغلة لسالك الطريق إلىٰ اللّٰه.

مراتب النفس السبع والحجب بين العبد والكمال

قلنا: إن الإنسان في طريقه إلىٰ اللّٰه إنما يكون في مراحل، وهذه المراحل يقطعها، فيقطع بذلك ويغير بذلك خواطر نفسه، والنفس علىٰ سبعة أنحاء: نفس أمارة بالسوء، ونفس لوامة تلوم صاحبها حتىٰ يرجع، ويؤوب، ويعود، ويتوب إلىٰ اللّٰه، ونفس ملهمة، وبعض أهل الطريق يقفون عند هذا، وبعضهم يزيد: النفس الراضية، والنفس المرضية، والنفس المطمئنة، والنفس الكاملة، فتتم السبعة، وقلنا: إن ما بين كل نفس وأخرىٰ حجب، وإن أهل الطريق قالوا: إنها عشرة آلاف حجاب؛ فحتىٰ يصل الإنسان إلىٰ درجة الكمال في عبادته وأدبه مع اللّٰه سبحانه وتعالى، وكأنه ينبغي أن يتجاوز، وأن يمر، وأن يزيل سبعين ألف حجاب.

وهبية الفتح وتفاوت الأزمنة بين المجذوب السالك والسالك المجذوب

وقلنا: إن الإنسان قد يصل بعد ثلاثين عامًا، وقد يصل بعد ثلاثة دقائق، فإن الأمر كله بيد اللّٰه، والأمر كله مرده إلىٰ اللّٰه، واللّٰه سبحانه وتعالى يؤتي فضله من يشاء، من غير رجوع إلىٰ علم، ولا إلىٰ تقوىٰ، ولا إلىٰ عمل، ولا إلىٰ شيء، إنما يصطفي سبحانه وتعالى من عباده من يشاء، فهذا وهب وليس بكسب، يفتح علىٰ الإنسان بعد ثلاثين عامًا أو يفتح عليه بعد ثلاثين دقيقة، يجد نفسه قد جُذِبَ إلىٰ اللّٰه سبحانه وتعالىٰ، فيكون سلوكه منبنيًا علىٰ جذبته، أو أنه يسلك حتىٰ يُجذب، فتكون جذبته منبثقة من سلوكه، فهناك المجذوب السالك والسالك المجذوب.

العوام والخواص وخواص الخواص وحال قلب كل فريق

وقد قلنا: إن الناس علىٰ ثلاثة أنحاء: عوام، وخواص، وخواص الخواص، وأن خواص الخواص شأنهم شأن العوام في ظاهرهم، إلا أن قلوبهم معلقة بالعرش، وقلوبُ العوام معلقةٌ بالدنيا، ولكن هذا يتخذ الأسباب، ويندرج تحتها، ويعمل عمل أهل الدنيا وقلبه معلق باللّٰه، والعامي يفعل أيضًا عمل أهل الدنيا ولكنه قد ينشغل، وهذا ما ذكروه عن سيد الخلق أجمعين عندما سها في الصلاة:

يا سائلي عن رسول اللّٰه كيف سها * والسهو من كل قلب غافل لاه قد غاب عن كل شيء سره * فسها عما سوىٰ اللّٰه فالتعظيم للّٰه

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما هو الهدف الحقيقي للفكر في الخلوة وفق ما جاء في هذا الموضوع؟

الوصول إلى الأنس بحضرة القدس

ما هي المراتب التي يمر بها الفكر حتى يصل إلى الأنس بالله؟

علم ثم يقين ثم مشاهدة ثم حضور

حدد النبي صلى الله عليه وسلم العلم النافع في ثلاثة، فأيها ليس منها؟

معرفة أنساب العرب وأيامهم

ما الفرق بين العلم والمعرفة كما جاء في هذا الموضوع؟

العلم ما دل على الله والمعرفة ما لم تدل عليه

ما الذي يكشفه تفكر الإنسان في بداية نفسه وضعفه؟

أن الإنسان محتاج إلى الله في وجوده وبقائه

ما هي أضرب الأسماء الحسنى الثلاثة؟

صفات الجمال والجلال والكمال

بماذا يتخلق المؤمن وبماذا يتعلق وفق ما جاء في هذا الموضوع؟

يتخلق بصفات الجمال ويتعلق بصفات الجلال

ما هي المرحلة التي تأتي بعد التحلي والتخلي في طريق تزكية النفس؟

التجلي الإلهي

كم عدد الأسماء الحسنى التي تجمع ما ورد في القرآن والسنة مجتمعين بعد حذف المكرر؟

نحو مائتين وعشرين اسمًا

ما معنى قول أهل الحكمة: من عرف نفسه فقد عرف ربه؟

أن التفكر في النفس يوصل إلى معرفة الله ويقين به

ما الذي يميز خواص الخواص عن العوام في ظاهر أعمالهم؟

خواص الخواص يشتركون مع العوام في ظاهر الأعمال لكن قلوبهم معلقة بالله

ما الميزان الذي أنزله الله مع الكتاب وفق الآية الكريمة؟

الحكمة الربانية التي يهبها الله للإنسان

ما الموقف الصحيح للسالك حين تتنزل عليه أنوار الملك أو الملكوت؟

ألا ينشغل بها عن الله ويسعى في طريقه

ما هو ميزان صحة سير السالك في طريقه إلى الله؟

الزيادة في الأدب مع الله

ما هي مراتب النفس السبع بالترتيب الصحيح من الأدنى إلى الأعلى؟

أمارة، لوامة، ملهمة، راضية، مرضية، مطمئنة، كاملة

ما هو الفكر في الخلوة وفيم ينبغي أن يكون؟

الفكر في الخلوة هو توجيه العقل نحو الله في ملكوته وملكه، في السموات والأرض والنفس والحيوان والنبات وكل شيء يستطيع الإنسان إدراكه وفهمه.

ما الفرق بين الخلوة والجلوة في طريق السير إلى الله؟

الخلوة والجلوة من مكونات الطريق إلى الله، وهما من الأساليب المختلفة التي تتعدد بها المشارب وإن كان المقصود واحدًا وهو الله سبحانه وتعالى.

ما معنى قول أهل الطريق إن بين كل نفس وأخرى عشرة آلاف حجاب؟

يعني أن الوصول من مرتبة نفسية إلى أخرى يستلزم تجاوز حجب كثيرة، وأن الوصول إلى درجة الكمال يستلزم تجاوز سبعين ألف حجاب.

ما الفرق بين المجذوب السالك والسالك المجذوب؟

المجذوب السالك هو من جُذب إلى الله أولًا فصار سلوكه منبنيًا على جذبته، أما السالك المجذوب فهو من يسلك الطريق حتى يُجذب فتكون جذبته منبثقة من سلوكه.

لماذا قال الله في القرآن ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ دون أن يحصرها بعدد؟

لأن كلام الله واسع مطلق لا يحصر، وهذا ما يميز كلام الله عن كلام النبي صلى الله عليه وسلم الذي أرشد إلى تسعة وتسعين اسمًا محددًا.

ما معنى اللغوب في قوله تعالى ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾؟

اللغوب يعني التعب والإعياء، والآية تدل على أن خلق السموات والأرض لم يمس الله أي تعب أو عناء، لأنه إذا أراد شيئًا قال له كن فيكون.

ما هي صفات الجمال الإلهي وما أثرها في المؤمن؟

صفات الجمال تشمل الرحمة والرأفة والعطف والمغفرة، وهي تدعو المؤمن إذا تخلق بها إلى رقة القلوب، وقد تجلى الله بها في مفتتح كتابه بالرحمن الرحيم.

ما هي صفات الجلال الإلهي ولماذا لا يتخلق بها الإنسان؟

صفات الجلال تشمل القوة والشدة والعزة والقهر والجبروت والملكوت، ولا يتخلق بها الإنسان لأنها صفات عالية شديدة تختص بالله، بل يتعلق بها فقط.

ما الذي يجعل الطريق إلى الله واحدًا رغم تعدد الطرق والمشارب؟

المقصود واحد وهو الله سبحانه وتعالى، والكل كأنهم يقفون على محيط دائرة واحدة غايتهم الوصول إلى مركزها، وإنما يختلفون في الجهة والتوجه ومكونات الطريق.

ما دلالة شفقة الأمهات على رحمة الله بعباده؟

الله أحن علينا من حنان الأم على ولدها، لأننا ليس لنا في الكون إلا هو، ومهما تاه الإنسان وضل ثم رجع إلى ربه وجده رؤوفًا رحيمًا عفوًا غفورًا.

ما الحكمة من إلقاء الله الشفقة في قلوب الأمهات؟

لأن الإنسان في بداية حياته يحتاج احتياجًا تامًا ولا يستطيع الاعتناء بنفسه، وفي ذلك إشارة إلى أن الإنسان ما زال محتاجًا في وجوده إلى الله الرؤوف.

ما الذي يميز العلم الحقيقي عن مجرد المعرفة؟

العلم الحقيقي هو ما حوّله الإنسان إلى دلالة على الله في نفسه، أما ما لم يكن كذلك فهو مجرد معرفة لا تنفع والجهل بها لا يضر.

كيف يكون الذكر والفكر دعامة أساسية في الطريق إلى الله؟

الذكر والفكر يكونان الدعامة الأساسية لهذا الطريق مع الله، فمن تيقن بالفكر لا تهجم على قلبه الشكوك ولا يضطرب عند المصائب ويكون مطمئنًا بذكر الله.

ما معنى التجلي الإلهي وكيف يحدث؟

التجلي الإلهي هو كرم وفيض رباني يتجلى به الله على القلوب النظيفة الطاهرة التي تخلت وتحلت وتخلقت وتعلقت، فيصبح القلب مجلى لصفات كمال الله.

ما الفرق بين تنزه الله عن الزمان والمكان وحال الإنسان؟

الإنسان داخل في حد الزمان والمكان ويعتريه الموت والأطوار، أما الله فلا زمان يحيط به ولا مكان يحده ولا شيء يسيطر عليه، وهو قائم بنفسه لا بداية له ولا نهاية.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!