كيف يرفع ذكر لا إله إلا الله الحجب بين النفس والله وما سر تأثيره على القلب؟
ذكر لا إله إلا الله هو أفضل ذكر يُعين السالك على رفع الحجب التي تحجب النفس عن الله، وقد جعله أهل الله أول مراحل السلوك بتكراره مائة ألف مرة مع حضور القلب واليقين. سر تأثيره يكمن في أنه يجمع بين النفي والإثبات، فيُخلي القلب من تعلقات الدنيا ويُحليه بمعرفة الله. والمقصود ليس كثرة العدد بل حضور القلب والتدبر في كل مرة.
- •
كيف يمكن للإنسان أن يتجاوز سبعين ألف حجاب تحجبه عن الله، وهل يمكن قطعها في يوم واحد؟
- •
النفس الأمارة بالسوء محجوبة عن أنوار الله بسبعين ألف حجاب تتمثل في خصائص النفس وخطرات القلب المتعلقة بالدنيا.
- •
السالك إلى الله ينبغي ألا يلتفت إلى كم قطع من الطريق وكم بقي، لأن الالتفات يُدخل الإحباط أو الغرور ويُعطل السير.
- •
أهل الله وضعوا أسماء الله الحسنى بإزاء كل مرحلة من مراحل السلوك، وجعلوا لا إله إلا الله أول هذه الأذكار بتكرارها مائة ألف مرة.
- •
سر ذكر لا إله إلا الله يكمن في حضور القلب والتدبر والخشوع، لا في مجرد كثرة العدد، فمائة بحضور قلب خير من آلاف بغفلة.
- •
أُنشئت السبحة لتفريغ قلب الذاكر من الانشغال بالعدد، وتطورت حتى أصبحت تُمكّن من الذكر مليون مرة دون إخلال بالحضور.
- 1
النفس الأمارة محجوبة عن الله بسبعين ألف حجاب، والسالكون يتفاوتون في قطعها تفاوتًا كبيرًا بحسب فضل الله عليهم.
- 2
الالتفات لحساب المراحل يُدخل الإحباط أو الغرور على السالك، وكلاهما يُعطل السير، ومن الإخلاص ألا يشتغل بذلك.
- 3
لم يُفصّل أحد من أهل الله الحجب السبعين ألفًا، بل يصفونها بالجملة ويُشبّهون الحالات الروحية تقريبًا للأذهان.
- 4
خطرات القلب المتعلقة بالدنيا والوسواس هي أعظم الحجب التي تحجب الإنسان عن الله وتُعكّر طريقه.
- 5
التفكر في خلق السماوات والأرض والتأمل في الموت يُهوّن الدنيا على القلب ويرفع حجب التعلق بها.
- 6
آيات آل عمران تجمع بين الذكر والفكر كسبيلين متلازمين لأولي الألباب لرفع الحجب والتقرب إلى الله.
- 7
أهل الله وضعوا أسماء الله الحسنى بإزاء مراحل السلوك، وسر ذكر لا إله إلا الله أنه يُجلّي القلب ويرفع الحجب بعدد معين.
- 8
يذكر المريد لا إله إلا الله مائة ألف مرة بيقين واستحضار، ويتفاوت الناس في إطاقة العدد اليومي حسب طاقتهم.
- 9
حضور القلب في الذكر أهم من كثرة العدد، فمائة بتدبر وخشوع خير من آلاف بغفلة، والمقصود هو الله لا العدد.
- 10
أُنشئت السبحة لتفريغ قلب الذاكر من الانشغال بالعدد، وتطورت من تسعة وتسعين إلى أداة تُمكّن من الذكر مليون مرة.
- 11
الله مقصود الكل وكل طريق مشروع يوصل إليه، والنزاع بين الطرق من جهلة المريدين، وملتفت عن الله لا يصل.
ما هي الحجب التي تحجب النفس عن الله وكيف يختلف السالكون في قطعها؟
النفس الأمارة بالسوء محجوبة عن أنوار الله بسبعين ألف حجاب تتمثل في خصائص النفس، وكلما تخلص الإنسان من حجاب انكشفت له أسرار الملك والملكوت. طريق الله يتكون من سبعين ألف مرحلة يتفاوت السالكون في قطعها تفاوتًا عظيمًا، فبعضهم يقطع السبعين ألف حجاب في يوم واحد وبعضهم يقطع عشرة آلاف في أربعين سنة. هذا التفاوت مرده إلى فضل الله لا إلى الحول والقوة.
لماذا ينبغي للسالك ألا يحسب كم قطع من طريق الله وكم بقي عليه؟
النظر إلى مقدار ما قطعه السالك من الطريق يُدخل عليه أحد آفتين: الإحباط إن عمل كثيرًا وقطع قليلًا، أو الغرور إن عمل قليلًا وقطع كثيرًا. وكلا الآفتين يُعطل السائر في طريقه إلى الله. ومن تمام الإخلاص ألا يلتفت السالك إلى مكانه في الطريق، لأن الالتفات يشغله عن ربه ويُبطئ سيره.
هل يمكن حصر الحجب السبعين ألفًا بين النفس الأمارة والنفس اللوامة؟
لم يكتب أحد من أهل الله قائمة تفصيلية بالسبعين ألف حجاب، وإنما يكتبون بالجملة ويرشدون بالمعاني الكلية. الحجب الروحية ليس لها مقابل دقيق في لغة الناس، فأهل الله يُشبّهون الحالات الروحية بما هو معروف من الألفاظ تقريبًا للذهن لا تحديدًا للحقيقة. التحول من النفس الأمارة إلى النفس اللوامة يتم بالتخلص من تلك الحجب تدريجيًا.
ما أعظم الحجب التي تحجب الإنسان عن الله وكيف تتمثل في القلب؟
أعظم الحجب هي خطرات القلب المتعلقة بالدنيا، كالحزن على المفقود والفرح بالموجود ونسيان الموت والأنانية وامتلاء القلب بالظلمة. هذه الخطرات تُشكك الإنسان في جدوى ما يفعل أو في الثقة بما عند الله أو تُوهمه أن له حولًا وقوة مستقلة. ويزيد على ذلك الوسواس من النفس أو الشيطان الذي يُخرج الإنسان من التوازن النفسي والطمأنينة.
كيف يُساعد التفكر في خلق السماوات والأرض والتأمل في الموت على رفع الحجب عن القلب؟
التفكر في خلق السماوات والأرض يُوقن الإنسان بوحدانية الله وعظمته ويجعله يستصغر نفسه. كما أن التأمل في حقائق الدنيا يُعرّفه بأنها حادثة فانية إلى زوال، وأن الإنسان سيموت. وكلما تأمل الموت عرف أن الدنيا تافهة وأنها مزرعة للآخرة، فهانت عليه وخفّت حجب التعلق بها.
كيف جمع القرآن الكريم بين الفكر والذكر في آيات أولي الألباب؟
آيات آل عمران جمعت بين قضيتين أساسيتين: الذكر والفكر، إذ وصف الله أولي الألباب بأنهم يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض. وقد أمر الله بالفكر والتدبر والنظر في مخلوقاته في الكتاب الكريم، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن شياطين تصد الناس عن النظر إلى السماء. فالفكر والذكر معًا هما سبيل الخلاص من الحجب.
ما سر ذكر لا إله إلا الله وأسماء الله الحسنى في رفع الحجب عن السالك؟
سر ذكر لا إله إلا الله وأسماء الله الحسنى أن أهل الله وضعوا لكل مرحلة من مراحل السلوك اسمًا إلهيًا معينًا بعدد معين، فإذا اشتغل به المريد هوّن الله عليه مراحل الطريق ورفع الحجب. ومن أبرز هذه الأذكار: لفظ الجلالة الله، وكلمة التوحيد لا إله إلا الله، والضمير هو. وقد استقر العمل عند المتأخرين على ذكر مائة ألف مرة، وكل ذلك لتجلية القلوب من الحجب وربط الفكر بالذكر.
كيف يبدأ المريد بذكر لا إله إلا الله لرفع الحجب وما العدد المطلوب؟
يبدأ المريد بذكر لا إله إلا الله وهي كلمة التوحيد التي تجمع النفي والإثبات وتُخلي القلب وتُحليه، ويذكرها مائة ألف مرة بيقين واستحضار وتمام النية. يقرأ ما يطيق كل يوم، فمن يطيق خمسة آلاف ينتهي في عشرين يومًا، ومن يطيق ألفًا ينتهي في مائة يوم. والمقصود هو التخلص من الحجب بالذكر المستمر المصحوب بالحضور.
ما الفرق بين الذكر الحقيقي وأداء الواجب وما أهمية حضور القلب في الذكر؟
الذكر الحقيقي هو التعبد لله بتمام الخشوع والتفكر والتدبر والتأني والاستحضار واليقين، وليس مجرد إنهاء العدد في أسرع وقت. ذكر الآلاف في نصف ساعة بغير تدبر هو من باب أداء الواجب لا من العبادة الحقيقية. المقصود هو حضور القلب ومعالجته وخدمته، حتى لو لم يذكر الإنسان إلا مائة في اليوم، فالمقصود في النهاية هو الله.
لماذا أُنشئت السبحة وكيف تطورت لخدمة الذاكر؟
أُنشئت السبحة لأن المشايخ أمروا الناس بألا ينشغلوا بالعدد أثناء الذكر، فاحتاجوا إلى أداة تضبط الأعداد دون إشغال القلب. بدأت بتسعة وتسعين ثم زادت واحدة لتكمل المائة، ثم أُضيفت إليها علامات وعدادات حتى أصبحت تُمكّن الذاكر من الذكر مليون مرة دون خطأ. كل هذه التحسينات كانت من أجل تفريغ قلب المؤمن في ذكره لله.
ما معنى قاعدة الله مقصود الكل وهل تتعارض الطرق الروحية المختلفة؟
قاعدة الله مقصود الكل تعني أن كل طريق مشروع تحت نطاق الشرع يوصل إلى الله مهما اختلفت الوسائل والأساليب. لذلك لا يُعترض بمشرب شيخ على مشرب شيخ آخر ولا بطريقة على طريقة أخرى، فطريق الله في الحقيقة واحد والنزاع إنما يكون من جهلة المريدين. وترتبط بهذا قاعدة أخرى وهي أن ملتفتًا لا يصل، أي أن السالك لا ينبغي أن يجعل مقصده شيئًا غير الله حتى لو كان من أسرار الملك أو الملكوت.
سر ذكر لا إله إلا الله يكمن في حضور القلب والتدبر، وهو أفضل ذكر لرفع الحجب بين النفس والله.
سر ذكر لا إله إلا الله أنه يجمع بين نفي كل ما سوى الله وإثبات الألوهية له وحده، فيُخلي القلب من تعلقات الدنيا ويُحليه بالمعرفة الإلهية. وقد جعله أهل الله أول مراحل السلوك، إذ يذكره المريد مائة ألف مرة بيقين واستحضار وخشوع، فيُهوّن الله به مراحل الطريق ويرفع الحجب التي تحجب النفس عن أنواره.
النفس الأمارة بالسوء محجوبة عن الله بسبعين ألف حجاب تتمثل في خطرات القلب والتعلق بالدنيا والوسواس والغرور والإحباط. والسبيل إلى رفع هذه الحجب هو الجمع بين الفكر والذكر، فالتفكر في خلق السماوات والأرض يُهوّن الدنيا، والذكر بحضور القلب يُعالج النفس ويُقهرها على استحضار معاني الأسماء الإلهية، وكلاهما مأمور به في القرآن الكريم في آيات أولي الألباب.
أبرز ما تستفيد منه
- النفس الأمارة محجوبة عن الله بسبعين ألف حجاب تُرفع بالفكر والذكر.
- أفضل ذكر لرفع الحجب هو لا إله إلا الله بحضور القلب لا بكثرة العدد وحده.
- الالتفات في طريق الله يُدخل الإحباط أو الغرور ويُعطل السير.
- الله مقصود الكل، وكل طريق مشروع يوصل إليه مهما اختلفت الوسائل.
الفكر والذكر وسبعون الف حجاب في طريق النفس الى الله
وأن الفكر والذِّكْرَ هما سبيل الخلاص من تلك الحجب النفس الأمَّارة بالسوء محجوبة عن أنوار اللّٰه سبحانه وتعالى بسبعين ألف حجاب، وكلما استطعنا أن نتخلىٰ، أو نتخلص، أو ننفي حجابًا من الحجب -تلك الحجب التي تتمثل في خصائص النفس- فإننا نُحَصِّلُ شيئًا من الأنوار، وتنكشف لنا بعض أسرار الملك والملكوت.
فنحن الآن في سيرنا إلىٰ اللّٰه، وفي هذه المرحلة، حيث يتكون طريق اللّٰه من سبعين ألف خطوة، أو سبعين ألف مرحلة، أو سبعين ألف جزء، كل جزء يمثل حجابًا، كلما قضيت حجابًا كان لي أن أقضي حجابًا آخر، والعجيب أن بعض السالكين قد يقطع السبعين ألف حجابا في يوم!! وبعض السالكين يقطع عشرة آلاف في أربعين سنة!! وهكذا، طبقًا لفتح اللّٰه عليه، ولذلك نرىٰ المشايخ يقدمون بعض المحدثين من مريديهم علىٰ القدماء؛ لأن هذا القديم لم يقطع في السير إلىٰ اللّٰه مثل ما قطع ذلك الحادث الجديد، فالقضية تتمثل في أنه فضل اللّٰه يؤتيه من يشاء، لا من الحول ولا من القوة.
خطورة الالتفات وحساب المراحل على اخلاص السالك الى الله
وينبغي علىٰ السالك أن لا ينظر إلىٰ أنه كم قَطَعَ؟ وكم بقي عليه؟ فذلك من تمام الإخلاص، وذلك يساعده في حد ذاته إلىٰ أن يقطع أكثر، وكلما نظر إلىٰ مكانه اشتغل به عن ربه، كأنه ينظر ويتلفت حوله، (وملتفت في طريق اللّٰه لا يصل)، حتىٰ الذي التفت ليرىٰ كم قطع من الطريق؟ وكم بقي عليه؟ نعم سيعرف كم قطع من الطريق وكم بقي عليه، ولكن هذا الشعور في حد ذاته سَيُدخِلُ عنده الإحباطَ، إذا كان قد عمل كثيرًا وقطع قليلًا، أو يدخل عليه الغرور إذا كان قد عمل قليلًا وقطع كثيرًا، وكلاهما -الإحباط والغرور- يعطل السائر في طريقه إلىٰ اللّٰه سبحانه وتعالى.
حقيقة الحجب بين النفس الامارة والنفس اللوامة وصعوبة حصرها
إذن فما هذه الحجب التي أمامي حتىٰ أتخلص منها، وأتحول من حالة النفس الأمارة إلىٰ حالة النفس اللوامة؟
لم يكتب واحد من أهل اللّٰه في تفصيل ذلك، أو يأتي لنا بقائمة فيها السبعون ألف حجاب علىٰ ذلك التفصيل، إنما هم يكتبون بالجملة، ويرشدوننا، ويقربون لنا المعاني الروحية التي قد لا يكون لها مقابل في لغة الناس، لا في لغة العرب ولا في لغة العجم، إنما هم يشبهون الشيء بالشيء، فشبهوا السلوك، وشبهوا الطريق، وشبهوا المراحل، وشبهوا الحجب... إلخ بما هو معروف عندنا من معاني هذه الألفاظ، ولكن الحالة الروحية ليس لها هذا في الحس، وإنما مثله وليست هي هو، بل هي مثله تقريبًا إلىٰ الذهن.
خطرات القلوب والتعلق بالدنيا كاعظم الحجب عن الله
وخطرات القلوب تمثل تلك الحجب، فمعي مثلًا قلب منشغل بالدنيا، متمسك بها، يحزن علىٰ المفقود، ويفرح بالموجود، وينسىٰ الموت، ويظن نفسه مُخَلَّدًا في الأرض، ويحصِّل المصلحة ويكون أنانيًا، لا يريد أن يؤثر غيره، ولا يريد أن يعطي ما في يده، متصفٌ بكل قبيح، متفلت من كل صحيح، امتلأ قلبه بالدنيا وبالظلمة، هذا الإنسان هو الذي أمامه السبعون ألف حجاب، فكيف إذًا نتخلص من تلك الحجب التي هي خطرات تخطر في قلب الإنسان؟ خطرة تخطر فتشككه في جدوىٰ ما يفعل، أو تشككه في الثقة فيما عند اللّٰه، أو تؤكد عليه أن له حولًا وقوة مع اللّٰه سبحانه وتعالى.
والإنسان يعيش في مثل هذه الأشياء دائمًا أبدًا، وإذا تخلص منها، وحاول أن يوازن نفسه، جاءه الوسواس من نفسه، أو من الشيطان، حتىٰ يخرجه من التوازن النفسي، والطمأنينة التي عليها المؤمنون، كل هذه الأشياء من الحجب التي تحجب الإنسان عن ربه، والتي تعكّر عليه طريقه، فكيف تزول تلك الحُجُب؟
التفكر في خلق السماوات والارض ومعرفة فناء الدنيا والموت
وضعوا لذلك السُّبُل، منها: التفكُّر في خلق السموات والأرض، وكلما تَفكَّر الإنسـان في خلق السـموات والأرض، أيقن بوحدانية اللّٰه، وأيقن بوجوده سبحانه وتعالى وبعظمته وجلاله.
وفِي كُلّ شيء له آية تدلُّ علىٰ أنَّهُ الواحِد
كلما تدبر استصغر نفسه، ووجد أن خلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس، وكلما تأمل في حقائق الدنيا عرف أنها حادثة، كانت ولم تكن من قبل، وعرف أنها فانية، وأنها إلىٰ زوال، وأن الإنسان سوف يموت.
كلما تأمل الموت عرف حقيقة الدنيا، وأنها تافهة قليلة، وعرف أنها مزرعة للآخرة، وأنها إنما وجدت للابتلاء والعمل، كلما تدبر في ذلك هانت عليه الدنيا.
اجتماع الفكر والذكر في آيات آل عمران واولي الالباب
فالفكر إذًا، والتدبـر، والنظر في مخلوقات اللّٰه في السموات والأرض، والتأمل، والتعقل، كل ذلك أَمَرَنا اللّٰه سبحانه وتعالى به في الكتاب الكريم، وأخبرنا رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله وسلم أن هناك شياطين تصد الناس عن النظر إلىٰ السماء،
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [1]
فبـرزت هنــا قضــيـة الذِّكْـــر، فهما إذًا قضيتــان، أولاهما: الفكر، وثانيهما: الذِّكْـر.
تنظيم اهل الله للاذكار باسماء الله الحسنى ورفع الحجب
وقد وضع أهل اللّٰه أفكارًا، يستطيع الإنسان أن يذكرها فيتخلص من كثيرٍ من الحجب، ووضعوا عددًا من أسماء اللّٰه تعالىٰ بإزاء كل مرحلة من المراحل، بحيث يتعين اسم من أسمائه الحسنىٰ، إذا اشتغل به المريد هَوَّنَ اللّٰهُ عليه مراحلَ الطريق، ورفع اللّٰه به الحجب التي تكون.
من تلك الأسماء لفظ الجلالة: (اللّٰه)، ومنها كلمة التـوحيد: (لا إله إلا اللّٰه)، ومنها الضمير الذي يعود إلىٰ اللّٰه سبحانه وتعالى: (هو).
وجعلوا لذلك خطة يسير فيها السائر، ووضعوا لها في إزاء كل حجاب لفظًا وعددًا، فيقولون مثلًا: اذكر لفظ الجلالة سبعين ألف مرة، ولكن وجدوا أن المريدين لا يتساوىٰ حالهم مع السبعين ألفًا، فوضعوا في بعض المراحل سبعين ألفًا، وفي مراحل أخرىٰ متقدمة جعلوها ثلاثين ألفًا، وفي بعض المراحل وضعوا خمسين ألفًا، ثم بعد ذلك استقر العمل عند المتأخرين علىٰ مائة ألف، وكل ذلك نابع مما يتضح عند أهل البصيرة والصدق والمعرفة باللّٰه تعالىٰ، من آثار ملازمة أسماء معينة، بأعداد معينة، علىٰ نفس السالك إلىٰ اللّٰه، وإلىٰ أي مدىٰ يسهم ذلك في تهذيب نفسه، وقهرها علىٰ استحضار معنىٰ ذلك الاسم الإلهي، واعتياد النفس للتخلق أو التعلق بمدلوله، وهذا الوضع أيضًا إنما هو لتجلية القلوب من تلك الحجب، ومساعدة السالك في الطريق في إعمال فكره، وربطه بالعمل، الذي هو الذِّكْر.
تطبيق ذكر لا اله الا الله مائه الف مره في سلوك المريد
فنبدأ بلا إله إلا اللّٰه، وهي كلمة التوحيد التي فيها نفي للذات، وفيها تخلية للقلب وتحلية له، فيقولها مائة ألف مرة، يبدأ المريد بهذا الذِّكر فيحاول أن يتخلص من الحجب.. فكيف يتخلص؟ إذا ما ذكرها بيقين وباستحضار مع تمام النية، ويقرأ ما يطيق كل يوم، فبعضهم يطيق خمسة آلاف في اليوم، وبعضهم يطيق ألفًا، وبعضهم يطيق خمسمائة، فالذي يطيق خمسة آلاف سينتهي في عشرين يومًا، والذي يطيق ألفًا سينتهي في مائة يوم.
حقيقة التعبد بالذكر وتقديم حضور القلب على كثرة العدد
وينبغي علىٰ الإنسان أن يفعل ذلك تعبدًا للّٰه، والتعبد معناه أنه يكون بتمام الخشوع وبتمام التفكر، ولذلك ليس من العبادة أن أذكر الآلاف في نصف ساعة، ليس هذا من العبادة، بل هو من أداء الواجب، ومن باب إثبات الحالة، حتىٰ أكون أنهيته وفرغت منه، بينما الأمر ليس كذلك، الأمر هو أننا ينبغي علينا أن نذكر بتدبر، وتأملٍ، وتأنٍ، واستحضارٍ، وخشوع، ويقين، حتىٰ لو لم نذكر إلا مائة في اليوم، فإن المقصود هو حضور القلب، والمقصود هو معالجة ذلك القلب، والمقصود هو خدمة ذلك القلب، والمقصود في النهاية هو اللّٰه.
انشاء السبحة وتطورها لخدمة الذكر دون انشغال القلب بالعدد
فلابد إذًا من أن نسير بتؤدة، وبتأن، وبذكر، لا ننشغل فيه حتىٰ بالعدد، ومن هنا لما أن أمر المشايخ الناس بأن لا يشتغلوا حتىٰ بالعدد أثناء قيامهم به، وكان من المفروض أن يضعوا حدودًا لتلك الأعداد فأنشأوا بسبب ذلك تلك السُبحة المعروفة بين الناس، وتطور إنشاؤها فبدأت بتسعة وتسعين، ثم زادت واحدة تكمل المائة، ثم وضعوا فيها علامات حتىٰ يتبين منها الأعداد، ثم وضعوا فيها عدادات تمكن الذاكر من أن يذكر مليون مرة عليها دون أن يُخطئ، ودون أن ينشغل قلبه بذلك، وكل هذه التحسينات إنما كانت من أجل تفريغ قلب المؤمن في ذكره للّٰه سبحانه وتعالى، وأصبح هناك سبح تأتي لنا بمليون، وذلك أنه يضع فيها عَدَّادين: عشرة حبات فوق المئذنة، وعشرة حبات في الجانب؛ وإذا سبحنا المائة عددنا من العَدَّاد الذي فوقه، فإذا انتهىٰ عَدَدْنا من العَدَّاد الآخر فيكون التي فوق بألف، والتي تحت تكون بألف، فإذا انتهينا منها فيكون قد ذكرنا عشرة آلاف، ثم يفعلون هذا الشيء مرة أخرىٰ بأن ينتقل العَدَّاد من حبة إلىٰ حبة وهكذا ونحن عندنا مائة، فمائة في عشرة آلاف بمليون، أي ألف ألف، وهذا يحدث دون أن يخلط عليه الأمر، ودون أن ينشغل قلبه بكم عدَّ؟ هل أخطأ؟ هل كذا... إلخ؟
المقصد هو الله وحده وتعدد الطرق الروحية بلا تعارض
تكلمنا إذن عن الطريق إلىٰ اللّٰه سبحانه وتعالى، وأن هذا الطريق إلىٰ اللّٰه المَقْصِد منه هو اللّٰه وحده سبحانه وتعالى، ولا ينبغي علىٰ السالك فيه أن يلتفت إلىٰ غير هذا المقصد الجليل، وقلنا: إن الالتفات قد يكون إلىٰ المُلْك وقد يكون إلىٰ الملكوت.. قد يكون إلىٰ الأسرار وقد يكون اشتغالًا بالأنوار، وكل ذلك هو ما سوىٰ اللّٰه، وما سوىٰ اللّٰه مما رأينا أو مما غاب عنا لا ينبغي أن يلفتنا عن اللّٰه سبحانه وتعالى، فالسالك في طريقه إلىٰ اللّٰه قد يدرك بعض أسرار الملك، أو بعض أسرار الملكوت، أو يتهيأ له الاطلاع علىٰ أنوار الملك أو علىٰ أنوار الملكوت، ولكنه لا ينبغي عليه أن يجعل ذلك مقصده، بل المقصد هو اللّٰه تعالىٰ.
فهذه قاعدة جليلة، وهي أنه: (ملتفت لا يصل)، وقاعدة أخرىٰ جليلة، وهي أن: (اللّٰه مقصود الكل)، ومعنىٰ أن اللّٰه مقصود الكل أنه: مهما اختلفت السبل والوسائل ما دامت تحت نطاق الشرع الشريف فإنها توصل إلىٰ اللّٰه، ولذلك لا يُعترض بمشرب شيخ علىٰ مشرب شيخ آخر، ولا بمشرب طريقة علىٰ مشرب طريقة أخرىٰ، فطريق اللّٰه في الحقيقة واحد، إنما النزاع من جهلة المريدين.
ما شعورك تجاه هذا الفصل؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفصل؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
بكم حجابًا تكون النفس الأمارة محجوبة عن أنوار الله؟
سبعين ألف حجاب
ما الآفتان اللتان تُصيب السالك إذا التفت لحساب ما قطعه من الطريق؟
الإحباط والغرور
ما العدد الذي استقر عليه العمل عند المتأخرين لذكر لا إله إلا الله في مراحل السلوك؟
مائة ألف
ما الذي يُميز الذكر الحقيقي عن مجرد أداء الواجب؟
حضور القلب والتدبر والخشوع
لماذا أُنشئت السبحة في الأصل؟
لتفريغ قلب الذاكر من الانشغال بالعدد
ما الأذكار الثلاثة التي ذكرها أهل الله بإزاء مراحل السلوك؟
لفظ الجلالة الله ولا إله إلا الله والضمير هو
ما معنى قاعدة الله مقصود الكل في السلوك الروحي؟
أن كل طريق مشروع تحت الشرع يوصل إلى الله
ما الآية القرآنية التي جمعت بين الذكر والفكر في وصف أولي الألباب؟
آيات سورة آل عمران 190-191
ما الذي يحدث للإنسان كلما تأمل في الموت وفناء الدنيا؟
تهون عليه الدنيا وتخف حجب التعلق بها
من أين يأتي النزاع بين الطرق الروحية المختلفة وفق ما ورد في المحتوى؟
من جهلة المريدين
ما الذي يُميز المريد الجديد الذي يُقدّمه المشايخ على القديم؟
قطعه في السير إلى الله أكثر مما قطعه القديم
ما الذي تُمثله خطرات القلب في سياق الحجب عن الله؟
حجبًا تحجب الإنسان عن ربه وتُعكّر طريقه
ما هي النفس التي تكون محجوبة عن أنوار الله بسبعين ألف حجاب؟
النفس الأمارة بالسوء هي التي تكون محجوبة عن أنوار الله بسبعين ألف حجاب تتمثل في خصائص النفس وخطراتها.
ما الذي يحدث للسالك كلما تخلص من حجاب من الحجب؟
كلما تخلص السالك من حجاب حصّل شيئًا من الأنوار وانكشفت له بعض أسرار الملك والملكوت.
لماذا يُقدّم المشايخ أحيانًا المريد الجديد على القديم؟
لأن المريد الجديد قد يكون قطع في سيره إلى الله أكثر مما قطعه القديم، والأمر فضل الله يؤتيه من يشاء لا من الحول والقوة.
ما الآفة التي تُصيب السالك إذا عمل كثيرًا وقطع قليلًا من الطريق؟
يُصاب بالإحباط، وهو آفة تُعطل سيره في طريقه إلى الله.
لماذا لم يُفصّل أهل الله الحجب السبعين ألفًا في قوائم تفصيلية؟
لأن الحالات الروحية ليس لها مقابل دقيق في لغة الناس، فهم يُشبّهون الشيء بالشيء تقريبًا للذهن لا تحديدًا للحقيقة.
ما أبرز صفات القلب المنشغل بالدنيا الذي يكون أمامه السبعون ألف حجاب؟
يحزن على المفقود ويفرح بالموجود وينسى الموت ويظن نفسه مخلدًا في الأرض ويكون أنانيًا ممتلئًا بالظلمة.
ما الوسيلتان الرئيسيتان اللتان وضعهما أهل الله للتخلص من الحجب؟
الفكر والذكر، فالتفكر في خلق السماوات والأرض يُهوّن الدنيا، والذكر بحضور القلب يُجلّي القلب من الحجب.
ما الذي يُخبر به النبي صلى الله عليه وسلم عن النظر إلى السماء؟
أخبر أن هناك شياطين تصد الناس عن النظر إلى السماء، مما يدل على أهمية التفكر في خلق السماوات والأرض.
ما سر كلمة التوحيد لا إله إلا الله في تأثيرها على القلب؟
سرها أنها تجمع بين نفي الذات وتخلية القلب من كل ما سوى الله وتحليته بمعرفة الله وحده.
كيف يتفاوت الناس في إتمام ذكر لا إله إلا الله مائة ألف مرة؟
من يطيق خمسة آلاف في اليوم ينتهي في عشرين يومًا، ومن يطيق ألفًا ينتهي في مائة يوم، وبعضهم يطيق خمسمائة فقط.
ما الفرق بين ذكر الآلاف في نصف ساعة وذكر المائة بتدبر؟
ذكر الآلاف بسرعة هو من أداء الواجب لا من العبادة الحقيقية، أما المائة بتدبر وخشوع وحضور قلب فهي العبادة المقصودة.
بكم حبة بدأت السبحة في أول إنشائها؟
بدأت بتسعة وتسعين حبة ثم زادت واحدة لتكمل المائة.
كيف تُمكّن السبحة المتطورة من الذكر مليون مرة؟
بوضع عدادين: عشر حبات فوق المئذنة وعشر في الجانب، فكل مائة تُعدّ من العداد الأول حتى يصل إلى عشرة آلاف، ثم يُكرر ذلك مائة مرة فيكون المجموع مليونًا.
ما القاعدتان الجليلتان اللتان ذُكرتا في سياق السلوك إلى الله؟
الأولى: ملتفت في طريق الله لا يصل. والثانية: الله مقصود الكل، أي أن كل طريق مشروع يوصل إلى الله.
ما الذي لا ينبغي للسالك أن يجعله مقصده حتى لو أدركه في طريقه؟
لا ينبغي أن يجعل مقصده أسرار الملك أو أسرار الملكوت أو الأنوار، بل المقصد هو الله وحده سبحانه وتعالى.