ماذا يحدث إذا خلا الزمان عن المجتهدين وكيف تُحل الوقائع التي لا نص فيها في المذهب؟
إذا خلا الزمان عن المفتين المجتهدين، يُعتمد على نقلة المذاهب الصحيحة عن الأئمة الماضيين، فإن وُجد نص في المذهب نُقل واتُّبع. وإن لم يوجد نص، فالفقيه القياسي الذي أحاط بمذهب إمامه وعرف مسالك أقيسته يُلحق غير المنصوص بالمنصوص، ويتعين على المستفتي اتباع اجتهاده، درءاً لتعرية الوقائع عن التكاليف.
- •
كيف تُحل الوقائع الفقهية حين يخلو الزمان من المجتهدين ولا يوجد مفتٍ بالغ مبلغ الاجتهاد؟
- •
رسم إمام الحرمين الجويني في الغياثي منهجاً متدرجاً لمواجهة غياب المجتهدين، يبدأ بالاعتماد على نقلة المذاهب الصحيحة عن الأئمة الماضيين.
- •
إذا وُجد نص منقول عن الإمام المتقدم في الواقعة، اتبعه المستفتون وأخذوا بمذهب الإمام المقدم دون سواه.
- •
إن خلت الواقعة من نص صريح، انقسم الأمر بين ما يُلحق بالمنصوص بلا جهد نظر، وما يحتاج إلى فقيه قياسي متوقد القريحة.
- •
الفقيه القياسي الذي أحاط بمذهب إمامه ومسالك أقيسته يُلزَم المستفتي باتباع اجتهاده في إلحاق غير المنصوص بالمنصوص.
- •
الدليل على إلزامية اتباع الفقيه القياسي هو أن إحالة المستفتين على ظن غالب في إصابة الحكم أولى من تعرية الوقائع عن التكاليف الشرعية.
- 1
إمام الحرمين يُقرر أن خلو الزمان عن المجتهدين لا يُعطل الأحكام، إذ يُعتمد على نقلة المذاهب الصحيحة واتباع الإمام المقدم.
- 2
يُقدَّم الإمام المقدم على المتأخرين، وتقليد مفتي الزمان جائز لو وُجد، أما الواقعة التي لا نص فيها فتستدعي معالجة خاصة.
- 3
الفقيه الناقل يشترط فيه الكياسة والفطنة، والوقائع بلا نص تنقسم إلى ما يلتحق بالمنصوص بلا جهد وما يحتاج إلى نظر أعمق.
- 4
الجوامع والضوابط في كتب الأئمة تُعين على استيعاب الوقائع، والفقيه القياسي يتميز بتوقد القريحة وإلحاق غير المنصوص بالمنصوص.
- 5
إلزامية اتباع الفقيه القياسي مبنية على تحصيله ظناً غالباً في الإصابة، وهو أولى من تعرية الوقائع عن التكاليف الشرعية.
ما الحل الذي طرحه إمام الحرمين عند خلو الزمان عن المفتين المجتهدين وبقاء نقلة المذاهب؟
عند خلو الزمان عن المفتين البالغين مبلغ الاجتهاد يُعتمد على نقلة المذاهب الصحيحة عن الأئمة الماضيين. فإذا وقعت واقعة ووجد النقلة فيها مذهب الإمام منصوصاً عليه نقلوه واتبعه المستفتون. ويرى إمام الحرمين القطع باتباع الإمام المقدم، مع الإضراب عن مذاهب المتأخرين عنه قدراً وعصراً.
ما موقف إمام الحرمين من تقليد مفتي الزمان وماذا يحدث إذا لم يوجد نص للإمام المتقدم في الواقعة؟
يرى إمام الحرمين القطع باتباع الإمام المقدم والإضراب عن مذاهب المتأخرين، مع إقراره بأن تقليد مفتي الزمان لو صودف أمر ميسور. أما إذا وقعت واقعة لم يصادف النقلة فيها مذهباً منصوصاً عليه للإمام المتقدم وخلا الزمان عن المجتهدين، فهذا مقام يستدعي صرف الاهتمام إلى الوقوف على مغزاه وحله.
ما شروط الفقيه الناقل للمذهب وكيف تُقسَّم الوقائع التي لا نص فيها لصاحب المذهب؟
نقل الفقيه يستدعي كياسة وفطنة وخطوة بالغة في الفقه، وهو على وجهين: ناقل يُحسن التصوير والتحرير دون بلوغ مرتبة القياس، وناقل يستطيع القياس. والوقائع التي لا نص فيها لصاحب المذهب تنقسم قسمين: ما كان في معنى المنصوص ولا يحتاج إلى فضل نظر، وما يحتاج إلى استثارة معانٍ واستنباط علل. القسم الأول لا يكاد يشذ عن محظوظ الفقيه الناقل الحافظ الدارية.
ما دور الجوامع والضوابط في كتب الأئمة وكيف يتميز الفقيه القياسي عن مجرد الناقل؟
أحكام الأئمة لا تخلو في كل باب عن جوامع وضوابط وتقاسيم تحوي طرائق الكلام في الممكنات، مما يُعين الناقل على استيعاب الوقائع غير المنصوص عليها. أما الفقيه القياسي فهو متوقد القريحة بصير بأساليب الظنون خبير بطرق المعاني، وإن لم يبلغ مرتبة المجتهدين، فإذا أحاط بمذهب إمام مقدم ألحق بالمنصوص ما في معناه.
لماذا يتعين على المستفتي اتباع الفقيه القياسي وما الدليل على إلزامية ذلك عند فقد المجتهد؟
يتعين على المستفتي اتباع اجتهاد الفقيه القياسي في إلحاق غير المنصوص بالمنصوص بطرق القياس التي ألفها وعرفها. والدليل أن المجتهد البالغ مبلغ أئمة الدين يعتمد على الظن الغالب في إصابة ما كُلِّف به، وكذلك الفقيه القياسي يُحصِّل ظناً غالباً في التحاق ما لا نص فيه بالمنصوصات. وإحالة المستفتين على هذا الظن الغالب أولى من تعرية الوقائع عن التكاليف وإحالة المسترشدين على عمايات وأمور كلية مبهمة.
عند فقد المجتهدين يتعين اتباع الفقيه القياسي الذي يُلحق غير المنصوص بالمنصوص درءاً لتعرية الوقائع عن التكاليف.
فقد المفتي المجتهد لا يعني تعطل الأحكام الشرعية؛ إذ رسم إمام الحرمين الجويني في الغياثي منهجاً متدرجاً يبدأ بنقلة المذاهب الصحيحة عن الأئمة الماضيين، فإن وُجد نص منقول عن الإمام المقدم في الواقعة اتُّبع، وإن لم يوجد انتقل الأمر إلى مرحلة أدق تستدعي فقيهاً ذا كياسة وفطنة.
الفقيه القياسي الذي أحاط بمذهب إمامه وعرف مسالك أقيسته وطرق تصرفاته يُلحق غير المنصوص بالمنصوص بقواعد المذهب، ويتعين على المستفتي اتباع اجتهاده. والدليل على ذلك أن الظن الغالب في إصابة الحكم الذي يحصّله هذا الفقيه أولى من إحالة المستفتين على عمايات وأمور كلية مبهمة، وأولى من تعرية الوقائع عن التكاليف الشرعية.
أبرز ما تستفيد منه
- خلو الزمان عن المجتهدين لا يُسقط التكليف الشرعي عن المستفتين.
- نقلة المذاهب الصحيحة هم المرجع الأول عند غياب المجتهدين.
- الفقيه القياسي يُلزَم المستفتي باتباعه في إلحاق غير المنصوص بالمنصوص.
- تعرية الوقائع عن التكاليف محظورة، وهي الدليل على إلزامية اتباع الفقيه القياسي.
تصور إمام الحرمين لخلو الزمان عن المفتين المجتهدين
خلو الزمان عن المفتين البالغين مبلغ الاجتهاد قال إمام الحرمين [1] رحمة الله:فأما المرتبة الثانية فهي: إذا خلا الزمان عن المفتين البالغين مبلغ المجتهدين، ولكن لم يعر الدهر عن نقلة المذاهب الصحيحة عن الأئمة الماضيين.
فإذا وقعت واقعة فلا يخلو إما أن يصادف النقلة فيها جواباً من الأئمة الماضيين، وإما أن لا يجدوا فيها بعينها جواباً، فإن وجدوا فيها مذهب الأئمة منصوصاً عليه نقلوه واتبعه المستفتون، فإذا نقل الناقلون مذهب الشافعي رحمة الله ونقلوه إلى مذاهب المجتهدين المتأخرين عن عصره، فالمستفتي يتبع أي المذاهب، مع اعتقاده أن من بعد الشافعي لا يوازيه ولا يدانيه.
تقديم الإمام المقدم وإشكال عدم وجود نص في المذهب
قال: والذي أراه في ذلك القطع بأتباع الإمام المقدم، والإضراب عن مذاهب المتأخرين عنه قدراً وعصراً، وإن كنت أري تقليد مفتي الزمان لو صودف، لأن الذي يوجد لا يعسر تقليده وتطويقه أحكام الوقائع.
وإن وقعت واقعة لم يصادف النقلة فيها مذهباً منصوصاً عليه للإمام المتقدم، وقد عري الزمان عن المجتهدين، فهذا مقام يتعين صرف الاهتمام إلى الوقوف على المغزى منه.
شروط ناقل المذهب وتقسيم الوقائع التي لا نص فيها
فأقول: قد تقدم أن نقل الفقيه يستدعي كياسة وفطنة وخطوة بالغة في الفقه ثم الفقيه الناقل يفرض على وجهين:
أحدهما: أن يكون في الفقه على مبلغ يتأتى منه بسبب نقل بعض المذاهب في الجليات والخفايا تصويراً وتحريراً ولا يكون في فن الفقه بحيث يسند له قياس غير المنصوص عليه على المنصوص، فإن كان كذلك اعتمد فيما نقل.
فإن وقعت واقعات لا نصوص لصاحب المذهب في أعيانها، فما يعري عن النص ينقسم قسمين:
- أن يكون في معنى المنصوص عليه، ولا يحتاج في درك إلى فضل نظر وسير عبر وإنعام فكر، فلا يتصور أن يخلو عن الإحاطة بمدارك هذه المسالك من يستقل بنقل الفقه على مذهب إمام مقدم حفظاً ودارية، واستبان أن غير المذكور ملتحق بالمذكور فيما لا يحتاج فيه استثارة معان، واستنباط علل، فلا يكاد يشذ عن محظوظ هذا الناقل حكم واقعة في مطرد العادات.
دور الضوابط العامة وتمييز الفقيه القياسي عن مجرد الناقل
والسبب فيه: أن الحكم الأئمة لا تخلو في كل كتاب، بل في كل باب عن جوامع وضوابط وتقاسيم تحوي طرائق الكلام في الممكنات ما وقع منها وما لم يقع.
وما ذكرناه فيما إذا لم يكن ناقل المذهب بحيث يقوى على مسالك الأقيسة، ويستكمل من الاستعداد في استنباط المعاني، فأما من كان فقيه النفس متوقد القريحة بصيراً بأساليب الظنون، خبيراً بطرق المعاني في هذه الفنون، ولكنه لم يبلغ مبلغ المجتهدين لقصوره عن المبلغ المقصود في الآداب، أو لعدم تبحره في الفن إذا أحاط بمذهب إمام من الأئمة الماضيين، وذلك الإمام هو الذي ظهر في ظن المستفتين أنه أفضل المقدمين الباحثين، فما يجده منصوصاً من مذهبه ينهيه ويؤيده، ويلحق بالمنصوص عليها ما في معناه.
إلزامية اتباع الفقيه القياسي ودفع تعطيل الوقائع عن التكاليف
وإذا عنت واقعة لابد من إعمال القياس فيها، فقد خبر الفقيه المستقبل بمذهب إمامه، ومسالك أقيسته، وطرق تصرفاته في إلحاقاته غير المنصوص عليه للشارع بالمنصوص عليه، فلا يعسر عليه أن يبين في كل واقعة قياس مذهب إمامه، ثم الذي أقطع به أنه يتعين على المستفتي إتباع اجتهاد مثل هذا الفقيه في إلحاقه ـ بطرق القياس ـ التي ألفها وعرفها، ما لا نص فيه لصاحب المذهب، بقواعد المذاهب. والدليل عليه أن المجتهد البالغ مبلغ أئمة الدين، صفته أنه أنس بأصول المسألة والاستكمان من التصرف فيها، فإذا استجمعها العالم كان على ظن غالب في إصابة ما كلف به، في مسالك الاجتهاد.
والذي يحقق الغرض في ذلك أنا إذا عدمنا مجتهداً ووجدنا فقيهاً ورباً قياسياً، وحصلنا على ظن غالب في التحاق ما لا نص فيه في المذهب الذي ينتحله بالمنصوصات، فإحالة المستفتين على ذلك أولى من تعرية وقائع عن التكاليف، وإحالة المسترشدين على عمايات وأمور كلية.
ما شعورك تجاه هذا الفصل؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفصل؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
ما المرتبة الثانية التي تحدث عنها إمام الحرمين في الغياثي؟
خلو الزمان عن المفتين المجتهدين مع بقاء نقلة المذاهب
ماذا يفعل النقلة إذا وجدوا مذهب الإمام منصوصاً عليه في الواقعة؟
ينقلون المذهب ويتبعه المستفتون
ما الموقف الذي يراه إمام الحرمين عند تعارض مذهب الإمام المقدم مع مذاهب المتأخرين؟
القطع باتباع الإمام المقدم والإضراب عن مذاهب المتأخرين
إلى كم قسم تنقسم الوقائع التي لا نص فيها لصاحب المذهب؟
قسمين
ما القسم الأول من الوقائع التي لا نص فيها لصاحب المذهب؟
ما كان في معنى المنصوص ولا يحتاج إلى فضل نظر
ما الذي يُميز الفقيه القياسي عن مجرد الناقل للمذهب؟
توقد قريحته وبصره بأساليب الظنون وطرق المعاني
ما الشرط الذي يذكره إمام الحرمين في الفقيه القياسي لكي يُلزَم المستفتي باتباعه؟
أن يُحيط بمذهب إمام مقدم ويعرف مسالك أقيسته
ما الدليل الذي يسوقه إمام الحرمين على إلزامية اتباع الفقيه القياسي؟
أن إحالة المستفتين على ظن غالب أولى من تعرية الوقائع عن التكاليف
ما الذي تحويه كتب الأئمة في كل باب مما يُعين على استيعاب الوقائع غير المنصوص عليها؟
جوامع وضوابط وتقاسيم تحوي طرائق الكلام في الممكنات
ما الذي يستدعيه نقل الفقيه للمذهب وفق إمام الحرمين؟
كياسة وفطنة وخطوة بالغة في الفقه
ما البديل الذي يراه إمام الحرمين مقبولاً لو صودف مفتي الزمان؟
تقليده لأن الموجود لا يعسر تقليده وتطويق أحكام الوقائع
ما معنى المرتبة الثانية عند إمام الحرمين في مسألة فقد المفتي؟
هي حالة خلو الزمان عن المفتين البالغين مبلغ الاجتهاد مع بقاء نقلة المذاهب الصحيحة عن الأئمة الماضيين.
من هم نقلة المذاهب الصحيحة؟
هم الفقهاء الذين يحملون مذاهب الأئمة الماضيين وينقلونها للمستفتين، وإن لم يبلغوا مرتبة الاجتهاد المطلق.
ما الحكم إذا وجد النقلة مذهب الإمام منصوصاً عليه في الواقعة؟
ينقلون المذهب المنصوص ويتبعه المستفتون، ويُقدَّم مذهب الإمام المقدم على مذاهب المتأخرين.
لماذا يُضرب عن مذاهب المتأخرين عند وجود مذهب الإمام المقدم؟
لأن إمام الحرمين يرى القطع باتباع الإمام المقدم، مع اعتقاد المستفتي أن من بعده لا يوازيه ولا يدانيه.
ما الوجهان اللذان يُفرَض عليهما الفقيه الناقل؟
الأول: فقيه يُحسن التصوير والتحرير دون القدرة على القياس. الثاني: فقيه قياسي يستطيع إلحاق غير المنصوص بالمنصوص.
ما القسم الثاني من الوقائع التي لا نص فيها لصاحب المذهب؟
ما يحتاج في إدراكه إلى استثارة معانٍ واستنباط علل وإنعام فكر، وهذا يختص به الفقيه القياسي دون مجرد الناقل.
ما دور الجوامع والضوابط في كتب الأئمة؟
تحوي طرائق الكلام في الممكنات ما وقع منها وما لم يقع، مما يُعين الفقيه الناقل على استيعاب الوقائع غير المنصوص عليها.
ما صفات الفقيه القياسي التي ذكرها إمام الحرمين؟
هو متوقد القريحة، بصير بأساليب الظنون، خبير بطرق المعاني، محيط بمذهب إمام مقدم، وإن لم يبلغ مرتبة المجتهدين.
ما الذي يفعله الفقيه القياسي عند عروض واقعة لا نص فيها؟
يُبين قياس مذهب إمامه في تلك الواقعة، ويُلحق غير المنصوص بالمنصوص بطرق القياس التي ألفها وعرفها.
ما معنى تعرية الوقائع عن التكاليف؟
هو ترك الوقائع الفقهية دون حكم شرعي، وهو أمر محظور يُستدل به على وجوب اتباع الفقيه القياسي عند فقد المجتهد.
ما الفرق بين الظن الغالب عند المجتهد وعند الفقيه القياسي؟
كلاهما يُحصِّل ظناً غالباً في إصابة الحكم المكلَّف به، غير أن المجتهد يعتمد على أصول المسألة كاملة، بينما الفقيه القياسي يعتمد على قواعد مذهب إمامه.
لماذا يُعدّ اتباع الفقيه القياسي أولى من إحالة المستفتين على أمور كلية مبهمة؟
لأن الفقيه القياسي يُحصِّل ظناً غالباً في التحاق ما لا نص فيه بالمنصوصات، وهذا أقرب إلى إصابة الحكم الشرعي من الإحالة على عمايات مبهمة.
ما الكتاب الذي استُقيت منه هذه المسألة لإمام الحرمين؟
كتاب الغياثي، المعروف بـ'غياث الأمم في القياس الظلم'، لإمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله الجويني.