اكتمل ✓
الفصل 12

ما الفرق بين الواجب الموسع والمضيق وما حكم فرض العين وفرض الكفاية؟

الواجب المضيق هو ما يساوي وقته الفعل كصوم رمضان، ويجب أداؤه على الفور ويأثم المكلف بتأخيره. أما الواجب الموسع فهو ما يزيد وقته على الفعل كالصلوات الخمس، فيجوز للمكلف إيقاعه في أي جزء من أجزاء الوقت. وفرض العين ما طُلب من كل مكلف بعينه ولا يسقط بفعل غيره، وفرض الكفاية ما يكفي فيه قيام بعض المكلفين ويسقط الإثم عن الباقين.

18 دقيقة قراءة
  • هل يجوز للمكلف تأخير الصلاة إلى آخر وقتها دون إثم، وما الضابط الذي يحدد متى يتضيق الوقت عليه؟

  • الواجب المضيق هو ما يساوي وقته الفعل كصوم رمضان، ويجب أداؤه فورًا ويأثم المكلف بتأخيره بلا عذر.

  • الواجب الموسع هو ما يزيد وقته على الفعل، واختلف العلماء في خمسة مذاهب حول ما يقتضيه هذا الإيجاب من حيث التعيين والعزم.

  • ذهب جمهور الفقهاء إلى أن المكلف مخير في إيقاع الواجب الموسع في أي جزء من أجزاء الوقت دون وجوب العزم في الجزء الذي لم يفعل فيه.

  • الواجب الموسع قد يكون وقته محددًا كالصلوات الخمس، أو ممتدًا إلى العمر كالحج وقضاء الفوائت، وفي كليهما يجب الأداء عند ظن الفوات.

  • ينقسم الواجب باعتبار الفاعل إلى فرض عين لا يسقط بفعل الغير، وفرض كفاية يسقط الإثم عن الجميع بقيام بعض المكلفين به.

تقسيم الوجوب باعتبار تعلقه بالوقت وأثره على المكلف

الوجوب إن تعلق بوقت فإما أن يساوي الفعل، كصوم رمضان وهو المضيق، أو ينقص عنه فيمنعه من منع التكليف بالمحال إلا لغرض القضاء، كوجوب الظهر على الزائل عذره وقد بقي قد تكبيرة، أو يزيد عليه فيقتضي إيقاع الفعل في أي جزء من أجزائه لعدم أولوية البعض.

وقال المتكلمون: يجوز تركه في الأول بشرط العزم في الثاني، وإلا لجاز ترك الواجب بلا بدل. ورد بأن العزم لو صلح بدلاً لتأدي الواجب به، وبأنه لو وجب العزم في الجزء الثاني لتعدد البدل والمبدل واحد.

ومنا من قال: يختص بالأول وفي الأخير قضاء.

وقالت الحنفية: يختص بالأخير وفي الأول تعجيل.

وقال الكرخي: الآتي في أول الوقت إن بقي على صفة الوجوب يكون ما فعله واجبًا وإلا نافلة، احتجوا بأنه لو وجب في أول الوقت لم يجز تركه.

قلنا: المكلف مخير بين أدائه في أي جزء من أجزائه.

تعريف الواجب المضيق وبيان حكمه عند الأصوليين

ينقسم متعلق الوجوب باعتبار الوقت إلى مضيق وموسع؛ لأن الإيجاب إذا تعلق بفعل مؤقت فلا يخلو من أحوال ثلاثة:

الحالة الأولى:

أن يكون وقت الفعل على قدر الفعل ـ مساوٍ له تمامًا ـ بحيث لا يزيد الوقت عن الفعل ولا ينقص عنه, ويسمى هذا الفعل بالواجب المضيق، ويسمى الوجوب الذي تعلق بهذا الفعل بالوجوب المضيق، مثل: إيجاب صوم رمضان؛ فإن الإيجاب قد تعلق بفعل هو الصوم، وهذا الفعل مؤقت بوقت لا يزيد عن الفعل ولا ينقص عنه وهو شهر رمضان، فصوم رمضان يسمى بالواجب المضيق، والإيجاب المتعلق به يسمى بالوجوب المضيق.

وحكم هذا الواجب:

أن التكليف به جائز وواقع اتفاقًا ويجب الأداء بأول الوقت على الفور ويأثم المكلف إن أخره عن وقته إلا لعذر

الحالة الثانية ونفي التكليف بالمحال شرعًا

الحالة الثانية:

أن يكون وقت الفعل أنقص من الفعل بحيث إن الوقت لا يمكن إيقاع الفعل كله فيه.

وهذا ينظر إليه من جهتين: الجهة الأولى: أن يكون القصد من التكليف بالفعل في هذا الوقت الذي لا يسع المكلف إيقاع الفعل بتمامه فيه، وهو من هذه الناحية يكون من التكليف بالمحال، لأن المكلف لا قدرة له على هذا الفعل. والعلماء قد اختلفوا في التكليف بالمحال من حيث جوازه عقلاً وعدم جوازه، لكنهم متفقون على أن التكليف بالمحال غير واقع شرعًا لقوله تعالى:

{ لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } [ البقرة: 286 ]

وبذلك يكون مثل هذا التكليف غير واقع شرعًا.

الجهة الثانية: أن يكون القصد من التكليف بالفعل في هذا الوقت ابتداء الفعل ثم تكميله خارج الوقت، كوجوب الظهر عند من زال عذره في آخر الوقت، كالمجنون إذا أفاق من جنونه وبقي من الوقت ما يسع ركعة.

وكذا الحائض إذا طهرت وبقي من الوقت ما يسع ركعة ومن هذه الجهة يكون التكليف به جائزًا عقلاً وواقعًا شرعًا، فهؤلاء تجب عليهم الصلاة، فإن لم يبتدئها كل منهما في الوقت الباقي وجب عليه القضاء

الحالة الثالثة وتعريف الواجب الموسع زمنيا

الحالة الثالثة:

أن يكون الوقت المقدر للفعل أزيد من وقت فعلها، بحيث إن الوقت يسع الفعل مرارًا ويعرف هذا الفعل بالواجب الموسع ويسمى الوجوب المتعلق بهذا الفعل بالوجوب الموسع .

وقد اختلف العلماء فيما يقتضيه هذا الإيجاب على مذاهب خمسة:

المذهب الأول في الواجب الموسع ورأي الجمهور

المذهب الأول: ذهب جمهور الفقهاء والمتكلمين إلى أنه يجب بأول الوقت وجوبًا موسعًا فيجوز فعله في أي جزء من أجزائه؛ فهم يقولون: إن الإيجاب قد تعلق بأول وقت الفعل، ولكن الوجوب موسع، فيجوز للمكلف ترك الفعل أول الوقت بلا بدل ولا يعصي، إلى أن يتضيق الوقت فيحرم على المكلف التأخير.

وبذلك يكون المكلف مخيرًا في أن يوقع الفعل في أي جزء من أجزاء الوقت المحدد وليس للمكلف أن يتركه في كل الوقت، ولا يكلف بالعزم على الفعل في الجزء الذي لم يفعل فيه، وإذا أتي المكلف بالفعل في أي جزء من أجزاء الوقت كان الفعل أداء .

استدلال الجمهور بآية الصلاة على سعة وقت الواجب

واستدلوا على ذلك بقوله تعالى:

{ أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا } [ الإسراء: 78].

وجه الدلالة: إن الأمر بصلاة الظهر في الآية يشمل أجزاء الوقت، فالأمر فيها تناول الوقت كله ولم يعين جزءًا معينًا منه، وعلى ذلك يختص الوقت كله بإيقاع الواجبة فيه.

فلا دلالة في تلك الآية على اختصاص الإيقاع بوقت معين، فيكون المكلف مخيرًا في إيقاع الفعل في أي جزء شاء منه حسب إرادته وبهذا ثبت أن الواجب متناول لجميع أجزاء الوقت، وليس بعض أجزاء الوقت بأولى من بعضها الآخر في ذلك .

المذهب الثاني واعتبار العزم بدلا عن الفعل في أول الوقت

المذهب الثاني: وهو مذهب القاضي أبي بكر الباقلاني وجماعة من متكلمي الأشاعرة والمعتزلة: أن الإيجاب يقتضي إيقاع الفعل في أي جزء من أجزاء الوقت، ولكن لا يجوز ترك الواجب في الجزء الأول إلا ببدل.

واتفقوا على أن ذلك البدل هو العزم على إيقاع الفعل في الجزء الذي لم يفعل فيه حتى يأتي الجزء الأخير من الوقت، فيتعين هذا الجزء.

واشترطوا وجوب العزم على بدل الفعل لتمييزه عن المندوب الذي يجوز تركه مطلقًا. وما جاز تركه بشرط فليس بندب كالواجب المخير .

مناقشة دليل وجوب العزم واعتراضات الأصوليين عليه

وعلى هذا فأصحاب هذا المذهب يتفقون مع أصحاب المذهب الأول في أن الإيجاب الذي تعلق بالفعل في أول الوقت، ولكن الوجوب موسع.

ويخالفونهم من حيث إنهم يوجبون العزم في الجزء الذي لم يحصل فيه الفعل.

ومن هنا كان دليلهم على الجزء الأول هو دليل المذهب الأول.

أما دليلهم على وجوب العزم، فقد قالوا فيه: لو لم يكن العزم واجبًا عند عدم الإتيان بالفعل؛ للزم ترك الواجب بلا بدل، وترك الواجب بلا بدل باطل، لأنه يجعل الواجب غير واجب ضرورة أن الواجب هو ما لا يجوز تركه بلا بدل، وغير الواجب هو ما جاز تركه بلا بدل.

وقد قال الإمام الرازي والآمدي وغيرهما: إن العزم لا يصلح أن يكون بدلاً عن الفعل، ولو صح بدلاً لتأدي الواجب به؛ ولما جاز المصير إليه مع القدرة على المبدل، لأن بدل الشيء يقوم مقامه ولكان من أخر الصلاة عن أول الوقت مع الغفلة عن العزم يكون عاصيًا، لكونه تاركًا للأصل وبدله. وليس في الأمر الوارد بإيجاب الصلاة في هذا الوقت تعرضًا للعزم؛ فإيجاب العزم يكون زيادة على مقتضى الأمر، فإذا لم يصلح العزم للبدلية لزم جواز ترك الواجب بلا بدل.

ولو أنه عزم على الفعل في الجزء الأول من أجزاء الزمان، فهل يجب العزم في الجزء الثاني والثالث أو لا ؟

فإن لم يجب فقد ترك الواجب بلا بدل، ويلزم تخصيص جزء من الوقت بدون مخصص وإن وجب، تعدد البدل والمبدل منه واحد، وهذا غير جائز؛ لأن البدل تابع للأصل، فإذا كان الأصل واجبًا مرة كان البدل كذلك

المذهب الثالث وإنكار الواجب الموسع بجعل أول الوقت شرطا للأداء

المذاهب المنكرة للواجب الموسع:

المذهب الثالث: أن الإيجاب يقتضي إيقاع الفعل في الجزء الأول من أجزاء الوقت فإذا مضى من الوقت ما يسع الفعل ولم يفعل المكلف الفعل فيه، وإنما فعله في غيره من الأجزاء، كان هذا الفعل قضاء، فجعلوا الجزء الأول من الوقت شرطًا للأداء.

وهذا المذهب نقل عن بعض المتكلمين ، ونسبه بعض الأصوليين إلى الشافعية وهي نسبة غير صحيحة؛ لأن الشافعية لم تقل به .

المذهب الرابع وتعلق وجوب الفعل بآخر الوقت فقط

المذهب الرابع: أن الإيجاب يقتضي إيقاع الفعل في آخر الوقت، فإذا أوقعه المكلف في غيره كان هذا الفعل تعجيلاً.

وهل يكون الفعل فرضًا أو نفلاً يسقط به الفرض ؟

اختلف النقل عن أصحاب المذهب في ذلك، وقد نسب هذا المذهب للحنفية، ولعله مذهب بعض الحنفية العراقيين .

فإن أكثر الحنفية قالوا: إذا كان الواجب موسعًا؛ فجميع الوقت وقت لأدائه، وإن سبب الوجوب هو الجزء الأول من الوقت إن اتصل به الأداء، وإلا انتقل إلى ما يليه، وإلا يتعين الجزء الأخير .

واستدل أصحاب المذهب: بأنه لو وجب الفعل فيما عدا الجزء الأخير من الوقت لما جاز تركه إلى آخر الوقت؛ لأن شأن الواجب أن لا يجوز تركه، لكن ترك الفعل فيما عدا الجزء الأخير جائز اتفاقًا، فبطل أن يكون الفعل واجبًا فيما عدا الجزء الأخير، وثبت أن الفعل واجب في الجزء الأخير.

وأجيب عن هذا الدليل: بأن جواز ترك الفعل فيما عدا الجزء الأخير لا يقضي بعدم وجوب الفعل؛ لأن الوجوب فيما عدا الجزء الأخير من الوقت وجوب موسع، والذي ينافي الوجوب الموسع هو الترك في جميع أوقات الفعل لا الترك في بعض أجزائه مع الإتيان بالفعل في البعض الآخر.

المذهب الخامس ونسبة الوجوب إلى آخر الوقت عند الكرخي

المذهب الخامس: المكلف إذا أتي بالفعل في أول الوقت، فإن جاء آخر الوقت والمكلف على صفة التكليف بأن كان بالغًا عاقلاً خاليًا من الموانع كان فعله في أول الوقت واجبًا.

وإن جاء آخر الوقت وقد زالت عن المكلف صفة التكليف بأن جُنَّ المكلف أو حاضت المرأة مثلاً كان الفعل الذي فعله أول الوقت مندوبًا، وهذا مذهب الكرخي.

وقد رد هذا المذهب: بأن الأمر في قوله تعالى

{ أَقِمِ الصَّلاةَ } [ الإسراء: 78 ]

وسَّع وقت الفعل، وخير المكلف بالأداء في أي وقت شاء، فلو أتي به في أي جزء لا يعد عاصيًا بالإجماع، والتعيين بأول الوقت أو آخره تضييق على المكلف ينافي ما قصده الشارع من التوسعة .

قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في [ شرح اللمع ]: إن الكرخي يقول: إن الوجوب يتعلق بوقت غير معين، ويتعين بالفعل ففي أي وقت فعل يقع الفعل واجبًا وقبل الفعل لا وجوب عليه . ونقل عنه القولين معًا الآمدي في الإحكام .

حكم الواجب الموسع واشتراط نية تعيين فرض الوقت

وحكم الواجب الموسع: أنه يجب على المكلف فعله في أي جزء من أجزاء الوقت المعين له، فإذا أهمله حتى خرج الوقت أَثِم، واشترط نية تعيين فرض الوقت .

الموسع قد يسعه العمر، كالحج، وقضاء الفائت، فله التأخير ما لم يتوقع فواته إن أخر لكبر أو مرض إذا كنا قد أثبتنا الواجب الموسع، فإن الواجب الموسع قد يكون الوقت فيه معلومًا بأن يكون محدد الطرفين له مبدأ ونهاية، وذلك مثل الصلوات الخمس.

وقد يكون الوقت في الواجب الموسع غير معلوم، مثل: الحج، وقضاء الفوائت لعذر من الأعذار، فإن الشارع قد جعل العمر كله وقتًا للحج وقضاء ما فات من الواجبات لعذر، والعذر غير معلوم النهاية.

فالواجب الموسع إن كان وقته محددًا، يجوز للمكلف تأخيره عن أول الوقت وإيقاعه في أي جزء من أجزاء الوقت ما لم يخف فوات الفعل لأمر من الأمور.

أما إذا ظن المكلف فوات الواجب إذا لم يؤده في الوقت الذي هو فيه تضيق الوقت عليه، ووجب على المكلف أداء الفعل قبل الزمن الذي ظن فيه الفوات فإن أخر وفات الفعل ولم يؤده كان آثمًا.

ظن الفوات في الواجب الموسع المحدد وأثره على الأداء والقضاء

وإن تخلف ظنه، وأتي بالفعل؛ فالجمهور ومنهم الغزالي على أن فعله بعد الوقت الذي ظن أنه لا يعيش بعده أداء لوقوع الفعل في الوقت المقدر له شرعًا؛ لأن ظن المكلف قد بان له أنه خطأ، ولا عبرة بالظن البين خطؤه .

وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: فعله قضاء اعتبارًا بظنه المقتضي التضييق .

الواجب الموسع الذي وقته العمر وحكم التأخير مع ظن الفوات

أما الواجب الموسع الذي جعل وقته العمر، فإن المكلف يجوز له التأخير من غير توقيت بزمن ما لم يظن الفوات لمرض أو لكبر لا يستطيع معهما الفعل، فإن ظن المكلف فوات الواجب لمرض أو كبر، وجب عليه الإتيان بالفعل قبل هذا الزمن الذي لا يستطيع الأداء فيه، فإن أخر حتى مرض أو كبر أو أصبح عاجزًا عن الإتيان بالواجب كان عاصيًا.

أما إذا لم يظن الفوات، فقيل: لا يحرم عليه التأخير ولا يكون عاصيًا إن مات قبل الفعل؛ لأن التأخير جائز له، والفوات ليس باختياره.

وأجيب عن هذا: بأن التأخير مشروط بسلامة العاقبة والإتيان بالفعل، وما دام الموت قد فاجأه؛ فالعاقبة لم تسلم والفعل لم يؤد، وبذلك كان التأخير غير جائز فيترتب على عدم الفعل الإثم والمعصية.

حكم من مات قبل أداء الواجب الموسع ذي الوقت العمري

وقال جمهور العلماء: إنه يكون عاصيًا لأنه ترك الواجب من غير عذر، وترك الواجب من غير عذر يوجب العصيان، فلو لم نقل بعصيانه لما تحقق الوجوب بالنسبة إليه، وهو باطل؛ لأن التكليف متوجه إليه .

تمهيد لفرض العين وفرض الكفاية وتقسيم الوجوب

فرض العين وفرض الكفاية

الوجوب: إما أن يتناول كل واحد، كالصلوات الخمس، أو واحدًا معينًا، كالتهجد، ويسمي فرض عين.

أو غير معين كالجهاد، ويسمي فرض كفاية، فإن ظن كل طائفة أن غيره فَعَلَ سقط عن الكل، وإن ظن أنه لم يفعل وجب.

ينقسم الوجوب باعتبار متعلق فاعله، إلى: واجب عيني، وواجب كفائي؛ لأن الواجب قد يطلبه الشارع من جميع المكلفين، فيسمي فرض عين، وقد يُكتفي بحصول الواجب من بعض المكلفين، بمعنى أنه إذا حصل فعله من بعض المكلفين سقط الإثم عن الباقين، فيسمي فرض كفاية.

ولا فرق بين فرض العين وفرض الكفاية عند الشافعية من جهة الوجوب؛ لشمول حد الواجب للعيني والكفائي، وذهب بعض العلماء إلى أن الاختلاف بين فرض العين وفرض الكفاية في الإسقاط، وهذا لا يوجب الاختلاف في الحقيقة .

موقف الحنابلة في الفرق بين فرض العين وفرض الكفاية

أما الحنابلة: فيرون أن هناك فرقًا بين فرض العين وفرض الكفاية.

وهذا الفرق هو أن فرض العين: ما تكررت مصلحته بتكرره، كالصلوات الخمس وغيرها. فإن مصلحتها الخضوع لله تعالى وتعظيمه ومناجاته والمثول بين يديه، وهذه الآداب تتكرر كلما كُررت الصلاة.

وفرض الكفاية: ما لا تتكرر مصلحة بتكرره، كإنجاء الغريق، وغسل الميت، ودفنه، ونحو ذلك.

ففرض العين وفرض الكفاية متباينان .

والحاصل: أن فرض العين منظور فيه إلى الفاعل، وفرض الكفاية منظور فيه إلى الفعل.

تعريف الواجب العيني ومعنى الإيجاب العيني

الواجب العيني:

فالخطاب الطالب للفعل طلبًا جازمًا ـ وهو ما يعرف بالإيجاب ـ إذا تعلق بفعل معين، فإما أن يكون القصد منه حصول الفعل مع قصد فاعله، أو يكون القصد منه حصول الفعل من غير نظر إلى الفاعل.

فإن كان القصد منه حصول الفعل من ذات الفاعل، سُمِّي هذا الإيجاب:

بالإيجاب العيني، وسُمي الفعل الذي تعلق به هذا الإيجاب بالواجب العيني .

وإنما سمي بذلك لأنه منسوب إلى العين والذات باعتبار أن ذات الفاعل مقصودة باختيارها الفعل، فإذا تناول الوجوب فردًا معينًا كالمفروض على النبي صلى الله عليه وسلم كوجوب الأضحية في حقه، والضحي وتخيير النبي صلى الله عليه وسلم نساءه بين أن يبقين في عصمته أو يسرحهن سراحًا جميلاً؛ فهي فروض عين على النبي صلى الله عليه وسلم.

أمثلة الواجب العيني على النبي وسائر المكلفين مع السنة العينية

قال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه: خُصَّ النبي صلى الله عليه وسلم بواجبات ومحظورات ومباحات وكرامات .

وإما أن يتناول الوجوب كل فرد من أفراد المكلفين، مثل: الخطاب المتعلق بالصلاة والزكاة في قوله تعالى

{ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ } [ البقرة: 43]

؛ فإن كل مكلف مقصود بهذا الخطاب ليؤدي الفعل بنفسه بحيث إذا فعله الغير عنه لم يسقط التكليف عنه فلو أناب غيره في أداء الصلاة، أو نقل ما عليه من مال الزكاة إلى غير ذلك كان آثمًا ولا يسقط عن المكلف الوجوب بفعل الغير .

وكما أن هناك فرض عين، فهناك سنة عينية، كسنن الوضوء، وسنن الصلاة، وصوم يوم وإفطار يوم، وغيرها؛ فإنها سنن عينية في حق أمته صلى الله عليه وسلم لا تتعلق ببعض المكلفين وإنما تتعلق بالجميع .

وحكم التكليف بفرض العين: وجوب الإتيان بالفعل على من فرض عليه ويأثم المكلف بتركه ولا يسقط بفعل الغير .

تعريف الواجب الكفائي وبيان مقصوده الشرعي

الواجب الكفائي:

إن كان القصد من الخطاب المتعلق بالفعل حصول الفعل من غير نظر إلى الفاعل؛ فإن هذا الإيجاب يسمى بالإيجاب الكفائي، والفعل الذي تعلق به هذا الإيجاب يسمى الواجب الكفائي.

وإنما سُمِّي بذلك لأن قيام بعض المكلفين يكفي للوصول إلى مقصد الشارع في وجود الفعل ويكفي في سقوط الإثم عن الباقين ، مثل: الخطاب الطالب للجهاد، والخطاب الطالب لتغسيل الميت وتكفينه والصلاة عليه.

ومن هنا عرف الأصوليون الواجب الكفائي بأنه: مهم محتم حصوله من غير نظر إلى فاعله.

شرح عناصر تعريف الواجب الكفائي وتمييزه عن غيره

شرح التعريفات:

مهم:صفة لموصوف محذوف تقديره: فعل، وهو جنس في التعريف يشمل كل فعل سواء أكان واجبًا أم مندوبًا أم مباحًا أم مكروهًا، ومعنى كون الشيء مهمًّا: أن الشارع قد اهتم واعتني به.

محتم: وصف آخر لفعل، ومعنى كون الفعل محتمًا: أن الشارع طلبه طلبًا جازمًا، وهو قيد أول يخرج المباح والمندوب والمكروه.

يطلب حصوله: قيد ثاني يخرج به المحرم، فإن المحرم لم يطلب حصوله وإنما طلب تركه.

من غير نظر إلى فاعله: قيد ثالث يخرج به الواجب العيني؛ لأن الفاعل فيه مقصود بالفعل.

سد الحاجة في فرض الكفاية وتأثيم التارك من الأمة

وقد اتفق الأصوليون على: أن الواجب الكفائي يتحقق المقصود منه بفعل بعض المكلفين له بحيث يسدون الحاجة ويقومون بالفعل المطلوب.

أما قبل سد الحاجة؛ فالأمة مكلفة بإكمال العدد، فمثلاً: لو احتيج في الجهاد إلى مائة ألف؛ فذهب سبعون لطولبت الأمة باستنفار ثلاثين ألفًا آخرين، وإلا يقع عليها الإثم، فالواجب لا يحقق مقصوده إلا بما يسد الحاجة، فمتي فعله بعض المكلفين لا يطالب بفعله الآخرون.

واتفق الأصوليون أيضًا على: أن ترك الواجب الكفائي من جميع المكلفين يوجب تأثيم الجميع؛ لأنهم فوتوا ما قصد من الفعل، وكذلك لو فعله أقل ممن يسد بهم الحاجة فالفاعلون مثابون والباقون آثمون.

الخلاف في المخاطب بفرض الكفاية وتحرير مفاهيم الكل والكلية

واختلف الأصوليون في الخطاب المتعلق بهذا الفعل، هل هو موجه إلى جميع المكلفين على سبيل الكلية أو هل هو موجه إلى بعض غير معين من المكلفين أي إلى مجموع على سبيل الكل .

مذهب الجمهور وغيرهم في تعلق فرض الكفاية بجميع الأمة أو بطائفة

فذهب جمهور الأصوليون إلى: أن الواجب الكفائي يتعلق بجميع المكلفين .

ويقتضي هذا أن القادر عليه يقوم به بنفسه وغير القادر يحث غيره على القيام به؛ لأن الخطاب موجه لكل مكلف والتأثيم يتعلق بالكل عند الترك لكنه يسقط فعل البعض.

وذهب بعض الأصوليين إلى: أن فرض الكفاية يتعلق بطائفة غير معينة؛ لأنه لو تعلق بالكل لما سقط إلا بفعل الكل، لكن يأثم الكل بتركه لتفويت الكل ما قصد الشرع حصوله من جهة في الجملة، لا للوجوب عليهم.

وبهذا قالت المعتزلة، وهو مقتضى كلام المحصول والبيضاوي، واختاره ابن السبكي التاج مخالفا في ذلك والده الشيخ الإمام .

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما المثال الذي يُضرب للواجب المضيق في أصول الفقه؟

صوم رمضان

ما حكم المكلف الذي أخّر الواجب المضيق عن وقته بلا عذر؟

يأثم بالتأخير

ما الذي يقتضيه الواجب الموسع عند جمهور الفقهاء؟

التخيير في إيقاع الفعل في أي جزء من الوقت

ما البدل الذي اشترطه الباقلاني عند ترك الواجب الموسع في الجزء الأول من الوقت؟

العزم على الفعل في جزء لاحق

ما الاعتراض الرئيسي الذي أورده الرازي والآمدي على وجوب العزم في الواجب الموسع؟

العزم لا يصلح بدلًا لأن البدل يقوم مقام المبدل فيتأدى الواجب به

ما المذهب الذي يجعل الجزء الأول من الوقت شرطًا للأداء ويعتبر الفعل بعده قضاءً؟

المذهب الثالث المنسوب لبعض المتكلمين

ما موقف الكرخي من الواجب الموسع إذا زالت عن المكلف صفة التكليف في آخر الوقت؟

يكون فعله في أول الوقت مندوبًا

ما الآية القرآنية التي استدل بها الجمهور على أن المكلف مخير في إيقاع الصلاة في أي جزء من الوقت؟

أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل

ما حكم من ظن فوات الواجب الموسع ثم تخلف ظنه وأتى بالفعل في الوقت عند الجمهور؟

يكون فعله أداءً لوقوع الفعل في الوقت المقدر شرعًا

ما حكم من مات قبل أداء الحج دون عذر عند جمهور العلماء؟

يكون عاصيًا لتركه الواجب بلا عذر

ما الفرق بين فرض العين وفرض الكفاية من حيث السقوط؟

فرض العين لا يسقط بفعل الغير وفرض الكفاية يسقط بقيام البعض

ما معيار الحنابلة في التفريق بين فرض العين وفرض الكفاية؟

تكرر المصلحة بتكرر الفعل

ما تعريف الواجب الكفائي عند الأصوليين؟

مهم محتم حصوله من غير نظر إلى فاعله

ما حكم ترك الواجب الكفائي من جميع المكلفين؟

يأثم الجميع لتفويتهم ما قصده الشارع

ما القيد في تعريف الواجب الكفائي الذي يخرج الواجب العيني؟

من غير نظر إلى فاعله

ما الفرق بين الواجب المضيق والواجب الموسع؟

الواجب المضيق ما يساوي وقته الفعل كصوم رمضان فلا يتسع لغيره، والواجب الموسع ما يزيد وقته على الفعل فيسعه مرارًا كالصلوات الخمس.

لماذا يُعدّ التكليف بالمحال غير واقع شرعًا؟

لقوله تعالى: {لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها}، فالشريعة لا تكلف المكلف بما لا يقدر عليه.

ما حكم الحائض إذا طهرت وبقي من الوقت ما يسع ركعة؟

تجب عليها الصلاة، فإن لم تبتدئها في الوقت الباقي وجب عليها القضاء.

ما دليل الجمهور من القرآن على التخيير في وقت الصلاة؟

قوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل}، إذ تناول الأمر الوقت كله دون تعيين جزء بعينه.

لماذا رفض الرازي والآمدي القول بأن العزم بدل عن الفعل في الواجب الموسع؟

لأن البدل يقوم مقام المبدل، فلو صح العزم بدلًا لتأدى الواجب به وحده ولما جاز المصير إليه مع القدرة على الأصل.

ما موقف الشافعية من المذهب القائل بأن الجزء الأول من الوقت شرط للأداء؟

الشافعية لم تقل بهذا المذهب، وقال الإمام السبكي إن نسبته إليهم وهم لا يوجد في كتب المذهب.

ما رأي أكثر الحنفية في سبب الوجوب في الواجب الموسع؟

يرون أن سبب الوجوب هو الجزء الأول من الوقت إن اتصل به الأداء، وإلا انتقل إلى ما يليه، وإلا تعين الجزء الأخير.

ما الواجب الموسع الذي جُعل وقته العمر؟

الحج وقضاء الفوائت لعذر، إذ جعل الشارع العمر كله وقتًا لهما.

متى يتضيق الواجب الموسع على المكلف ويجب عليه الأداء فورًا؟

إذا ظن المكلف فوات الواجب إن لم يؤده في الوقت الذي هو فيه، سواء في الموسع المحدد أو العمري.

ما موقف الباقلاني من فعل من تخلف ظنه بالفوات وأتى بالفعل في الوقت؟

قال الباقلاني إن فعله يكون قضاءً اعتبارًا بظنه المقتضي للتضييق، خلافًا للجمهور الذين يعدونه أداءً.

ما الفرق بين فرض العين وفرض الكفاية عند الشافعية؟

لا فرق بينهما في حقيقة الوجوب عند الشافعية، والاختلاف في الإسقاط فقط لا في الحقيقة.

ما مثال فرض الكفاية في الفقه الإسلامي؟

الجهاد، وتغسيل الميت وتكفينه والصلاة عليه، فإذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين.

ما معنى قيد محتم في تعريف الواجب الكفائي؟

أن الشارع طلب الفعل طلبًا جازمًا، وهو قيد يخرج المباح والمندوب والمكروه.

ما موقف جمهور الأصوليين من تعلق فرض الكفاية بالمكلفين؟

يرون أنه يتعلق بجميع المكلفين، فالقادر يقوم به بنفسه وغير القادر يحث غيره، والتأثيم يتعلق بالكل عند الترك.

ما الفرق بين الكل والكلية في أصول الفقه؟

الكل حكم على المجموع من حيث هو مجموع كالهيئة الاجتماعية، والكلية حكم على كل فرد بحيث لا يبقى فرد.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!