اكتمل ✓
الفصل 33

كيف نشأ القانون المدني المصري وما علاقته بالشريعة الإسلامية والتشريعات الغربية؟

القانون المدني المصري وضعه عبد الرزاق السنهوري باشا وصدر عام 1949م، مستمدًا من ستة عشر تشريعًا عالميًا مع الحرص على عدم الانسلاخ عن الشريعة الإسلامية. وقد سبقه جهود تقنينية منذ عهد الخديو إسماعيل، وكان الهدف دائمًا إيجاد تشريع مصري يقف بقدميه وسط التشريعات العالمية دون التخلي عن الهوية الإسلامية. والتجربة المصرية في جوهرها ليست ليبرالية محضة ولا انسلاخًا عن الدين، بل هي مسار وسطي فريد يجمع بين الديمقراطية والشريعة.

19 دقيقة قراءة
  • هل كانت مصر تحكم بالشريعة أم بالقانون الوضعي، وكيف يمكن الجمع بين الاثنين في تجربة واحدة؟

  • دخل الإسلام مصر سنة عشرين هجرية دون إكراه، وظلت نسبة المسلمين ترتفع تدريجيًا حتى بلغت 94% مع بقاء غير المسلمين آمنين.

  • سعى محمد علي وإسماعيل باشا إلى بناء دولة حديثة بمؤسسات وفصل سلطات، مع الحفاظ على الشريعة الإسلامية ثقافةً سائدة.

  • القانون المدني المصري الذي وضعه السنهوري باشا عام 1949م أُخذ من ستة عشر تشريعًا عالميًا، وبيّن السنهوري مأخذ كل مادة من الشريعة الإسلامية في كتابه الوسيط.

  • تطورت الدساتير المصرية نحو الشريعة تدريجيًا حتى نصّ الدستور الأخير على أن التشريع الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع مع بقاء الليبرالية والديمقراطية.

  • التجربة المصرية ليست ليبرالية محضة ولا إسلامية متطرفة، بل هي نموذج وسطي فريد يستحق الدراسة المتأنية الوثائقية من المسلمين في العالم.

تعريف النموذج المصري وسبب أهميته للشباب والأمة

النَّمُوذَجُ المصري نَمُوذَجٌ يستحق الدراسةَ في ماضيه وحاضره ومستقبله؛ لأنَّه نموذج رائد، ولأنَّه -أيضًا- نموذج فريد، ولأنَّ كثيرًا من اللبس والخلط قد حدث في تحليله وفهمه؛ مرة عن سوء قصد، ومراتٍ عن حسن نية، ومرة عن جهل بحقيقته، ومرة عن تحيز في مدرسة تحليله يمينًا أو يسارًا، ومرة لعدم الوعي بتطوره أو تغيره.

ويحتاج شبابنا كثيرًا إلى دراسة هذا النموذج؛ ليس فقط لتقويمه، وإنَّما أيضًا لمستقبل الثقافة في مصر، ولمستقبل الثقافة في العالم العربي والإسلامي، ولمزيد من الصلة مع العالم كله. ولأنَّ هذا الموضوع موضوع كبير؛ فإنَّنا سنعرض لبعض مفرداته إجمالًا ثم نبدأ في تفصيلها، ونعالج هذه المفردات كلًّا على حدة.

ونقصد بالنَّمُوذَجِ الْمِصْرِيِّ: تجربة الدولة الحديثة بكل جوانبها: السياسية، والثقافية، والقانونية، والدينية، والاجتماعية، والعلمية، وسائر الجوانب التي تُـكَوِّنُ الحياةَ منذ عصر مُحَمَّد عَلِي(1)، وحتى الآن.

الأسئلة المحورية حول الليبرالية والعلمانية والهوية في مصر

أما المفردات فيمكن إجمالًا أن نصوغها في الأسئلة الآتية:

  • ما موقف التَّجْرِبَة الْمِصْرِيَّة من اللِّيبْرَالِيَّـة والدِّيمُقْرَاطِيَّـة؟

  • وما مدى اعتمادها على السلطة الدينية؟ وهل مصر تحكم بالدِّين -كما يقول بعضهم- أو أنَّها دولة كافرة كما يقول آخرون؟

  • وما مدى قبول الشعب المصري للمشروع العَلْمَانِي؟ وما مدى نجاح ذلك المشروع؟

  • وما الفرق بين الدعوة إلى الحرية، والدعوة إلى التغريب؟

  • وما مفهوم الْهُوِيـَّـة والخصوصية؟ وهل نحن في حاجة إليها؟

هذه بعض الأسئلة التي نريد أن نجري حولها الحوار، وكل سؤال يشتمل على كثير من المشكلات، ونحتاج فيه إلى تحرير كثير من المصطلحات التي اختلَّت بإزاء مفاهيمها، ويمكن بعد ذلك أن نضع أيدينا على مواضع الخلل إذا أردنا أن نسير في الاتجاه الصحيح، ويمكن أيضًا أن يتضح لنا مدى تفوق النَّمُوذَجِ الْمِصْرِيِّ على كثير من النماذج المعاصرة في العالم الإسلامي.

دخول الإسلام إلى مصر ومسجد عمرو بن العاص العتيق

دخل الإسلامُ مِصْرَ سنة عشرين من الهجرة على يد سيدنا عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله تعالى عنه، وكان قد أنشأ مسجدًا(1)، وهو المسجدُ العتيق -على الحقيقة- في مدينة القاهرة؛ لأنَّه أقدم من الأزهر الشريف.

دخل الإسلامُ مِصْرَ دون إكراه؛ ولذلك رأينا «رِيتشَارد بِليو» في كتابه عن الحضارة الإيرانية المطبـوع في نيويورك سنة (1974م) يأتي بإحصاءات كاملة لنسبة المسلمين في بلاد مصر؛ ففي القـرن الأول الهجري كانت نسبة المسلمين (5%)، وفي القـرن الثالـث -يعني بعـد (250 ســنـة) تقـريبًا- زادت إلى (25%)، وفي القرن الخامس زادت هذه النسبة إلى (75%)، وفي القرن الثامن زادت إلى (94%)، ولا تزال باقية إلى اليوم على هذه النسبة: (94%) من المسلمين، و(6%) من غير المسلمين.

بقاء غير المسلمين في مصر ونفي الإكراه والإبادة

وهذه النسبة من غير المسلمين تشمل: طوائف النصارى، وطوائف اليهود، وهم موجودون إلى الآن في مصر؛ لم يتم إجبارهم على ترك دينهم ولم يتعرض أحد لهم بأذى، نقول ذلك لإثبات هذه الحقيقة التي لا تحتاجُ إلى إثبات؛ لأنَّ الواقع يؤيدها: وهي أنَّ المسلمين لم يُكْرِهُوا أحدًا على الإسلام، وأنَّهم لم يُبيدوا أحدًا أمامَهُم كما فُعِلَ في أستراليا، وكما فُعِل بالهنود الحُمر، وكما فُعِل هنا وهناك، ولكن المسلمين عندما استولوا على الهِنْد والتي أغلبها من الهندوك(1)، وعندما استولوا على إيران التي فيها إلى الآن المجوس، وعندما استولوا على الشرق والغرب -لم يفعلوا ما فُعِلَ بالمسلمين في الأندلس، ولم يفعلوا ما فَعل غيرُهم في أركان الأرض من ظلم واضطهاد.

نقاء التاريخ الإسلامي والفترة المملوكية وحديث كفى بالمرء كذبًا

تاريخ المسلمين تاريخٌ ناصع؛ لم نـرَ أمـةً قـط حوَّلت مماليكها وعبيدها إلى حُكَّام، لم نـر ذلك سِوى في التاريخ الإسلامي في فترةٍ كبيرة تسمى بالفترة المملوكية، لم يحدُث هذا في الأرض أن صار العبيد حُكَّامًا، وإلى عهد قريب لم يتولَ أَسْوَدُ رئاسة الولايات المتحدة، وإلى الآن لم تتولَّ امرأة رئاسة الولايات المتحدة -وهي دولةٌ ديمقراطية-، ولكن لم يُصْنَع مثل هذا في تاريخنا، لم يشتكِ العبيد ولم يُؤذَوا؛ بل جعلناهم حُكامًا لنا.

هذا كـلام لا بد أن نُظْهِرَهُ للعالمين؛ فتاريخنا نظيف من إبادة الأمم، ومن اضطهاد الناس، ومن محاكم التفتيش، ومن خطف الناس، ومن الإكراه، وكل مَن يُشيع غير ذلك فعليه بالدليل؛ وكما قال صلى الله عليه وآله وسلم:

«كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبـًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِـعَ»(1).

الحملة الفرنسية وإبادة علماء الأزهر وبذور النهضة

نحن في التَّجْرِبَـة الْمِصْرِيـَّـة منذ مئتي عام، وبعدما جاءت الحملة الفرنسية رأينا أنَّ شيئًا ما يحدُث في العالم، وأنَّ حضارتنا مهددة من قِـبَـلِ العسكر الذين يريدون أن يُبيدونا؛ فقد كان نَابـُـلْيُون -كما يُـقِرُّ في مذكراته، وكما يشير إلى ذلك الْجَبَرْتِيُّ(2) في «تاريخه»- يقتُـلُ خمسة من علماء الأزهر كُلَّ يوم، ففي السنة الأولى قَـتَـل نحو ألفٍ وخمسمئة عالم أزهري كانت تقوم عليهم النهضة التي بناها الْمُرْتَضَى الزَّبِيدِيُّ(3) بمؤلفاته في اللُّغة والحديث؛ فقد ألف في اللُّغة: «تاج العروس»، وفي الحديث: «إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين»، وهما كتابان ماتعان، ومِنْ قَـبْـلِـهِ الْبَغْدَادِيُّ(1) في «خِزَانَة الأدب ولُبُّ لُبَابِ لسانِ العرب» فهو يُحْيِي اللُّغة مرةً ثانية؛ على اعتبار أنَّ اللُّغة والفِكْر وجهان لعملةٍ واحدة، وإذ بهذا يأتي بالإبادة الجسدية، فيبيدُ بذورَ النهضة ويَرْحَل، وفي هذا رَدٌّ على مَن يُريد أن يحتَـفِلَ به وأن يحتفل بالاحتلال؛ إنَّنا لم نَر أمةً قط تحتفل بأنَّها قد احتُـلَّت!!

مشروع محمد علي لبناء الدولة العصرية ومفهوم المواطنة

اتجه مُحَمَّد عَلِـي باشا إلى بناء الدولة العصرية الحديثة في مصر، وهي دولة حاولت أن تستقل عن أشخاصها بقدر الإمكان، واستقلال الدولة عن أشخاصها يتم عن طريق المؤسسات، وعن طريق النظام، وعن طريق الدستور، وعن طريق التقنين، وعن طريق الفصل بين السلطات... ونحو ذلك.

والدِّيمُقْرَاطِيَّة في الأساس مبنية على المساواة بين المواطنين، وأن تسود فكرة «الْمُوَاطَـنَة» لا فكرة «الرَّعَايـَا»، والمساواة هنا تشمل المساواة في الحقوق وفي الواجبات، وتشمل عدم الاستثناء من القانون أو التمييز العنصري؛ وكلما تحقق ذلك كانت الدولة أقرب إلى تحقيق الديمقراطية.

والليبراليـة تعني احتـرام الحريـات: حريـة العقيـدة، حريـة الانتقـال، حريـة العمـل، الحريـة السـياسـية والتي هي بالأساس مبناها التعدديـة، ومبناها التمثيل الشعبي.

الثقافة السائدة ومحاولة التوفيق بين الدولة الحديثة والشريعة

ثم بعد ذلك تأتي النظم والتنظيمات التفصيلية التي قد تختلف من بلد إلى آخر طبقًا للتجربة التاريخية، وطبقًا لما يمكن أن نسميه بالثقافة السائدة التي لا يجوز الخروج عنها إلَّا بقدر تحقيق المصلحة؛ لأنَّ الخروج عن الثقافة السائدة -خاصة في صورة طفرات- يؤدي إلى ضياع المصالح وإلى اضطرابات أكـثر مما يؤدي إلى تحقيق المصالح والمقاصد لشعب ما.

أراد مُحَمَّد عَلِـي أن يحقق ذلك بالتوازي مع البقاء على الثقافة السائدة، وعلى الشريعة الإسلامية التي هي المكوِّن الأساسي لجمهور الشعب في مصر؛ فأنشأ تعليمًا موازيًا للأزهر الشريف، ولكنه سحب السلطة من المماليك بتراثهم المعروف، ومن رجال الدين أيضًا؛ حيث كان لرجال الدين سلطة في اتخاذ القرار، ولم يعد للأزهر سلطة في اتخاذ القـرار السـياسي، ولكـن ظلت له سلطة علمية أدبية وليست تنفيذية -والفرق بينهما كبير- على قدر اتصاله بالرأي العام، واتصاله بوجدان الأمة، وعلى قدر الثقة فيه الناشئة من تاريخه أولًا، ومن منهجه العلمي الوسطي ثانيًا، ومن شموليته ثالثًا، ومن احترام علمائه لأنفسهم ولأمتهم ولتراثهم رابعًا.

السلطة والمسئولية للأزهر والانتقال إلى عصر إسماعيل باشا

ولكننا نؤكد أنَّ السلطة والمسئولية وجهان لعملة واحدة، وما دام أنَّ السلطة الزمنية قد رفعها مُحَمَّد عَلِـي باشا من علمـاء الدين؛ فإنَّه لا مسئولية زمنيـة عليهم، وما دام الشـعـب والرأي العــام قـد أولى الأزهـر سلطة أدبية، فإنَّه يكون مسئولًا أدبيًّا -أيضًا- أمام الرأي العام على قدر ما أولاه من سلطة من هذا النوع.

وفي عصر إِسْمَاعِيل باشا(1) أراد أن يكمل ما بدأه جـدُّه مُحَمَّد عَلِـي باشا من بناء الدولة الحديثة؛ فأنشأ البرلمان، ودعا إلى الفصل بين السلطات الثلاث، وأقـر نظام الانتخاب، وبنى الهياكل الأساسية الحديثة، واستمر في عمليات الاستقلال، وسعى إلى وضع نظام للتقنين المصري.

محاولة إسماعيل باشا للتقنين بين الشريعة وكود نابليون

ولأنَّه كان حريصًا على البعد عن الدولة العثمانية التي قـنَّنت الشريعة الإسلامية في صورة «المجلة العَدْلِيَّـة»(1) الصادرة سنة (1290هـ)، فقد فكَّر في عدة احتمالات لا يريد أن يخرج في أيٍّ منها عن الشرع الإسلامي؛ بل يريد أن يوجد صيغة جديدة يسـتطيع فيهـا المسـلم أن يضـع قـدمـه في نطــاق العـالم الحديث، وفي نفس الوقـت لا ينسلخ عن هويته.

فكر أن يترجم «كود نابليون أول»، و«كود نابليون ثاني»، وهي المسمَّاة بمجموعة (1810)، وأمر رِفَاعَة رَافِــع الطَّهْطَاوِيَّ(2) أن يفعل ذلـك نقـلًا عـن الفرنسية إلى العربية(1)، وقد تمَّ ذلك وطُبِــع هذا العمل في مجلدين في المطبعة الأميرية في أواخر القرن التاسع عشر، لكنه لم يطبق كقانون في مصر.

وكان حريصًا على إيجاد عَلاقة بين القانون الفرنسي -المأخوذ أساسًا من تشريعات «لويس»، والتي قيل: إنَّها تأثرت بالفقه المالكي عبر الأندلس- والشريعة الإسلامية؛ فأمر الشيخ مَخْلُوف الْمُنْـيَاوِيَّ الْمَالِكِيَّ(2) -مفتي الصعيد- أن يراجع ما ترجمه رِفَاعَة -رحم الله الجميع-؛ فكتب تقريرًا واسعًا استفاض فيه حتى صار كتابـًا، طُبِــعَ الآن في مجلدين بمصر تحت عنوان «المقارنات التشريعية»، قارن فيه بين القانون الفرنسي وما يعرفه من الشريعة الإسلامية، ووجد مقاربة بينه وبين الفقه المالكي على وجه الخصوص، ووجد مخالفات قليلة، وعندما انتهى من العمل كان الخديو إِسْمَاعِيل قد نُفي إلى إِسْطَـنْـبُولَ، وأتى بعدَهُ الخديو تَوْفـِيق(3).

إخراج المقارنات التشريعية وجهود محمد قدري باشا في التقنين

ظلَّت «المقارنات التشريعية» لمَخْلُوف الْمُنْـيَاوِيِّ حبيسة في دار الكتب لا يدري عنها أحدٌ شيئًا، حتى مَنَّ اللهُ عليَّ مع الدكتور مُحَمَّد سِرَاج عَبْد الْـهَادِي بإخراجها إلى النور، وطَـبْـعِها في مطبعة «دار السلام».

وهذا العمل يدل على حرص القيادة السياسية -حينئذ- على عدم الانسلاخ عن الشريعة بالكلية، ولكنها تريد أن تعيش العصر، وأن توجد لبلادها موطنَ قدمٍ في العالَم. وهذا أمرٌ محمود في ذاته: ألَّا ننسلخ عن تراثنا وهويتنا، وفي نفس الوقت: ألَّا ننعزل عن عصرنا ومَن حولنا؛ أخطأنا أو أصبنا فلنا أجر إن شاء الله.

ولما سمع مُحَمَّد قَدْرِي باشا -الذي تولى وزارة الحقانية «العدل»- عن نية الخديو إسماعيل هذه، وعن رغبته الشديدة في الاستقلال عن الدولة العثمانية بمجلتها الْعَدْلِيَّـة؛ سارع فوضع تقنينًا على مذهب الْحَنَـفِيَّـة يوازي المجلة العدلية ويستفيد منها، وإن كان مختلفًا بعض الشيء عنها، وظهر هذا في كتابه الكبير «الأحوال الشخصية» في أربعة مجلدات، وفي كتابه «دليل الحيران في معرفة أحوال الإنسان»، وفي كتابه «العدل والإنصاف في أحكام الأوقاف»، والتي لم ينفذ منها شيء أيضًا، ولكنَّها دالة في نفسها على مراد القيادة من عدم الانسلاخ عن الشريعة الغراء، وهذه الكتب أخرجناها أيضًا، وكلها في مطبعة «دار السلام» بمِصْر.

كتابة القانون المصري بالفرنسية وفكرة المعاصرة عند قدري باشا

وترأس قدري باشا لجانًا بعد رحيل الخديو إسماعيل -والذي لم يُقَدَّر له أن يرى كل ذلك المجهود أمامه، وإن كان هو سببًا في وجوده- لوضع القوانين المصرية.

قَدْرِي باشا -هذا العالم الحنفي القدير- كتب القانون المصري بنفسه باللُّغة الفرنسية ثم ترجمه إلى العربية؛ فظن كثيرٌ من الناس أنَّ مصر قد طبقت القانون الفرنسي. ولم يحدث ذلك أبدًا؛ فإنَّه وإن أخذت مصر بالتوجه اللاتيني في صياغة هذه القوانين، أو في النظام القضائي، إلَّا أنَّها لم تطبق القانون الفرنسي بذاته كما هو شائع بين كثير من الأقلام.

وفكرة الكتابة بالفرنسية ثم الترجمة إلى العربية من شخص واحد، فكرة ترجع إلى ما نَوَّهنا إليه مرات، وهي المعاصرة التي تقتضي توحيد المصطلحات مع عدم الانسلاخ عن الهوية؛ ولذلك لم يتم التقليد المحض التام، وإن كان قد تم نوع من أنواع الاقتباس للمسائل والصياغات والموضوعات من الآخر.

مجموعة 1883 ونصها على حقوق الشريعة ثم رفعه لاحقًا

وصدرت هذه المجموعة سنة (1883م)، ونصَّت في مادتها الأولى: أنَّها لا تنفي أيَّ حقٍّ مقرر في الشريعة الإسلامية، وظل هذا البند موجودًا حتى سنة (1908م)؛ حيث روجعت القوانين مرة أخرى، ورُئي -طبقًا لمحاضر الجلسات والمناقشات- رفعُ هذه العبارة المتعلقة بالشريعة؛ حيث إنَّه قد مضى ربع قرن من غير اعتراض أحد على أي مادة في هذا القانون، أو ادعاء أحد أنَّ مادةً ما من هذا القانون تُخالف الشريعة الإسلامية، أو أنَّها ضيَّعت عليه مصلحة قررتها له الشريعة الإسلامية؛ فرأوا عندئذٍ أن تُرفع هذه المادة.

وبالرغم مما نقول عن هذه الإرادة -عدم الانسلاخ عن الشريعة- التي نشير إليها في توصيفنا للتَّجْـرِبَـةِ الْمِصْرِيَّـةِ؛ إلَّا أنَّـه وَاكَبَــتْـهَا دعـوة مستمـرة لتمصيــر القوانين، وكلمة «تَمْصِير الْقَوَانِين» كلمة اتسقت مع ليبرالية الدولة وديمقراطيتها، وفي نفس الوقت هي تشير إلى ما تم بعد ذلك فعلًا على مستوى الدستور والقانون والنظام القضائي.

تمصير القوانين على يد السنهوري وصبري أبو علم وهدفها

وبدأت حركة التَّمْصِير مع عَبْدِ الرَّزَّاق السَّنْهُورِيِّ باشا الذي وضع القانون المدني المصري، ومع صَبْرِي أَبـُو عَلَم(1) الذي وضع القانون الجنائي المصري، وهي المجموعات التي انتهوا منها وصدرت، وعُمِل بها من سنة (1949م) وحتى يومنا هذا، بغض النظر عن التعديلات الجزئية.

ماذا كانوا يريدون؟ كانوا يريدون أن يكون هناك تشريعًا مصريًّا يُؤخذ من الشريعة الإسلامية، ويقفُ بقدميه وسط التشريعات العالمية؛ وقد كان.

كتاب الوسيط للسنهوري ومصادر القانون المدني المصري

أما السَّـنْـهُورِيُّ باشا فقد شرح القانون المدني في كتاب ماتع مطول أسماه: «الوسيط»، صدر في عشرة أجزاء، بيَّن فيه مأخذَ كلِّ مادةٍ من الشريعة الإسلامية في صياغتها أو في موضوعها، وقد أخذ ذلك القانون من ستة عشر تشريعًا مختلفًا: من التشريع الهندي، والبلجيكي، والإيطالي، والفَرَنسي... إلى آخر ذلك؛ وهو ما يدل دلالة واضحة -بل أكاد أن أقول دلالة قطعية- على ذلك التوجه الذي أراده هؤلاء الآباء من عدم الانسلاخ عن الشريعة، وفي نفس الوقت محاولة وضع أقدامنا في الخريطة العالمية.

يقول السَّنْهُورِيُّ باشا في مقاله «القانون المدني العربي» - مجلة القضاء «نقابة المحامين في العراق»، العددان (1، 2 سبتمبر عام 1962م): «يمكن القول في طمأنينة: إنَّ القانون المصري الجديد «المدني» يمثل الثقافة المدنية الغربية أصدق تمثيل، يمثلها في أحدث صورة من صورها».

ويقول في موضع آخر: «استخلاص ما وصلت إليه الثقافة المدنية الغربية في آخر تطوراتها، وهذا ما تحقق بالقانون المدني المصري».

تشريعات العراق والأردن ومعارضة الأزهر لمنهج السنهوري

ولذلك نرى السَّنْهُورِيَّ باشا نفسه وهو يضع التشريع العراقي والتشريع الأردني، نراه ينحو بهما أكثر إلى الشريعة الإسـلاميـة بصـورتها الموروثـة، وكانت فكـرة السَّنْهُورِيِّ باشا، هي: أنَّ كتب الشريعة ليست صالحة لصياغة جديدة حديثة معاصرة. ولم يكـن ذلك اعـتـراضًا على الشريعة؛ بـل هو اعـتراض على أسـلوب كتابتها، وكـان يريـد تطـوير القانـون المدني، ونـفَّـذ ذلك في العـراق والأردن بعـد أن حُــرِمَ -لأسبابٍ- عن فعل ذلك في مصر.

وتوجُّهٌ مثل هذا لاقى معارضة شديدة من كثير من علماء الأزهر الشريف، خاصَّة أصحاب الدراسـات القانونيــة في «السـوربون»، ولعل أعظمهم هو الشيخ عَبْد الله حُسَيْن التِّـيْـدِيُّ الذي ألف كتابـًا تحت عنوان: «المقارنات التشريعية» في أربعة مجلدات، أصدرناه أيضًا من مطبعة «دار السلام»؛ لتتم هذه المجموعة لدراسة التَّجْرِبَة الْمِصْرِيـَّـة، وهو يعارض منهج السَّنْهُورِيِّ باشا ويرد عليه. لكن أبدًا لم يكفِّره؛ بل اعتبره متبنِّـيًا لنموذجٍ معرفيٍّ آخر مع بقاء نموذجنا المعرفي قادرًا على العطاء؛ ومن الغريب أنَّ لجنة مراجعة مشروع السَّنْهُورِيِّ باشا، والذي صار بعد ذلك هو القانون المدني المصري -لم يكن فيها أحد من أولئك المعارضين.

كتاب التيدي وإهماله ودعوة لدراسة مشروع السنهوري الفكري

ولقد طُبِـــع ذلك الكتاب قبل صدور القانون بأكثر من سنة في مطبعة «عِيسَى الْبَابِي الْحَلَبِي»، ثم سُكِت عنه في سائر الدراسات بعد ذلك وندر، حتى إنَّه لا يعرفه كثير من باعة الكتب والمتخصصين.

والدكتور السَّنْهُورِيُّ حالة يجب دراستها جيدًا من خلال رسالة «الدكتوراه» التي تقدم بها إلى «السوربون»، والتي دعا فيها إلى البديل الفعلي للخلافة الإسلامية، ومن خلال مذكراته المنشورة وكتابه الماتع «مصادر الحق» في ستة أجزاء، والذي ذهب فيه -على سبيل الاجتهاد- إلى التفرقة بين الربا والفائدة، باعتبار أنَّ الربا هو ربا الجاهلية: الأضعاف المضاعفة، وأنَّ الفائدة إنَّما هي مقابل تدوير رأس المال الذي هو أحد عناصر الإنتاج الأربعة: «الأرض- التنظيم- العمل- رأس المال»، وهو كلام قد نجده في أدبيَّات توماس الأكويني(1) في التفرقة بين «interest» و«usury»(2).

رؤية السنهوري لدراسة الشريعة واشتقاق قانون مدني عربي

وفي موضع آخر يقول الدكتور السَّنْهُورِيُّ: «إنَّنا إذا اقتصرنا على تقليد هذه القوانين -على اعتبار أنَّ هذه هي الغاية من تطوير الفقه الإسلامي- لا نكون قد صنعنا شيئًا، ويكون الأولى أن نقتبس مباشرة من القوانين الغربية... الواجب أن تُدرس الشريعة الإسلامية دراسة علمية دقيقة وفقًا لأصول صناعتها، ولا يجوز أن نخرج على هذه الأصول بدعوى أنَّ التطور يقتضي هذا الخروج».

وقال أيضًا: «والذي نبغيه من دراسة الفقه الإسلامي وفقًا لأصول صناعته أن نشتق منه قانونًا حديثًا يصلح للعصر الذي نحن فيه... القانون النهائي الدائم لكل من مصر والعراق، بل ولجميع البلاد العربية؛ إنَّما هو القانون المدني العربي الذي نشتقه من الشريعة الإسلامية بعد تطورها»(3).

ويتبين من هذا الكلام مشروعُه الفكري الذي كان يأمله، وحقَّقه بهذه الطريقة؛ حيث شارك في وضع التشريع العراقي والتشريع الأردني.

دستور 1923 وتطور الدساتير المصرية نحو الشريعة

ولقد وضعت «دستور سنة 1923م» لجنةٌ اشترك فيها عَلَّامَةُ زمانه: الشيخ محمد بخيت المطيعي(4) -مفتي الديار المصرية- بعد أن ترك منصب الإفتاء سنة (1920م)، ويصف كثير من المحللين «دستور 1923» بأنَّه أشد ليبرالية مما تلاه من الدساتير، وظلت الدساتير المصرية تأخذ في الاقتراب من الشريعة على النهج الكامل في نفسية السَّنْهُورِيِّ باشا وتلامذته، حتى الدستور الأخير الذي نصَّ على أنَّ مصر بلد إسلامي، وأنَّ التشريع الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع مع بقاء ليبرالية الدولة وديمقراطيتها، واختلط على كثير من الناس أنَّ هناك سلطة دينية في البلاد.

والأمر غير ذلك، إنَّما السلطة الدينية تتمثل في الأغلبية الكبيرة للمسلمين، وهم متدينون بطبعهم وتاريخهم وواقعهم؛ مما يُحدِث إشكالية فريدة أمام النظام الليبرالي والديمقراطي في العالم؛ بل إنَّ كثيرًا من كهنة الديمقراطية لا يعرفون المعنى الدقيق لكلمة الثقافة السائدة التي نراها في المجتمع الألماني المعاصر، ويرونها مسألة ذات مفهوم هُلَامِي أو غامض على الأقل.

الثقافة السائدة والحضارة الإسلامية ورفض العامية والحروف الأجنبية

لكن التَّجْرِبَةَ الْمِصْرِيَّةَ تضع هذه المسألة على محك التجربة والفكر البشري، ومعنى هذا: أنَّه بتطبيق قواعد الليبرالية والديمقراطية وعدم التخلي عنها؛ وصلنا إلى ذلك الدستور، ووصلنا أيضًا إلى محكمة دستورية تراقب القانون طبقًا للشريعة الإسلامية، وقام المنظرون ليفرقوا بين الدين الإسلامي والحضارة الإسلامية، وأنَّ شعب مصر بكل طوائفه وأديانه مندرجٌ تحت هذه الحضارة ولا يريد أن يخرج عنها؛ ولذلك نرى الدعوة إلى العودة إلى اللُّغة القبطية لا تُؤيَّد حتى من قِـبَـل أقباط مصر، وكذلك الدعـوة إلى كتابـة اللُّغة العربية بالحروف الأجنبية الإفرنجية في العشرينيات لا تلقى قبولًا وتموت مع الدعوات التي ظهرت وماتت، ونرى أيضًا أنَّ الدعوة إلى استعمال العامية -والتي دعا إليها مستر «كوكس» في أواخر القرن التاسع عشر- تموت أيضًا، وقد تتبعتها الدكـتورة نفوسة زكريا في كتابها الماتع «تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها في مصر» والمطبوع بدار المعارف بالإسكندرية؛ حيث بينت فيه قيام هذه الدعوة وسقوطها.

الفائدة والربا في القانون المدني ومفهوم عصر الشبهة في الحدود

وإذا كان السَّنْهُورِيُّ باشا وهو ينص على الفائدة في القانون المدني، ويحددها بنسبة يسيرة، ولا يقر الربا، ويفرق هذا الفرق بين الفائدة والربا كما فصَّله في «مصادر الحق» -فإنَّه يحاول بذلك أن يجعل القانون المدني كلَّه خاليًا من شائبة الانسلاخ عن الشريعة.

وبالمثل، فإنَّ المناقشات التي حدثت في أواخر القرن التاسع عشر حول القانون الجنائي، وأنَّه يخلو من مسألة إقامة الحدود -أُثيرت فيها قضية مفهوم «عَصْر الشُّبْهَة»، وهو أنَّنا نمتثل إلى الشريعة حينما نسكت عن قضية الحدود من غير إنكارٍ لها؛ بل نُقِرُّ بأنَّ الله -سبحانه وتعالى- جعل حدودًا بإزاء تلك الجرائم الحدِّية كالسرقة والزنا والقتل... ونحوها، إلَّا أنَّ هذه الجرائم تندرج تحت قاعدة عامة شرعية، وهي قوله صلى الله عليه وآله وسلم:

«ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَـطَعْتُمْ، فَإِنْ كَانَ لَـهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَـهُ؛ فَإِنَّ الْإمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ»(1)،

ويؤخذ منه القاعدة المشهورة: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ». وقالوا: إنَّ عصرنا الذي نعيش فيه مع اتساعه، وتَغَـيُّرِ ذِمَمِ الناس، وفَقْدِ شروط الشهادة الواردة في كتب الفقهاء -جعله عصرَ شبهة؛ مما يناسبه السكوت عن الحدود في القوانين. وهذا يماثل ما فعله عُمَـرُ بْنُ الْخَطَّابِ عندما أوقف الحدود في عام الرَّمَادَةِ، ولم يكن ذلك إنكارًا منه لأحقية الحد ولا تعطيلًا للشريعة، وإنَّما كان إشارة لتطبيق الشريعة بشروطها، ومن شروط الشريعة: أن تتوافر حالة معينة، إذا ما فُقدت لا يُطبق الحد. وهذا عين الشريعة.

تجارب تطبيق الحدود والدعوة لقراءة جديدة للتجربة المصرية

هذا الفكر سواء أكان صحيحًا أم خطأً، وسواء أكان اجتهادًا صائبًا أم جانبه الصواب، وسواء أوافقنا عليه أم خالفناه -فإنَّـه هو الذي حَكَمَ الآباءَ الواضعين للقانون الجنائي.

وكانت هناك تجارب أخرى في خارج مصر تتمثل في ذِكر تلك الحدود في القوانين مع إيقافها، بما أسموه بـ «الظَّرْف الدَّوْلِي»، وهو معنًى قريب من وصف العصر بالشبهة، لكن وصف العصر بالشبهة -في رأيي- أدق. وفي تجربة أخرى: ذُكرت الحدود في القوانين وأوقفها القضاة. وفي تجربة ثالثة: ذكرت الحدود في القوانين ونُفِّذت مع ما اكتنفها -في تنفيذها- من مشكلات.

وعلى كل حال، فإنَّ كلامنا هذا يدعو الباحثين إلى قراءة التجربة المصرية قراءة مختلفة عما تُقرأ عليه الآن.

القراءات المتطرفة للتجربة المصرية وتأكيد وسطيتها

لقد قُرئت على أنَّها تجربة ليبرالية محضة، وقرئت على أنَّها ليبرالية فاشلة، وقرئت على أنَّها إسـلاميـة متطـرفـة، وقـرئت على أنَّها كافــرة مرتـدة؛ ويبـدو أنَّ من ذهـب إلى كلِّ ذلك قد جانبه الصواب، وقد أخطأ خطأً بالغًا في حق نفسه، وفي حق مصر وتجربتها، وفي حـق الشباب الذي ضُلِّل في وسـط هذا الخضم الهائل من التطرف على الجانبين.

فمصر دولة إسلامية، ولا يعني هذا أنَّها دولة دينية تسيطر فيها السلطة الدينية على القرار السياسي، ولا يعني هذا أيضًا أنَّها دولةٌ كافرة قد أنكرت الدين وتخلَّتْ عنه؛ بل إنَّها صاحبة تجربة فريدة، استطاعت أن تُبقي على دينها، وأن تُبقي في ذات الوقت على حرية الاعتقاد المكفولة لأبنائها، واستطاعت أيضًا أن تستمر في موكب التاريخ، وألَّا تخرج أو تنسلخ عن هويتها، وفي ذات الوقت ألَّا تتخلف عن العالم الذي أصبحت -بموجب الاتصالات والمواصلات والتِّـقْنِيَّـات الحديثة- جزءًا لا يتجزأ منه؛ فتراها تشارك في المحافل الدولية، وتلتزم بالقوانين الدولية، وتنشئ عَلاقاتٍ دوليةً ضخمة لها فيها الريادة والقيادة، وهي تجربة يجب على المسلمين في العالم أن يدرسوها، وأن يستفيدوا منها بحسب ثقافاتهم وتركيبهم المجتمعي.

تأكيد عدم نية الانسلاخ عن الشريعة وبراهين ذلك

ونؤكد على مدخلنا لدراسة التجربة المصرية وهو: أنَّ المصريين لم يريدوا -بل ولم يفكروا- في الانسلاخ من الشريعة، وأنَّ موقفهم من البداية كان موقفًا علميًّا عمليًّا يهدف إلى التطوير ومراعاة الواقع، ولا يهدف إلى الانسلاخ والخروج عن الشريعة الغراء، وبرهان ذلك:

  1. أنَّ الذي وضع مجموعة سنة (1883م) بالفرنسية ثم ترجمها إلى العربية هو نفسه قَدْرِي باشا وزير الحقانية، صاحب المجاميع الماتعة في تقنين الشريعة الإسلامية، مثل: «مرشد الحيران» والذي قرره على المدارس الأميرية، و«قانون العدل والإنصاف في الأوقاف»، وكتاب «الأحوال الشخصية» في أربعة مجلدات، وكتاب «المقارنات التشريعية» وهو دراسة مقارنة بالقانون الفرنسي. وهذه الكتب وضعها للخديو إسماعيل أثناء بحثه في كيفية استقلال مصر عن السلطان العثماني، وعدم إرادة إسماعيل باشا لتطبيق «المجلة العَدْلِيَّـة» التي قنَّنت الشريعة الإسلامية، وكانت جاهزة للتطبيق؛ حتى لا يستمر في الارتباط بالدولة العثمانية.

وهي نفس التجـربة التي خاضتها الحركة «الْوَهَّابِيَّـة» من قَـبْـلُ بصورة أعنف؛ أدت إلى قيام حروب بين الدولة العثمانية وإرادة الاستقلال، وتمت أيضًا بعد ذلك في الثورة العربية مع الشَّرِيف حُسَيْن؛ مما يؤكد أنَّ هذه الرغبة -الاستقلال عن الدولة العثمانية- راودت أذهان كثيرين، من غير وصف الانسلاخ عن الدين الذي يسيطر على كثير من الباحثين أثناء تحليلهم لتصرفات الخديو إسماعيل ومَن بعده.

المادة الأولى لمجموعة 1883 والكتاب الذهبي للمحاكم كأدلة إضافية

  1. المادة الأولى في مجموعة (1883م) تنص على أنَّه لا تَمنع أيُّ مادة من مواد هذا القانون أيَّ حقٍّ مقرر في الشريعة الإسلامية، وعندما رُفـعـت هذه المادة بعد خمسة وعشرين عامًا سـنة (1908م) ورد في المذكرة الإيضاحية: أنَّه خلال هذه الفترة لم يدَّع أحدُهم أنَّه قد حُرِم حقًّا قد قُـرِّر له بالشريعة الإسلامية من جراء هذا القانون، وأنَّها أصبحت كالمُسَلَّمات التي لا يُحتاج إلى النَّص عليها، وظل ذلك حتى تم «تَمْصِير الْقَوَانِين»، وهي العبارة التي كانت تؤكد اتجاه القوانين نحو الشريعة الإسلامية على يد السَّنْهُورِيِّ وإخوانه.

  2. الدارس لكتاب «الكتاب الذهبي للمحاكم الأهلية» الذي وضعه مجموعة من رجال القانون، وقدم له عَبْـد الْعَـزِيز باشا فَهْمِي(1)، وصدر سنة (1933م) -يتأكد من هذا المعنى؛ ففي المناقشات التي تمت في مجلس النظار يتضح أنَّ هذه الحالة من النقل -في بعض الأحيان، أو في كثيرها- من القوانين الفرنسية، إنَّما كان لغرض التطوير لا لغرض الانسلاخ، في حالة من الحيرة والبحث عن القوة، وكذلك الأحكام الصادرة من محاكم الاستئناف، والتي تتكلم أثناء الحكم عن قضية الثبوت الشرعي وعدمه، وكأنَّ العصر شابـَـهُ ما شابـَـهُ؛ مما عكر قبول الشهادة الشرعية، وشيوع الجهل والفقر الذي يؤدي إلى إيقاف الحدود، كما فعل سيدنا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ في عام الرَّمَادَةِ.

محاولات تقنين الشريعة على يد صوفي أبو طالب وحدود الاعتراض

  1. ما حدث بعد ذلك في تطور التشريع المصري، واتجاهه دائمًا نحو الشريعة الإسلامية، وهو ما قدمناه فيما سبق من الكلام، والذي تُوِّجَ بتلك المحاولات التي حاولها الدكتور صُوفِي أَبـُو طَالِب لتقنين الشريعة الإسلامية والانتهاء من ذلك في سبعة مجلدات، وقد تمَّ ذلك بلجان متخصصة من أهل الشريعة والقانون.

لا يعني هذا الذي قدمناه من تاريخ التَّجْرِبَة الْمِصْرِيَّة -التي بدأت مع تشريعات (1875م) في القانون المختلط، وتلتها في مجموعة (1883م) وما بعدها، وحتى صدور القانون المدني والمجموعة الجنائية في سنة (1949م)- أنَّ هذا كان على حد الكمال أو القبول التام من كل الأطراف؛ بل إنَّ اتجاهًا عظيمًا اعترض على ذلك، ورأى أنَّه نوع من الابتعاد عن الشريعة، وكلمة الابتعاد عن الشريعة لا تساوي كلمة الكفر، والاعتراض إنَّما كان على عدم الجرأة وبذل المجهود المناسب لتطبيق الشريعة في مبادئها وأحكامها.

موقف المفتي والتيدي من القوانين والدعوة لنبذ التكفير

فبعدما انتهوا من مجموعة (1883م) -وعلى رأسهم قَـدْرِي باشا- عرضوها على مفتي الديار المصرية للتصديق عليها؛ فرفض، كما يذكر عَزِيز خَانْجِي في كتابه «المحاكم المختلطة والمحاكم الأهلية»، وكذلـك ما قدمنـاه من اعــتراض الشيخ العلَّامة عبــد الله حسين التيدي على صنيـع السَّـنْـهُورِيِّ باشـا؛ ولكــن لـم يصــف مفتـي الديار -حينئذٍ- ولا الشيخ عبد الله حسين التيدي ما يحدث بالانسلاخ أو الرِّدَّة أو الكفر.

وهذه دعوة للباحثين القانونيين، أن يقـرءوا في الأحداث المتفق على حدوثها، وأن يقـرءوا الواقـع الذي مرت بـه البـلاد وتعيشـه قــراءة أخــرى تكـون أكثـر واقعية، ولا تقع في فخ التكفير ولا ما يؤدي إليه؛ فإنَّ هذا من الأهمية بمكان؛ حتى نرسم مستقبلًا أكثر إشراقًا.

أهمية الحفاظ على مكتسبات التجربة المصرية ومقارنتها بتجارب أخرى

وهو أيضًا ينبه إلى الأهمية القصوى للحفاظ على المكتسبات التي اكتسبتها التَّجْرِبَةُ الْمِصْرِيَّةُ في دستورها وقوانينها ونظامها القضائي، وأنَّها مثال يُحتذى فاق أمثلة كثيرة حاولت الذوبان في العصر مثل التجربة التركية، أو حاولت الحفاظ على الهوية بطريقة معينة مثل التجربة السودانية والإيرانية والباكستانية، أو استمرت مع الموروث مثل التجربة السعودية، وكلها تجارب يمكن الاستفادة منها؛ إلَّا أنَّ التَّجْرِبَةَ الْمِصْرِيَّةَ جديرةٌ فعلًا بالاهتمام، وبالقراءة المتأنية الوثائقية التي ترجع إلى الوثائق مباشرة، ويبدو أنَّ التَّجْرِبَةَ الْمِصْرِيَّةَ -على كثرة ما كُتِب حولها- لم تستوف حقها إلى الآن، ولم يحدث أن كُتبت دراسة شاملة وثائقية دقيقة لهذه التجربة، خاصة من ذلك المدخل الذي نؤكـده، وهو: أنَّ غرض هذه التجربة في الأساس لم يكن الانسلاخ من الهوية، بقدر ما كان سعيًا للمعاصرة؛ وهو ما نرجو أن يقوم به الباحثون في أبحاثهم العلمية الرصينة.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

في أي عام دخل الإسلام مصر على يد عمرو بن العاص؟

سنة عشرين من الهجرة

ما نسبة المسلمين في مصر في القرن الخامس الهجري وفق إحصاءات ريتشارد بليو؟

75%

من وضع القانون المدني المصري الذي صدر عام 1949م؟

عبد الرزاق السنهوري باشا

كم تشريعًا عالميًا أُخذ منه القانون المدني المصري؟

ستة عشر تشريعًا

ما اسم الكتاب الذي شرح فيه السنهوري باشا القانون المدني المصري؟

الوسيط

ما الذي نصّت عليه المادة الأولى من مجموعة 1883؟

عدم منع أي حق مقرر في الشريعة الإسلامية

لماذا رُفعت المادة المتعلقة بالشريعة من مجموعة 1883 عام 1908؟

لأنه مضى 25 عامًا دون ادعاء أحد بحرمانه من حق شرعي

ما مفهوم عصر الشبهة الذي استُند إليه في القانون الجنائي المصري؟

أن العصر الحديث باتساعه وفقد شروط الشهادة يُعدّ عصر شبهة يناسبه السكوت عن الحدود

من أمر رفاعة رافع الطهطاوي بترجمة كود نابليون إلى العربية؟

الخديو إسماعيل باشا

ما الفرق الذي رسمه السنهوري بين الربا والفائدة في كتاب مصادر الحق؟

الربا هو ربا الجاهلية الأضعاف المضاعفة، والفائدة مقابل تدوير رأس المال

ما الذي يماثله السكوت عن الحدود في القانون الجنائي المصري من التاريخ الإسلامي؟

إيقاف عمر بن الخطاب للحدود في عام الرمادة

ما الكتاب الذي ألّفه الشيخ عبد الله حسين التيدي معارضًا فيه منهج السنهوري؟

المقارنات التشريعية في أربعة مجلدات

ما الذي يميز الفترة المملوكية في التاريخ الإسلامي عن سائر الحضارات؟

أنها الفترة الوحيدة في التاريخ التي صار فيها العبيد حكامًا

ما الهدف الذي كان يسعى إليه السنهوري من دراسة الشريعة الإسلامية وفق أصول صناعتها؟

اشتقاق قانون مدني عربي حديث يصلح للعصر من الشريعة الإسلامية

كيف وصف السنهوري باشا القانون المدني المصري في مقاله القانون المدني العربي؟

بأنه يمثل الثقافة المدنية الغربية في أحدث صورها

ما المقصود بالنموذج المصري في السياق الحضاري؟

تجربة الدولة الحديثة في مصر بكل جوانبها السياسية والثقافية والقانونية والدينية والاجتماعية منذ عصر محمد علي وحتى الآن.

كم كانت نسبة المسلمين في مصر في القرن الأول الهجري؟

5% فقط، ثم ارتفعت تدريجيًا حتى بلغت 94% في القرن الثامن الهجري وهي النسبة الباقية إلى اليوم.

ما الدليل على أن الإسلام دخل مصر دون إكراه؟

بقاء طوائف النصارى واليهود في مصر حتى اليوم دون أن يُجبر أحد على ترك دينه، وارتفاع نسبة المسلمين تدريجيًا على مدى قرون.

ما الذي أباده نابليون من علماء الأزهر في السنة الأولى للحملة الفرنسية؟

أباد نحو ألف وخمسمئة عالم أزهري كانوا يمثلون بذور النهضة التي بناها المرتضى الزبيدي بمؤلفاته في اللغة والحديث.

ما ركائز الدولة الحديثة التي أرادها محمد علي باشا؟

المؤسسات والنظام والدستور والتقنين والفصل بين السلطات، مع الحفاظ على الثقافة السائدة والشريعة الإسلامية.

ما الفرق بين السلطة الأدبية والسلطة التنفيذية للأزهر بعد محمد علي؟

السلطة التنفيذية في اتخاذ القرار السياسي رُفعت عن الأزهر، وبقيت له سلطة علمية أدبية مستمدة من تاريخه ومنهجه الوسطي وثقة الرأي العام فيه.

ما الكتاب الذي ألّفه مخلوف المنياوي مقارنًا فيه القانون الفرنسي بالشريعة الإسلامية؟

كتاب «المقارنات التشريعية» في مجلدين، وجد فيه مقاربة كبيرة بين القانون الفرنسي والفقه المالكي مع مخالفات قليلة.

ما المؤلفات الكبرى لمحمد قدري باشا في تقنين الشريعة الإسلامية؟

كتاب «الأحوال الشخصية» في أربعة مجلدات، و«دليل الحيران»، و«العدل والإنصاف في أحكام الأوقاف»، و«مرشد الحيران».

لماذا كتب قدري باشا القانون المصري بالفرنسية أولًا؟

تحقيقًا لمبدأ المعاصرة الذي يقتضي توحيد المصطلحات مع عدم الانسلاخ عن الهوية، لا تقليدًا للقانون الفرنسي.

ما كتاب السنهوري الذي فرّق فيه بين الربا والفائدة؟

كتاب «مصادر الحق» في ستة أجزاء، اعتبر فيه الربا هو ربا الجاهلية الأضعاف المضاعفة، والفائدة مقابل تدوير رأس المال.

ما الحديث النبوي الذي استُند إليه في مفهوم درء الحدود بالشبهات؟

«ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله؛ فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة».

ما الدعوات التغريبية التي رفضها الشعب المصري في القرن العشرين؟

الدعوة إلى العودة للغة القبطية، والدعوة إلى كتابة العربية بالحروف الأجنبية في العشرينيات، والدعوة إلى استعمال العامية التي دعا إليها مستر كوكس.

ما الذي نصّ عليه الدستور المصري الأخير بشأن الشريعة الإسلامية؟

نصّ على أن مصر بلد إسلامي وأن التشريع الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع مع بقاء ليبرالية الدولة وديمقراطيتها.

ما محاولة صوفي أبو طالب في تقنين الشريعة الإسلامية؟

حاول تقنين الشريعة الإسلامية والانتهاء منها في سبعة مجلدات بلجان متخصصة من أهل الشريعة والقانون.

كيف وصف المحللون دستور 1923 مقارنةً بالدساتير التي تلته؟

وصفوه بأنه أشد ليبرالية مما تلاه من الدساتير، وظلت الدساتير المصرية بعده تأخذ في الاقتراب من الشريعة الإسلامية تدريجيًا.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!