ما هي صيغة الأمر ومعانيها في أصول الفقه وكيف يُفرَّق بين دلالاتها المتعددة؟
صيغة الأمر الأصلية هي "افعل"، ويقوم مقامها اسم الفعل والمضارع المقرون باللام والمصدر والخبر الدال على الإنشاء. وهي حقيقة في الإيجاب مجاز في غيره على الصحيح، وقد أحصى الأصوليون لها معاني متعددة بلغت عند الزركشي ثلاثة وثلاثين معنى. يمتاز كل معنى عن الآخر بالقرائن الصارفة عن المعنى الحقيقي الذي هو الإيجاب.
- •
كيف تُحمل أوامر القرآن الكريم الموجهة لأهل الجنة على الإباحة لا الوجوب، وما الدليل على ذلك؟
- •
صيغة الأمر "افعل" حقيقة في الإيجاب مجاز في سائر معانيها، ويُعرف المعنى المراد بالقرينة الصارفة.
- •
اختلف الأصوليون في عدد معاني صيغة الأمر؛ فمن قائل بخمسة عشر إلى من أوصلها الزركشي إلى ثلاثة وثلاثين معنى.
- •
التأديب داخل في الندب دخول الخاص في العام عند جمهور الأصوليين، وإن أفرده بعضهم بالذكر.
- •
الفرق بين الندب والإرشاد أن الندب مطلوب لثواب الآخرة، والإرشاد لمنافع الدنيا ولا يتعلق به ثواب البتة إلا بقصد الامتثال.
- •
التهديد والإنذار متقاربان غير أن الإنذار إبلاغ مقرون بالوعيد، والتهديد تخويف قد يكون مجرداً منه.
- 1
صيغة الأمر هي افعل، ويقوم مقامها اسم الفعل والمضارع المقرون باللام والمصدر والخبر الدال على الإنشاء، مع إشارة إلى الخلاف في وجود صيغة للأمر.
- 2
الصيغ الصريحة في الوجوب والندب لا خلاف فيها، وإنما الخلاف في دلالة افعل المجردة عن القرائن على أحد هذين المعنيين.
- 3
دعوى الاتفاق على خمسة عشر معنى لصيغة افعل فيها نظر، إذ بلغت المعاني المذكورة عند الأصوليين سبعة وعشرين، وإمام الحرمين لم يحصرها بعدد.
- 4
البيضاوي زاد معنى الخبر سادس عشر، وابن السبكي أوصل المعاني إلى اثنين وعشرين، وبإضافة التأديب والإنذار تبلغ أربعة وعشرين معنى.
- 5
بلغت معاني صيغة الأمر ثلاثة وثلاثين عند الزركشي، وهي حقيقة في الإيجاب مجاز في غيره، ويُعرف كل معنى بقرينته الصارفة.
- 6
الإيجاب هو مدلول صيغة الأمر ذاتها، والوجوب متعلقها المتعلق بفعل المكلف، والتمييز بينهما هو الصواب عند الإمام الرازي وأتباعه.
- 7
الندب هو المعنى الثاني لصيغة الأمر، والتأديب قريب منه أو داخل فيه عند البيضاوي، ومثاله حديث كل مما يليك.
- 8
التأديب داخل في الندب دخول الخاص في العام عند الإسنوي وابن السبكي، وإن أفرده إمام الحرمين والغزالي بالذكر.
- 9
اعترض الإسنوي وابن السبكي على تمثيل التأديب بحديث الأكل مما يليه لأن الشافعي نصّ على تحريم الأكل مما لا يليه للعالم بالنهي.
- 10
الشافعي نصّ في الأم على تحريم الأكل مما لا يليه للعالم بالنهي، وأجاب المحلي بحمل ذلك على ما اشتمل على الإيذاء.
- 11
الإرشاد هو المعنى الثالث لصيغة الأمر، والفرق بينه وبين الندب أن الندب لثواب الآخرة والإرشاد لمنافع الدنيا، وثوابه مشروط بقصد الامتثال.
- 12
الإباحة هي المعنى الرابع لصيغة الأمر، ومثّل لها الأصوليون بقوله تعالى فاصطادوا وكلوا واشربوا، مع خلاف في تحديد الآية المرادة.
- 13
وقع الشراح في خلط بين الآيات المرادة في مثال الإباحة، فحملوا مثال البيضاوي على آيات لم يردها، وهو من آفات الاختصار.
- 14
التمثيل للإباحة بكلوا من الطيبات غير صحيح لأن الأكل واجب لإحياء النفس، ولأن الأمر بالطيبات للامتنان لا للإباحة المجردة.
- 15
أوامر الأكل والشرب لأهل الجنة تُحمل على الإباحة لأن الآخرة ليست دار تكليف، وهو ما صرّح به إمام الحرمين والغزالي.
- 16
التهديد هو المعنى الخامس لصيغة الأمر، والإنذار قريب منه أو داخل فيه عند البيضاوي، وإن جعله بعضهم قسماً مستقلاً.
- 17
التهديد تخويف والإنذار إبلاغ مقرون بالوعيد، وهذا الفرق اختاره ابن السبكي والإسنوي استناداً إلى الصحاح وكلام الأصوليين.
- 18
العلاقة بين الإيجاب والتهديد المضادة، والمهدد عليه إما حرام أو مكروه عند الإسنوي والمحلي، خلافاً لابن السبكي الذي قصره على الحرام.
- 19
الامتنان هو المعنى السادس لصيغة الأمر، ويفترق عن الإباحة بأنه مقرون بذكر النعمة والاحتياج إليها، والعلاقة بينه وبين الإيجاب المشابهة في الإذن.
- 20
الإكرام هو المعنى السابع لصيغة الأمر، ومثاله قوله تعالى ادخلوها بسلام آمنين، وحُمل عليه لأن الآخرة ليست دار طلب.
- 21
التسخير هو المعنى الثامن لصيغة الأمر ومعناه التذليل، ويفترق عن التكوين بأنه انتقال إلى حالة ممتهنة لا مجرد إيجاد من عدم.
- 22
الصواب التعبير بالتسخير لا السخرية، وقد ردّ الإسنوي اعتراض من قال بالسخرية بأنه ذهول عن المدلول اللغوي وتغليط للأئمة.
- 23
التعجيز هو المعنى التاسع لصيغة الأمر ومعناه إظهار العجز، وعلاقته بالإيجاب المضادة لأن التعجيز في الممتنعات والإيجاب في الممكنات.
- 24
الإهانة هي المعنى العاشر لصيغة الأمر، ومثاله قوله تعالى ذق إنك أنت العزيز الكريم، وحُمل عليه لأن الآخرة ليست دار طلب.
ما هي صيغة الأمر وما الألفاظ التي تقوم مقامها في أصول الفقه؟
صيغة الأمر الأصلية هي "افعل"، ويقوم مقامها اسم الفعل والمضارع المقرون باللام والمصدر والخبر الدال على الإنشاء. ومن أمثلة الخبر الدال على الإنشاء قوله تعالى {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} وقوله {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ}. وقد حكى بعض الأصوليين خلافاً في أن الأمر هل له صيغة أصلاً.
هل دلالة صيغة افعل على الوجوب أو الندب محل خلاف، وما الصيغ الصريحة في كل منهما؟
الخلاف ليس في الصيغ الصريحة كقول الشارع "أوجبت عليكم" أو "أنتم معاقبون على تركه" فهذه تدل على الوجوب قطعاً، وكذا قوله "أنتم مثابون على فعل كذا ولستم معاقبين على تركه" فهو صريح في الندب. وإنما الخلاف في أن قوله "افعل" هل يدل على الأمر بمجرد صيغته إذا تجرد عن القرائن، إذ قد تُطلق على أوجه متعددة.
كم معنى لصيغة افعل عند الأصوليين وهل صحت دعوى الاتفاق على خمسة عشر معنى؟
قال الأصوليون إن صيغة "افعل" مستعملة في خمسة عشر وجهاً، وادعى الآمدي الاتفاق على ذلك. غير أن هذا النقل فيه نظر؛ إذ ذكر الأصوليون سبعة وعشرين معنى، كما أن إمام الحرمين والغزالي وإن ذكرا خمسة عشر معنى فإنهما لم يحصرا ذلك بعدد، بل إن إمام الحرمين لم يذكر الإيجاب ضمنها مما يجعل الجملة عنده ستة عشر.
ما الزيادات التي أضافها البيضاوي وابن السبكي على معاني صيغة الأمر حتى بلغت أربعة وعشرين؟
استدرك البيضاوي معنى سادس عشر وهو الخبر، ثم زاد ابن السبكي في الإبهاج أنواعاً أخرى حتى أوصلها إلى اثنين وعشرين معنى. وإذا أُضيف إليها التأديب والإنذار على قول بعضهم بلغت أربعة وعشرين نوعاً، وقد نبّه الإسنوي على أن الإمام في المحصول جعل المعنى السادس عشر مسألة مستقلة.
كم معنى ذكرها ابن السبكي في جمع الجوامع والزركشي في البحر المحيط لصيغة الأمر، وما حقيقتها؟
ذكر ابن السبكي في جمع الجوامع ستة وعشرين معنى، ثم زاد الزركشي في البحر المحيط سبعة معانٍ أخرى ليصل المجموع إلى ثلاثة وثلاثين معنى. وصيغة "افعل" حقيقة في الإيجاب مجاز في غيرها على الصحيح، ويمتاز بعض هذه المعاني عن بعض بالقرائن، فإطلاقها على ما عدا الإيجاب مجاز لا بد فيه من علاقة وقرينة صارفة عن الحقيقة.
ما الفرق بين الإيجاب والوجوب في اصطلاح الأصوليين وأيهما مدلول صيغة الأمر؟
مدلول صيغة الأمر هو الإيجاب لا الوجوب، والفرق بينهما أن الإيجاب هو ما تدل عليه الصيغة ذاتها، أما الوجوب فهو متعلق الصيغة الذي يتعلق بفعل المكلف. وهذا ما عبّر به الإمام الرازي وأتباعه، وإن عبّر الغزالي والآمدي وابن السبكي عن هذا النوع بالوجوب فالصواب التعبير بالإيجاب.
ما المعنى الثاني لصيغة الأمر وما علاقة التأديب بالندب؟
المعنى الثاني لصيغة الأمر هو الندب، كقوله تعالى {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا}، فالكتابة مستحبة لهذه الآية. وذهب البيضاوي إلى أن التأديب من الندب كقوله صلى الله عليه وسلم "كل مما يليك"، لأن الأدب مندوب إليه. وما في المحصول والحاصل والتحصيل أن التأديب يقرب من الندب.
هل التأديب قسم مستقل عن الندب أم داخل فيه، وما الفرق بينهما؟
اختلف الأصوليون في التأديب؛ فإمام الحرمين والغزالي جعلاه قسماً مغايراً للندب، بينما نصّ البيضاوي على أنه من الندب. وقال الإسنوي وابن السبكي إن الفرق بينهما هو الفرق بين العام والخاص؛ لأن الأدب متعلق بمحاسن الأخلاق والمندوب أعم. وأفرده الآمدي بالذكر ثم قال إنه داخل في الندب.
لماذا اعترض الإسنوي وابن السبكي على تمثيل التأديب بحديث كل مما يليك؟
اعترض الإسنوي وابن السبكي على هذا التمثيل لأن الشافعي نصّ على أن من أكل مما لا يليه عالماً بنهي النبي صلى الله عليه وسلم كان آثماً عاصياً، وهذا يقتضي أن النهي للتحريم لا للكراهة. وذكر ابن السبكي أن والده أفرد هذه المسألة في كتابه المسمى بكشف اللبس عن المسائل الخمس، وأن الشافعي نصّ على الحرمة في غير موضع.
ما نص الشافعي في الأم بشأن الأكل مما لا يليه وكيف أجاب المحلي عن الاعتراض؟
نصّ الشافعي في الأم على أن من أكل مما لا يليه أو من رأس الطعام أثم بالفعل إذا كان عالماً بما نهى النبي صلى الله عليه وسلم. غير أن المحلي أجاب عن هذا الاعتراض بأن أكل المكلف مما يليه مندوب، وأكله مما يلي غيره مكروه، وأن نص الشافعي على الحرمة محمول على المشتمل على الإيذاء.
ما المعنى الثالث لصيغة الأمر وما الفرق بين الندب والإرشاد وهل يترتب على الإرشاد ثواب؟
المعنى الثالث هو الإرشاد كقوله تعالى {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ}، والفرق بينه وبين الندب أن الندب مطلوب لثواب الآخرة والإرشاد لمنافع الدنيا. وحقّق ابن السبكي أن من فعل ما أُمر به إرشاداً إن أتى به لمجرد غرضه فلا ثواب له، وإن أتى به لمجرد الامتثال أُثيب، وإن قصد الأمرين أُثيب على أحدهما دون الآخر بثواب أنقص.
ما المعنى الرابع لصيغة الأمر وبم مثّل الأصوليون للإباحة؟
المعنى الرابع هو الإباحة، ومثّل له إمام الحرمين والغزالي والآمدي بقوله تعالى {فَاصْطَادُوا}، كما مثّل له الإمام وصاحب الحاصل بقوله تعالى {كُلُوا وَاشْرَبُوا}. وزاد البيضاوي المثال اختصاراً فقال الرابع الإباحة {كُلُوا}، وقد وقع في فهم مراده خلط من الشراح كالإسنوي وابن السبكي والبدخشي.
ما وجه الخلط الذي وقع فيه الشراح في فهم مراد البيضاوي بمثال الإباحة؟
حمل الإسنوي وابن السبكي والبدخشي مثال البيضاوي {كُلُوا} على قوله تعالى {كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا} أو {كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ}، وهو خلط لأن هذه الآيات لم ترد في كلام الإمام ولا صاحب الحاصل ولا البيضاوي. وقد ذكر الإسنوي الآية الأولى خطأً دون واو، وهذا الموضع من آفات الاختصار.
لماذا لا يصح التمثيل للإباحة بقوله تعالى كلوا من الطيبات؟
لا يصح التمثيل بهذه الآية من وجهين: أولاً لأن الأكل والشرب واجبان لإحياء النفس فلا يكونان مباحين في أصلهما. وثانياً لأن الأمر بالأكل من الطيبات ليس للإباحة المجردة بل للامتنان، إذ ذكر الطيبات قرينة على الامتنان لا على الإباحة، وسيأتي أن إمام الحرمين مثّل لمعنى الإنعام بهذه الآية.
لماذا تُحمل أوامر الأكل والشرب الموجهة لأهل الجنة على الإباحة لا الوجوب؟
تُحمل هذه الأوامر على الإباحة لأن الآخرة ليست دار تكليف ولا طلب، فلا يُحمل الأمر فيها على الوجوب أو الندب. وقد صرّح بذلك إمام الحرمين عند الكلام على معنى الإكرام والإهانة، وقال الغزالي إن حمل هذه الأوامر على الوجوب يستلزم أن تكون الدار الآخرة دار تكليف ومحنة وهو خلاف الإجماع. ويجب أن تكون الإباحة معلومة من غير الأمر حتى تكون قرينة لحمله عليها.
ما المعنى الخامس لصيغة الأمر وما علاقة الإنذار بالتهديد؟
المعنى الخامس هو التهديد كقوله تعالى {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} و{وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ}. وذهب البيضاوي إلى أن الإنذار من التهديد كقوله تعالى {قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ}، بينما قال الإمام في المحصول إن الإنذار يقرب من التهديد، وقال الآمدي إنه في معنى التهديد.
ما الفرق بين التهديد والإنذار في اصطلاح الأصوليين؟
التهديد هو التخويف، والإنذار هو الإبلاغ ولا يكون إلا في التخويف. وقال صفي الدين الهندي إن الإنذار يجب أن يكون مقروناً بالوعيد بخلاف التهديد الذي قد يكون مقروناً وقد لا يكون. وقيل أيضاً إن التهديد في العرف أبلغ من الوعيد والغضب من الإنذار، وكلها فروق صحيحة عند ابن السبكي.
ما العلاقة بين الإيجاب والتهديد وهل المهدد عليه يكون حراماً فقط أم يشمل المكروه؟
العلاقة بين الإيجاب والتهديد هي المضادة لأن المهدد عليه إما حرام أو مكروه. وخالف ابن السبكي فقال إن المهدد عليه لا يكون إلا حراماً، غير أن المختار هو كلام الإسنوي والمحلي بأن المهدد عليه إما حرام أو مكروه، لوقوعه في كلام الشارع وكثرة ما هو محمول على الكراهة. وقول ابن السبكي بالكبائر مقيد بكون الوعيد شديداً.
ما المعنى السادس لصيغة الأمر وما الفرق بين الإباحة والامتنان؟
المعنى السادس هو الامتنان كقوله تعالى {فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ}. والفرق بين الإباحة والامتنان أن الإباحة هي الإذن المجرد، أما الامتنان فلا بد أن يقترن به ذكر احتياجنا إليه أو عدم قدرتنا عليه كالتعرض في الآية إلى أن الله هو الذي رزقه. وفرّق بعضهم بأن الإباحة تكون في الشيء الذي سيوجد بخلاف الامتنان.
ما المعنى السابع لصيغة الأمر وما العلاقة بين الإكرام والإيجاب؟
المعنى السابع هو الإكرام كقوله تعالى {ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ}، وقرينة قوله {بِسَلاَمٍ آمِنِينَ} تدل على الإكرام. وقال إمام الحرمين إنما حُمل على الإكرام لأن الآخرة ليست دار طلب. والعلاقة بين الإيجاب والإكرام هي المشابهة في الإذن.
ما المعنى الثامن لصيغة الأمر وما الفرق بين التسخير والتكوين؟
المعنى الثامن هو التسخير أي التذليل والتهوين كقوله تعالى {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ}. والفرق بينه وبين التكوين أن التكوين سرعة الوجود عن العدم وليس فيه انتقال من حالة إلى حالة، أما التسخير فهو الانتقال إلى حالة ممتهنة. والبارئ تعالى خاطبهم بذلك في معرض التذليل.
هل الصواب التعبير بالتسخير أم السخرية في هذا المعنى وما موقف الزركشي من ذلك؟
ادعى بعض الشارحين أن الصواب السخرية وهي الاستهزاء، وتابعهم الزركشي في البحر فعبّر بالسخرية. غير أن الإسنوي ردّ هذا الاعتراض بأنه ذهول عن المدلول اللغوي للتسخير وتغليط للأئمة، وأن الاستهزاء لا يخرج عن الإهانة أو الاحتقار وكلاهما سيأتي. والتسخير هو الذي صرّح به القفال ثم الغزالي ثم الإمام وأتباعه.
ما المعنى التاسع لصيغة الأمر وما العلاقة بين التعجيز والإيجاب؟
المعنى التاسع هو التعجيز أي إظهار العجز كقوله تعالى {فَأْتُوا بِسُورَةٍ}، ومثّله إمام الحرمين أيضاً بقوله تعالى {قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً}. والعلاقة بين التعجيز والإيجاب هي المضادة لأن التعجيز إنما هو في الممتنعات والإيجاب في الممكنات.
ما المعنى العاشر لصيغة الأمر ولماذا حُمل قوله تعالى ذق إنك أنت العزيز الكريم على الإهانة؟
المعنى العاشر هو الإهانة كقوله تعالى {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ}. وقال إمام الحرمين إنما حُمل على الإهانة لأن الآخرة ليست دار طلب، فلا يُحمل الأمر فيها على الوجوب أو الندب بل يُصرف إلى معنى آخر تقتضيه القرينة وهو هنا الإهانة والتحقير.
صيغة الأمر حقيقة في الإيجاب مجاز في غيره، وتبلغ معانيها ثلاثة وثلاثين معنى تُعرف بقرائنها.
صيغة الأمر "افعل" حقيقة في الإيجاب على الصحيح عند الأصوليين، وما عداه من المعاني كالندب والإباحة والتهديد والامتنان والإكرام والتسخير والتعجيز والإهانة فهو مجاز لا بد فيه من علاقة وقرينة صارفة عن الحقيقة. وقد بلغت هذه المعاني عند الزركشي في البحر المحيط ثلاثة وثلاثين معنى بعد أن كانت خمسة عشر عند المتقدمين.
تتمايز معاني صيغة الأمر بدقة؛ فالندب مطلوب لثواب الآخرة والإرشاد لمنافع الدنيا، والتأديب خاص من الندب العام، والتهديد تخويف بينما الإنذار إبلاغ مقرون بالوعيد. أما الأوامر الموجهة لأهل الجنة كقوله تعالى {كلوا واشربوا} فتُحمل على الإباحة أو الإكرام لا الوجوب؛ لأن الآخرة ليست دار تكليف ولا طلب.
أبرز ما تستفيد منه
- صيغة الأمر حقيقة في الإيجاب مجاز في سائر معانيها على الصحيح.
- بلغت معاني صيغة الأمر ثلاثة وثلاثين معنى عند الزركشي في البحر المحيط.
- الأوامر الأخروية تُحمل على الإباحة أو الإكرام لأن الآخرة ليست دار تكليف.
- التأديب داخل في الندب دخول الخاص في العام، والإرشاد لا ثواب فيه إلا بقصد الامتثال.
تعريف صيغة الامر وذكر الالفاظ القائمة مقامها في الاصول
المسألة الأولى: صيغة الأمر ومعانيها [1] صيغة الأمر هى: "افعل"، ويقوم مقامَها: اسمُ الفعل، والمضارعُ المقرون باللام [2]، والمصدر، والخبر الدال على الإنشاء كقوله تعالى
{وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا}
وقوله
{وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ}.
وقد حكى بعض الأصوليين خلافا فى أن الأمر هل له صيغة ؟
بيان محل الخلاف في دلالة افعل بين الوجوب والندب
وهذه الترجمة خطأ على ما ذكره الغزالى، فإن قول الشارع: "أمرتكم بكذا"، أو "أنتم مأمورن بكذا"، أو قول الصاحبى: "أمرت بكذا"، كل ذلك صيغ دالة على الأمر.
وإذا قال: "أوجبت عليكم"، أو "فرضت عليكم"، أو "أمرتكم بكذا وأنتم معاقبون على تركه"، فكل ذلك يدل على الوجوب.
ولو قال: "أنتم مثابون على فعل كذا، ولستم معاقبين على تركه"، فهو صيغة دالة على الندب.
فليس فى هذا خلاف، وإنما الخلاف فى أن قوله "افعل" هل يدل على الأمر بمجرد صيغته إذا تجرد عن القرائن، فإنه قد يطلق على أوجه"، فذكر معانيها [3].
تعدد معاني صيغة افعل ونقد دعوى الاتفاق على خمسة عشر
معانى صيغة "افعل":
قال الإمام وصاحب الحاصل والتحصيل [4]: "قال الأصوليون: صيغة "افعل مستعملة فى خمسة عشر وجها".
وقد ادعى الآمدى الاتفاق على ذلك فقال: "وقد اتفق الأصوليون على إطلاقها بإزاء خمسة عشر معنى" [5].
نقول: ونقل الاتفاق فيه نظر، لما سيأتى من أنها سبعة وعشرون معنى ذكرها الأصوليون، كما أن إمام الحرمين والغزالى [6] وأن ذكرا خمسة عشر معنى، فإنهما لم يحصروا ذلك بعدد، بل إن إمام الحرمين لم يذكر الإيجاب ضمن الخمسة عشر، مما يدل على أنه أراد ذكر ما ترد فيه الصيغة بخلاف المعنى الحقيقى الذى هو الإيجاب، فيكون الجملة عنده ستة عشر.
زيادات البيضاوي وابن السبكي والزركشي حتى بلغت المعاني ثلاثة وثلاثين
كما أن حاصل ما ذكراه مع ما ذكره الإمام وأتباعه يبلغ تسعة عشر معنى، فلم يحصل الاتفاق الذى ادعاه الشيخ سيف الدين، وسيأتى فى آخر المسألة بمشيئة الله التنبيه على ما وقع فيه الخلاف بين إمام الحرمين والغزالى والإمام.
كما استدرك البيضاوى على أصوله معنى سادس عشر فقال فى المنهاج [7]: "صيغة "افعل" ترد لستة عشر معنى"، فزاد الخبر.
وهو معنى لم يذكره إمام الحرمين ولا الغزالى، ونبه الإسنوى [8] على أن الإمام فى المحصول قد جعل السادس عشر مسألة مستقلة [9]. وسيأتى تحقيق المقام عند ذكر هذا المعنى السادس عشر.
قال ابن السبكى فى الإبهاج: "وهى فى الحقيقة أكثر لاشتمال بعض أقسامها على نوعين"، ثم زاد على الستة عشر أنواعا أخرى حتى أوصلها إلى اثنين وعشرين معنى، فإذا أضفت إليها التأديب والإنذار على قول بعضهم [10] فتصل إلى أربعة وعشرين نوعا.
جمع الجوامع والبحر المحيط وتقرير الحقيقة في الوجوب
ثم ذكر رحمه الله فى جمع الجوامع ستة وعشرين معنى وهى: "الوجوب، والندب، والإباحة، والتهديد، والإرشاد، وإرادة الامتثال، والإذن، والتأديب، والإنذار، والامتنان، والإكرام، والتسخير، والتكوين، والتعجيز، والإهانة، والتسوية، والدعاء، والتمنى، والاحتقار، والخبر، والإنعام، والتفويض، والتعجب، والتكذيب، والمشورة، والاعتبار" [11] على أنه من متن جمع الجوامع، فأوهم ذلك أنه قسما آخر فيكون المذكور سبعة وعشرين، والصواب أن الامتهان معطوف على ما قبله من كلام المحلى شرحا لمعنى التسخير، وصواب العبارة: "... {والتسخير} أى التذليل والامتهان نحو: {كونوا قردة خاسئين}..."، فوجب التنبيه نظرا لشيوع هذه الطبعة.}.
وزاد الزركشى فى البحر المحيط سبعة معانى أخر، ليصل المجموع إلى ثلاثة وثلاثين معنى، وهذه السبعة هى: "الوعد، والاحتياط، والتحسير والتلهيف، والتصبير، وقرب المنزلة، والتحذير، وإرادة الامتثال لأمر آخر" [12].
وصيغة "افعل" حقيقة فى الوجوب مجاز فى غيرها على الصحيح كما هو مقرر فى محله، ويمتاز بعض هذه المعانى عن بعض بالقرائن... فإطلاقها على ما عدا الإيجاب من هذه المعانى مجاز، والمجاز لا بد فيه من علاقة، وقرينة صارفة عن الحقيقة [13].
المعنى الاول لصيغة افعل الايجاب والفرق بينه وبين الوجوب
المعنى الأول: الإيجاب:
كقوله تعالى:
{وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ} [14].
وعبر الغزالى والآمدى [15] وابن السبكى فى جمع الجوامع [16] عن هذا النوع بالوجوب.
والصواب ما ذكرناه، وهو الذى عبر به الإمام وأتباعه [17]، فإن مدلول الصيغة هو الإيجاب، وهو المراد هنا، أما الوجوب فهو متعلق الصيغة الذى يتعلق بفعل المكلف.
المعنى الثاني الندب وادخال التأديب مثاله كل مما يليك
المعنى الثانى: النَّدْب:
كقوله تعالى:
{فَكَاتِبُوهُمْ إٍنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا}
[18]، وقال تعالى
{وَأَحْسِنُوا} [19].
فالكتابة مستحبة لهذه الآية، وحكى صاحب التقريب قولا للشافعى أنها واجبة إذا طلبها [20].
وذهب البيضاوى إلى أن من النَّدْب: التأديب؛ كقوله عليه الصلاة والسلام:
"كل مما يليك"
[21]، فإن الأدب مندوب إليه. والذى فى المحصول والحاصل والتحصيل: "ويقرب منه: التأديب" [22].
الخلاف في تمييز التأديب عن الندب واعتباره عاما وخاصا
هل هناك فرق بين الندب والتأديب:
نَصَّ البيضاوى على أن التأديب من الندب؛ لأن الإمام [23] قد نَقَلَ عن بعضهم: أنه جعله قِسْما آخر مغايرا للمندوب.
نقول: الذاهب إلى تغايرهما هو إمام الحرمين فى البرهان، والإمام الغزالى فى المستصفى، حيث ذكرا الندب، ثم ذكرا التأديب [24]. وقد سماه إمام الحرمين: التأديب والتمرين على حسن الأدب.
وأفرده الآمدى بالذكر، ثم قال: "وهو داخل فى الندب" [25].
واتفقوا جميعا على أن مثاله الحديث المذكور.
قال الإسنوى [26]: "والفَرْق بينهما هو: الفَرْق ما بين العام والخاص؛ لأن الأدب متَعَلِّق بمحاسن الأخلاق، والمندوب أعم".
ووافقه ابن السبكى فى الإبهاج فقال: "والحق أن افتراقها افتراق العام والخاص" [27].
اعتراض الاسنوي وابن السبكي على تمثيل التأديب بالاكل مما يليه
ومقتضى هذا أنه اختار فى الإبهاج أن التأديب قسم ليس بمغاير للندب بل داخل فيه دخول الخاص فى العام.
لكنه اختار فى جمع الجوامع خلافه، وذكره على أنه قسم مغاير [28].
وقد اعترض الإسنوى وابن السبكى على تمثيل التأديب بالأكل مما يليه.
قال ابن السبكى [29]: "واعلم أن التمثيل بالأكل مما يليه ليس بجيد، فإن الذى نص عليه الشافعى رضي الله عنه، فى غير موضع: أن من أكل مما لا يليه عالماً بنهى النبى f كان آثماً عاصياً، وذكره شارح الرسالة أبو بكر الصيرفى، وأقره عليه، والشافعى نص على هذه المسألة فى أخوات لها غريبات أخرجهن والدى أطال الله بقاه، وصنف فيهن كتابه المسمى بكشف اللبس عن المسائل الخمس، وقد ذكرنا عيون ذلك المختصر فى ترجمة البويطى من كتابنا طبقات الفقهاء".
وقال الإسنوى [30]: "وقد نَصَّ الشافعى -رضى الله عنه- على: أن الأكل مما لا يليه حرام. ذكر ذلك فى الربع الأخير من كتاب الأم، فى باب صفة نهى النبى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وهو بعد باب من أبواب الصوم، وقبل باب من أبواب إبطال الاستحسان.
نقول الشافعي في تحريم الاكل مما لا يليه وجواب المحلي
فقال ما نصه: "فإن أكل مما لا يليه، أو من رأس الطعام، أو عرَّس على قارعة الطريق - أى برك ليلا - أَثِمَ بالفعل الذى فعلَه، إذا كان عالما بما نهى النبى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم" هذا لفظ الشافعى بحروفه، ومن الأم نقلته [31].
ونَصَّ فى البويطى فى الباب المذكور على نحوه أيضا. وكذلك فى الرسالة قبيل باب أصل العلم( [32]") انتهى كلام الإسنوى.
لكن أجاب المحلى على اعتراضهم بما يقتضى تصحيح التمثيل فقال: "أما أكل المكلَّف مما يليه فمندوب، ومما يلى غيره فمكروه، ونصُّ الشافعى على حرمته للعالم بالنهى عنه محمول على المشتمل على الإيذاء" [33].
المعنى الثالث الارشاد والفرق بينه وبين الندب وثوابه
المعنى الثالث: الإرشاد:
كقوله تعالى:
{وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ}
[34]، وقوله تعالى:
{فَاكْتُبُوهُ}.
الفرق بين الندب والإرشاد:
ذكر الغزالى فى المستصفى وتبعه الإمام فى المحصول [35] والآمدى [36]، وصاحب الحاصل [37] والإسنوى [38] وابن السبكى [39] الفَرْقَ بين النَّدْب والإرشاد، فقالوا رحمهم الله تعالى: "والفَرْقَ بين النَّدْب والإرشاد أن الندب مطلوب لثواب الآخرة، والإرشاد لمنافع الدنيا؛ فإنه لا ينقص الثواب بترك الاستشهاد فى المداينات، ولا يزيد بفعله".. هذه هى عبارة المحصول.
قال ابن السبكى [40]: "ولا يتعلق به - يعنى بالإرشاد - ثواب البتة؛ لأنه فعل متعلِّق بغرض الفاعل ومصلحة نفسه.
وقد يقال: إنه يثاب عليه لكونه ممتثلاً، ولكن يكون ثوابه أنقص من ثواب الندب؛ لأن امتثاله مشوب بحظ نفسه، ويكون الفارق إذاً بين الندب والإرشاد إنما هو مجرد أن أحدهما مطلوب لثواب الآخرة، والآخر لمنافع الدنيا.
والتحقيق: أن الذى فعل ما أمر به إرشاداً إن أتى له لمجرد غرضه فلا ثواب له، وإن أتى به لمجرد الامتثال غير ناظر إلى مصلحته، ولا قاصد سوى مجرد الانقياد لأمر ربه فيثاب، وإن قصد الأمرين أثيب على أحدهما دون الآخر، ولكن ثواباً أنقص من ثواب من لم يقصد غير مجرد الامتثال".
وهذا الذى حققه ابن السبكى هو الذى نختاره.
العلاقة بين الواجب والمندوب والمرشد إليه:
العلاقة التى بين الواجب، وبين المندوب والإرشاد هى: المشابَهَة المعنويّة؛ لاشتراكهما فى الطَّلَب [41].
المعنى الرابع الاباحة وتمثيله بكلوا واشربوا في القرآن
المعنى الرابع: الإباحة:
مثّله إمام الحرمين [42]، والغزالى فى المستصفى [43] والآمدى [44] بقوله تعالى
{فَاصْطَادُوا} [45].
ومُثِّل أيضا بقوله تعالى
{كُلُوا وَاشْرَبُوا}
هكذا مثّله الإمام، وصاحب الحاصل [46]، وزاد البيضاوى المثال اختصارا فقال: "الرابع: الإباحة {كُلُوا}" [47] فى شرح الأسنوى (2/245 طبعة السلفية، وكذا بالطبعة التى على هامش التقرير والتحبير، وهو الموافق للنسختين المخطوطتين، والتى سبق أن أشرنا إليهما لوحة 114ب)، وهو الموافق أيضا لما فى شرح الجزرى 1/303، والأصفهانى 1/309. وفى طبعة صبيح (2/13) للإسنوى {كُلُوا وَاشْرَبُوا}، وكذا فى شرح البدخشى، وهو موافق للمراد. وفى طبعة محيى الدين عبد الحميد للمتن {كلوا مما فى الأرض}، وهو بعيد عن المراد.}، وقد شرحه الأصفهانى بذكر مثال أصليه، فقال: "الرابع الإباحة كقوله تعالى {كُلُوا وَاشْرَبُوا}" [48].
نقد تمثيل الاباحة بكلوا واشربوا وتصحيح فهم مراد البيضاوي
نقول: وفى مثال الإمام ومن تبعه هنا غور بعيد قاعه، وقد وقع فى فهم ما أراده البيضاوى بــ {كلوا} خلط من الشراح كالإسنوى والتاج ابن السبكى والبدخشى رحمهم الله تعالى، فحملوه على غير محمله، وهذا الموضع من آفات الاختصار. وبيان ذلك: أن الإسنوى قال [49]: "الرابع:
الإباحة، كقوله تعالى
{كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا}
[50]، هكذا قرروه.
وفيه نظر: فإن الأكل والشرب واجبان؛ لإحياء النفس؛ فالصواب حمْل كلام المُصَنِّف - يعنى البيضاوى - على إرادة قوله تعالى: {كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ}( [51]") انتهى كلام الإسنوى.
وقال التاج ابن السبكى فى الإبهاج [52]: "الرابع: الإباحة كقوله تعالى {كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ}" انتهى كلام ابن السبكى.
وتبعه المحلى على تمثيله بذلك فى شرح جمع الجوامع [53].
استكمال نقد الامثلة وبيان اوجه الخطأ في حملها على الاباحة الدنيوية
وهذا الذى قالاه توركا فيه على صاحب التحصيل فإنه ترك مثال المحصول، وذكر مثالا آخر فقال: "الإباحة {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ}( [54]").
وقال البدخشى [55]: "... (الرابع: الإباحة) كقوله تعالى (كلوا واشربوا) فإن الأكل والشرب مباحان بدليل أن الإذن بهما شرع لنا فلو وجبا لكان مشروعا علينا فيعود على موضوعه بالنقض".
نقول: وكل ذلك حيد عن الصواب، وذلك من وجوه:
-
أن المثال الذى ذكره الإمام وتابعه صاحب الحاصل {كُلُوا وَاشْرَبُوا}، دون واو قبل كلوا، أما الآية التى نسب الإسنوى للشراح أنهم هكذا قرروها مثالا لكلام البيضاوى، فصوابها بالواو {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا}، وقد ذكرها الإسنوى خطأ دون واو، وهذه الآية التى ذكرها لم تقع فى كلام الإمام، ولا صاحب الحاصل ولا البيضاوى، ولا أرادوها، أما التى دون واو فهى آيات أخرى من القرآن يأتى بيانها، وهى المرادة فى كلامهم.
-
قوله تعالى {كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ} والذى صحح الإسنوى وابن السبكى التمثيل به، وكذا الآية الأخرى التى ذكرها صاحب التحصيل يرد عليهما أيضا الاعتراض الذى ذكره الإسنوى، فإن الأكل والشرب الواجبين لإحياء النفس إنما يكون بالطيبات، ولا يكون بغيرها إلا ضرورة، فذكر الطيبات ليس قرينة لحمل الصيغة على الإباحة، بل الأقرب أنها قرينة لحملها على الامتنان، فلا تصح لهم مثلا من وجهين: أنا لا نسلم أن الأكل والشرب مباحان فى أصلهما بل واجبان - وهو اعتراض الإسنوى - سلمناه لكن لا نسلم أن الأمر بالأكل والشرب من الطيبات لمجرد الإباحة، بل للامتنان. وسيأتى فى المعانى التى زادها ابن السبكى أن المعنى السابع عشر لصيغة الأمر الإنعام، وأن إمام الحرمين مثّل له بهذه الآية.
حمل اوامر الاكل والشرب في الجنة على الاباحة لا التكليف وعلاقة الاباحة بالايجاب
-
كما أن الزعم بأن مراد البيضاوى بقوله {كُلُوا} هو قوله تعالى {كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ} يحمل البيضاوى على مخالفة أصليه، وهو أمر لا داعى لارتكابه دون حاجة من إصلاح خطأ، أو تخيُّر وجه، ونحو ذلك، وكل ذلك مفقود هنا.
-
وحمل البدخشى للمثال على الأكل والشرب فى الدنيا يرد عليه اعتراض الإسنوى أيضا، كما أن ما ذكره لا يفى بالمراد.
بل مراد الإمام وصاحب الحاصل والبيضاوى من المثال الأمر بالأكل والشرب فى الجنة، خطابا من المولى عز وجل لأهل الجنة، وذلك فى قوله تعالى
{كُلُوا وَاشْرَبُوا}
[56]، وهناك آية أخرى كذلك، لكنها وردت فى خطاب بنى إسرائيل فى قوله = تعالى {كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا فى الأرض مفسدين} البقرة 60، والسياق يدل على أنها للامتنان.}، ونحوه مخاطبا أهل الجنة، فإنه لمجرد الإباحة؛ إذ ليست الدار بدار تكليف ولا طلب حتى يحمل الأمر على الوجوب، أو الندب.
وتقرير ذلك يعلم من كلام إمام الحرمين، والغزالى فى المستصفى.
أما كلام إمام الحرمين فذكره عند الكلام على معنى الإكرام والإهانة، من معانى الأمر.
فقال فى الإكرام [57]:
{ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ}
[58] إنما حمل على الإكرام؛ لأن الآخرة ليست دار طلب.
وقال فى الإهانة [59]: كقوله تعالى:
{ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ}
[60] إنما حمل على الإهانة؛ لأن الآخرة ليست دار طلب.
وقال الغزالى فى الكلام على مسألة الإرادة: "أنه يلزم على القول بالإرادة أن يكون قوله تعالى {ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آَمِنِينَ} [61]، وقوله {كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِى الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ} [62] أمرا لأهل الجنة، ولا يمكن تحقيق الأمر إلا بوعد ووعيد، فتكون الدار الآخرة دار تكليف ومحنة، وهو خلاف الإجماع" [63].
تنبيه:
يجب أن تكون الإباحة معلومة من غير الأمر؛ حتى تكون قرينةً لحمْله على الإباحة، كما وقع العلم به هنا [64].
العلاقة بين الإيجاب والإباحة:
العلاقة هى: الإذن، وهى مشابَهَة معنوِيّة أيضا [65].
المعنى الخامس التهديد واعتبار الانذار قريبا منه
المعنى الخامس: التهديد:
كقوله تعالى:
{اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [66]، {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ} [67].
وذهب البيضاوى إلى أن من التهديد: الإنذار كقوله تعالى:
{قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ} [68].
والذى فى المحصول والحاصل والتحصيل: "ويقرب منه" [69].
وقال الآمدى: "هو فى معنى التهديد" [70].
الفرق بين التهديد والانذار وتعريف كل منهما عند الاصوليين
هل هناك فرق بين التهديد والإنذار:
نَصَّ البيضاوى على أن الإنذار من التهديد؛ لأن جماعة جعلوه قسما آخر على ما ذكره الإمام [71].
نقول: الذى جعله قسما آخر هو إمام الحرمين فى البرهان، والغزالى فى المستصفى [72].
وقد مثّله إمام الحرمين بقوله تعالى
{قُلْ تَمَتَّعُوا فِإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ} [73].
ومثّله الغزالى بقوله تعالى
{كُلُوا وَتَمَتَّعُوا} [74].
والفرق بينهما هو الذى اختاره ابن السبكى فقال [75]: "وقد جعله جماعة قسماً آخر، ولا شك فى ثبوت الفرق بينهما؛ إذ التهديد هو التخويف، والإنذار هو الإبلاغ، لكن لا يكون إلا فى التخويف فقوله تعالى {قُلْ تَمَتَّعُوا} [76] أمر بإبلاغ هذا الكلام المخوف الذى عبر عنه بالأمر.
وقال صفى الدين الهندى وغيره: الفرق بينهما أن الإنذار يجب أن يكون مقروناً بالوعيد، كما فى الآية المذكورة، والتهديد لا يجب فيه ذلك، بل قد يكون مقروناً، وقد لا يكون [77].
وقيل فى الفرق بينهما: إن التهديد فى العرف أبلغ من الوعيد والغضب من الإنذار، وكلها فروق صحيحة" انتهى كلام ابن السبكى فى الإبهاج.
وهو الذى اختاره أيضا فى جمع الجوامع [78].
وقال الإسنوى: "والفَرْق بينهما ما قاله الجوهرى فى الصحاح، فإنه ذكر فى باب الدال: أن التهديد هو: التخويف، ثم ذكر فى باب الراء: أن الإنذار هو الإبلاغ، ولا يكون إلا فى التخويف. هذا كلامه [79].
فقوله تعالى:
{قُلْ تَمَتَّعُوا}
[80] أمْر بإبلاغ هذا الكلام المخوف، الذى عبَّر عنه بالأمر، وهو: {تَمَتَّعُوا}، فيكون أمرًا بالإنذار" انتهى كلام الإسنوى.
العلاقة بين الايجاب والتهديد ومناقشة حكم المهدد عليه والوعيد
العلاقة بين الإيجاب والتهديد:
والعلاقة التى بينه وبين الإيجاب هى: المضادَّة؛ لأن المهدَّد عليه: إما حرام، أو مكروه [81].
كذا ذكره الإسنوى، ووافقه المحلى على أن التهديد يصدق مع التحريم والكراهة [82].
وخالفهما ابن السبكى فقال: "والعلاقة بين التهديد والوجوب المضادة؛ لأن المهدد عليه، إما حرام أو مكروه كذا قيل. وعندى أن المهدد عليه لا يكون إلا حراماً، وكذلك الإنذار، وكيف وهو مقترن بالوعيد، بل قد ذهب قوم إلى أن الكبائر هى المتوعد عليها".
والمختار عندنا كلام الإسنوى والمحلى أن المهدَّد عليه: إما حرام، أو مكروه، وكذا الإنذار، لوقوعه فى كلام الشارع، فكم من مهدد أو منذر عليه، وهو محمول على الكراهة، لا الحرمة.
وقول ابن السبكى: "بل قد ذهب قوم إلى أن الكبائر هى المتوعد عليها" هو مقيد بكونه وعيدا شديدا كما نصوا عليه، والمراد فى الإنذار مطلق الوعيد، سواء أكان فى الدنيا أو فى الآخرة، وسواء كان العقوبة بالعذاب بالنار أو بغيرها. فالوعيد فى الإنذار أعم مطلقا من الوعيد المأخوذ فى ضابط الكبيرة.
قال ابن حجر الهيتمى [83]: "ثم القائلون بالفرق بين الكبائر والصغائر اختلفوا فى حد الكبيرة، ولأصحابنا فى حدها وجوه:
أحدها: أنها ما لحق صاحبها بخصوصها وعيد شديد، بنص كتاب أو سنة. هذه عبارة الروضة وأصلها، وغيرهما.
قال ابن حجر: وحذف بعض المتأخرين تقييد الوعيد بكونه شديدا، وكأنه نظر إلى أن كل وعيد من الله تعالى لا يكون إلا شديدا فهو من الوصف اللازم...".
المعنى السادس الامتنان والفرق بينه وبين الاباحة وعلاقته بالايجاب
المعنى السادس: الامتنان:
كقوله تعالى:
{فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ} [84].
الفرق بين الإباحة والامتنان:
الإباحة هى الإذن المجرَّد. والامتنان لا بد أن يقترن به ذكر احتياجنا إليه، أو عدم قدرتنا عليه، ونحوه، كالتعرَّض فى هذه الآية إلى أن الله تعالى هو الذى رزقه.
وفرَق بعضهم بـ: أن الإباحة تكون فى الشىء الذى سيوجد، بخلاف الامتنان [85].
العلاقة بين الإيجاب والامتنان:
العلاقة هى: مشابَهَة الإيجاب فى الإذن؛ لأن الامتنان إنما يكون فى مأذون فيه [86].
المعنى السابع الاكرام في الاوامر الاخروية وعلاقته بالاذن
المعنى السابع: الإكرام:
كقوله تعالى:
{ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ}
[87]؛ فإن قرينة قوله {بِسَلاَمٍ آمِنِينَ} يدل عليه [88].
قال إمام الحرمين [89]: إنما حمل على الإكرام؛ لأن الآخرة ليست دار طلب.
العلاقة بين الإيجاب والإكرام:
العلاقة بينهما هى: المشابَهَة فى الإذن أيضا [90].
المعنى الثامن التسخير والتفريق بينه وبين التكوين في القرآن
المعنى الثامن: التسخير:
أى: التذليل والتهوين [91]،كقوله تعالى:
{كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [92].
وهذا النوع لم يذكره إمام الحرمين، وجعل الآية مثالا للتكوين [93].
والفرق بينه وبين التكوين الآتى: أن التكوين: سرعة الوجود عن العدم، وليس فيه انتقال من حالة إلى حالة. والتسخير هو: الانتقال إلى حالة مُمْتَهَنَة؛ إذ التسخير لغة هو: الذِّلة، والامتهان فى العمل، ومنه قوله تعالى:
{سُبْحَانَ الَّذِى سَخَّرَ لَنَا هَذَا}
[94]، أى: ذللِّـه لنا لنركبه. وقولهم فلان سخرة السلطان.
والبارئ تعالى خاطبهم بذلك فى مَعْرِض التَّذْليل [95].
اصطلاح التسخير ورد التصحيف الى السخرية والعلاقة مع التكوين
قال الإسنوى [96]: "والتعبير بالتسخير صرَّح به القفال [97] فى كتاب الإشارة، ثم الغزالى فى المستصفى [98]، ثم الإمام، وأتباعه [99].
وادعى بعض الشارحين - يعنى لكلام البيضاوى- أن الصواب: السخرية، وهو الاستهزاء، ومنه قوله تعالى:
{لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ}
[100]؛ وهذا عجيب؛ فإن فيه ذهولا عن المدلول السابق الذى ذكرته، وتغليطا لهؤلاء الأئمة، وتَكرارًا لما يأتى فإن الاستهزاء لا يخرج عن الإهانة، أو الاحتقار، وكلاهما سيأتى".
وقد جرى على هذا الاعتراض الزركشى فى البحر، فعبر بالسخرية ثم قال: "وقع فى عبارتهم التسخير، والصواب: ما ذكرناه فإن السخريا الهزء، كقوله تعالى:
{إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ}
[101]، وأما التسخير فهو نعمة وإكرام كقوله تعالى:
{وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ}
[102] " [103].
وقال ابن السبكى [104]: "وقد سمى الشيخ أبو إسحاق الشيرازى وإمام الحرمين هذا القسم بالتكوين".
العلاقة بين الإيجاب والتسخير والتكوين:
والعلاقة فيه وفى التكوين هى: المشابَهَة المعنويّة، وهى: التَّحَتُّم فى وقوع هذين، وفى فعل الواجب.
وقد يقال: العلاقة فيهما هو: الطلب [105].
المعنى التاسع التعجيز باظهار العجز وعلاقته بمفهوم الايجاب
المعنى التاسع: التعجيز:
أى: إظهار العجز [106]، كقوله تعالى:
{فَأْتُوا بِسُورَةٍ} [107].
ومَثَّلَه إمام الحرمين بها وقوله تعالى
{قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً}
[108]، وهذه الثانية هى التى مثل بها الآمدى [109].
العلاقة بين الإيجاب والتعجيز:
والعلاقة بينه وبين الإيجاب هى: المُضَادَّة؛ لأن التعجيز إنما هو فى الممتنِعَات، والإيجاب فى الممْكِنات [110].
المعنى العاشر الاهانة في الامر الاخروي وكون الآخرة ليست دار طلب
المعنى العاشر: الإهانة:
كقوله تعالى:
{ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} [111].
قال إمام الحرمين [112]: إنما حمل على الإهانة؛ لأن الآخرة ليست دار طلب.
ما شعورك تجاه هذا الفصل؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفصل؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
ما الصيغة الأصلية للأمر في أصول الفقه؟
افعل
صيغة الأمر "افعل" حقيقة في أي معنى على الصحيح عند الأصوليين؟
الإيجاب
كم معنى أحصاها الزركشي في البحر المحيط لصيغة الأمر؟
ثلاثة وثلاثون
ما الفرق بين الندب والإرشاد عند الأصوليين؟
الندب لثواب الآخرة والإرشاد لمنافع الدنيا
لماذا تُحمل الأوامر الموجهة لأهل الجنة على الإباحة أو الإكرام لا الوجوب؟
لأن الآخرة ليست دار تكليف ولا طلب
ما الفرق بين التهديد والإنذار عند ابن السبكي؟
التهديد تخويف والإنذار إبلاغ مقرون بالوعيد
ما الفرق بين الإيجاب والوجوب في اصطلاح الأصوليين؟
الإيجاب مدلول الصيغة والوجوب متعلقها المتعلق بفعل المكلف
ما الفرق بين الإباحة والامتنان في معاني صيغة الأمر؟
الإباحة إذن مجرد والامتنان مقرون بذكر النعمة والاحتياج إليها
ما الفرق بين التسخير والتكوين عند الأصوليين؟
التكوين سرعة الوجود من العدم والتسخير انتقال إلى حالة ممتهنة
ما العلاقة بين الإيجاب والتعجيز في معاني صيغة الأمر؟
المضادة لأن التعجيز في الممتنعات والإيجاب في الممكنات
من الذي ادعى الاتفاق على أن صيغة افعل تستعمل في خمسة عشر معنى؟
الآمدي
ما المعنى الذي زاده البيضاوي على المعاني الخمسة عشر ليجعلها ستة عشر؟
الخبر
ما موقف الإسنوي وابن السبكي من العلاقة بين التأديب والندب؟
التأديب خاص والندب عام والعلاقة بينهما كالعام والخاص
ما الذي يقوم مقام صيغة الأمر افعل في الدلالة على الأمر؟
اسم الفعل والمضارع المقرون باللام والمصدر والخبر الدال على الإنشاء
ما العلاقة بين الإيجاب والإكرام في معاني صيغة الأمر؟
المشابهة في الإذن
ما الألفاظ التي تقوم مقام صيغة الأمر افعل؟
اسم الفعل، والمضارع المقرون باللام، والمصدر، والخبر الدال على الإنشاء كقوله تعالى {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ}.
ما المقصود بأن صيغة الأمر حقيقة في الإيجاب مجاز في غيره؟
أن المعنى الأصلي الذي وُضعت له الصيغة هو الإيجاب، وكل معنى آخر كالندب والإباحة والتهديد فهو مجاز لا بد فيه من علاقة وقرينة صارفة عن الحقيقة.
ما الفرق بين الإيجاب والوجوب في أصول الفقه؟
الإيجاب هو مدلول الصيغة ذاتها، أما الوجوب فهو متعلق الصيغة الذي يتعلق بفعل المكلف.
ما مثال الإرشاد في القرآن الكريم؟
قوله تعالى {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ} وقوله {فَاكْتُبُوهُ}، فالاستشهاد في المداينات إرشاد لمنافع الدنيا لا لثواب الآخرة.
هل يترتب ثواب على فعل ما أُمر به إرشاداً؟
إن فعله لمجرد غرضه الدنيوي فلا ثواب، وإن فعله لمجرد الامتثال أُثيب، وإن قصد الأمرين أُثيب ثواباً أنقص من ثواب من قصد الامتثال وحده.
لماذا لا يصح التمثيل للإباحة بقوله تعالى كلوا واشربوا في الدنيا؟
لأن الأكل والشرب واجبان لإحياء النفس، فلا يكونان مباحين في أصلهما، والمراد بالمثال هو الأمر بالأكل والشرب في الجنة لأهلها.
ما الفرق بين الإباحة والامتنان؟
الإباحة إذن مجرد، والامتنان لا بد أن يقترن بذكر احتياجنا إلى الشيء أو عدم قدرتنا عليه كالتعرض في الآية إلى أن الله هو الذي رزقه.
ما مثال التهديد في القرآن الكريم؟
قوله تعالى {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} وقوله {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ}.
ما الفرق بين التهديد والإنذار عند صفي الدين الهندي؟
الإنذار يجب أن يكون مقروناً بالوعيد كما في قوله تعالى {قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ}، والتهديد لا يجب فيه ذلك بل قد يكون مقروناً وقد لا يكون.
هل المهدد عليه يكون حراماً فقط أم يشمل المكروه؟
المختار عند الإسنوي والمحلي أن المهدد عليه إما حرام أو مكروه، لوقوعه في كلام الشارع وكثرة ما هو محمول على الكراهة.
ما مثال الإكرام في معاني صيغة الأمر؟
قوله تعالى {ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ}، وحُمل على الإكرام لأن الآخرة ليست دار طلب.
ما مثال التعجيز في القرآن الكريم؟
قوله تعالى {فَأْتُوا بِسُورَةٍ} وقوله {قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً}، وهو أمر بما لا يُطاق لإظهار عجز المخاطب.
ما مثال الإهانة في معاني صيغة الأمر؟
قوله تعالى {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ}، وحُمل على الإهانة لأن الآخرة ليست دار طلب.
ما الفرق بين التسخير والتكوين؟
التكوين سرعة الوجود عن العدم وليس فيه انتقال من حالة إلى حالة، أما التسخير فهو الانتقال إلى حالة ممتهنة كقوله تعالى {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ}.
ما موقف المحلي من اعتراض الإسنوي وابن السبكي على تمثيل التأديب بحديث كل مما يليك؟
أجاب المحلي بأن الأكل مما يليه مندوب ومما يلي غيره مكروه، وأن نص الشافعي على الحرمة محمول على المشتمل على الإيذاء.