اكتمل ✓
الفصل 29

ما هي محاور العمل الخيري في الإسلام وكيف تشمل الصحة والتعليم والتكافل الاجتماعي؟

محاور العمل الخيري في الإسلام خمسة: الصحة والتعليم والبحث العلمي والتكافل الاجتماعي والحياة بما تشمله من فنون ورياضة وعمارة. وتُموَّل هذه المجالات من خلال الوقف والزكاة والصدقات والهبات. والإسلام يُلزم المسلم بأن يُقدِّم العمل على القول، وأن يندمج في مجتمعه ويُسهم في الحراك الاجتماعي.

11 دقيقة قراءة
  • كيف يمكن لأمة «اقرأ» أن تتجاوز فيها نسبة الأمية الفعلية 50% وجامعاتها متأخرة عن العالم؟

  • الإسلام يُحرِّم الظاهرة الصوتية التي لا يصدقها عمل، ويأمر بأن يكون القول مؤيدًا بالفعل الاجتماعي.

  • محاور العمل الخيري خمسة: الصحة والتعليم والبحث العلمي والتكافل الاجتماعي والحياة بفروعها.

  • التكافل الاجتماعي يشمل رعاية اليتيم والفقير والأرامل والمطلقات وأطفال الشوارع وهو ركيزة الأمن الاجتماعي.

  • الوقف والزكاة والصدقات والهبات هي الأدوات الشرعية لتمويل مجالات العمل الخيري.

  • الزكاة ركن من أركان الدين لها ثمانية مصارف، والصدقة أوسع منها إذ تجوز لغير المسلمين وحتى للأغنياء.

مبدأ موافقة القول للعمل والتحذير من الظاهرة الصوتية

مبدأٌ من المبادئ:

﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُوا۟ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3]

فالله يحب أن يكون القولُ مؤيَّدًا بالعمل، وأن يكون هذا القولُ طِبقًا للاعتقاد؛ فلا نكتفي بالكلام وحده، بل لا بد أن يصدِّقَ القولُ العملَ، وأن يصدِّقَ العملُ القولَ.

فكما نهانا ربُّنا -سبحانه وتعالى- عن الكـذبِ والغيبةِ والنميمـةِ والنفـاقِ؛ نهانا كذلك عن الظاهرةِ الصوتيـة التي لا يصدقهـا العـمـل؛ فـتســمع الكـلام يُعْجِـبُـك، ثُمَّ لا يكـونُ هنـاك عمل مُؤَيـِّد لهذا الكلام. وانطلاقًا من هذا، ومن قوله تعالى:

﴿وَٱفْعَلُوا۟ ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]

-نـقـول: إنَّ الإنســان لا بــد أن يشارك في الحِــرَاك الاجتماعي، وأن يذوب في الجماعة؛ فدين الله -سبحانه وتعالى- قد دَلَّنا على الجماعة.

الاندماج في المجتمع وحقوق الجار والرحمة العامة

والإنسان لا بد أن يعيش مجتمعَه، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم:

«وَلِينُوا فِي أَيـْدِي إِخْوَانِكُمْ»(1)

وقال أيضًا:

«وَكُـونُـوا عِـبَـادَ اللهِ إِخْـوَانًا»(2)

وشـدد في الوصيـة على الجـار، فـقـال:

«وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِـنُ». قيـل: وَمَـنْ يَا رَسُـولَ اللهِ؟ قال: «الَّـذِي لَا يَأْمَـنُ جَـارُهُ بَـوَائِقَـهُ»(3).

وقال صلى الله عليه وآله وسلم:

«مَا آمَـنَ بِي مَنْ بَـاتَ شَبْعَانًا وَجَـارُهُ جَـائِـعٌ إِلَى جَـنْـبِـهِ وَهُـوَ يَعْلَمُ بِـهِ»(1)

وعندما يقول:

«ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ»(2)

هو يتكلم على عموم الناس، على المسلم وغير المسلم؛ ومن هنا كان لا بـد أن نعيش عصرَنا، وأن نرى مشكلاتِنا وقضايانا، وأن نندمج في مجتمعنا، وأن نُقدِّم العمل على القول، وأن نشارك في العمل الاجتماعي.

المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار كنموذج للتكافل والحب

ونجد في سنة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم هذا الأمر بالتكافل والاندماج في المجتمع؛ فلما جاء صلى الله عليه وآله وسلم المدينـة آخى بين المهاجرين والأنصار؛ فجعل لكـل شخصٍ من المهاجرين أخًا من الأنصار، أحـبَّ بعضُهم بعضًا حُـبًّا شـديـدًا، حتى إنَّ بعضهم عـرض على أخيـه أن يتنازل عن جـزءٍ من ماله، أو عن ماله كله، وبعضهم عـرض على أخيه أن يتنازل عن بيته، وبعضهم -كما ورد في الحديث الصحيح- عرض عليه وهو قد تزوج بامرأتين أن يطلق إحداهما حتى يتزوجها(3)؛ ويتعجب كثيـرٌ جدًّا من الناس مـن هذا، ويشكك بعضهم في صحة هذه الرواية؛ من أجل أن يُريح عقله من التفكير: ألم يكن غيورًا على زوجته؟! كيـف يفعل هذا؟! ولا يريد أن يدخل نفسه في متاهات من الفكر.

محاكمة الحب وفهم دافع الإيثار بين الصحابة

أنا أقول لهم: حاكموا الحب! ائتوا بالحب الذي دفع هذا الصحابي لهذه المقولة وحاكموه، وانتهوا إلى أنَّه لا ينبغي علينا أن يحبَّ أحدُنا أخاه، وأرونا مرئيتكم في كيفية تعليم الناس الكراهية والبغض... وأمثال هذا، تحت عناوين مستورة أخرى من الشهامة، والغيرة، والرجولة... وأشياء مثل هذا.

لكن الصحابي الآخر عَـبْـدَ الرَّحْـمَنِ بـْنَ عَوْفٍ عندما عُرِض عليه هذا؛ أبى. ويبقى السؤال: ما الذي دفع هذا الصحابي إلى أن يتكلم لأخيه بهذا الكلام؟! إنَّ عنده زوجتين ويعرض عليه أن يطلق واحدة منهما!!

إنَّما فعل هذا من أجل أنَّه يحبه، لا يفهم هذا الكلام ولا يدرك تلك المعاني مَن لا يَفْهَم الحبَّ؛ وتراه يتعجب جدًّا من هذه الرواية، ويريد أن يُنكرها، أو يسخر منها، أو يريد...

تكريم الإنسان والرحمة كأساس للحب في الإسلام

ولكن ما الحقيقة في هذا الأمر؟ إنَّه الحب. حاكموا الحب، وأظن أنَّـكم عندما ستحاكمون الحبَّ؛ فإنَّـكم أنتم أيها القضاة الظَّـلَمة حينئذٍ ستحكمون على أنفسكم؛ لأنَّ الحبَّ أكبر بكثير مما أنتم عليه.

هذا الكلام نقوله لبعض المشكِّكين في الروايات الصحيحة، والذين يريدون منَّا أن نكــون مجــردَ جسـمٍ بيولوجي، قطـعـة لحــم لا روح فيـهـا، ولا حــب، ولا ود، ولا شهامة، ولا كرامة، ولا أخوَّة... ولا شيء من هذا، ثم يفهمون النصوص من خـلال هـذا الوضـع، ونحــن نقـول: أبـدًا، الإنسان فـريـدٌ مكـرمٌ

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ﴾ [الإسراء: 70]

وهذا الإنسان الفريد المكـرم نفـخ الله فيـه من روحـه، وأسجد له ملائكته، ووضع في قلبه الرحمة وهي أساس الحب، ومن نُزِعَ من قلبه الرحمة؛ فإنَّه لا يعرف الحب؛ لأنَّ الرحمة هي أساس الحب.

الرحمن الرحيم وحب الله كمنطلق للعمل الاجتماعي

وقد وصف سبحانه نفسه بالصفتين: «الرحمن الرحيم»، وجعلهما أول ما يُذكر في كتابه:

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1]

وهو سبحانه لمَّا خاطبنا بالرحمة في نفسه «وهي من صفات الجمال»؛ طمأننا وطمأن قلوبَنا بذكره سبحانه وتعالى، فهو رحمن، ومنتقم، وجبار؛ لكن الرسالة التي أرسلها سبحانه إلينا تقول: إنَّه أيضًا رحيم؛ ولذلك يقول العلماء: رحمن الدنيا ورحيم الآخرة، وكأنَّه سبحانه يطمئن قلوبَنا.

إذن، فعليك بِحُبِّ الله:

﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]

فالحب مأمورٌ به، ومدفوعٌ إليه.

والعمل الاجتماعي في ظني -وهو مؤيدٌ في الإسلام بكثيرٍ من الصور- له مجالات ينبغي أن نهتم بها على رأس اهتماماتنا.

مجال الصحة كأول محاور العمل الخيري وحق العلاج

المجال الأول: «مَـجَالُ الصِّحَّةِ»، لا نريد في يومٍ من الأيام أن يكون العلاج قاصرًا على الأغنياء، وأن تصل تكاليف العلاج إلى غير المقدور عليه، لا نريد أن يتحول الإنسان إلى شيء يُبَاع ويُشْتَرى، فيتحول مثلًا إلى قطع غيار كما نسمع عمَّن أراد أن يبيع كُلْـيَـتَـهُ من أجل أن ينفق على أبنائه، أو مثل هذه الحالة المزرية بالإنسان التي لا يستطيع معها أن يحصل على العلاج، فهذا أمرٌ لا يرضى عنه الله ولا رسوله: أن يتحــول الإنسان إلى شيءٍ يُهمَـل، أو إلى شيءٍ يبـاع ويشـترى، أو إلى شيءٍ منبــوذ، أو لا يكون له الحق فيما هو واجب على المجتمع كله من الصحة أو العلاج.

مجال التعليم ومكانة أمة اقرأ واستمرار طلب العلم

المجال الثاني: «مَجَالُ التَّعْلِيمِ»، هذه أمة «اقـرأ»، وأول ما نزل من القرآن: «اقــرأ». هـذه أمــة قال لها ربُّها:

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]

قال لها ربها:

﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَٰٓؤُا۟﴾ [فاطر: 28]

قال لها ربها -ما معنـاه-: إنَّ العلم مع المحبرة إلى المقبـرة، من المهد إلى اللحـد، فيقول:

﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌۭ﴾ [يوسف: 76]

و«ذي علم»: تعني أنَّـه عالم، وأما «عليم» فصيغة مبالغــة، ومعنى هــذا: أنَّ العلــم لا يعــرف الكلمــة الأخيـــرة، وأنَّ العلــم لا ينتهي، فلا يزال الإنسان يتعلم وتكون معه المحبرة يكتب بها إلى أن يصل إلى المقبرة(1)، ومهما بلـغ من العلم فهو مـا زال يعلم بعض الشيء.

استمرار العلم وتواضع العلماء وواقع الأمية في أمة اقرأ

﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌۭ﴾ معناها: استمرار العلم

﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًۭا﴾ [طه: 114]

ومعنى هذا: أنَّ الإنسان كلما تعلَّم علمًا يوصل إلى الله -سبحانه وتعالى- في أي مجال كان -وهو المقام المستنير-، فإنَّه يتضاءل أمام نفسه؛ لأنَّه كلما اتسعت مساحة معرفته؛ فإنَّه يكتشف أنَّ الباقي له أكبر بكثير جدًّا مما عَلِم؛ ولذلك فهو متواضع لربه، لا عن دعوى، ولا عن مجرد إثبات حالة، ولا عن تمثيل ولا نفاق؛ بل شعور داخلي نابع من قلبه ووجدانه، فمثلًا هو يعرف الآن مليون معلومة، وعرف أيضًا أنَّ مليار معلومة من المعلومات المتاحة يجهلها، ثم إنَّه إذا عرف ذلك المليار علم أنَّ ما يجهله عدد لا نهاية له(2)، كما قال ربنا:

﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًۭا﴾ [الإسراء: 85]

ومن أجل ذلك هو يخبت لربه ويخشع ويتواضع تواضعًا حقيقيًّا.

التعليم أساسٌ من الأسس التي أتى بها الإسلام، لكن لو نظرنا إلى حال أمة «اقرأ» لوجدنا أنَّ الأمية الفعلية فيها تزيد على (50 %)، والإحصاءات الرسمية تأتي فوق (30 %). أمة «اقرأ» التعليم فيها أصبح تعليمًا روتينيًّا، وأصبحت جامعاتنا متأخرة عن جامعات العالم، بعد أن كانت هذه هي أرضًا للحضارة ومنبعًا للعلم.

مجال البحث العلمي وأهميته الحضارية وتمييزه عن التعليم

المجال الثالث: «الْـبَحْثُ الْعِلْمِيُّ»، وتلك القضية شأنها الآن في واقع المسـلمين شـأن الفـروض المهِمَّـات التـي لا يمكـن أن نقـلـل من شـأنها أو نحطها عن مرتبـة الفـرض والواجـب؛ فالبحـث العلمـي في غايـة الأهميـة، وهـو يختلـف تمامًا عن التعليم؛ فهو يحتاج إلى مراكـز بحثيـة وإلى معـامـل، ونـلاحظ أنَّ شركات الأدوية العالمية لا وجود لها في مصر؛ وذلك من أجل عدم وجود البيئة البحثية العلمية؛ فيجب علينا أن نهتم بالبحث العلمي لأنـَّـه سـرُّ قـوة الأمـم، وهو الذي سـيمكِّننا من المشاركة في بناء الحضارة العالمية، ونحـن -بفضل الله- لا تنقصنا الكفاءات؛ فقد استطاع أربعة على الأقل أن يحصلوا على جائزة نوبـل(1): «السَّـادَات»(2) حصل عليها في السياسـة، و«نَجِيب مَحْفُوظ»(3) في الأدب، و«أَحْـمَـد زُويل»(1) في الكيمياء، و«الْبَـرَادْعِي» في السـلام(2)، كذلك لدينا علماء عالميون أمثال: «فاروق الباز»(3)، أو «مجدي يعقوب»(4)، أو غير ذلك ممن ساهموا في علوم الفضاء أو في الطب أو غير ذلك.

قدرة الأمة على الإبداع رغم تخلف البحث العلمي

كُلُّ هذه أمورٌ تُبين لنا أنَّنا قادرون على أن نشارك في الحضارة العالمية، ولدينا الكوادر البشرية القادرة على الإبداع في شتى المجالات، ولكن تخلُّف البحث العلمـي، وعـدم تفعيلـه ووصلـه بالصناعــة -يعـد مـن الأسـباب الرئيسـيـة لما نحـن فيـه الآن من احتياج لنهضة، واحتياج لِأَنْ تُفيق الحضارةُ مرةً أخرى.

مجال التكافل الاجتماعي ورعاية الفئات الضعيفة

المجـال الرابــع: «التَّــكَافُــلُ الِاجْتِمَاعِيُّ»، وهو مجـال آخــر مُـهِمٌّ من مجالات العمل الخيري، مثل: إعالة اليتيم، والفقير، والأرامل، والمطلقات، ومَن لا مأوى لهم، ومشكلة أطفال الشوارع. هذه وأمثالها تدخل تحت مسمى: «التَّــكَافُـلُ الِاجْتِمَاعِيُّ».

يجب على كل واحدٍ منَّا أن يؤدي في هذا المجال ما يستطيع أن يؤديَهُ، وهو مجالٌ مُهِمٌّ متعلقٌ بالأمن الاجتماعي والاستقرار، ومتعلق أيضًا بمحو الأمية، ومتعلق أيضًا بقضيةِ البطالةِ؛ بل متعلق بكل حياة الإنسان؛ لذلك نحتاج إلى المشاركة الاجتماعية، وإلى الاهتمام بالتكافل الاجتماعي.

دور الجمعيات الخيرية ونماذج النجاح في التكافل

نجحنا والحمد لله في كثير من الجمعيات التي مارست هذا العمل، فاستطعنا أن نُعطي الإنسان صنارة نُـعَلِّمه الصيد لا أن نعطيه سمكة، لكن هناك أناس غير قادرين على الصيد، يده مقطوعة، فلا بد أن أُعْطيَهُ سمكة. رأينا ذلك في «بنك الطعام»، ورأيناه في جمعية «رسالة»، ورأيناه في «دار الأورمان»، ورأيناه في مؤسسة «مصر الخير»؛ كل هذه الجمعيات نجحت كما نجح غيرها أيضًا، ونحن نريد تفعيل الجمعيات الخيرية في كل مكان؛ لأنَّ المسألة أكبـر من أن تقوم بها جمعية واحدة، أو مؤسسة واحدة، وهناك طرق كثيرة للنجاح.

عندنا أكثر من عشرين ألف جمعية خيرية، لكن نرى أنَّ الناجح منها لا يتعدى العشرين؛ أي واحد في الألف، ويمكن لهذه الجمعيات لو أنَّـها عُلِّمَت كيف تدير نفسها، وكيف تدير العمل الاجتماعي -يمكن لها وبقوة أن تفعل شيئًا في التكافل الاجتماعي، وفي غيرها أيضًا من المجالات التي ذكرناها.

مجال الحياة والفنون والرياضة وضوابطها الشرعية

المجال الخامس: «الْحَيَاةُ»، ومجال الحياة يشمل وجوهًا عديدة، منها: «الْفُنُون»؛ وقد نجد في بعض الأحيان من ينحرف بالفن ورسالتِه، وهذا الانحراف يكون في واقع الأمر من أجل المال، فهذا الذي انحرف يُفَرِّط في مبادئه، وقد لا يكون من أصحاب المبادئ أصلًا؛ فيتخذ الفن الرديء سبيلًا إلى المال. وهذا من المُؤَلَّفـة قلوبهم ويحتاج إلى أن نُعطيَ له المال؛ من أجل أن يُـقَدِّم الفـنَّ الراقي المؤثر، وليس الفن الرديء السلبي الذي يَكِرُّ على المجتمع بالبطلان.

مجال الحياة أيضًا يشمل «الرِّياضَة»، ولا بد أن تكون الرياضة منضبطةً بما يفيد المجتمع؛ لكنَّا نجد من يطالب بإجراء المراهنات، كتلك المراهنات التي تكون في سباق الخيل... وغيرها؛ والمراهنات نوع من القمار، وهم يقولون إنهم يفعلون ذلك من أجل الرياضة، لكنا نقول لهم: لا، نحن ننفق على الرياضة، ونُعْلِي من شأنها من غير أن ننزلق إلى هذه المقامـرات؛ فإنَّ الشعب الذي يتَعوَّد على المقامرة يكون هذا خللًا فيه:

تحريم القمار وآثاره وامتداد مجال الحياة إلى العمارة

أولًا: من الناحية الشرعية، فهو محرم في الكتاب والسُّنَّة.

ثانيًا: من الناحية الاجتماعية؛ فالقمار يُسبب الإدمان كما هو مُشَاهَد، وبسببه يكون التخاصم والتناحر.

القمار مصيبة كبرى، حَرَّمَهُ الله، وهو جدير بالتحريم لأنَّه يُحَطِّم الإنسان.

مجال الحياة يشمل «الْعِمَارَة» كذلك، ويشمل أمورًا أخرى ليس هذا موضع بسط الحديث عنها.

الوقف كصورة أساسية لتمويل مجالات العمل الخيري

وللعمل الخيري صورٌ ومظاهرُ كثيرة، فقد جاء الإسلام بصورٍ عديدة؛ فشرع لنا «الْوَقْف»: يمكننا أن نستمر فيه، يمكننا أن نطور قوانينه، يمكن أن نستفيد من تجارب الأمم الأخرى التي فتحت الـ Trust والـ Foundation، وهي أنواع وصور من مفهوم الوقف الإسلامي. نستفيد منهم في المحاسبة، في المراقبة، في الإدارة، في الاستثمار، في غير ذلك؛ لأنَّ الفكرة هي فكرتنا، وتلك بضاعتنا ردت إلينا.

«الْوَقْفُ» أحد صور تمويل هذه المجالات الخمسة في عمل الخير، والْوَقْفُ يُـخْرِجُ العينَ من مِلْك صاحبها إلى مِلْك الله، وفي الأدبيات الحديثة يقولون: إلى ملك المجتمع، لكننا نقول في الإسلام: إلى ملك الله؛ فالذي يمثل اللهَ في أرضه: هذا الخليفة من أبناء آدم، يقول تعالى:

﴿إِنِّى جَاعِلٌۭ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةًۭ ۖ﴾ [البقرة: 30]

والْوَقْـفُ معناه: أن أتخلى عن شيء من مالي، فيخرج من ملكي إلى ملك الله «هذه هي صورة الوقف».

تطوير الوقف إلى وقف النقود والصناديق الاستثمارية

ويمكن أن تُطَوَّر أيضًا حتى طبقًا للقوانين المعمـول بها، يمكن أن تطور إلى وقـف النـقود «وهذا يتأتـَّى في صورة الصناديــق الخـيرية الاستثمارية»، يمكننا أن نُوْقِف النقود -وهو مذهب مالك-، فمثلًا نُوْقِفُ مليون جنيه لا نتصرف فيها، ونأخذ من ريعها من أجل هذه المجالات مثلًا.

كذلك من صور العمل الخيري: «الـزَّكَـاة»؛ فقد فرضها الله وأمر بوصولها مباشرةً لمستحقيها، ونصَّ على ذلك، وهذه الزكاة ركنٌ من أركان الدين، ومن أولئك الذين أباح الله لهم أن يأخذوا من الزكاة: فئة العاملين عليها؛ فالعاملون عليها يجوز لهم أن يأخذوا جــزءًا من الـزكـاة، وهـم واحـد من ثمانيـة؛ لأنَّ المستحقين للزكاة ثمانية أصناف، كما قال تعالى:

﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْعَٰمِلِينَ عَلَيْهَا وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَٱلْغَٰرِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ﴾ [التوبة: 60]

العاملون على الزكاة وتكلفة تحصيلها في الإطار الشرعي

إذن، (12.5%) من الزكاة يمكن أن تذهب لتحصيل الزكاة، ومن أنواع تحصيل الزكـاة في العصـر الحاضـر: الإعـلان في التلفزيـون وفي الصحافــة، وهذا مكـلِّـف، وتلك جهات لا تفعل هذا مجَّانًا، فيمكن أن ندفع أجــر ذلك من الزكــاة، ولكن في حدود الـ (12.5%) فقط؛ لأنَّ هذا داخل في مجال العاملين عليها، وكذلك مرتبات الموظفين الذين يديــرون هذه الأمــوال ويوصلونها إلى مسـتحقيها... إلى آخــره، وكان قديمًا يُسَمَّى بالساعي، فالساعي يأخذ من بيت مال الزكاة، أو من الزكاة، لكن في حدود الثمن. وهذ الأمر يعرف في الاقتصاد بتكلفة الحصول على الدخل، أو المورد، أو المال.

الصدقات وحق المال الزائد عن الزكاة وسعة مصارفها

كذلك من صور العمل الخيري: «الصَّدَقَات»، والصدقات يقول في شأنها رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم:

«إنَّ فِي الْمَـالِ حَـقًّا سِوَى الزَّكَاةِ»(1)

إذن، في المال حقٌّ غير الزكاة، تجد بعض الناس قد يمتلـك مصانــع وأراضي وعقــارات، وكــذا... إلى آخــره، وقــد لا تجـب الزكـاة في كـل هـذا؛ فعليـه أن يتصـدق مِن مال الله الواسـع بعـد أن وَسَّـعَ الله عليه؛ فشروط الزكــاة قد تكــون غيــر منطبقة عليه. نعم، هذا صحيح، لكن عليه أن يتصدق، والصدقة أوسع من الزكاة؛ فالزكاة تختص بالمسلمين، وتختص بالفقـراء والمسـاكين ومـن نـصَّ عليهـم ربـُّنــا في آيــة التـوبـة، لكـن الصدقـة تجـوز لغيـر المسلمين، والصدقة تجوز حتى للأغنياء؛ هنا نجد هذه السعة قد حلَّت لنا مشكلة «الِاخْتِلَاط»، فنحن نعيش في وطـنٍ واحـد ودون تمييز؛ ولذلك يمكن أن ننفق من الزكاة في مصارفها الثمانية، وننفق من الصدقات في غير ذلك، وتكون المعاملة واحدة.

الهبات والإنفاق سرا وعلانية واقتران الإيمان بالعمل الصالح

هذا تفكيرٌ منطقيٌّ لا نراه يخالف شيئًا من الكتاب ولا من السُّنَّـة، ونحمد ربَّنا أنَّنا من المسلمين، وهي أكبر النعم علينا.

كذلك من صور العمل الخيري: «الْـهِبَـات»؛ والهبة لها أحكامها المعروفـة في كتب الفقه، وقد يدخل في صورٍ منها: التبرعات؛ بعض الناس يُخفي زكاتـه وصدقته ويخرجها في الخفاء، وبعض الناس يريد أن يُعطيَ هبةً، وأن يستفيد من هذا الإعطاء، وأن يكون ذلك علنًا أمام الناس، وربنا سبحانه وتعالى أجاز لنا الإنفاق سرًّا وعلانية، وجعل السـرَّ والعلانية وجهين للإنفاق؛ فكما أنَّ السـرَّ فيه شيءٌ من الإخلاص؛ فإنَّ العلن فيه شيء من الدعوة، دعوة الناس إلى أن يقلدوا الآخرين في هذا الخير، فمن أراد أن يُخفي صدقته فلا بأس، ومن أراد أن يُعلن فلا بأس، وكلاهما على خير.

إذن، هذا هو مفهوم ومبدأ من مبادئنا، وهو أنَّ العمل لا بد أن يؤكِّد القولَ، وألَّا نكتفي بالظاهرة الصوتية، وأنَّ العلـمَ لا بد مـعــه -والإيمان كذلك- من العمل الصالح:

﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ﴾ [البقرة: 82]

وأنَّ مَثَـلَ الإيمان والعلم دون العمل الصالح كمَثَـلِ رَجُلٍ أعرج برِجْلٍ واحدة يكون مُتألمًا، ويكون بطيئًا في سيره، وقد لا يُقْبَـل عند ربه.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما المجال الأول من محاور العمل الخيري في الإسلام؟

الصحة

كم عدد مصارف الزكاة التي نصت عليها آية التوبة؟

ثمانية

ما النسبة التي يجوز صرفها من الزكاة على تحصيلها؟

12.5%

ما الفرق الجوهري بين الزكاة والصدقة من حيث المستحقون؟

الزكاة تختص بالمسلمين والصدقة تجوز لغير المسلمين وللأغنياء

ما الذي يُخرجه الوقف من ملك صاحبه إليه؟

إلى ملك الله

ما نسبة الأمية الفعلية التقريبية في أمة «اقرأ» وفق ما ذُكر؟

تزيد على 50%

من الصحابي الذي رفض عرض أخيه الأنصاري بالتنازل عن زوجته؟

عبد الرحمن بن عوف

ما وقف النقود وفق أي مذهب فقهي يجوز؟

مذهب مالك

ما السبب الرئيسي لغياب شركات الأدوية العالمية في مصر وفق المحتوى؟

عدم وجود البيئة البحثية العلمية

أي من هؤلاء حصل على جائزة نوبل في الكيمياء؟

أحمد زويل

ما المقصود بالظاهرة الصوتية التي نهى عنها الإسلام؟

الكلام الذي لا يصدقه عمل

ما المجال الثالث من محاور العمل الخيري؟

البحث العلمي

ما الحكم الشرعي للقمار في الإسلام؟

محرم في الكتاب والسنة

ما عدد الجمعيات الخيرية الناجحة تقريبًا من بين أكثر من عشرين ألف جمعية؟

عشرون فقط

ما الذي يُشبَّه به الإيمان والعلم دون العمل الصالح؟

رجل أعرج برجل واحدة

ما المحاور الخمسة للعمل الخيري في الإسلام؟

الصحة والتعليم والبحث العلمي والتكافل الاجتماعي والحياة بما تشمله من فنون ورياضة وعمارة.

ما صور تمويل العمل الخيري في الإسلام؟

الوقف والزكاة والصدقات والهبات والتبرعات، وكل منها له أحكامه وضوابطه الشرعية.

ما الفرق بين البحث العلمي والتعليم؟

التعليم يُقدِّم المعرفة القائمة، أما البحث العلمي فيحتاج إلى مراكز بحثية ومعامل وهو سر قوة الأمم ومصدر الحضارة.

ما الأثران الاجتماعيان الرئيسيان للقمار؟

يُسبب الإدمان والتخاصم والتناحر، ويُحطِّم الإنسان ويُصيب المجتمع بخلل اجتماعي خطير.

ما معنى قوله تعالى: ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾ في سياق طلب العلم؟

تعني أن العلم لا يعرف الكلمة الأخيرة وأنه لا ينتهي، فمهما بلغ الإنسان من العلم فهو ما زال يعلم بعض الشيء.

ما الفئات التي يشملها التكافل الاجتماعي في الإسلام؟

اليتيم والفقير والأرامل والمطلقات ومن لا مأوى لهم وأطفال الشوارع، وكل من يحتاج إلى رعاية المجتمع.

ما الفرق بين إعطاء الإنسان سمكة وإعطائه صنارة في العمل الخيري؟

إعطاء الصنارة يعني تعليمه الاعتماد على نفسه، أما إعطاء السمكة فللعاجز الذي لا يستطيع الصيد كمن قُطعت يده.

ما دلالة صفتي الرحمن الرحيم في بداية القرآن الكريم؟

يقول العلماء: رحمن الدنيا ورحيم الآخرة، وكأن الله يطمئن قلوب عباده بأن رحمته تسبق غضبه.

ما الحديث النبوي الذي يربط الإيمان بحق الجار في الطعام؟

قال النبي: «ما آمن بي من بات شبعانًا وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به».

ما وقف النقود وكيف يعمل؟

هو إيقاف مبلغ من المال لا يُتصرف فيه، ويُؤخذ من ريعه لصرفه في مجالات الخير، وهو جائز في مذهب مالك.

لماذا يتواضع العالم الحقيقي كلما ازداد علمًا؟

لأنه كلما اتسعت مساحة معرفته اكتشف أن ما يجهله أكبر بكثير مما علم، فيتضاءل أمام نفسه ويخشع لربه.

ما الذي يدخل في مصروف العاملين على الزكاة في العصر الحاضر؟

تكاليف الإعلان في التلفزيون والصحافة ومرتبات الموظفين الذين يديرون أموال الزكاة ويوصلونها لمستحقيها.

ما الحكمة من جواز الإنفاق الخيري علنًا أمام الناس؟

العلن فيه دعوة الناس إلى الاقتداء بالخير والتشجيع على الإنفاق، كما أن السر فيه إخلاص، وكلاهما على خير.

ما الذي يُميِّز الإنسان عن مجرد جسم بيولوجي في الرؤية الإسلامية؟

الله نفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته ووضع في قلبه الرحمة، فهو فريد مكرم بالروح والحب والأخوة والكرامة.

ما الحديث النبوي الذي يُلزم المسلم بالرحمة بعموم الناس مسلمًا وغير مسلم؟

قال النبي: «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»، وهو يتكلم على عموم الناس.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!