ما تعريف المجاز وما هي أدلة وقوعه في القرآن الكريم والسنة النبوية ولغة العرب؟
المجاز هو الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له في اصطلاح التخاطب على وجه يصح مع قرينة عدم إرادة المعنى الحقيقي. وقد اتفق جمهور العلماء على وقوع المجاز في القرآن الكريم والسنة النبوية ولغة العرب، واستدلوا بنصوص الإمام الشافعي والغزالي وسيبويه وغيرهم. ولم يشذ عن هذا الاتفاق إلا القليل كداود الظاهري وابن تيمية، وقد رُدَّت حججهم بأدلة علمية مفصلة.
- •
هل يوجد مجاز في القرآن الكريم أم أن كل معانيه على الحقيقة، وكيف يرتبط ذلك بمسألة التجسيم؟
- •
القرآن الكريم معجزة بيانية نزلت بلسان العرب وعلى طرائقهم في التعبير، وقد عجز الكفار عن الإتيان بمثله في مراحل التحدي الثلاث.
- •
تعريف المجاز هو استعمال الكلمة في غير ما وضعت له مع قرينة صارفة عن الحقيقة، وقد عرّفه الجرجاني والغزالي بتعريفات متقاربة.
- •
اتفق جمهور العلماء من الشافعي والغزالي وسيبويه والخليل وأبي عبيدة على وقوع المجاز في القرآن والسنة واللغة.
- •
أنكر المجاز داود الظاهري وابن تيمية وابن القيم والشنقيطي بسبع حجج، أبرزها أن المجاز كذب وأنه يستلزم الالتباس.
- •
رُدَّت حجج المنكرين ردًا علميًا مفصلًا، وبيّن ابن قتيبة والسبكي وغيرهم أن المجاز ليس كذبًا وأن القرينة ترفع الالتباس.
- 1
يطرح السؤال مسألة وجود المجاز في القرآن والسنة واللغة، ويربطها بمحاولة إثبات التجسيم، مع التعريف بالقرآن معجزةً بيانيةً.
- 2
يعرض مراحل التحدي القرآني الثلاث ويستنتج أن الإعجاز البياني دليل على أن القرآن وحي إلهي لا يستطيع البشر محاكاته.
- 3
يعرّف المجاز تعريفًا اصطلاحيًا ويبين دور القرينة الصارفة عن الحقيقة، مع مثال استعمال لفظ اليد دلالةً على القوة أو الإنعام.
- 4
يورد تعريف الجرجاني للمجاز مع مثاله، ثم يستشهد بحديث الصاع والرماء دليلًا على وقوع المجاز في السنة النبوية.
- 5
يثبت اتفاق جمهور العلماء على وقوع المجاز في القرآن، ويستشهد بنص الإمام الشافعي على اتساع لسان العرب للحقيقة والمجاز.
- 6
يعرض موقف الغزالي المؤيد للمجاز في القرآن ويفصّل أنواعه الثلاثة: الاستعارة والزيادة والنقصان مع أمثلة قرآنية.
- 7
يستعرض مواقف ابن حزم والفراء وأبي يزيد القرشي من المجاز، مستشهدًا بتفسيراتهم القرآنية وشاهد شعر امرئ القيس.
- 8
يثبت أن أئمة اللغة كالخليل وسيبويه وأبي عبيدة عرفوا المجاز واستخدموه في تفسير القرآن وإن لم يصرحوا بالمصطلح دائمًا.
- 9
يحصر العلماء المنكرين للمجاز في القرآن والسنة واللغة وهم قلة: داود الظاهري وابن تيمية وابن القيم والشنقيطي.
- 10
يفصّل سبع حجج اعتمدها منكرو المجاز كالظاهرية وابن تيمية، من بينها أن المجاز كذب وأنه يستلزم الالتباس وأنه للضرورة.
- 11
يرد على أولى حجج المنكرين الثلاث: فائدة القرينة ترفع الالتباس، وتوقيفية الأسماء لا تنفي المجاز، والاستعارة ليست كذبًا.
- 12
يرد ابن قتيبة على تهمة الكذب بأن النفي يتوجه للحقيقة لا للمعنى المراد، ويستدل بأمثلة من كلام العرب الشائع.
- 13
يستكمل الردود على حجج المنكرين: القرينة ترفع الالتباس، والمجاز عادة لا اضطرار، وابن تيمية خالف إجماع علماء اللغة في مسألة الوضع الأول.
هل يوجد مجاز في القرآن الكريم وما علاقته بالإعجاز البياني؟
القرآن الكريم كلام الله المنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بلسان عربي مبين، وهو معجزته البيانية التي جاءت من جنس ما برع فيه العرب من فصاحة وبلاغة. وقد ادعى بعض الناس أن القرآن ليس فيه مجاز وأن كل معانيه على الحقيقة اللغوية، وهو مسلك يُراد به إثبات التجسيم. والسؤال المطروح هو: هل في القرآن والسنة ولغة العرب مجاز؟
ما مراحل تحدي القرآن الكريم للعرب وما دلالة عجزهم عن الإتيان بمثله؟
تحدى الله الكفار بثلاث مراحل متدرجة: أن يأتوا بمثل القرآن كله، ثم بعشر سور، ثم بسورة واحدة، فعجزوا في كل مرحلة. هذا العجز مع اشتراكهم مع القرآن في اللسان العربي يؤكد أن الإعجاز البياني للقرآن قائم على مصدر إلهي لا طاقة للبشر بمثله.
ما تعريف المجاز وما دور القرينة في صرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز؟
المجاز هو الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له في اصطلاح التخاطب على وجه يصح مع قرينة عدم إرادة المعنى الحقيقي. والقرينة هي الصارف عن الحقيقة إلى المجاز، إذ اللفظ لا يدل على المعنى المجازي بنفسه دون قرينة. ومثال ذلك استعمال لفظ اليد في الدلالة على الإنعام أو القوة. ونزل القرآن بلغة العرب وجاء على طرائقهم في البيان، ومن طرائقهم استخدام المجاز.
كيف عرّف الجرجاني المجاز وما مثاله في السنة النبوية؟
عرّف عبد القاهر الجرجاني المجاز بأنه كل جملة أُخرجت الحكم المفاد بها عن موضوعه في العقل لضرب من التأول، ومثّل له بقوله: نهارك صائم وليلك قائم. ومن الأحاديث النبوية التي استُخدم فيها المجاز قوله صلى الله عليه وسلم: لا تبيعوا الصاع بالصاعين فإني أخاف عليكم الرماء، حيث أراد بالصاع ما فيه بإطلاق اسم المحل على الحال. يتبين أن المجاز لا يقتصر على الشعر بل يمتد إلى نصوص السنة النبوية.
ما موقف جمهور العلماء من المجاز في القرآن وماذا قال الإمام الشافعي عن لسان العرب؟
اتفق جمهور العلماء على أن القرآن الكريم استخدم أسلوب المجاز ولم يشذ عن هذا إلا القليل. وقال الإمام الشافعي إن الله خاطب العرب بلسانها على ما تعرف من معانيها، وأن من فطرة لسانهم أن يُخاطَب بالشيء عامًا يُراد به الخاص، وظاهر يُراد به غير ظاهره. وما ذكره الشافعي لا يخرج عما أُطلق عليه بعد ذلك مصطلح المجاز، مما يؤكد أن لسان العرب يتسع للحقيقة والمجاز معًا.
ما موقف الإمام الغزالي من المجاز في القرآن وما أنواعه الثلاثة؟
قال الإمام الغزالي إن القرآن يشتمل على المجاز خلافًا لبعضهم، وبيّن أن المجاز اسم مشترك قد يُطلق على الباطل الذي لا حقيقة له والقرآن منزه عن ذلك. وقسّم المجاز إلى ثلاثة أنواع: الاستعارة كتسمية الشجاع أسدًا، والزيادة كالكاف في قوله تعالى ليس كمثله شيء، والنقصان كقوله تعالى واسأل القرية أي أهل القرية. وهذا النقصان اعتادته العرب فهو توسع وتجوز.
كيف تعامل ابن حزم والفراء وأبو يزيد القرشي مع المجاز في القرآن ولغة العرب؟
قال ابن حزم إنه لا يجوز استعمال مجاز إلا بعد وروده في كتاب الله أو سنة رسوله. وفسّر الفراء السجود في آية آل عمران بأنه اسم للصلاة لا للسجود الحقيقي لأن التلاوة لا تكون في السجود، فصرف اللفظ عن ظاهره إلى المعنى المجازي. وقال أبو يزيد القرشي إمام اللغة إن في القرآن مثل ما في كلام العرب من مجاز المعاني، ومثّل بقول امرئ القيس في سؤال الأطلال وبآية واسأل القرية.
كيف أشار الخليل وسيبويه وأبو عبيدة إلى المجاز في القرآن واللغة؟
أشار الخليل بن أحمد الفراهيدي إلى المجاز في كتاب العين بتعليله إطلاق البائض على الذكر لأنه سبب في البيض. وبيّن سيبويه في الكتاب أن قوله تعالى واسأل القرية يريد أهل القرية فاختصر، وأن الفعل عمل في القرية التي حلت محل الأهل، والعلاقة مكانية. أما أبو عبيدة صاحب مجاز القرآن فقد بيّن أن السماء في قوله تعالى وأرسلنا السماء عليهم مدرارًا مجازها المطر، وهو من الذين أشاروا إلى المجاز دون التصريح باسمه.
من هم العلماء الذين أنكروا المجاز في القرآن والسنة واللغة؟
لم يشذ عن الاتفاق القائل بوجود المجاز في القرآن والسنة واللغة إلا القليل، وهم: داود الظاهري وابنه محمد، وابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وفي العصور المتأخرة محمد أمين الشنقيطي صاحب أضواء البيان. وقد أنكر هؤلاء وجود المجاز في القرآن الكريم والحديث الشريف وحتى في اللغة بوجه عام.
ما الحجج التي اعتمد عليها منكرو المجاز في إنكاره من القرآن والسنة واللغة؟
اعتمد منكرو المجاز على سبع حجج: أولها أن المجاز لا يدل على معناه إلا بقرينة وهذا تطويل مع إلباس. وثانيها أن إثبات المجاز في القرآن يستلزم وصف الله بالمتجوز وهو ممتنع. وثالثها أن المجاز كذب لأنه يصح نفيه كما في قوله تعالى واشتعل الرأس شيبًا. ورابعها أنه يقتضي الالتباس. وخامسها أن المجاز للضرورة وتعالى الله عن الاضطرار. وسادسها قول ابن تيمية إن السلف لم يقولوا به. وسابعها إنكار ابن تيمية وجود وضع أول للغة تفرع عنه المجاز.
ما الردود العلمية على حجج منكري المجاز في مسألة القرينة وتوقيفية الأسماء وتهمة الكذب؟
الرد على حجة القرينة: أن المجاز لا بد فيه من قرينة، ومع وجودها لا يوجد إلباس، وفيه فوائد تجعل العدول عن الحقيقة إليه مقصودًا. والرد على امتناع وصف الله بالمتجوز: أن أسماء الله توقيفية تحتاج إذنًا شرعيًا ولا إذن هنا، فلا يُقال إنه متجوز، وهذا لا يعني نفي المجاز عن القرآن. والرد على تهمة الكذب: أن الاستعارة ليست كذبًا لأنها مبنية على التأويل والعلاقة الجامعة، وأن المجاز ينصب قرينة تصرف اللفظ عن حقيقته وتبين أن المراد غير ظاهره.
كيف ردّ ابن قتيبة على من زعم أن المجاز كذب في القرآن وكلام العرب؟
بيّن ابن قتيبة أن النفي الذي جعله المنكرون أمارة على المجاز إنما يتوجه إلى نفي حقيقة اللفظ لا إلى المعنى المراد، فإذا قيل رأيت أسدًا يحمل السلاح فالنفي أن المتحدث عنه ليس الأسد الحيوان لا أنه ليس شجاعًا. واستدل ابن قتيبة بأن لو كان المجاز كذبًا لكان أكثر كلام العرب فاسدًا، إذ يقولون نبت البقل وطالت الشجرة وأينعت الثمرة وأقام الجبل ورخص السعر، وكلها مجاز متعارف عليه.
ما الردود على بقية حجج منكري المجاز ولا سيما قول ابن تيمية بعدم الوضع الأول للغة؟
الرد على حجة الالتباس: لا التباس مع القرينة الدالة على المراد. والرد على حجة الاضطرار: المجاز عادة العرب في الكلام وأمر مستحسن عندهم يستعملونه مع القدرة على الحقيقة، والقرآن نزل بلغتهم فجرى على عادتهم. والرد على ابن تيمية في نفي معرفة السلف للمجاز: أن العلماء الذين ذكرهم كالخليل والشافعي قد عرفوا المجاز واستخدموه معنًى وإن لم يذكروا المصطلح. والرد على إنكار الوضع الأول: أن ابن تيمية خالف ما أطبق عليه علماء الأمة في كل فروع علم اللغة، وقد أدرك الرواد الأوائل حقيقة الوضع الأول والخروج عليه.
المجاز واقع في القرآن والسنة ولغة العرب باتفاق الجمهور، وحجج المنكرين مردودة بأدلة لغوية وشرعية.
تعريف المجاز عند جمهور العلماء هو استعمال الكلمة في غير ما وضعت له مع قرينة صارفة عن الحقيقة، وقد أثبت الإمام الشافعي والغزالي وسيبويه والخليل وأبو عبيدة وجوده في القرآن الكريم والسنة النبوية ولغة العرب، مستدلين بآيات كقوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ وأحاديث كحديث الصاع والرماء.
أنكر المجاز داود الظاهري وابن تيمية وابن القيم بسبع حجج، أبرزها أن المجاز كذب لأنه يصح نفيه، وأنه يستلزم الالتباس، وأن اللغة لا وضع أول لها. غير أن العلماء ردوا هذه الحجج مفصلة: فالقرينة ترفع الالتباس، والمجاز ليس كذبًا لأن النفي يتوجه إلى الحقيقة لا إلى المعنى المراد، والمجاز عادة عربية مستحسنة لا اضطرار.
أبرز ما تستفيد منه
- تعريف المجاز: كلمة مستعملة في غير موضوعها مع قرينة صارفة عن الحقيقة.
- جمهور العلماء متفقون على وقوع المجاز في القرآن والسنة واللغة.
- المجاز ليس كذبًا لأن القرينة تبين المعنى المراد وتصرف اللفظ عن ظاهره.
- المنكرون للمجاز قلة، وحججهم مردودة بأدلة لغوية وشرعية مفصلة.
سؤال التجسيم وإنكار المجاز وتعريف القرآن ومعجزته البيانية
س 7: يحاول بعض الناس أن يقولوا أن الإضافات الواردة في القرآن إلى الله سبحانه وتعالى تراد على الحقيقة اللغوية والتي تقتضي التجسيم والعياذ بالله، ويسلكون لإثبات ذلك مسالك منها أنهم يدعون أن القرآن ليس في مجاز وكل معانيه على الحقيقة، فما صحة هذا المسلك، وهل هناك مجاز في القرآن والسنة ولغة العرب ؟
الجواب
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. وبعد فالقرآن كلام الله عزَّ وجلَّ، الْمُتَعَّبد بتلاوته، الْمُنَزَّل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى:
﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء192: 195]
فهو مُعْجِزة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولأن الزمن الذي وُلِدَ وبُعِثَ فيه النبي صلى الله عليه وسلم كان زمن الفصاحة والبلاغة والبيان، وجدنا أن معجزته صلى الله عليه وسلم جاءت من جنس ما نبغ فيه قومه -كما هو حال معجزات الرُّسل السابقين مع أقوامهم- فالعرب قد برعوا في قرض الشعر وفي الفصاحة والبلاغة، حتى إنهم كانوا يَعْقِدُون في سوق عكاظ مُبَاريات أدبِيَّة يلقي فيها كل شاعر نتاجه الأدبي من الشعر والفنون الأدبية الأخرى، ويقوم النُّقَّاد باختيار القصائد الجيدة، ويَتِمُّ تعليقها على الكعبة، كما هو الحال في الْمُعَلَّقات.
تحدي الإعجاز القرآني بمثله ثم بعشر سور ثم بسورة واحدة
وبعد نزول القرآن الكريم بلغة العرب، تحدَّى اللَّهُ عز وجل الكفَّارَ بأن يأتوا بمثله، قال تعالى:
﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [سورة الطور: 33، 34]
فعجزوا، ثم تحدَّاهم أن يأتوا بعَشْرِ سور من مثله فعجزوا، قال تعالى:
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود: 13]
ثم تحدَّاهم أن يأتوا بسورة من مِثْلِهِ فعجزوا. قال تعالى:
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 23]
يتضح من هذه المراحل المتدرجة في التحدي أن الإعجاز البياني للقرآن قائم على عجز العرب عن الإتيان بمثله مع اشتراكهم معه في اللسان العربي، مما يؤكد أن مصدره وحي إلهي لا طاقة للبشر بمثله.
نزول القرآن بلسان العرب وتعريف المجاز واشتراط القرينة لصرف الحقيقة
وقد نزل القرآن بلغة العرب، وجاء على طرائقهم في البيان والتعبير، فلم تُسْتَغْلَق عليهم عباراته الواضحة، بل أثَّرت فيهم تأثيرا بالِغًا، فكانوا يجدون له وقْعًا في القلوب، وقَرْعًا في النُّفوس يُرْهِبهُم ويُحَيِّرهم فلم يتمالكوا إلا أن يعترفوا به نوعًا من الاعتراف، لذلك لم يحتج الصحابة ولا الذين أدركوا وحيه أن يسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن معانيه الواضحة الظاهرة الْمُشَابهة لطرائق تعبيرهم، وإنما كانوا يسألون عن الْمُسْتَغْلِق عليهم فقط، ولو كان القرآن مُسْتَغْلِقًا على الأفهام، لادَّعى الكُفُّار هذا؛ لِيُقَلِّلوا من شأنه، خاصَّةً وهم في موقف التَّحَدِّي، ولكنَّ هذا لم يحدث، فدلَّ على معرفتهم لأسلوبه، وعدم إنكارهم له.
ومن طرائق العرب في التعبير، استخدام التعبير بالمجاز، وهو:
«الكلمة الْمُسْتَعْمَلة في غير ما وُضِعَت له في اصطلاح به التخاطب على وجه يصحُّ مع قرينة عدم إرادته» [1]
فالقرينةُ تكون هي الصارف عن الحقيقة إلى المجاز، إذِ اللّفظ لا يَدُلُّ على المعنى المجازي بنفسه دون قرينة. ومثال ذلك: استعمال لفظ (اليد) في الدلالة على الإنعام، أو القوة.
تعريف الجرجاني للمجاز ومثال نهارك صائم وحديث الصاع والرما
وعرَّفه عبد القاهر الجرجاني بأنه هو:
«كل جملة أخرجت الحكم المفاد بها عن موضوعه في العقل لضرب من التَّأَوُّل» [2]
ومثَّل له بقوله: نهارك صائم، وليلك قائم.
ومن الأحاديث النَّبَوِيَّة التي اسْتُخْدِمَ فيها المجاز، قوله صلى الله عليه وسلم
«لاَ تَبِيعُوا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَيْنِ وَلاَ الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ وَلاَ الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ الرَّمَاءَ» [3]
فأراد بالصَّاعِ ما فيه بإطلاق اسم الْمَحَلِّ على الْحَالِّ. يتبين من هذه الأمثلة أن المجاز لا يقتصر على الشعر أو النثر الأدبي، بل يمتد إلى نصوص السنة النبوية في أوامرها ونواهيها ومعاملاتها.
اتفاق الجمهور على وقوع المجاز ونص الإمام الشافعي عن لسان العرب
وقد اتَّفَق جمهور العلماء على أنَّ القرآن الكريم قد استخدم أسلوب المجاز، ولم يَشِذْ عن هذا إلا القليل-كما سنذكر- قال الإمام الشافعي رضي الله عنه:
«إنما خاطب الله العرب بلسانها على ما تعرف من معانيها وكان مما تعرف من معانيها اتساع لسانها [4] وأن فطرته أن يخاطب بالشيء منه عامًّا ظاهرا يُرَاد به العام الظاهر ويستغني بأول هذا منه عن آخره، وعامًّا ظاهرا يُرَاد به العام ويدخله الخاص فيستدل على هذا ببعض ما خوطب به فيه، وعامًّا ظاهرا يُرَاد به الخاص، وظاهر يعرف في سياقه أنه يُرَادُ به غير ظاهره، فكل هذا موجود علمه في أول الكلام أو وسطه أو آخره، وتبتدئ الشيء من كلامها يبين أول لفظها فيه عن آخره، وتبتدئ الشيء يبين آخر لفظها منه عن أوَّله، وتكلم بالشيء تعرفه بالمعنى دون الإيضاح باللفظ، كما تعرف الإشارة، ثم يكون هذا عندها من أعلى كلامها؛ لانفراد أهل علمها به دون أهل جهالتها، وتُسَمِّي الشيء الواحد بالأسماء الكثيرة، وتُسَمِّي بالاسم الواحد المعاني الكثيرة. [5]
فنجد أن ما ذكره الإمام الشافعي لا يخرج عن ما أطلق عليه بعد ذلك مصطلح المجاز. هذا يؤكد أن لسان العرب يتسع لأساليب متعدّدة في العموم والخصوص، وفي الحقيقة والمجاز، وأن القرآن جاء موافقًا لهذه الطريقة في الخطاب.
موقف الإمام الغزالي من المجاز وتقسيمه إلى استعارة وزيادة ونقصان
وقال الإمام الغزالي: «القرآن يشتمل على المجاز, خلافا لبعضهم, فنقول: المجاز اسم مشترك قد يُطْلَق على الباطل الذي لا حقيقة له, والقرآن مُنَزَّه عن ذلك, ولعلَّه الذي أراده من أنكر اشتمال القرآن على المجاز» [6]. وقال أيضا:
«المجاز ما استعملته العرب في غير موضوعه، وهو ثلاثة أنواع: الأول: ما استُعِيرَ للشيء بسبب الْمُشَابهة في خاصِيَّة مشهورة، كقولهم: للشُّجَاع أسد، وللبليد حمار, فلو سُمِيَ الأبخر أسدا لم يجز؛ لأن البخر ليس مشهورا في حقِّ الأسد. الثاني: الزِّيَادَة, كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11] فإنَّ الكاف وُضِعَت للإفادة, فإذا اسْتُعْمِلَت على وجْهٍ لا يُفِيد كان على خلاف الوضع. الثالث: النُّقْصَان الذي لا يُبْطِلُ التَّفْهِيم, كقوله عز وجل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: 82] والمعنى: واسأل أهل القرية. وهذا النُّقْصَان اعتادته العرب فهو توسُّع وتجوُّز» [7].
استعمال المجاز عند ابن حزم والفراء وأبي يزيد القرشي وشاهد شعر امرئ القيس
وقال ابن حزم: «لا يجوز استعمال مجاز إلا بعد وروده في كتاب الله أو سُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم» [8].وقال الفراء عند تفسير قوله تعالى:
﴿لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَآءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ]
فقال: «السُّجُود في هذا الموضع اسم للصَّلاة لا للسُّجود؛ لأن التلاوة لا تكون في السجود ولا في الركوع». [9]
فنجده قد صَرَف اللَّفظ عن ظاهره إلى المعنى المجازي.
وقال أبو يزيد القُرَشِي، وهو من أئمة اللغة، المتوفى سنة 170هـ: "وقد يداني الشيءُ الشيءَ وليس من جنسه، ولا يُنْسَبُ إليه، ليَعْلَم العامَّة قُرْبَ ما بينهما، وفي القرآن مثل ما في كلام العرب من اللَّفْظِ المختلف، ومجاز المعاني"، ثُمَّ مَثَّل بقول امرئ القيس:
قِفا فاسألا الأطلالَ عن أُمّ مالك وهل تُخبِرُ الأطلالُ غيرَ التّهالُكِ
ثم قال: «فقد علم أن الأطلال لا تجيب إذا سُئِلت، وإنما معناه: قفا فاسألا أهل الأطلال، وقال الله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف:82]، يعنى أهل القرية» [10].
إشارات الخليل وسيبويه وأبي عبيدة إلى المجاز وتطبيقاته القرآنية
وقد أشار الخليل بن أحمد الفراهيدي-وهو من أئمة اللغة- إلى المجاز واستخدامه، حيث قال في العين: قال:
«البَائِضُ» وهو ذَكرٌ، فإن قَالَ قائل: الذَّكَرُ لا يَبِيضُ، قيل: هو في البَيْضِ سَبَبٌ؛ ولذلك جعله بَائِضًا، على قياس والِدٍ بمعنى الأب، وكذلك البَائِضُ، لأَنَّ الوَلَدَ من الوَالِدِ، والوَلَد والبَيْض في مذهبه شيء واحد. [11]
وقال سيبويه: «ومما جاء على اتِّسَاعِ الكلام والاختصار قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا﴾ [يوسف: 82] إنما يُرِيدُ: أهل القرية، فاختصر، وعمل الفعل في القرية كما كان عاملاً في الأهل لو كان هاهنا. [12]
فنُلاحِظُ أن سيبويه بَيَّن أن الفعل (اسأل) قد عمل في (القرية) التي حلَّتْ مَحَلَّ (أهل)، فكان حقُّ الفعل (اسأل) أن يعمل في الأهل لا في القرية، ولا في العير من حيث أنهما قرية وعير، والعلاقة في (القرية) المكانِيَّة، والعلاقة في (العير) المجاورة أو المصاحبة.
وأبو عبيدة، صاحب كتاب مجاز القرآن [13]، كان من الذين أشاروا إلى المجاز ولم يصرِّحُوا باسمه، قال:
﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا﴾ [الأنعام: 6]
مجاز السماء ها هنا مجاز المطر، يُقَال: ما زِلْنَا في سماء، أي: في مطر، وما زلنا نَطأُ السَّمَاءَ، أي: أثر المطر، وأَنَّى أخذَتكم هذه السماءُ؟ ومجاز (أرْسلنا): أنزلنا وأمطرنا. [14]
قلة المنكرين للمجاز وذكر داود الظاهري وابن تيمية والشنقيطي
ولا نُرِيدُ أن نُطِيلَ بذكر أقوال العلماء -سواء من ذكروا المصطلح، أو من ذكروا معناه قبل تسميته وإطلاق هذا الاسم عليه- فما ذكرناه فيه الكفاية للدَّلالة على استخدامهم للمجاز في القرآن، وفي السُّنَّة، وفي اللُّغَة.
ولم يشذ عن الاتفاق الذي يقول بوجود المجاز في القرآن والسنة واللغة إلا القليل، منهم: داود الظاهري، وابنه محمد، وابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، وفي العصور المتأخرة: محمد أمين الشنقيطي [15]. فنجدهم قد أنكروا وجود المجاز في القرآن الكريم وفي الحديث الشريف، وحتى في اللغة بوجه عام.
تفصيل أدلة منكرين المجاز من جهة القرينة والكذب والاضطرار والوضع
واعتمدوا في نفيهم لوجوده في اللغة بصفة عامَّة، وفي القرآن بصفة خاصَّة على ما يلي: الأول: أن المجاز عند مَنْ يقول به لا يدلُّ على معناه إلا بمعونة القرينة، وهذا تَطْوِيلٌ بلا فائدة، ومع عدم القرينة يكون فيه إِلْبَاس.
والثاني: لو سَلَّمْنَا أنَّ في القرآن مجازًا- والقرآنُ كلام الله- لَقِيلَ لله (مُتَجَوِّزٌ) وهذا الوصف لا يُطْلَقُ على الله باتِّفَاقِ علماء الأُمَّة.
والثالث: وهو من أدلَّة الظاهرية على نفي المجاز في القرآن أنهم قالوا: المجاز كَذِبٌ؛ لأنه يَصِحُّ نفيه، فَيَصِحُّ في قوله تعالى:
﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: 4]
ما اشْتَعَل، وإذا كان كَذِبًا، فلا يقع في القرآن والحديث. [16]
والرابع: أن المجاز لا يُنْبئ بنفسه عن معناه، فورود القرآن به يقتضى الالتباس.
والخامس: أن استعمال المجاز لموضع الضرورة، وتعالى الله أن يوصف بالاضطرار.
والسادس: وهو قول ابن تيمية بأن سلف الأُمَّة لم يقولوا به مثل: الخليل، ومالك، والشافعي، وغيرهم من اللغويين، والأصوليين وسائر الأُمَّة، فهو إذن حادث ؟!.
والسابع: إنكار ابن تيمية أن يكون للغة وَضْعٌ أوَّل تفَرَّع عنه المجاز باستعمال اللفظ في غير ما وُضِعَ له كما يقول مجوزو المجاز؟!
الردود الأولى: فائدة القرينة وتوقيفية الأسماء ونفي كون المجاز كذبًا
الردود العِلْمِيَّة على ما استدلوا به في إنكار المجاز:
أولا: قولهم: إن المجاز عند من يقول به لا يدل على معناه إلا بمعونة القرينة، وهذا تطويل بلا فائدة ومع عدم القرينة يكون فيه إلباس. فالجواب: أنَّ المجاز لا بُدَّ فيه من قرينة، ومع وُجُود القرينة لا يُوجَد إلباس. وليس في المجاز تطويل بلا فائدة: بل فيه فوائد من أَجْلِهَا يُصَارُ إلى المجاز ويُعْدَلُ عن الحقيقة. [17]
ثانيًا: أما امتناع إطلاق وصف (مُتَجَوِّز) على الله فليس عِلَّتُه نفي المجاز عن القرآن، وإنما أسماء الله توقيفِيَّة لا بُدَّ فيها من الإذن الشَّرعي، ولا إِذْنَ هُنَا، فلا يُقَالُ: إذًا على الله إنه (مُتَجَوِّز) لعدم إذن الْمُشَرِّع. [18]
ثالثا: قولهم: إن المجاز كذب، فَرَدَّ عليهم العلامة بهاء الدين السُّبكي بقوله: "إن الاستعارة –وهي نوع من أنواع المجاز- ليست بكذب لأمرين:
أحدهما: خفي معنوي وهو البِنَاءُ على التأويل، لأنَّ الكَذب غير مُتَأَوَّل، ناظر إلى العلاقة الجامعة، وقد التبس ذلك على الظَّاهِرِيَّة، فادَّعَوْا أنَّ المجاز كَذِبْ، ونَفَوْا وقوعه في كلام المعصوم وهو وَهْمٌ منهم.
الثاني: ظاهِرِي لفظي أو غير لفظي وهو كالفرع عن الأول: أنَّ المجاز ينصب قائله قرينة تصرف اللفظة عن حقيقتها، وتبين أنه أراد غير ظاهرها الموضوع لها". [19]
استكمال الرد على تهمة الكذب بكلام ابن قتيبة وأمثلة من كلام العرب
وهذا مردود؛ لأنَّ النفي الذي جعلوه أمارة من أمارات المجاز، المراد به: نفي حقيقة اللفظ. فإذا قيل: رأيت أسدا يحمل السِّلاح، فإن النفي أن الْمُتَحَدَّث عنه ليس هو الأسد الحيوان المعروف، وهذا ليس بكذب، ولا يتوجه النفي إلى المعنى المراد، وهو: الشَّجَاعة. [20]
وقال ابن قتيبة ردًّا على من قالوا بامتناع وجود المجاز في القرآن بقوله: "وأما الطاعنون على القرآن بالمجاز، فإنهم زعموا أنه كذب؛ لأن الجدار لا يريد، والقرية لا تسأل، وهذا من أشنع جهالاتهم، وأدلها على سوء نظرهم وقلة أفهامهم، ولو كان المجاز كذبا، وكل فعل ينسب إلى غير الحيوان باطلا، كان أكثر كلامنا فاسدا، لأنا نقول: نبت البقل، وطالت الشجرة، وأينعت الثمرة، وأقام الجبل، ورخص السعر. وتقول: كان هذا الفعل منك في وقت كذا وكذا، والفعل لم يكن وإنما كون، وتقول: كان الله، وكان بمعنى حدث، والله عز وجل قبل كل شيء بلاغا به لم يحدث فيكون بعد أن لم يكن. [21]
فابن قتيبة يرى البطلان في كلامهم؛ لأن هذا المفهوم يؤدي إلى أن يكون كل كلام العرب المبني على المجاز خطأ، وقد عرف عن العرب، قولهم: نبت البقل، وطالت الشجرة، وأينعت الثمرة.
الردود الباقية ومناقشة قول ابن تيمية والوضع الأول ودور المعاجم
رابعا: قولهم: إن المجاز لا يُنْبِئُ بِنَفْسِه عن معناه، فورود القرآن به يقتضى الالتباس. فالجواب: أنه لا التباس مع القرينة الدَّالَّة على المراد. [22]
خامسا: قولهم: إن استعمال المجاز لموضع الضرورة، وتعالى الله أن يُوصَفَ بالاضطرار. فالجواب: أنَّا لا نُسَلِّمُ أن استعمال المجاز لموضع الضَّرُورَة، بل ذلك عادة العرب في الكلام، وهي عندهم أمْرٌ مُسْتَحْسَن، ولهذا نراهم يستعملون ذلك في كلامهم مع القُدْرَةِ على الحقيقة، والقُرْآن نزل بلغتهم فجرى الأمر فيه على عادتهم. [23]
سادسا: قول ابن تيمية بأن سلف الأمة لم يقولوا به مثل: الخليل، ومالك، والشافعي، وغيرهم من اللغويين، والأصوليين وسائر الأمة، فهو إذن حادث ؟!. فالجواب: أننا ذكرنا –سابقا- أن العلماء الذين أنْكَرَ ابن تيمية معرفتهم للمجاز وذكرهم له، وجدناهم قد عرفوا المجاز واستخدموه، ولم ينكروه، فإن لم يذكروا المصطلح، ولكنهم ذكروه بالمعنى، أو ذكروا استخدامه في اللغة.
سابعا: وأما إنكار ابن تيمية أن يكون لِلُّغَة وَضْعٌ أوَّل تفرَّع عنه المجاز باستعمال اللفظ في غير ما وضع له كما يقول مُجَوِّزو المجاز؟! فالواضح من هذا أن مذهب ابن تيمية أن اللغة إلهام من الله، وليست وضعية،، وينفي بِشِدَّةٍ أن يكون جماعة من العقلاء اجتمعوا واصطلحوا على وضع المسميات وتعيينها للدلالة على المراد منها، ويرى أن كل لفظ قد استعمل ابتداء فيما أريد منه دون أن يكون هناك وضع سابق على الاستعمال، والذي دعاه إلى هذا نفي المجاز نفسه، لا في القرآن الكريم فحسب، بل فيه وفى اللغة بوجه عام، لأنه رأى مجوزي المجاز يقولون: إن المجاز ما نقلت فيه الكلمة من المعنى الوضعي فاستعملت في المعنى غير الوضعي، وهذا النقل هو ركن من أهم أركان المجاز، وإن احتاج بعد النقل إلى علاقة وقرينة.
والجواب: أن ابن تيمية قد خالف في كلام أطبق عليه علماء الأمة في كل زمان ومكان، وفي كل فرع من فروع علم اللغة، قواعد وتطبيقات، فقد أدرك الرُّوَّاد الأوائل وغيرهم حقيقة الوضع الأول والخروج عليه، ومنهم مَنْ أشار إليه معنى بغير لفظه، ومنهم مَنْ نصَّ عليه نصًّا صريحا.
والذين أشاروا إليه معنًى سلكوا عدة طرق منها أن يقولوا: هذا مأخوذ من كذا. ومنهم من يقول: هذا أصله كذا، أو الأصل كذا. ومرادهم من الأخذ والأصل أن اللفظ المتحدث عنه له دلالتان: أحداهما: أَصْلِيَّة، وهى دلالة الوضع، والثانية: فرعية وهى دلالة المجاز، وقد يُنَبِّهُ بعضهم بقوله: قد يُسْتَعَارُ لكذا.
وفكرة المعاجم اللغوية نفسها إنما نشأت لجمع الألفاظ اللغوية والوقوف على مدلولاتها التي كان عليها الحال عند العرب الْخُلَّص، ولم يعنوا بالاستعمال المجازي؛ لأنه غير منضبط الدلالة الوضعية، وإنما يكفى فيه ورود نوع العلاقة المعتبرة لا كل صورة من صورها، وعلى هذا كان معتمد الحقائق السماع، أما المجاز فهو قياسي، ويستثنى من هذا الإمام جار الله الزمخشري في كتابه (أساس البلاغة)، بذكره بعض الاستعمالات المجازية بعد كل مادة يفرغ من ذكر دلالاتها الوضعية، وتابع الزَّمخشري بعض العلماء كابن السكيت والثعالبي. [24]
مما قدَّمنا تَبَيَّنَ لنا أن المجاز وَاقِعٌ في القرآن، وفي السُّنَّة، وفي اللُّغَةِ من باب أولى؛ حيث يطلبه المقام ويقتضيه، والله تعالى أعلى وأعلم.
ما شعورك تجاه هذا الفصل؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفصل؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
ما تعريف المجاز في اصطلاح علماء البلاغة؟
الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له مع قرينة صارفة عن الحقيقة
كم مرحلة مرّ بها تحدي القرآن الكريم للعرب؟
ثلاث مراحل
ما الأنواع الثلاثة للمجاز التي ذكرها الإمام الغزالي؟
الاستعارة والزيادة والنقصان
من هم العلماء الذين أنكروا المجاز في القرآن والسنة واللغة؟
داود الظاهري وابن تيمية وابن القيم والشنقيطي
ما المثال الذي ضربه الجرجاني للمجاز في الجملة؟
نهارك صائم وليلك قائم
ما الحجة التي استند إليها الظاهرية لإثبات أن المجاز كذب؟
أن المجاز يصح نفيه فيكون كذبًا
كيف فسّر الفراء السجود في قوله تعالى: ﴿يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون﴾؟
السجود اسم للصلاة لأن التلاوة لا تكون في السجود الحقيقي
ما الرد على حجة أن استعمال المجاز للضرورة وتعالى الله عن الاضطرار؟
أن المجاز عادة العرب المستحسنة يستعملونه مع القدرة على الحقيقة
ما الكتاب الذي ألّفه أبو عبيدة في معاني القرآن؟
مجاز القرآن
ما موقف ابن تيمية من أصل اللغة وعلاقته بإنكاره للمجاز؟
يرى أن اللغة إلهام من الله وينفي وجود وضع أول تفرع عنه المجاز
ما الآية القرآنية التي استشهد بها الغزالي على مجاز الزيادة؟
﴿ليس كمثله شيء﴾
ما الرد على حجة أن إثبات المجاز في القرآن يستلزم وصف الله بالمتجوز؟
أن أسماء الله توقيفية تحتاج إذنًا شرعيًا ولا إذن هنا فلا يُقال متجوز
من صاحب كتاب أساس البلاغة الذي ذكر الاستعمالات المجازية بعد كل مادة لغوية؟
جار الله الزمخشري
ما الفرق بين الحقيقة والمجاز في اللغة؟
الحقيقة هي الكلمة المستعملة فيما وضعت له، أما المجاز فهو الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له مع قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي.
ما مثال المجاز في قوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾؟
القرية لا تُسأل حقيقةً، والمعنى: واسأل أهل القرية، فأُطلق اسم المحل وأُريد الحال، وهذا من مجاز النقصان عند الغزالي.
لماذا لم يحتج الصحابة إلى سؤال النبي عن كثير من معاني القرآن؟
لأن القرآن نزل بلغة العرب وعلى طرائقهم في البيان، فكانت معانيه الواضحة مفهومة لهم، وإنما كانوا يسألون عن المستغلق فقط.
ما دلالة عجز العرب عن الإتيان بمثل القرآن رغم اشتراكهم معه في اللسان؟
يدل على أن الإعجاز البياني للقرآن قائم على مصدر إلهي لا طاقة للبشر بمثله، وليس مجرد فصاحة بشرية.
ما الفرق بين مجاز الاستعارة ومجاز النقصان عند الغزالي؟
الاستعارة تقوم على المشابهة كتسمية الشجاع أسدًا، أما النقصان فهو حذف كلمة يقتضيها المعنى كحذف أهل في واسأل القرية.
كيف استدل أبو يزيد القرشي على المجاز في القرآن بشعر امرئ القيس؟
استشهد بقول امرئ القيس: قفا فاسألا الأطلال، وبيّن أن الأطلال لا تجيب إذا سُئلت وإنما المعنى: اسألا أهل الأطلال، كما أن واسأل القرية تعني أهلها.
ما الحجة السادسة لابن تيمية في إنكار المجاز؟
قال ابن تيمية إن سلف الأمة كالخليل ومالك والشافعي لم يقولوا بالمجاز، فهو إذن مصطلح حادث لا أصل له عند المتقدمين.
كيف ردّ العلماء على قول ابن تيمية إن السلف لم يعرفوا المجاز؟
بيّنوا أن العلماء الذين ذكرهم ابن تيمية كالخليل والشافعي قد عرفوا المجاز واستخدموه معنًى، وإن لم يذكروا المصطلح فقد ذكروا معناه وتطبيقاته.
ما الذي يميز كتاب أساس البلاغة للزمخشري عن سائر المعاجم اللغوية؟
ذكر الزمخشري الاستعمالات المجازية بعد كل مادة يفرغ من ذكر دلالاتها الوضعية، وهو استثناء من المعاجم التي اقتصرت على الدلالات الحقيقية.
ما الحديث النبوي الذي استُشهد به على وقوع المجاز في السنة؟
حديث: لا تبيعوا الصاع بالصاعين فإني أخاف عليكم الرماء، حيث أُريد بالصاع ما فيه بإطلاق اسم المحل على الحال.
ما معنى قول سيبويه إن الفعل اسأل عمل في القرية بدلًا من الأهل؟
يعني أن حق الفعل اسأل أن يعمل في الأهل لا في القرية، لكن القرية حلت محل الأهل مجازًا، والعلاقة بينهما مكانية.
ما الرد على حجة أن المجاز يستلزم الالتباس لأنه لا يدل على معناه بنفسه؟
لا التباس مع القرينة الدالة على المراد، والقرينة هي الصارف عن الحقيقة إلى المجاز وهي ركن أساسي في كل استعمال مجازي.
ما الأمثلة التي ساقها ابن قتيبة من كلام العرب لإثبات أن المجاز ليس كذبًا؟
قال: نبت البقل، وطالت الشجرة، وأينعت الثمرة، وأقام الجبل، ورخص السعر، وكلها مجاز متعارف عليه في كلام العرب ولا يعدّه أحد كذبًا.
ما الذي يقصده أبو عبيدة بقوله إن مجاز السماء في الآية هو المطر؟
يقصد أن لفظ السماء في قوله تعالى وأرسلنا السماء عليهم مدرارًا استُعمل مجازًا بمعنى المطر، وهو استعمال عربي معروف.
لماذا اقتصرت المعاجم اللغوية على الدلالات الحقيقية دون المجازية؟
لأن المعاجم نشأت لجمع الألفاظ ومدلولاتها الوضعية عند العرب الخلص، والمجاز غير منضبط الدلالة الوضعية ويكفي فيه ورود نوع العلاقة المعتبرة.