اكتمل ✓
الفصل 18

هل البسملة آية من الفاتحة وهل عدم قراءتها يبطل الصلاة وما حكم الجهر بها في المذاهب الأربعة؟

البسملة آية من أول الفاتحة على الراجح عند الشافعية، ويترتب على ذلك وجوب قراءتها في الصلاة بحيث لا تصح الصلاة إلا بها. أما حكم الجهر بالبسملة في الصلاة الجهرية فمذهب الشافعية استحباب الجهر بها، وهو قول أكثر الصحابة والتابعين. وقد اعتبر ابن خزيمة الجهر بها والإسرار كلاهما مباحاً من اختلاف المباح الذي لا ينبغي التعصب فيه.

12 دقيقة قراءة
  • هل عدم قراءة البسملة في الفاتحة يبطل الصلاة؟ الجواب مرتبط بالخلاف في كونها آية منها أم لا.

  • الجهر بالبسملة في الصلاة والإسرار بها كلاهما مباح وفق ابن خزيمة، والمسألة من اختلاف المباح الذي لا يستحق التعصب.

  • الخلاف في حكم الجهر بالبسملة في الصلاة مبني على الخلاف في قرآنيتها وعلى التعارض الظاهر بين الآثار الواردة.

  • الشافعية يرون أن البسملة آية من الفاتحة وتجب قراءتها في الصلاة، ويستحبون الجهر بها في الصلاة الجهرية.

  • مذهب أبي حنيفة وأحمد قراءة البسملة سراً مع الفاتحة، بينما يمنع مالك قراءتها في الصلاة المكتوبة جهراً وسراً.

  • أجمع الصحابة على إثبات البسملة في المصحف بخط القرآن في أوائل السور، وهو أقوى الأدلة على قرآنيتها.

تمهيد المسألة وبيان أن الجهر بالبسملة من هيئات الصلاة

الجهر بالبسملة في الصلاة

س 16: ما حكم الجهر بالبسملة في الصلاة ؟ وهل تستحق هذه المسألة التعصب والإنكار الشديد بين المسلمين. أفتونا مأجورين ؟

الجواب

بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومَن ولاه. وبعد، فالجهر في الصلاة في موضعه، والإسرار فيها في موضعه من هيئات الصلاة التي لا ينبغي للمسلم أن ينشغل بها عن مقصود الصلاة الأسمى وهو الخشوع والتدبر والمناجاة.

والجهر بالبسملة في الصلاة جزء من هذه الهيئة وهي الجهر في الصلاة، ومع كونها من هيئات الصلاة، فإنها ليس مجمع عليها، بل هي مسألة خلافية لا يَجوز التعصُّب لرأي من الآراء فيها؛ فالخلاف فيها مباح وسعة على المسلمين بحيث يجوز للمسلم تقليد من شاء، يقول ابن خزيمة في صحيحه:

«باب ذكر الدليل على أن الجهرَ بـ(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) والمخافتةَ به جميعا مباحٌ، ليس واحد منهما محظورًا، وهذا من اختلاف المباح» .

أثر ثبوت قرآنية البسملة في الخلاف حول الجهر بها

وقد يرجع الخلاف في هذه المسألة إلى مدى إثبات البسملة قرآنا، يقول ابن كثير بعد ذكره خلافَ العلماء في كونها قرآنا:

»هذا ما يتعلق بكونها من الفاتحة أم لا، فأمَّا ما يتعلق بالجهر بها، فمفرَّع على هذا؛ فمَن رأى أنها ليست من الفاتحة فلا يَجهر بها، وكذا مَن قال: إنها آية من أوَّلها، وأمَّا مَن قال: بأنها من أوائل السور فاختلفوا؛ فذهب الشافعي - رحمه الله - إلى أنه يجهر بها مع الفاتحة والسورة، وهو مذهب طوائف من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين سلفًا وخلفًا» .

وقد يرجع الخلاف فيها إلى التعارض الظاهر بين الآثار فيها وهو ما يقتضي الترجيح كأي مسألة فقهية خلافية، يقول الإمام النووي في ذلك: اعلم أن مسألة الجهر ليست مبنية على مسألة إثبات البسملة; لأن جماعة ممن يرى الإسرارَ بها لا يعتقدونها قرآنا، بل يرونها مِن سننه كالتعوذ والتأمين, وجماعة ممن يرى الإسرار بها يعتقدونها قرآنا، وإنما أسروا بها, وجهر أولئك لما ترجَّح عند كل فريق من الأخبار والآثار .

تعدد أسباب الخلاف وتمهيد لمسألة قطعية قرآنية البسملة

ولا مانع من أن يكون الخلاف في مسألة ما مبنيًّا على أكثر من سبب، فحُكْمُ الجهرِ بالسملة مترتِّبٌ على حكم قراءة البسملة في الصلاة، وحُكْمُ القراءةِ فرعُ الخلافِ في مسألة إثبات البسملة آيةً من الفاتحة. وذلك مع اختلافهم في الآثار الواردة في قراءتها جهرًا أو سرًّا.

وعلى اعتماد أن سبب الخلاف في المسألة كون البسملة قرآنا من عدم، فعلينا معرفة أقوال العلماء في ذلك، وعلينا أن نجيب عن السؤال التالي:

البسملة آية مسألة قطعية أم ظنية ؟

اختلف العلماء هل المسألة قطعية بحيث يُشتَرَط القطع في ثبوت قرآنية البسملة في الفاتحة وفي أوائل سور القرآن الكريم كسائر القرآن أو لا؟

مواقف الأصوليين من قرآنية البسملة وحكم تكفير المخالف

فقطع القاضي أبو بكر الباقلاني بأنها ليست من القرآن، ومع قَطْعِه في المسألة إلا أنه صرَّح بتخطئة المخالف دون تكفيره، فقال:

«لو كانت من القرآن لوجب على الرسول عليه السلام أن يبيَّن أنها من القرآن بيانًا قاطعًا للشك والاحتمال...»

ثم قال:

«أخطئ القائل به ولا أكفره, لأن نفيها من القرآن لم يثبت أيضا بنصٍّ صريحٍ متواترٍ، فصاحبُه مخطئٌ وليس بكافر» .

وأما ابن الحاجب مع جزمه بنفيها إلا أنه لا يقول بتكفير المخالف أيضًا، قال في مختصره:

«وقوةُ الشُّبْهةِ في (بسم الله الرحمن الرحيم) مَنَعَتْ مِن التكفير من الجانبين، والقطعُ أنها لم تَتَواتَر في أوائل السور قرآنًا، فليست بقرآنٍ فيها قطعًا كغيرها»

قال ابن السبكي:

«ومن العجيب دعواه القطعَ بعد أنِ اعْترف بأن الشبهة موجودة من الجانبين، فإذا كان جانبه ذا شُبْهة، فكيف يكون ذا دليلٍ قاطعٍ؟» .

إثبات الشافعية لقرآنية البسملة واعتبار المسألة ظنية

وأثبت الشافعية كونها آية من القرآن، فقد نَقَلَ النوويُّ عن أبي علي بن أبي هريرة قولَه: هي آيةٌ من أول كل سورة غير براءة قطعًا .وقال الزركشي:

«على أن العمراني حَكَى في زوائده عن صاحب الفروع : أنا إذا قلنا إنها من الفاتحة قطعًا- كفَّرنا نافيها وفسَّقنا تاركها، ولكن المعروف الأول» .

قال الإمام النووي:

«وضعَّف إمامُ الحرمين وغيرُه قولَ مَن قال: إنها قرآن على سبيل القطع, قال الإمام: هذه غباوةٌ عظيمةٌ مِن قائل هذا; لأن ادعاءَ العِلْم حيث لا قاطع محالٌ» .

ولذا فالمسألة ظنية ليست على سبيل القطع؛ إذ لا خلاف بين المسلمين أن نافيها ومثبتها لا يكفر, ولو كانت قرآنا قطعًا لكَفَرَ, كمَن نفَى أو أثبت غيرَها, فعلى هذا يُقْبَل في إثباتها خبرُ الواحد كسائر الأحكام.

عدد آيات الفاتحة وعلاقة ذلك بالسبع المثاني

هل البسملة آية في أول الفاتحة ؟

اتفق العلماء على أن الفاتحة سبعُ آيات، ولم يشذ عن ذلك إلا الحسنُ البصريُّ فقال: هي ثمان آيات . ونُسب أيضًا لعمرو بن عبيد وإلى الحسين الجعفي قولهم: هي ست آيات. ونُسِب إلى بعضهم غير مُعَيَّن: إنها تسع آيات .

وتحديد هذه الآيات السبع لقول الله تعالى:

﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ المثَانِي وَالقُرْآَنَ العَظِيمَ﴾ [الحجر: 87]

وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: هي الفاتحة .

اختلاف الأمصار في عد البسملة آية من الفاتحة وإجماعهم على قرآنيتها

فعند أهل المدينة والبصرة والشام لا تعد البسملة آية، وتعد ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيهِمْ﴾ آية، فالآية السابعة عندهم هي ﴿غَيرِ المَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ .

وعند أهل مكة وأهل الكوفة تُعَد البسملة آية، وتعد ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيهِمْ﴾ الجزء الأول من الآية السابعة .

ولا خلاف بين المسلمين في أن لفظ (بسم الله الرحمن الرحيم) لفظ قرآني؛ لأنه جزء آية من قوله تعالى:

﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: 30] .

الترجيح بأن البسملة آية من الفاتحة وأقوال السلف في ذلك

ولا خلاف في جواز تلاوتها عند الشروع في قراءة الفاتحة خارج الصلاة. ولا خلاف بين العلماء في أن البسملة مثبتة في المصحف بخط القرآن. وكذلك لا خلاف في أنها ليست آية من سورة التوبة. ولكن الخلاف في تكرر قرآنيتها سواء أكان ذلك في أول الفاتحة أم في أوائل كل سورة.

والصحيح أنها آية من أول الفاتحة، وبهذا قال خلائق لا يحصون من السلف . قال الحافظ ابن عبد البر المالكي:

«ووافق الشافعي على أنها آية من الفاتحة أحمد ، وإسحق، وأبو عبيد، وجماعة أهل الكوفة وأهل مكة وأكثر أهل العراق» .

الأحاديث والآثار الدالة على كون البسملة آية من الفاتحة

قال النووي:

«وحكاه الخطابي أيضًا عن أبي هريرة وسعيد بن جبير، ورواه البيهقي في كتابه [الخلافيات] بإسناده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والزهري، وسفيان الثوري، وفي السنن الكبير له عن علي، وابن عباس، وأبي هريرة، ومحمد بن كعب رضي الله عنهم» .

ومستند العلماء في هذا القول الإجماع على أن ما بين الدفتين كلام الله، فإن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على إثباتها في المصحف في أوائل السور جميعا سوى (براءة) بخط المصحف, بخلاف الأعشار وتراجم السور, فإن العادة كتابتها بحمرة ونحوها, فلو لم تكن قرآنا لما استجازوا إثباتها بخط المصحف من غير تمييز; لأن ذلك يُحْمَل على اعتقاد أنها قرآنٌ فيكونون مُغَرِّرين بالمسلمين, حاملين لهم على اعتقاد ما ليس بقرآن قرآنا، فهذا مما لا يجوز اعتقاده في الصحابة رضي الله عنهم. قال النووي:

«قال أصحابنا: هذا أقوى أدلتنا في إثباتها» .

نصوص السنة في عد البسملة من السبع المثاني ووجوب قراءتها

ومن الأدلة على هذا القول ما روي من الأحاديث والآثار في ذلك ومنها: ما روي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

«(الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالمَينَ) سَبْعُ آيَاتٍ، أَُولاهُنَّ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، وهِي السَّبعُ المثَانِي، وهِي فَاتِحَةُ الكِتَابِ، وهِي أُمُّ القُرْآنِ» .

وعنه أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«إِذَا قَرَأْتـُمْ الحَمْدَ فَاقْرَءُوا (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، إِنَّهَا أُمُّ القُرْآنِ، وَأُمُّ الكِتَابِ، وَالسَّبعُ المَثَانِي، و(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) إِحْدَاها» .

ورُوي عن عليٍّ رضي الله عنه أنه سُئل عن السَّبعِ المثَاني، فقال: (الحَمْدُ للهِ) فقيل له: إنما هي ستُّ آيات، فقال:

(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) آيةٌ

. وبعد ذِكْرِ السيوطيِّ الأحاديثَ التي تُؤيِّد كونَ البسملة آيةً في أول الفاتحة وفي أول كل سورة- عَقَّبَ بقوله:

»فهذه الأحاديث تُعطي التواترَ المعنويَّ بكونها قرآنًا منزَّلا في أوائل السور» .

ويَتَرتَّبُ بناء على ما ثَبَتَ من كون البسملة آيةً من الفاتحة وجوبُ قراءتها في الصلاة وغيرها، فلا تصح الصلاةُ إلا بها; لأنها كباقي الفاتحة، وهو مذهب الشافعي والراجح عندنا .

مذهب الشافعية في استحباب الجهر بالبسملة وأقوال الصحابة

حكم الجهر بالبسملة في الصلاة:

مذهب الشافعية وما نفتي به استحباب الجهر بها حيث يُجْهَر بالقراءة في الفاتحة والسورة جميعا، فلها في الجهر حكم باقي الفاتحة والسورة, وهذا قول أكثر العلماء من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم من الفقهاء والقراء.

فأما الصحابة فروي عن: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمار بن ياسر، وأبي بن كعب، وابن عمر، وابن عباس، وأبي قتادة، وأبي سعيد، وقيس بن مالك، وأبي هريرة، وعبد الله بن أبي أوفى، وشداد بن أوس، وعبد الله بن جعفر، والحسين بن علي، وعبد الله بن جعفر، ومعاوية، وجماعة المهاجرين والأنصار الذين حضروه لـمَّا صلَّى بالمدينة وتَرَكَ الجهر فأنكروا عليه فرجع إلى الجهر بها رضي الله عنهم أجمعين.

قال ابن عبد البر:

«فلم يُخْتَلف في الجهر في (بسم الله الرحمن الرحيم) عن ابن عمر، وهو الصحيح عن ابن عباس أيضا، وعليه جماعة أصحابه: سعيد بن جبير، وعطاء، ومجاهد، وطاوس، وهو مذهب ابن شهاب الزهري وعمرو بن دينار، وابن جريج، ومسلم بن خالد، وسائر أهل مكة»

.وقال أيضًا:

«وهو أحد قولي ابن وهب صاحب مالك» .

اعتماد الأئمة الحفاظ للجهر بالبسملة ونصوصهم في ذلك

قال الشيخ أبو محمد المقدسي:

«والجهر بالبسملة هو الذي قرره الأئمةُ الحفاظ، واختاروه وصنفوا فيه مثل: محمد بن نصر المروزي، وأبي بكر بن خزيمة، وأبي حاتم بن حبان، وأبي الحسن الدارقطني، وأبي عبد الله الحاكم، وأبي بكر البيهقي، والخطيب، وأبي عمر بن عبد البر، وغيرهم رحمهم الله» .

قال الإمام النووي:

«وفي كتاب [الخلافيات] للبيهقي عن جعفر بن محمد قال: أجمع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم على الجهر بـ(بسم الله الرحمن الرحيم)، ونقل الخطيب عن عكرمة أنه كان لا يصلي خلف مَن لا يجهر بـ(بسم الله الرحمن الرحيم).

أحاديث أبي هريرة وأنس الدالة على الجهر بالبسملة في الصلاة

وقد روي من الأحاديث ما يدل على صحة الجهر بالبسملة، نذكر منها: حديث نعيم بن عبد الله المجمر قال: صليت وراء أبي هريرة رضي الله عنه فقرأ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، ثم قرأ بأم الكتاب، حتى إذا بلغ (ولا الضالين) قال: آمين، وقال الناس: آمين، ويقول كلما سجد: الله أكبر، وإذا قام من الجلوس من الاثنين قال: الله أكبر، ثم يقول إذا سلم:

والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم

.قال الحافظ ابن حجر:

»وهو أصحُّ حديثٍ وَرَدَ في ذلك»

. يقصد الجَهْر بالبسملة.

وعن أبي هريرة أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قَرَأ وهو يؤم الناس افتتح (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، قال أبو هريرة:

«هي آية من كتاب الله، اقرءوا إن شئتم فاتحة الكتاب، فإنها الآية السابعة»

. وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أَمَّ الناسَ قَرَأ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) .

وعن قتادة قال: سُئل أنس «كيف كانت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: كانت مدًّا، ثم قرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) يَمُدُّ (بسم الله) ويَمُدُّ (الرحمن) ويَمُدُّ (الرحيم)» . قال الحافظ أبو بكر محمد بن موسى الحازمي:

«هذا حديث صحيح لا نعرف له علة، وفيه دلالة على الجهر مطلقا يتناول الصلاة وغيرها; لأن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم لو اختلفت في الجهر بين حالتي الصلاة وغيرها لبيَّنها أنسٌ ولما أطلق جوابَه, وحيث أجاب بالبسملة دَلَّ على أن النبي صلى الله عليه وسلم يَجْهر بها في قراءته، ولولا ذلك لأجاب أنس بـ«الحمد لله رب العالمين» أو غيرها» .

الجمع بين حديث قسمت الصلاة ومسألة التسمية في الفاتحة

قال الشيخ أبو محمد المقدسي:

«فلا عذر لمن يترك صريح هذه الأحاديث عن أبي هريرة، ويعتمد رواية حديث (قسمت الصلاة) ويحمله على ترك التسمية مطلقًا, أو على الإسرار، وليس في ذلك تصريحٌ بشيءٍ منهما، والجميع رواية صحابي واحد, فالتوفيق بين رواياته أوْلى مِنِ اعتقاد اختلافها مع أن هذا الحديث الذي رواه الدارقطني بإسناد حديث (قسمت الصلاة) بعينه؛ فوجب حَمْلُ الحديثين على ما صرَّح به في أحدهما» .

مذاهب أبي حنيفة وأحمد ومالك في قراءة البسملة في الصلاة

ومذهب الإمام أبي حنيفة أنه يُسَنُّ قراءتُها سرًّا مع الفاتحة في كل ركعة إن قرأها مع كل سورة فحَسَنٌ، وكذلك عند الإمام أحمد يُسَنُّ قراءتُها سرًّا مع الفاتحة، فإنْ تَرَكَها ولو عمدًا حتى شَرَعَ في القرآن- سقط طلبُها؛ لأنها سنةٌ فات محلُّها .

والإمام مالك مَنَعَ قراءتها في الصلاة المكتوبة جهرًا كانت أو سرًّا، لا في أول الفاتحة ولا في غيرها من السور، وأجاز قراءتها في النوافل؛ وذلك راجع لقوله إنها ليست آية من الفاتحة، ولاعتماده الأحاديث الدالة على عدم قراءتها في الصلاة .

خاتمة في أن الخلاف في الجهر بالبسملة من اختلاف المباح والاهتمام بالخشوع

وفي الختام نُذَكِّر بما قاله ابن خزيمة في صحيحه:

«باب ذكر الدليل على أن الجهرَ بـ(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) والمخافتةَ به جميعا مباحٌ، ليس واحد منهما محظورًا، وهذا من اختلاف المباح»

. فالخلاف هين ولا ينبغي الانشغال به عن الخشوع وما تحدثه الصلاة من زيادة في إيمان العبد، والله الموفق، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلى وأعلم.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما الحكم الذي أصدره ابن خزيمة في مسألة الجهر بالبسملة والإسرار بها في الصلاة؟

كلاهما مباح وهذا من اختلاف المباح

على ماذا يترتب حكم الجهر بالبسملة في الصلاة وفق ابن كثير؟

على مدى إثبات البسملة قرآناً وآية من الفاتحة

ما موقف الباقلاني من قرآنية البسملة ومن يخالفه في ذلك؟

قطع بأنها ليست من القرآن وخطّأ المخالف دون تكفيره

لماذا اعتبر العلماء مسألة قرآنية البسملة ظنية لا قطعية؟

لأن نافيها ومثبتها لا يُكفَّر بالإجماع

كم عدد آيات الفاتحة بالاتفاق؟

سبع آيات

ما موقف أهل المدينة والبصرة والشام من عدّ البسملة آية في الفاتحة؟

لا يعدّونها آية من الفاتحة

ما أقوى دليل استند إليه الشافعية على كون البسملة آية من الفاتحة؟

إجماع الصحابة على إثباتها في المصحف بخط القرآن

ما حكم قراءة البسملة في الصلاة عند الإمام مالك؟

ممنوعة في الصلاة المكتوبة جهراً وسراً

ما حكم قراءة البسملة في الصلاة عند أبي حنيفة وأحمد؟

مستحبة سراً مع الفاتحة

ما الذي يترتب على ثبوت كون البسملة آية من الفاتحة عند الشافعية؟

وجوب قراءتها وعدم صحة الصلاة بدونها

من الذي قال عن أحاديث البسملة إنها تعطي التواتر المعنوي بكونها قرآناً منزلاً في أوائل السور؟

السيوطي

ما الذي رواه أبو هريرة عن صلاته مستدلاً به على الجهر بالبسملة؟

أنه جهر بالبسملة وقال إنه أشبه الناس صلاة برسول الله

ما الذي أجمع عليه المسلمون بشأن لفظ بسم الله الرحمن الرحيم؟

أنه لفظ قرآني لوروده في سورة النمل

ما موقف الإمام مالك من قراءة البسملة في صلاة النافلة؟

يجيزها في النافلة

ما الذي استنتجه الحازمي من حديث أنس في وصف قراءة النبي بالمد؟

أن النبي كان يجهر بالبسملة في قراءته مطلقاً

ما تعريف هيئات الصلاة وما علاقة الجهر بالبسملة بها؟

هيئات الصلاة هي الأمور المتعلقة بكيفية أدائها كالجهر والإسرار، والجهر بالبسملة جزء من هيئة الجهر في الصلاة، وهي مسألة خلافية مباحة لا يجوز التعصب فيها.

لماذا لا يُكفَّر من نفى قرآنية البسملة ولا من أثبتها؟

لأن المسألة ظنية لا قطعية، وقد اتفق العلماء على أن نافيها ومثبتها لا يُكفَّر، ولو كانت قرآناً قطعاً لكفر نافيها كمن نفى غيرها من القرآن.

ما مذهب أبي حنيفة في البسملة في الصلاة؟

يرى أبو حنيفة أن البسملة آية واحدة من القرآن كله أنزلت للفصل بين السور، وليست آية من الفاتحة، ويُسنّ قراءتها سراً مع الفاتحة في كل ركعة.

ما مذهب الإمام مالك في البسملة وما سبب موقفه؟

يمنع مالك قراءة البسملة في الصلاة المكتوبة جهراً وسراً، لاعتقاده أنها ليست آية من الفاتحة ولا من القرآن، ولاعتماده الأحاديث الدالة على عدم قراءتها في الصلاة، ويجيز قراءتها في النوافل.

ما الفرق بين قول الشافعية وقول الحنابلة في البسملة في الصلاة؟

الشافعية يرون أن البسملة آية من الفاتحة وتجب قراءتها ويستحبون الجهر بها في الصلاة الجهرية، بينما الحنابلة يرون أنها سنة يُقرأ بها سراً، وإن تركها ولو عمداً سقط طلبها.

ما دلالة إثبات الصحابة للبسملة في المصحف بخط القرآن؟

يدل على أنها قرآن، لأنهم لو لم يعتقدوا قرآنيتها لما استجازوا إثباتها بخط المصحف دون تمييز، إذ ذلك يحمل المسلمين على اعتقاد ما ليس بقرآن قرآناً، وهذا لا يجوز اعتقاده في الصحابة.

ما الذي قاله علي بن أبي طالب حين سُئل عن السبع المثاني؟

قال إنها سورة الحمد لله، فلما قيل له إنها ست آيات، قال: بسم الله الرحمن الرحيم آية، مثبتاً بذلك أن البسملة هي الآية السابعة من الفاتحة.

ما موقف ابن السبكي من ادعاء ابن الحاجب القطع في نفي قرآنية البسملة؟

انتقد ابن السبكي هذا الادعاء قائلاً: من العجيب دعوى القطع بعد الاعتراف بأن الشبهة موجودة من الجانبين، فإذا كان جانبه ذا شبهة فكيف يكون ذا دليل قاطع؟

ما الذي نقله البيهقي عن جعفر بن محمد بشأن الجهر بالبسملة؟

نقل البيهقي في كتاب الخلافيات عن جعفر بن محمد قوله: أجمع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم على الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم.

ما الذي رواه قتادة عن أنس بشأن قراءة النبي للبسملة؟

روى قتادة عن أنس أن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم كانت مداً، وكان يمد بسم الله ويمد الرحمن ويمد الرحيم، مما يدل على الجهر بها.

ما الذي قاله الحافظ ابن حجر عن حديث أبي هريرة في الجهر بالبسملة؟

قال ابن حجر إنه أصح حديث ورد في الجهر بالبسملة، وهو حديث نعيم بن عبد الله المجمر عن أبي هريرة الذي صلى جاهراً بالبسملة وأكد أنه أشبه الناس صلاة برسول الله.

كيف يُجمع بين حديث قسمت الصلاة وأحاديث الجهر بالبسملة؟

حديث قسمت الصلاة لا يتضمن تصريحاً بترك البسملة أو الإسرار بها، وكلا الحديثين رواهما أبو هريرة، فالتوفيق بين روايات الصحابي الواحد أولى من اعتقاد اختلافها، ويُحمل الحديث على ما صرّح به في أحاديث الجهر.

ما الذي أجمع عليه أهل الأمصار بشأن البسملة رغم اختلافهم في عدّها آية؟

أجمعوا على أن لفظ بسم الله الرحمن الرحيم لفظ قرآني لوروده في سورة النمل، فمن جحد منها حرفاً كفر بالإجماع، وإن اختلفوا في عدّها آية مستقلة من الفاتحة.

ما الموقف العملي الذي ينبغي للمسلم اتخاذه تجاه الخلاف في الجهر بالبسملة؟

ينبغي للمسلم ألا يتعصب لرأي في هذه المسألة، إذ الخلاف فيها مباح وسعة، ويجوز تقليد من شاء من العلماء، والأولى الانشغال بالخشوع ومقصود الصلاة الأسمى.

ما الفرق بين قرآنية البسملة على سبيل القطع وعلى سبيل الحكم عند الشافعية؟

القطع يعني ثبوتها قرآناً بدليل قاطع، أما الحكم فيعني أن لها حكم القرآن في أن الصلاة لا تصح إلا بها أول الفاتحة، مع التسليم بأنها لم تثبت قرآناً بقاطع، كالحجر الأسود الذي هو من البيت حكماً لا قطعاً.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!