اكتمل ✓
الفصل 26

ما حكم الضرائب والجمارك في الإسلام وهل يجوز التهرب الضريبي؟

الضرائب والجمارك واجبة شرعاً إذا فُرضت بالعدل لتغطية النفقات العامة ومصالح الأمة، ولا يجوز التهرب منها ولا دفع الرشوة لإنقاصها. وتختلف الضرائب المشروعة عن المكوس المحرمة التي كانت تؤخذ بغير حق وتنفق في مصالح الحكام لا الشعوب. كما أن الزكاة والضريبة مصدران مستقلان لكل منهما مصارفه الخاصة ولا يغني أحدهما عن الآخر.

11 دقيقة قراءة
  • هل يجوز للمسلم التهرب من الضرائب أو رفض دفعها؟ الجواب: لا يجوز، بل هي واجبة شرعاً بقدر الحاجة العامة.

  • الضريبة مقدار محدد تفرضه الدولة على أموال المواطنين لتغطية النفقات العامة وإقامة مصالح الأمة.

  • أجاز الفقهاء من المالكية والشافعية والحنفية وابن تيمية فرض أموال على الأغنياء زمن الحاجة العامة.

  • الزكاة والضريبة مصدران مستقلان تماماً، فلا تغني الزكاة عن الضرائب ولا الضرائب عن الزكاة، ولكل منهما مصارفه الشرعية.

  • المكوس المحرمة في الحديث النبوي هي الضرائب الجائرة التي تؤخذ بغير حق وتنفق في مصالح الحكام لا الشعوب، وتختلف عن الضرائب العادلة.

  • الجمارك نوع من الضرائب المالية تأخذ أحكامها، وتهدف إلى حماية السوق المحلي وتشجيع المنتجات الوطنية.

تعريف الضريبة المعاصرة ومشروعية فرضها ضمن الموازنة العامة

س 24: ما حكم الإسلام فيما تأخذه الحكومات من الناس تحت مسمى الضرائب والجمارك؟ وهل عليها من دليل في الشرع؟ وهل يجوز الامتناع عن دفع هذه الأموال أو التهرب منها؟

الجواب

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وآله وصحبه ومن وآله. وبعد فالضريبة: هي مقدار محدد من المال تفرضه الدولة في أموال المواطنين، دون أن يقابل ذلك نفع مخصوص، فتُفْرَض على المِلك والعَمَل والدخْل نظير خدمات والتزامات تقوم بها الدولة لصالح المجموع، وهي تختلف باختلاف القوانين والأحوال.

وولي الأمر يجوز له أن يفرض ضرائب عادلة في تقديرها وفي جبايتها إلى جوار الزكاة؛ وذلك لتغطية النفقات العامة والحاجات اللازمة للأمة، باعتبار أن ولي الأمر هو القائم على مصالح الأمة التي تستلزم نفقات لا مورد لها - لاسيما في هذا العصر الذي كثُرت فيه مهام الدولة واتسعت مرافقها.

والمقصود بولي الأمر هي ما أصبح في عصرنا هذا المؤسسات التشريعية وفقا للنظام الديمقراطي، فإن الدولة لها ما يسمى بالموازنة العامة، والتي يجتمع فيها الإيرادات العامة، والنفقات العامة، وإذا كانت النفقات العامة للدولة أكبر من الإيرادات العامة فإن ذلك معناه عجز في ميزانية الدولة، يتعين على الدولة تعويضه بعدة سبل منها فرض الضرائب.

مراعاة محدودي الدخل وتوجيه عبء الضرائب نحو الأغنياء

إلا أنه ينبغي أن يراعى في فرض الضرائب عدم زيادة أعباء محدودي الدخل وزيادة فقرهم، وأن توجه الضرائب إلى الفئات التي لا يجهدها ذلك كطبقة المستثمرين، ورجال الأعمال الذين يجب عليهم المساهمة في واجبهم تجاه الدولة.

وكان الخليفة الراشد عمر بن الخطاب أوَّل مَن اجتهد في فرض أموال تُأْخَذ من الناس من غير زكاة أموالهم لتحقيق المصالح العامة كالخراج، فالخراج واجب على كل من بيده أرض خراجية نامية سواء أكان مسلما أم كافرا, صغيرا أم كبيرا, عاقلا أم مجنونا, رجلا أم امرأة؛ وذلك لأن الخراج مئونة الأرض النامية, وهم في حصول النماء سواء.

أهداف فرض الخراج في عهد عمر وبيان نشأته التاريخية

وقيام سيدنا عمر رضي الله عنه بفرض ضريبة الخراج على الأراضي كان لمصالح عامة ظهرت له؛ منها: وجود مورد مالي ثابت للأمة الإسلامية بأجيالها المتعاقبة، وتوزيع الثروة وعدم حصرها في فئة معينة، وعمارة الأرض بالزراعة وعدم تعطيلها.

قال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه:

«وإنما كان الخراج في عهد عمر رضي الله عنه»

يعني أنه لم يكن في الإسلام قبل خلافة عمر رضي الله عنه، فضريبة الخراج لم تكن مفروضة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا في عهد خليفته الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وفَعَلَ عمرُ رضي الله عنه ذلك بعد استشارته لكبار الصحابة من المهاجرين والأنصار .

إثبات حق في مال المسلم غير الزكاة بدلالة آية البر

وقد تقرَّر عند كثير من الصحابة، كعمر، وعلي، وأبي ذر، وعائشة، وابن عمر، وأبي هريرة، والحسن بن علي، وفاطمة بنت قيس رضي الله عنهم، ومن التابعين، كالشعبي، ومجاهد، طاوس، وعطاء - أن في مال المسلم حقًّا غير مال الزكاة، ويدل على ذلك قوله تعالى:

﴿لَيْسَ البِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَالمَلائِكَةِ وَالكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي البَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ البَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 177].

وجه الدلالة في الآية أن الله تعالى نصَّ على إيتاء الزكاة كما نصَّ على إيتاء المال لذوي القربى واليتامى والمساكين، مما يدل على أن المراد بإيتاء المال في الآية غير الزكاة، وأن في المال حقًّا سوى الزكاة.

فالآية قد جُمِعَ فيها بين إيتاء المال على حبه وبين إيتاء الزكاة بالعَطْفِ المقتضِي للمُغايرة، وهذا دليل على أن في المال حقًّا سوَى الزكاة لتصح المُغايرة .

حديث فاطمة بنت قيس وتأكيد السنة لحق غير الزكاة

وعن فاطمة بنت قيس قالت: سُئل النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن الزكاة فقال:

«إِنَّ فِي المَالِ لحَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ»

ثم تلا هذه الآية التي في سورة البقرة ﴿لَيْسَ البِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ﴾ .

قال القرطبي بعد ذكره للحديث المذكور:

«والحديث وإن كان فيه مقال فقد دل على صحته معنى ما في الآية نفسها من قوله تعالى: {وَأقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ}، فذكر الزكاة مع الصلاة، وذلك دليل على أن المراد بقوله: {وَآتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ} ليس الزكاة المفروضة، فإن ذلك يكون تكرارًا، والله أعلم» .

أما ما رواه ابن ماجه عن فاطمة بنت قيس أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قال:

«لَيْسَ فِي المَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ»

- قال عنها السندي في حاشيته على ابن ماجه:

«وَمَن نَظَرَ بين الروايتين يرَى أن رواية المصنِّف أقرب إلى الخطأ من رواية الترمذي؛ لقوة رواية الترمذي بالدليل الموافق لها .}، فَلْيُتَأَمَّلْ" .

قال الحافظ أبو زرعة العراقي بعد ذكره لحديث الترمذي:

«وهو عند ابن ماجه بلفظ (فِي المَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ) وفي بعض نسخه (ليسَ فِي المَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ)» .

فمن المحتمل أن لفظة «ليس» قد زيدت في الحديث عن طريق الخطأ في النسخ، ثم شاع الخطأ بعد ذلك.

ومِن ثَمَّ فإنه قد ثبت في مال المسلم الغني حقًّا غير الزكاة، لاسيما في ظل احتياج المجتمع إلى هذه الأموال، وهذا هو المعنى الحقيقي للتكافل والتضامن الاجتماعي.

فريضة التضامن الاجتماعي ووجوب فرض المال لسد مصالح الدولة

  1. فالتضامن الاجتماعي فريضة ، ولجماعة المسلمين حق في مال الفرد؛ لأنه لم يكسب ماله إلا بها، وهي التي ساهمت من قريب ومن بعيد، وعن قصد وغير قصد، في تكوين ثروة الغني، وهي التي بدونها لا تتم معيشته كإنسان في المدينة.

فإذا كان في الدولة الإسلامية محتاجون لم تكفهم الزكاة، أو كانت مصلحة الجماعة وتأمينها عسكريا أو اقتصاديا تتطلب مالا لتحقيقها، أو كان دِين الله ودعوته وتبليغ رسالته يحتاج إلى مال لإقامة ذلك، فإن الواجب الذي يحتمه الإسلام أن تُفْرَض في أموال الأغنياء ما يحقِّق هذه الأمور، لأن تحقيقها واجب على ولاة الأمر في المسلمين ولا يتم هذا الواجب إلا بالمال، ولا مال بغير فرض الضرائب، و"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".

قواعد الضرر والضرورة واعتبار الضرائب نوعًا من الجهاد بالمال

وكذلك فإن من القواعد الشريعة الكلية المقررة عند الفقهاء "أنه يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام"، و"أنه يجب تحمل الضرر الأدنى لدفع ضرر أعلى وأشد» .

ولا ريب أن تحكيم هذه القواعد الشريعة لا يؤدي إلى إباحة الضرائب فحسب، بل يُحتم فَرْضها وأخْذها، تحقيقًا لمصالح الأمة والدولة، ودرءًا للمفاسد والأضرار والأخطار عنها.

يقول ابن حزم:

«وفُرِضَ على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويُجْبِرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكوات بهم» .

ومن القواعد المقررة أيضا «أن الضرورة تُقَدَّر بقدرها»، فيجب ألا يتجاوز بالضرورة القدر الضروري، وأن يراعَى في وضعها وطُرْق تحصيلها ما يخفف وقعها على الأفراد.

فالأساس في الضرائب هو تكوين مال للدولة تستعين به على القيام بواجباتها، والوفاء بالتزاماتها، فالأموال التي تجبى من الضرائب تنفق في المرافق العامة التي يعود نفعها على أفراد المجتمع كافة، كالدفاع والأمن والقضاء والتعليم والصحة والنقل والمواصلات والري والصرف، وغيرها من المصالح التي يستفيد منها مجموع المسلمين، من قريب أو من بعيد.

ومما لا شك فيه أن أخْذ الضريبة من الأفراد فيه استيلاء على جزء من مالهم وحرمان لهم من التمتع به، وهذا الحرمان إنما رُخِّص فيه؛ لأن الضرورة قضت به إذ لا يمكن القيام بالمصالح العامة بدونه، والمصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة.

ولو تركت الدول الإسلامية في عصرنا دون ضرائب تنفق منها، لكان من المحتم أن تزول بعد زمن يسير من قيامها، وينخر الضعف كيانها من كل نواحيه، فضلا عن الأخطار العسكرية عليها، فلقد أصبح التسليح ونفقات الجيوش في عصرنا مما يحتاج إلى موارد هائلة من المال.

ومع هذا لم تعد القوة مقصورة على السلاح والجيوش؛ إذ لابد من القوة والتفوق في شتى جوانب الحياة العلمية والصناعية والاقتصادية، وكل هذا يفتقر إلى أمداد غزيرة من المال، ولا سبيل إلى ذلك إلا بفرض الضرائب باعتبارها نوعا من الجهاد بالمال، ليقوي الفرد أمته، ويحمي دولته، فيقوي بذلك نفسه، ويحمي دينه ودمه وماله وعرضه .

استقلال مصارف الزكاة عن الضرائب وبيان حاجة الدولة لمورد إضافي

وحيث إن ما سبق ذِكْره من أمور - كالدفاع والأمن والقضاء والتعليم والصحة والنقل والمواصلات والري والصرف وغير ذلك - ضروري لا يمكن الاستغناء عنه للدولة الإسلامية ولأي دولة، فمن أين للدولة أن تنفق على هذه المرافق وإقامة هذه المصالح؟

وحيث لم يُجَوِّز الفقهاء صرف أموال الزكاة في غير مصارفها ، فمصارف الزكاة محدودة محصورة في الأصناف الثمانية التي حددها القرآن، ولقد كان للزكاة بيت مال خاص، أي: ميزانية مستقلة، فقال الفقهاء: لا يجوز صرف الزكاة إلى غير مَن ذَكَر اللهُ تعالى من بناء المساجد، والجسور، والقناطر، والسقايات، والمدارس، وتمهيد الطرق، وشق الأنهار، وسد البثوق .

ولم يُجَوِّزوا كذلك أن يخلط مال الزكاة بأموال موارد أخرى، لتصرف في مصارفها الشرعية المنصوصة، فلا تداخل بين أموال الزكاة وأموال الضرائب، فإن لكل مصادره ومصارفه، فلا تغني الزكاة عن الضرائب ولا الضرائب عن الزكاة.

زوال الموارد القديمة وظهور مفهوم النوائب والضرائب عند الحنفية

والدولة الإسلامية سابقا كانت تنفق على هذه المصالح من مصادر لم تعد موجودة الآن ، فلم يعد لإقامة مصالح الأمة مورد إلا فرض ضرائب بقدر ما يحقق المصلحة الواجب تحقيقها.

وقد أقر جماعة من فقهاء المذاهب المتبوعة الضرائب، لكنهم لم يطلقوا عليها اسم «الضرائب»، فسماها بعض الحنفية «النوائب» جمع نائبة، وهي اسم لما ينوب الفرد من جهة السلطان، بحق أو بباطل.

جاء في حاشية رد المحتار لابن عابدين في بيان معنى [النوائب]:

«ما يكون بحقٍّ كأجرة الحراس، وكري النهر المشترك، والمال الموظف لتجهيز الجيش، وفداء الأسرى إذا لم يكن في بيت المال شيء وغيرهما مما هو بحق, فالكفالة به جائزة بالاتفاق; لأنها واجبة على كل مسلم موسِر بإيجاب طاعة ولي الأمر فيما فيه مصلحة المسلمين ولم يلزم بيت المال أو لزمه ولا شيء فيه. وإن أريد بها ما ليس بحق كالجبايات الموظفة على الناس في زماننا ببلاد فارس على الخيَّاط والصباغ وغيرهم للسلطان في كل يوم أو شهر فإنها ظلم» .

وقد نقل ابن عابدين أيضا عن أبي جعفر البلخي قوله:

«ما يَضْرِبُه السلطانُ على الرعية مصلحةً لهم يصير دَيْنًا واجبا وحقًّا مستحقا كالخراج, وقال مشايخنا: وكل ما يضربه الإمام عليهم لمصلحة لهم فالجواب هكذا، حتى أجرة الحراسين لحفظ الطريق، واللصوص، ونصب الدروب، وأبواب السكك، وهذا يُعْرَف ولا يُعَرَّف خوف الفتنة، ثم قال: فعلى هذا ما يؤخذ في خوارزم من العامة لإصلاح مسناة الجيحون أو الربض ونحوه من مصالح العامة دين واجب لا يجوز الامتناع عنه وليس بظلم، ولكن يعلم هذا الجواب للعمل به وكف اللسان عن السلطان وسعاته فيه لا للتشهير حتى لا يتجاسروا في الزيادة على القدر المستحق. اهـ» .

إقرار المالكية والشافعية وابن تيمية بفرض الأموال زمن الحاجة العامة

ومن المالكية يقول الإمام الشاطبي:

«إنا إذا قدرنا إماما مطاعا مفتقِرا إلى تكثير الجنود لسدِّ الثغور وحماية المُلك المتسع الأقطار، وخلا بيت المال عن المال، وارتفعت حاجات الجند إلى ما لا يكفيهم، فللإمام - إذا كان عدلا - أن يوظف على الأغنياء ما يراه كافيا لهم في الحال، إلى أن يظهر مال في بيت المال... وإنما لم ينقل مثل هذا عن الأولين؛ لاتساع مال بيت المال في زمانهم بخلاف زماننا، فإن القضية فيه أحرى، ووجه المصلحة هنا ظاهر؛ فإنه لو لم يفعل الإمام ذلك لانْحلَّ النظام، وبطلت شوكة الإمام، وصارت ديارُنا عرضة لاستيلاء الكفار» .

ومن الشافعية يقول الإمام الغزالي:

«إذا خلت الأيدي من الأموال، ولم يكن من مال المصالح ما يفي بخراجات العسكر، ولو تفرق العسكر، واشتغلوا بالكسب لخيف دخول العدو ديار المسلمين، أو خيف ثوران الفتنة من أهل الغرامة في بلا الإسلام، جاز للإمام أن يوظف على الأغنياء مقدار كفاية الجند" .

وقد تكلم عنها شيخ الإسلام ابن تيمية بما يفيد إقراره لبعض ما يأخذه السلطان باعتباره من الجهاد بالمال الواجب على الأغنياء، وسماها بـ"الكلف السلطانية" أي: التكليفات المالية التي يلزم بها السلطان رعيته أو طائفة منهم .

التمييز بين الضرائب المشروعة والمكوس المحرمة في الحديث الشريف

هل الضرائب هي المكوس المحرمة:

أما ما ورد من أحاديث في ذم المكس، كحديث عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

«لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ صَاحِبُ مَكْسٍ»

- فليس فيها نصٌّ في منع مطلق الضريبة؛ لأن كلمة "المكس" لا يراد بها معنى واحد محدد لغة أو شرعا.

فيمكن حمل ما جاء في صاحب المكس على الموظف العامل على الزكاة، الذي يظلم في عمله ويعتدي على أرباب الأموال فيأخذ منهم ما ليس من حقه بغير رضا منهم، وذلك لمصلحته الخاصة، لا لمصلحة المسلمين العامة، فإنه يغل من مال الله الذي جمعه، وهذا المال حق الفقراء والمساكين وسائر المستحقين.

وكذلك يمكن حمل كلمة [المكس] على معنى آخر، وهو: الضرائب الجائرة التي كانت تسود العالم قبل ظهور الإسلام، فقد كانت تؤخذ بغير حق، وتنفق في غير حق، ولا توزع أعباؤها بالعدل، فلم تكن هذه الضرائب تنفق في مصالح الشعوب، بل في مصالح الملوك والحكام وشهواتهم، وأتباعهم ولم تكن تؤخذ من المواطنين حسب قدرتهم على الدفع، فكثيرا ما أعفي الغني محاباة، وأرهق الفقير عدوانا .

وهذا النوع هو ما يطلق عليه اسم [المكس] الذي جاء فيه ذلك الوعيد الشديد؛ قال الإمام الذهبي في [الكبائر]:

«المكَّاس من أكبر أعوان الظلمة، بل هو من الظلمة أنفسهم، فإنه يأخذ ما لا يستحق، ويعطيه لمن لا يستحق» .

حكم الضرائب والجمارك المعاصرة وتحريم التهرب والرشوة فيها

أما الضرائب التي تُفْرض لتغطي نفقات الميزانية، وتسد حاجات البلاد من الإنتاج والخدمات، وتقيم مصالح الأمة العامة العسكرية والاقتصادية و الثقافية وغيرها، وتنهض بالشعب في جميع الميادين، حتى يتعلم كل جاهل، ويعمل كل عاطل، ويشبع كل جائع، ويأمن كل خائف، ويعالج كل مريض- فإنها واجبة، وللحكومة الإسلامية الحق في فرضها وأخْذها من الرعية حسب المصلحة وبقدر الحاجة.

أما الجمارك: فهي نوع من الضرائب المالية تُوضع على بضائع تدخل لبلاد المسلمين تقررها الدولة، وما يجمع من هذه الضرائب يدخل خزينة الدولة للمصالح العامة، ومن هذه المصالح: تشجيع البضائع والمنتجات المحلية لصالح المواطن والمستهلك، ففرضها فيه حماية للسوق المحلي، وحيث إنها نوع من الضرائب فتأخذ نفس أحكام الضرائب السابق ذكرها.

يتبين مما سبق أنه لا يجوز التهرب من الضرائب والجمارك، ولا يجوز دفع الرشوة لإنقاصها، كما ننصح القائمين على الأمر بأن بمراعاة توجيه الضرائب بنسبة أكبر للفئات الثرية، والابتعاد بها عن الفئات الفقيرة غير القادرة على تحمل أعباء الحياة. والله تعالى أعلى وأعلم.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

ما تعريف الضريبة في الفقه الإسلامي المعاصر؟

مقدار محدد من المال تفرضه الدولة دون أن يقابله نفع مخصوص

من أول من اجتهد في فرض أموال من غير الزكاة لتحقيق المصالح العامة في الإسلام؟

عمر بن الخطاب

ما الأصناف التي تجب عليها ضريبة الخراج؟

كل من بيده أرض خراجية نامية مسلماً كان أم كافراً

ما وجه الدلالة في آية البر على أن في المال حقاً سوى الزكاة؟

جمعت الآية بين إيتاء المال وإيتاء الزكاة بالعطف المقتضي للمغايرة

ما الحكم الشرعي للتهرب من الضرائب والجمارك؟

لا يجوز شرعاً

بأي مصطلح سمى فقهاء الحنفية الضرائب المفروضة لمصلحة المسلمين؟

النوائب

ما موقف الإمام الشاطبي المالكي من فرض الضرائب على الأغنياء؟

أجازه للإمام العادل حين يخلو بيت المال وتشتد الحاجة

ما المقصود بـ«الكلف السلطانية» عند ابن تيمية؟

التكليفات المالية التي يلزم بها السلطان رعيته لمصلحة المسلمين

لماذا لا تغني الزكاة عن الضرائب في الدولة الإسلامية؟

لأن مصارف الزكاة محصورة في الأصناف الثمانية ولا تشمل المرافق العامة

ما المعنى الذي يُحمل عليه «المكس» المحرم في الحديث النبوي؟

الضرائب الجائرة التي تؤخذ بغير حق وتنفق في مصالح الحكام لا الشعوب

ما القاعدة الشرعية التي تحتم فرض الضرائب لدرء الأضرار العامة؟

يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام

ما حكم دفع الرشوة لإنقاص الضرائب أو الجمارك؟

لا يجوز شرعاً

ما الموارد المالية القديمة التي كانت تغني الدولة الإسلامية عن فرض الضرائب؟

خمس الغنائم الحربية وأموال الفيء

ما الهدف الأساسي من فرض الجمارك في الإسلام؟

حماية السوق المحلي وتشجيع المنتجات الوطنية وتمويل خزينة الدولة

ما الفرق بين الضريبة المشروعة والمكس المحرم؟

الضريبة المشروعة تُفرض بالعدل لمصلحة الأمة وتُنفق في المرافق العامة، أما المكس المحرم فهو ما يُؤخذ بغير حق وينفق في مصالح الحكام وشهواتهم لا مصالح الشعوب.

ما أهداف ضريبة الخراج التي فرضها عمر بن الخطاب؟

توفير مورد مالي ثابت للأمة الإسلامية بأجيالها المتعاقبة، وتوزيع الثروة وعدم حصرها في فئة معينة، وعمارة الأرض بالزراعة وعدم تعطيلها.

هل كانت ضريبة الخراج موجودة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم؟

لا، أكد الإمام أحمد بن حنبل أن الخراج لم يكن في الإسلام قبل خلافة عمر بن الخطاب، فلم يُفرض في عهد النبي ولا في عهد أبي بكر الصديق.

ما القاعدة الفقهية التي تجعل فرض الضرائب واجباً لا مجرد جائز؟

قاعدة «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»، فإقامة مصالح الأمة واجبة ولا تتم إلا بالمال، ولا مال بغير فرض الضرائب.

لماذا اعتبر الفقهاء الضرائب نوعاً من الجهاد بالمال؟

لأن الضرائب تُقوّي الأمة عسكرياً وعلمياً واقتصادياً، فيقوي بها الفرد أمته ويحمي دولته ودينه ودمه وماله وعرضه.

ما شرط الضرورة في فرض الضرائب؟

يجب ألا تتجاوز الضرورة قدرها، وأن يُراعى في وضع الضرائب وطرق تحصيلها ما يخفف وقعها على الأفراد.

ما الصحابة الذين تقرر عندهم أن في مال المسلم حقاً غير الزكاة؟

عمر وعلي وأبو ذر وعائشة وابن عمر وأبو هريرة والحسن بن علي وفاطمة بنت قيس رضي الله عنهم، ومن التابعين الشعبي ومجاهد وطاوس وعطاء.

لماذا رجّح العلماء رواية الترمذي على رواية ابن ماجه في حديث فاطمة بنت قيس؟

لأن رواية الترمذي المثبِتة لحق غير الزكاة في المال يوافقها دليل آية البر، ورأى السندي أن رواية ابن ماجه النافية أقرب إلى الخطأ، ومن المحتمل أن لفظة «ليس» زيدت فيها خطأً.

ما الفرق بين النوائب الجائزة والنوائب المحرمة عند الحنفية؟

النوائب الجائزة ما فُرض بحق لمصلحة المسلمين كأجرة الحراس وتجهيز الجيش، والنوائب المحرمة ما فُرض ظلماً لمصلحة السلطان الخاصة كالجبايات على الخياط والصباغ.

ما موقف الإمام الغزالي من فرض الضرائب على الأغنياء؟

أجاز الغزالي للإمام توظيف مقدار كفاية الجند على الأغنياء حين يخلو بيت المال ويُخشى دخول العدو أو ثوران الفتنة في بلاد الإسلام.

ما المرافق العامة التي تُنفق فيها أموال الضرائب؟

الدفاع والأمن والقضاء والتعليم والصحة والنقل والمواصلات والري والصرف وغيرها من المصالح التي يستفيد منها مجموع المسلمين.

لماذا لا يجوز صرف أموال الزكاة في بناء المساجد والجسور والمدارس؟

لأن مصارف الزكاة محصورة في الأصناف الثمانية التي حددها القرآن، وقد نص الفقهاء على عدم جواز صرفها في بناء المساجد والجسور والقناطر والمدارس وتمهيد الطرق.

ما الموارد المالية القديمة التي زالت وجعلت الدولة الإسلامية تحتاج إلى الضرائب؟

خمس الغنائم الحربية وأموال الفيء التي كانت تغني الخزانة في العهد الإسلامي الأول، إضافة إلى محدودية واجبات الدولة آنذاك مقارنةً بالعصر الحديث.

ما تعريف الجمارك وما علاقتها بالضرائب؟

الجمارك نوع من الضرائب المالية توضع على البضائع الداخلة لبلاد المسلمين لحماية السوق المحلي وتشجيع المنتجات الوطنية، وتأخذ أحكام الضرائب ذاتها.

ما معنى التضامن الاجتماعي في سياق الضرائب الإسلامية؟

هو حق المجتمع على الفرد في التعاون على إقامة مصالح الدولة كافة، لا مجرد مواساة الفقراء، إذ إن الفرد لم يكسب ماله إلا بمساهمة المجتمع من قريب أو بعيد.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!