ما حكم تعلم علم المنطق وما الفرق بين المنطق الخالص والمشوب بكلام الفلاسفة وما شروط الاشتغال به؟
حكم تعلم المنطق يختلف باختلاف نوعه: فالمنطق الخالص عن كلام الفلاسفة جائز بل هو فرض كفاية على من يتصدى للدفاع عن الإسلام، أما المنطق المشوب بكلام الفلاسفة ففيه ثلاثة أقوال: التحريم، والاستحباب، والتفصيل. والقول المشهور الصحيح أنه يجوز لكامل القريحة الممارس للكتاب والسنة، وهو مستحب لطلاب العلوم الشرعية لأنه يعينهم على فهم المصطلحات وصون التفكير من الخطأ.
- •
هل علم المنطق من العلوم المذمومة التي حذر منها السلف، أم أن الذم خاص بنوع معين منه؟
- •
علم المنطق هو آلة قانونية تعصم الذهن من الخطأ في التفكير، ويُعرف أيضًا بفن النظر وميزان العقول ومعيار العلم.
- •
الخلاف في حكم المنطق منصبٌّ على المنطق المشوب بكلام الفلاسفة، وفيه ثلاثة أقوال: التحريم عند ابن الصلاح والنووي، والاستحباب عند الغزالي، والتفصيل وهو القول المشهور الصحيح.
- •
المنطق الخالص عن كلام الفلاسفة كمختصر السنوسي والشمسية لا خلاف في جواز تعلمه، بل ذهب الدمنهوري إلى أنه فرض كفاية لتوقف رد الشبه عليه.
- •
اشترط تقي الدين السبكي لجواز تعلم المنطق المشوب أن يتقدم الطالب بدراسة القرآن والسنة والفقه حتى يرسخ في ذهنه الاعتقاد الصحيح وتعظيم الشريعة.
- •
المنطق مستحب لطلاب العلوم الشرعية لأن مصطلحاته انتشرت في أصول الفقه والفقه والحديث وعلوم اللغة، ولا يمكن استيعاب هذه العلوم دون معرفته.
- 1
علم المنطق آلة قانونية تصون الذهن من الخطأ، ويُعرف بفن النظر وميزان العقول ومعيار العلم، وقواعده تقود إلى نتائج صحيحة.
- 2
المنطق لا يذم لذاته بل باعتبار استعمالاته، وقواعده تنقسم بين البديهي الذي لا يحتاج تأملًا والنظري الذي يستلزمه.
- 3
ذم المنطق خاص بالمشوب بكلام الفلاسفة، وفيه ثلاثة أقوال: التحريم والاستحباب والجواز المشروط، وهو القول المشهور الصحيح.
- 4
المنطق الخالص كالشمسية والسنوسي جائز بلا خلاف وقد يكون فرض كفاية، أما المشوب بالفلسفة فهو محل الخلاف الثلاثي بين العلماء.
- 5
القول الأول تحريم المنطق عند ابن الصلاح والنووي وابن تيمية، وسببه إفضاؤه إلى الكبر والعجب، وهذا المعنى يشمل سائر العلوم عند غياب التربية.
- 6
النووي حرّم المنطق لإثارته الشبه وإشغاله العقول، لكن الحكم يرتفع عمن رسخ في الكتاب والسنة وتعلمه لرد الشبه عن الدين.
- 7
ابن تيمية تعلم المنطق ليرده من داخله، وما توصل إليه بدائل منطقية من زاوية مختلفة لا نقض للمنطق من أصله.
- 8
القول الثاني استحباب تعلم المنطق أو وجوبه كفاية، وهو قول الغزالي الذي اعتبره مقدمة العلوم كلها، وتابعه الآمدي والبيضاوي وابن الحاجب.
- 9
القول الثالث التفصيل: المنطق المشوب يجوز لكامل القريحة الممارس للكتاب والسنة، والخالص فرض كفاية على المدافعين عن الإسلام.
- 10
المنطق مستحب لطلاب الشريعة لأن مصطلحاته سرت في أصول الفقه والحديث واللغة، ومن يجهله لا يميز صحيح العلوم من فاسدها.
- 11
السبكي اشترط لجواز تعلم المنطق الرسوخ في القرآن والسنة والفقه وصحة الذهن ووجود شيخ ديّن، فإذا توافرت هذه الشروط كان المنطق من أحسن العلوم وأنفعها.
- 12
السبكي وصف المنطق بأنه علم عقلي محض وشبّهه بالسيف نفعًا وضررًا، وخلاصة حكم تعلمه تتوقف على أهلية المتعلم وسلامة عقيدته.
ما تعريف علم المنطق وما أسماؤه ووظيفته في تصحيح التفكير؟
علم المنطق هو آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر. ويُطلق عليه تسميات عدة منها: فن النظر، وميزان العقول، ومعيار العلم. وهو في حقيقته مجموعة من القوانين العقلية التي إن راعاها الإنسان في تفكيره استطاع الوصول إلى نتائج صحيحة خالية من الخطأ.
هل علم المنطق مذموم في ذاته وما الفرق بين قواعده البديهية والنظرية؟
علم المنطق لا يذم من حيث هو علم، فالعلوم لا تذم لذاتها بل باعتبار استعمالاتها. وليست كل قواعد المنطق بديهية، بل منها ما هو بديهي ومنها ما هو نظري يحتاج إلى تأمل وتنبيه.
ما محل الذم الوارد عن السلف في تعلم المنطق وما الأقوال الثلاثة في حكمه؟
الذم المنقول عن السلف في تعلم المنطق خاص بالمنطق المختلط بكلام الفلاسفة الباطل لا بالمنطق مطلقًا. وقد وقع الخلاف في هذا النوع على ثلاثة أقوال: التحريم وهو قول ابن الصلاح والنووي، والاستحباب وهو قول قوم آخرين، والقول المشهور الصحيح بالجواز لكامل القريحة الممارس للكتاب والسنة.
ما الفرق بين المنطق المشوب بالفلسفة والمنطق الخالص منها وما حكم كل منهما؟
الخلاف بين العلماء منصبٌّ على المنطق المشوب بكلام الفلاسفة كالذي في طوالع البيضاوي، أما المنطق الخالص منها كمختصر السنوسي والشمسية والسلَّم فلا خلاف في جواز الاشتغال به. بل ذهب الدمنهوري إلى أنه لا يبعد أن يكون فرض كفاية لتوقف معرفة الشبه عليه، ورد الشبه فرض كفاية وما يتوقف عليه الواجب فهو واجب.
ما القول الأول في حكم المنطق ولماذا ذهب ابن الصلاح والنووي إلى تحريمه؟
القول الأول هو التحريم، وهو اختيار الإمام ابن الصلاح والنووي وابن تيمية وحكاه السيوطي عن كثير من العلماء. وقيل إن سبب تحريمه عند ابن الصلاح أنه يؤدي إلى الكبر والعجب إذ تقوى حجة من تعلمه فيستطيل على غيره، والكبر والعجب من أمراض القلوب المحرمة. غير أن هذا المعنى يرد على سائر العلوم كالحديث والنحو والصرف إذا تُعلِّمت دون تربية وإخلاص.
ما سبب تحريم النووي لعلم المنطق ومتى يرتفع هذا الحكم عن المتعلم؟
سبب تحريم الإمام النووي للمنطق أنه يثير كثيرًا من الشبه العقلية ويشغل العقول عما هو أهم، ومذهبه أن كل عبث فهو حرام. ومحل هذا الحكم هو المنطق المختلط بكلام الفلاسفة الباطل، أما من كان ممارسًا للكتاب والسنة ممتلئًا بالعقيدة الصحيحة فله تعلمه ليرد حجج المبطلين بجنس ما استدلوا به، وحينئذ ينتفي كونه عبثًا بل قد يصير واجبًا في حقه.
كيف تعامل ابن تيمية مع علم المنطق وما الذي توصل إليه في رده عليه؟
ابن تيمية ألّف في الرد على المنطقيين، لكنه لم يكتب لنقض المنطق حتى تعلمه وعرف قواعده؛ لأنه أراد نقضه من خلال قواعده ذاتها. والذي توصل إليه هو مجرد وجود بدائل منطقية رجّحها لتكون بديلًا عن القواعد التي وضعها المناطقة قبله، فما توصل إليه في حقيقته منطق لكن من وجهة نظر أخرى.
ما القول الثاني في حكم المنطق وما موقف الغزالي منه في المستصفى؟
القول الثاني أنه ينبغي أن يُعلم، وهو المحكي عن الإمام الغزالي الذي قال في مقدمة المستصفى إن المنطق مقدمة العلوم كلها ومن لا يحيط بها فلا ثقة له بعلومه أصلًا. وقد تابعه على هذا القول عدد من المتأخرين كالآمدي والبيضاوي وابن الحاجب، وذكر الملوي أن لفظ ينبغي يحتمل الوجوب الكفائي أو الاستحباب.
ما القول الثالث التفصيلي في حكم تعلم المنطق ومن يجوز له الاشتغال به؟
القول الثالث هو التفصيل: يجوز تعلم المنطق المشوب بالفلسفة لكامل القريحة المزاول للكتاب والسنة العارف بالعقائد الحقة، أما من لم تكمل قريحته ولم يمارس الكتاب والسنة فلا يجوز له الاشتغال به. أما المنطق الخالص عن كلام الفلاسفة فالمختار أنه فرض كفاية لكل من تصدى للدفاع عن الإسلام لأن رد الشبه لا يحصل إلا به.
لماذا يُستحب تعلم المنطق لطلاب العلوم الشرعية وما أثره في فهم العلوم المختلفة؟
المنطق مستحب للمشتغلين بالعلوم الشرعية لأن من لا يعرفه لا يستطيع التفريق بين صحيح العلوم وفاسدها ولا يدركها كمال الإدراك. كما أن مصطلحاته المنطقية انتشرت في مؤلفات أصول الفقه والفقه وعلم الحديث وعلوم اللغة كالنحو والصرف والبلاغة، ولا يمكن استيعاب هذه العلوم وإدراك بناء بعضها على بعض إلا بمعرفة تلك الاصطلاحات.
ما شروط تقي الدين السبكي لجواز الاشتغال بالمنطق ومتى يكون نافعًا لطالب العلم؟
اشترط تقي الدين السبكي لجواز الاشتغال بالمنطق أن يتقدم الطالب بدراسة القرآن والسنة والفقه حتى يترسخ في ذهنه الاعتقاد الصحيح وتعظيم الشريعة وتنقيص الفلسفة. ويشترط أيضًا أن يعلم من نفسه صحة الذهن بحيث لا تتروج عليه الشبهة على الدليل، وأن يجد شيخًا دينًا ناصحًا حسن العقيدة. فإذا توافرت هذه الشروط جاز له الاشتغال بالمنطق وانتفع به وأعانه على العلوم الإسلامية وغيرها.
كيف وصف السبكي علم المنطق في ذاته وما خلاصة حكم تعلمه؟
وصف السبكي المنطق بأنه علم عقلي محض كالحساب، ومن قال إنه كفر أو حرام فهو جاهل لا يعرف الكفر ولا التحريم ولا التحليل. غير أن المنطق يختلف عن الحساب في أن صاحبه قد يتعاظم ويزدري غيره، وينفتح له النظر في بقية علوم الحكمة التي فيها خطأ منابذ للإسلام، فمن اقتصر عليه دون سابقة صحيحة خُشي عليه التزندق. وشبّهه السبكي بالسيف: يجاهد به أحدهم في سبيل الله ويقطع به آخر الطريق، وبهذا يُعلم حكم تعلم المنطق وتخريج ما ورد من تحريم فيه.
حكم تعلم المنطق يتوقف على نوعه وعلى حال المتعلم، فالخالص من الفلسفة فرض كفاية والمشوب مشروط بالتأهل الشرعي.
حكم تعلم المنطق لا يمكن الجزم فيه بكلمة واحدة دون تفصيل؛ إذ ينقسم المنطق إلى قسمين: خالص عن كلام الفلاسفة كالشمسية ومختصر السنوسي، وهذا لا خلاف في جوازه بل ذهب الدمنهوري إلى أنه فرض كفاية لتوقف رد الشبه عليه. ومشوب بكلام الفلاسفة وهو محل الخلاف الذي دار بين العلماء على ثلاثة أقوال.
القول المشهور الصحيح في المنطق المشوب بالفلسفة هو التفصيل: فيجوز لكامل القريحة الممارس للكتاب والسنة الراسخ في العقيدة الصحيحة، ويحرم على من لم تكتمل أهليته خشية الوقوع في الشبه. وقد اشترط تقي الدين السبكي أن يتقدم الطالب بدراسة القرآن والسنة والفقه قبل الاشتغال بالمنطق، وشبّهه بالسيف: يجاهد به أحدهم في سبيل الله ويقطع به آخر الطريق.
أبرز ما تستفيد منه
- المنطق الخالص عن الفلسفة جائز بلا خلاف وهو فرض كفاية لرد الشبه.
- الخلاف في المنطق المشوب بالفلسفة على ثلاثة أقوال: تحريم واستحباب وتفصيل.
- القول الصحيح المشهور: يجوز للراسخ في الكتاب والسنة ذي العقيدة السليمة.
- المنطق مستحب لطلاب الشريعة لانتشار مصطلحاته في أصول الفقه والحديث واللغة.
- من قال بتحريم المنطق مطلقًا فقوله مردود لأن الذم خاص بالمشوب بالفلسفة الباطلة.
تعريف علم المنطق وأسماؤه ووظيفته في تصحيح التفكير
س 6: ما حكم تعلم علم المنطق، وهل صحيح أنه من العلوم المذمومة التي حذر منها السلف الصالح؟
الجواب
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. وبعد، فيعرف علم المنطق ويُعَرَّف بأنه:
«آلةٌ قانونيـةٌ تعصم مراعاتُـها الذهنَ عن الخطأِ في الفكر»
[1]،ويطلق على علم المنطق تسميات عدة، منها: فن النظر، وميزان العقول، ومعيار العلم. فهو في الحقيقة مجموعة من القوانين العقلية التي إن راعاها الإنسان في التفكير استطاع أن يصل إلى النتائج الصحيحة الخالية من الخطأ.
عدم ذم المنطق لذاته والتمييز بين البديهي والنظري
وهو بهذا الاعتبار علم لا يذم؛ فالعلوم لا تذم من حيث هي علوم، إنما تذم باعتبار استعمالاتها واستخداماتها، وليست كل قواعد وقوانين المنطق بديهية، بل منها ما هو بدهي ومنها ما هو نظري يحتاج إلى تأمل وتنبيه.
محل الذم في المنطق المختلط بالفلسفة وذكر أقوال الأخضري
والتحقيق أن ما نقل من ذم تعلم المنطق والتحذير منه، إنما هو خاص بالمنطق المختلط بكلام الفلاسفة الباطل، فالمنطق المختلط بكلام الفلاسفة قد وقع فيه الخلاف على ثلاثة أقوال، أشار إليها الشيخ الأخضري بقوله:
والخلف في جواز الاشتغال
به على ثلاثة أقوال
فابن الصلاح والنواوي حرما
وقال قوم ينبغي أن يعلما
والقولة المشهورة الصحيحة
جوازه لكامل القريحة
ممارس السنة والكتـــاب
ليهتدي به إلى الصواب
شرح الدمنهوري وتمييز المنطق المشوب عن المنطق الخالص
قال شارحه الشيخ الدمنهوري:
«واعلم أن هذا الخلاف إنما هو بالنسبة للمنطق المشوب بكلام الفلاسفة؛ كالذي في طوالع البيضاوي، وأما الخالص منها؛ كمختصر السنوسي، والشمسية، والسلَّم فلا خلاف في جواز الاشتغال به، بل لا يبعد أن يكون الاشتغال به فرض كفاية؛ لتوقف معرفة الشبه عليه، ومن المعلوم أن القـيام به فرض كفاية»
اهـ [2].
القول الأول تحريم المنطق وأسبابه عند ابن الصلاح
والقول الأول: وهو التحريم، وهو اختيار الإمام ابن الصلاح، والنووي، وابن تيمية، وحكاه السيوطي عن كثير من العلماء [3].
وقيل: إن السبب في تحريم المنطق عند الإمام ابن الصلاح أنه يؤدي إلى الكبر، فإن مَن عرفه قويت حجته على غيره فاستطال عليه بلسانه، ويؤدي ذلك إلى كبره وعجبه، والكبر والعجب كلاهما من أمراض القلوب وأمراض القلوب حرام، فيحرم على الإنسان السعي في تحصيلها.
وما قاله الإمام ابن الصلاح أنه يقتضي الكبر والعجب، فيحرم تعلمه، فذلك يكون أيضًا في الحديث والنحو والصرف وفي كل العلوم، فكل هذه العلوم مَن أخذها دون تربية ودون عناية واهتمام بالإخلاص في تعلمه إياها أدى به هذا العلم إلى الكبر والعجب [4].
سبب موقف النووي وتقييد حرمة المنطق بالمشوب بالفلسفة
وقيل: إن السبب في حرمة علم المنطق عند الإمام النووي أنه يثير كثيرًا من الشبه العقلية، ويجهد العقول ويشغلها عما هو أهم، ومذهبه أن كل ما هو عبث فهو حرام.
ومحل ما قاله الإمام النووي هو المنطق المختلط بكلام الفلاسفة الباطل، ففيه من الشبه التي تؤدي بصاحبها إلى الضلال إن لم يكن ممارسًا للكتاب والسنة، وممتلئا بالعقيدة الصحيحة، أما المشتغل والممارس للسنة والكتاب مع دقة فهمه لهما ذو العقيدة السليمة فله أن يتعلم المنطق المختلط بكلام الفلاسفة الفاسد؛ ليرد حجج المبطلين بجنس ما استدلوا به، ولإفحامهم بنفس أدلتهم، ومادام تعلمه لغرض دفع الشبه عن الدين انتفى كونه من العبث، فتزول حرمته، بل قد يصير واجبا في حقه.
موقف ابن تيمية من المنطق ومحاولته لنقده من داخله
وأما الشيخ ابن تيمية فقد ألف في الرد على المنطقيين، لكن الحاصل أنه ما كتب لنقض المنطق حتى تعلم المنطق وعرف قواعده؛ لأنه أراد نقضه من خلال قواعده، والذي توصَّل إليه هو مجرد وجود بدائل منطقية رجحها لأن تكون بدائل عن القواعد التي وضعها المناطقة قبله، فما توصل إليه مجرد منطق لكن من وجهة نظر أخرى.
القول الثاني في المنطق واعتباره مقدمة للعلوم عند الغزالي
والقول الثاني: أنه ينبغي أن يُعلم، وهو المحكي عن الإمام الغزالي، فقد قال في مقدمة المستصفى:
«وليست هذه المقدمة من جملة علم الأصول ولا من مقدماته الخاصة به, بل هي مقدمة العلوم كلها, ومَن لا يحيط بها فلا ثقة له بعلومه أصلا» [5].
وما قاله الغزالي قال به عدد من المتأخرين بعده؛ كالآمدي، والبيضاوي، وابن الحاجب، وعدد من أئمة الإسلام. وقوله في السلم [ينبغي] ذكر الشيخ الملوي في شرحه: أنه يحتمل أن يكون بمعنى يجب كفاية، ويحتمل أن يكون بمعنى يستحب [6].
القول الثالث التفصيلي وحكم المنطق الخالص عن الفلسفة
القول الثالث: وفيه التفصيل، فيجوز تعلمه لكامل القريحة المزاول والممارس للسنة والكتاب بحيث يعرف العقائد الحقة من الباطلة، أما من لم تكمل قريحته ولم يمارس الكتاب والسنة فلا يجوز له الاشتغال به.
ومحل هذه الأقوال كما ذكرنا في السابق في المنطق المختلط بكلام الفلاسفة، أما المنطق الذي قد اعتنى العلماء المسلمين به واستخدموه في كتبهم وهو الخالي عن كلام الفلاسفة فالمختار في حكم تعلمه أنه فرض كفاية لكل مَن تصدى للدفاع عن الإسلام؛ لأن القدرة على رد الشبه لا تحصل إلا به، وردها فرض كفاية، وما يتوقف على الواجب فهو واجب.
استحباب المنطق لطلاب الشريعة وأثره في فهم العلوم المختلفة
وهو مستحب للمشتغلين بالعلوم الشرعية؛ لأن مَن لا يعرفه لا يستطيع أن يفرِّق بين صحيح العلوم وفاسدها، ولا يدركها كمال الإدراك، كما أنه يساعد على فهم المصطلحات المنطقية التي استعملها العلماء في كتبهم، فقد انتشرت المؤلفات متأثرة بهذا العلم في أصول الفقه، والفقه، وعلم الحديث، وفي علوم اللغة؛ كالنحو والصرف والبلاغة، ولا يمكن استيعاب هذه العلوم المختلفة، ولا إدراك بناء بعضها على بعض إلا بمعرفة الاصطلاحات المنطقية.
فتوى التقي السبكي في شروط دراسة المنطق ونفعه لطالب العلم
ونختم مقالنا هذا بفتوى شيخ الإسلام الإمام المجتهد الحجة تقي الدين السبكي، وفيها زبدة المراد، سئل العلامة المذكور عن رجل أراد الاشتغال بالعلوم الإسلامية فهل يكون اشتغاله بالمنطق نافعًا له ويثاب على تعلمه وهل يكون المنكر عليه جاهلا؟
فأجاب بقوله:
«الحمد لله، ينبغي أن يقدم على ذلك الاشتغال بالقرآن والسنة والفقه حتى يتروى منها ويرسخ في ذهنه الاعتقادات الصحيحة وتعظيم الشريعة وعلمائها وتنقيص الفلسفة وعلمائها بالنسبة إلى الاعتقادات الإسلامية، فإذا رسخ قدمه في ذلك وعلم من نفسه صحة الذهن، بحيث لا تتروج عليه الشبهة على الدليل، ووجد شيخا ديِّنًا ناصحًا حسن العقيدة، أو من ليس كذلك لكنه لا يركن إلى قوله في العقائد، فحينئذ يجوز له الاشتغال بالمنطق وينتفع به ويعينه على العلوم الإسلامية وغيرها, وهو من أحسن العلوم وأنفعها في كل بحث وليس في المنطق بمجرده أصلا.
المنطق كالعلم العقلي المحض وتشبيهه بالسيف وخاتمة الحكم
ومن قال: إنه كفر أو حرام فهو جاهل لا يعرف الكفر ولا التحريم ولا التحليل؛ فإنه علم عقلي محض كالحساب غير أن الحساب لا يجر إلى فساد; لأنه إنما يستعمل في فريضة شرعية، أو مساحة، أو مال، ولا يزدري صاحبه غيره، وليس مقدمة لعلم آخر فيه مفسدة. والمنطق وإن كان سالمًا في نفسه يتعاظم صاحبه، ويزدري غيره في عينه، ويبقى يعتقد في نفسه سقاطة نظر من لا يحسنه، وينفتح له به النظر في بقية علوم الحكمة من الطبيعي الذي ليس فيه الخطأ والإلهي الذي أكثر كلام الفلاسفة فيه خطأ منابذ للإسلام والشريعة، فمن اقتصر عليه ولم تصنه سابقة صحيحة خشي عليه التزندق أو التغلغل باعتقاد فلسفي من حيث يشعر أو من حيث لا يشعر. هذا فصل القول فيه وهو كالسيف يأخذه شخص يجاهد به في سبيل الله وآخر يقطع به الطريق» اهـ [7].
ومما ذكر يعلم حكم تعلم المنطق، وتخريج ما ورد من تحريم في تعلمه، والله تعالى أعلم.
ما شعورك تجاه هذا الفصل؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفصل؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
ما التعريف الصحيح لعلم المنطق؟
آلة قانونية تعصم الذهن عن الخطأ في الفكر
على أي نوع من المنطق ينصبُّ الخلاف بين العلماء في حكم تعلمه؟
المنطق المختلط بكلام الفلاسفة الباطل
كم عدد الأقوال في حكم المنطق المشوب بكلام الفلاسفة؟
ثلاثة أقوال
ما القول المشهور الصحيح في حكم المنطق المشوب بالفلسفة؟
الجواز لكامل القريحة الممارس للكتاب والسنة
ما السبب الذي ذُكر لتحريم ابن الصلاح للمنطق؟
لأنه يؤدي إلى الكبر والعجب وهما من أمراض القلوب
ما موقف الإمام الغزالي من علم المنطق كما جاء في مقدمة المستصفى؟
اعتبره مقدمة العلوم كلها ومن لا يحيط به فلا ثقة بعلومه
ما حكم المنطق الخالص عن كلام الفلاسفة كمختصر السنوسي والشمسية؟
جائز بلا خلاف وقد يكون فرض كفاية
لماذا اشترط تقي الدين السبكي الرسوخ في القرآن والسنة قبل تعلم المنطق؟
حتى يرسخ في الذهن الاعتقاد الصحيح ولا تتروج عليه الشبهة
بماذا شبّه تقي الدين السبكي علم المنطق؟
بالسيف
ما الذي توصل إليه ابن تيمية بعد دراسته للمنطق ومحاولة نقضه؟
وجد بدائل منطقية من وجهة نظر أخرى لا نقضًا للمنطق من أصله
في أي العلوم الشرعية واللغوية انتشرت المصطلحات المنطقية؟
في أصول الفقه والفقه والحديث والنحو والصرف والبلاغة
ما الذي يميز المنطق عن الحساب وفق ما ذكره السبكي؟
الحساب يستعمل في فرائض شرعية ولا يجر إلى فساد بخلاف المنطق
من العلماء الذين تابعوا الغزالي في القول باستحباب تعلم المنطق؟
الآمدي والبيضاوي وابن الحاجب
ما حكم تعلم المنطق لمن يتصدى للدفاع عن الإسلام ورد الشبه؟
فرض كفاية
ما سبب تحريم الإمام النووي للمنطق المشوب بالفلسفة؟
لأنه يثير الشبه العقلية ويشغل العقول عما هو أهم وهو عبث عنده
ما أسماء علم المنطق الأخرى؟
يُطلق على علم المنطق: فن النظر، وميزان العقول، ومعيار العلم.
هل تذم العلوم من حيث هي علوم؟
لا، العلوم لا تذم من حيث هي علوم، وإنما تذم باعتبار استعمالاتها واستخداماتها.
ما الكتب التي ذكرها الدمنهوري مثالًا على المنطق الخالص عن الفلسفة؟
ذكر مختصر السنوسي، والشمسية، والسلَّم أمثلةً على المنطق الخالص الذي لا خلاف في جواز الاشتغال به.
من العلماء الذين قالوا بتحريم المنطق؟
ابن الصلاح، والنووي، وابن تيمية، وحكى السيوطي هذا القول عن كثير من العلماء.
لماذا لا يصح تخصيص المنطق بالتحريم بسبب الكبر والعجب؟
لأن هذا المعنى يرد على سائر العلوم كالحديث والنحو والصرف، فكل علم يُتعلم دون تربية وإخلاص قد يؤدي إلى الكبر والعجب.
متى يصير تعلم المنطق المشوب بالفلسفة واجبًا في حق الشخص؟
يصير واجبًا إذا كان الغرض منه رد حجج المبطلين وإفحامهم بأدلتهم، ودفع الشبه عن الدين، لأنه حينئذ ينتفي كونه عبثًا.
ما الذي يميز ابن تيمية عن غيره ممن حرّموا المنطق؟
ابن تيمية تعلم المنطق وعرف قواعده قبل أن يرد عليه، وما توصل إليه في نقده هو في حقيقته بدائل منطقية من وجهة نظر أخرى.
ما معنى قول الأخضري في السلم: ينبغي أن يُعلم؟
ذكر الشيخ الملوي في شرحه أن لفظ ينبغي يحتمل معنيين: الوجوب الكفائي، أو الاستحباب.
ما شرط كمال القريحة في القول الثالث التفصيلي؟
يشترط أن يكون المتعلم مزاولًا وممارسًا للكتاب والسنة بحيث يعرف العقائد الحقة من الباطلة، فمن لم تكمل قريحته لا يجوز له الاشتغال بالمنطق المشوب.
لماذا لا يمكن استيعاب علوم أصول الفقه والحديث واللغة دون معرفة المنطق؟
لأن المصطلحات المنطقية انتشرت في مؤلفات هذه العلوم، ولا يمكن إدراك بناء بعضها على بعض إلا بمعرفة تلك الاصطلاحات.
ما الشرط المتعلق بالشيخ الذي اشترطه السبكي لتعلم المنطق؟
اشترط السبكي أن يجد الطالب شيخًا دينًا ناصحًا حسن العقيدة، أو إن لم يجد فلا يركن إلى قول شيخه في العقائد.
ما وجه الشبه بين المنطق والحساب عند السبكي؟
كلاهما علم عقلي محض، غير أن الحساب لا يجر إلى فساد لأنه يستعمل في فريضة شرعية أو مساحة أو مال ولا يزدري صاحبه غيره.
ما الخطر الذي حذر منه السبكي لمن تعلم المنطق دون سابقة صحيحة؟
خشي عليه التزندق أو التغلغل في اعتقاد فلسفي من حيث يشعر أو من حيث لا يشعر، بسبب انفتاح النظر في علوم الحكمة الفلسفية.
ما الكتاب الذي ذكره الدمنهوري مثالًا على المنطق المشوب بكلام الفلاسفة؟
ذكر طوالع البيضاوي مثالًا على المنطق المشوب بكلام الفلاسفة الذي هو محل الخلاف.
ما الفرق بين القواعد البديهية والنظرية في علم المنطق؟
القواعد البديهية لا تحتاج إلى تأمل وتُدرك مباشرة، أما النظرية فتحتاج إلى تأمل وتنبيه للوصول إليها.