اكتمل ✓
الفصل 15

ما هي شروط المفتي وآدابه وما خطر تصدر غير المتخصصين للإفتاء؟

الإفتاء منصب شريف يشترط فيه العلم والتخصص والعدالة والاجتهاد وجودة القريحة والفطانة، ولا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا من استوفى هذه الشروط. تصدر غير المتخصصين للإفتاء خطر عظيم في عصر الانفتاح الإعلامي، إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار». والفتوى صناعة مركبة تحتاج إلى تشخيص الواقع وربطه بالدليل الشرعي، وليست فعلاً بسيطاً يقدر عليه كل أحد.

32 دقيقة قراءة
  • هل يجوز لكل من يملك منصة إعلامية أن يفتي الناس في دينهم، وما الخطر الحقيقي لتصدر غير المتخصصين للإفتاء في عصر الانفتاح الإعلامي؟

  • الفتوى في أصلها خطاب إلهي يصدر عن الله تعالى، والمفتي خليفة النبي صلى الله عليه وسلم في وظيفة البيان، وهو بمنزلة الموقع عن رب الأرض والسموات.

  • الفتوى صناعة مركبة تقتضي تشخيص الواقع أولاً ثم البحث عن الحكم الشرعي المناسب، وليست مجرد نقل نص من كتاب.

  • اشترط العلماء للمفتي شروطاً صارمة تشمل الإسلام والعقل والبلوغ والعلم والتخصص والعدالة والاجتهاد وجودة القريحة والفطانة والتيقظ.

  • قسّم النووي المفتين إلى خمسة أصناف بين المستقل وغير المستقل، وكل صنف له شروطه الخاصة، ومن تصدى للفتيا دون هذه الصفات فقد باء بأمر عظيم.

  • التيسير على الناس في الفتوى أدب شرعي مقصود، وتتبع الرخص جائز بشروط وقيود، والخلاف الفقهي بين العلماء رحمة واسعة لا ينبغي الإنكار في مسائله.

خطر تصدر غير المتخصصين للإفتاء في عصر الانفتاح الإعلامي

س 13: لقد تصدر غير المتخصصين لشأن الإفتاء ونريد أن نعرف مكانة الإفتاء في الإسلام وحقيقتها، وما هي الشروط والآداب الواجب توافرها في المفتي ؟

الإجابة بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه من والاه. وبعد فالانفتاح العلمي والفكري والإعلامي الذي يعيشه المسلمون اليوم حالة فريدة لم يسبق لها مثيل، ولم يعد –كما كان سابقا- بالإمكان تحديد وضبط قنوات التلقي والتوجيه والفتوى، بل وبسبب تنوع وسائل الإعلام المشاهد منه والمقروء، ولسهولة التعاطي معه ولكل أحد بات المسلم يسمع الفتوى والتوجيه من كل مكان، ومن مشارب مختلفة، ومذاهب شتَّى، واتجاهات متبانية، وفي كلٍّ الغث والسَّمين، والجيد والرديء، وهذا الأمر خطير جدا يحتاج إلى وعي الناس بحيث لا يُسْتَفْتَى إلا أهل الاختصاص.

ولأهمية قضية الفتوى سوف نفصل القول في مكانة الإفتاء وحقيقته وشروط المفتي وآدابه.

مكانة الإفتاء كخطاب إلهي وارتباطه بالوحي القرآني

مكانة الإفتاء:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. وبعد، فللإفتاء مكانة عظيمة، ومنزلة جليلة تجلها نصوص الشرع الشريف، قال تعالى:

﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِى النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ [النساء: 127]

فربنا يخبر في قرآنه أنه هو سبحانه الذي يفتي عباده، فإن الفتوى تصدر أساسًا عن الله، فهي خطاب من الله كالحكم الشرعي تمامًا.

والنبي صلى الله عليه وسلم كان يتولى هذا المنصب في حياته، باعتبار التبليغ فكل يلفظ به صلى الله عليه وسلم هو وحي من الله كما قال تعالى:

﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [ النجم: 1، 2]

وكان ذلك من مقتضى رسالته، وقد كلفه الله تعالى بذلك حيث قال:

﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:44]

خلافة العلماء للنبي في وظيفة البيان ومنصب الإفتاء

فأي شرف أن يقوم المفتي بأمر هو في الأصل يصدر عن رب العالمين، وباعتبار التبليغ يصدر عن سيد الخلق أجمعين، فالمفتي خليفة النبي صلى الله عليه وسلم في أداء وظيفة البيان، وقد تولى هذه الخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه الكرام، ثم أهل العلم بعدهم.

فالإفتاء هو تبيين أحكام الله تعالى، وتطبيقها على أفعال الناس، فهي قول على الله تعالى، أنه يقول للمستفتي: حق عليك أن تفعل، أو حرام عليك أن تفعل، ولذا شبه القرافي المفتي بالترجمان عن مراد الله تعالى، وجعله ابن القيم بمنزلة الوزير الموقع عن الملك قال:

«إذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله، ولا يجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السنيات، فكيف بمنصب التوقع عن رب الأرض والسموات» .

ولا ينبغي أن يدفع هذا الفضل العظيم للإفتاء الناس للإقبال عليه، والإسراع في إدعاء القدرة عليه، سواء أكان ذلك بحسن نية وهي تحصيل الثواب والفضل، أم بسوء نية كالرياء والرغبة في التسلط والافتخار بين الناس، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله:

«أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار» .

تحذير النووي والسلف من التسرع في الفتيا وتعظيم خطرها

ولكلام الإمام النووي نفع كبير في هذا المعنى ننقله بنصه حيث يقول: « اعلم أن الإفتاء عظيم الخطر، كبير الموقع، كثير الفضل، لأن المفتي وارث الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - وقائم بفرض الكفاية ولكنه معرض للخطأ؛ ولهذا قالوا: المفتي موقع عن الله تعالى، وروينا عن ابن المنكدر قال: العالم بين الله تعالى وخلقه، فلينظر كيف يدخل بينهم.

وروينا عن السلف وفضلاء الخلف من التوقف عن الفتيا أشياء كثيرة معروفة نذكر منها أحرفا تبركا، وروينا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى ترجع إلى الأول. وفي رواية: ما منهم من يحدث بحديث، إلا ود أن أخاه كفاه إياه. ولا يستفتى عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا. وعن ابن مسعود وابن عباس من أفتى عن كل ما يسأل فهو مجنون.

وعن الشعبي والحسن وأبي حصين بفتح الحاء التابعيين قالوا: إن أحدكم ليفتي في المسألة ولو وردت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه لجمع لها أهل بدر.

وعن عطاء بن السائب التابعي: أدركت أقواما يسأل أحدهم عن الشيء فيتكلم وهو يرعد، وعن ابن عباس ومحمد بن عجلان: إذا أغفل العالم ( لا أدري ) أصيبت مقاتله.

تورع الأئمة عن الفتوى وذم الحرص على التصدر للإفتاء

وعن سفيان بن عينة وسحنون: أجسر الناس على الفتيا أقلهم علما. وعن الشافعي وقد سئل عن مسألة فلم يجب، فقيل له، فقال: حتى أدري أن الفضل في السكوت أو في الجواب.

وعن الأثرم: سمعت أحمد بن حنبل يكثر أن يقول: لا أدري، وذلك فيما عرف الأقاويل فيه. وعن الهيثم بن جميل: شهدت مالكا سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري. وعن مالك أيضا: أنه ربما كان يسأل عن خمسين مسألة فلا يجيب في واحدة منها، وكان يقول: من أجاب في مسألة فينبغي قبل الجواب أن يعرض نفسه على الجنة والنار وكيف خلاصه ثم يجيب.

وسئل عن مسألة فقال: لا أدري، فقيل: هي مسألة خفيفة سهلة، فغضب وقال: ليس في العلم شيء خفيف.

وقال الشافعي: ما رأيت أحدا جمع الله تعالى فيه من آلة الفتيا ما جمع في ابن عيينة أسكت منه عن الفتيا. وقال أبو حنيفة: لولا الفرق من الله تعالى أن يضيع العلم ما أفتيت، يكون لهم المهنأ وعلي الوزر. وأقوالهم في هذا كثيرة معروفة.

قال الصيمري والخطيب: قل من حرص على الفتيا، وسابق إليها، وثابر عليها، إلا قل توفيقه، واضطرب في أموره. وإن كان كارها لذلك، غير مؤثر له ما وجد عنه مندوحة، وأحال الأمر فيه على غيره، كانت المعونة له من الله أكثر، والصلاح في جوابه أغلب، واستدلا بقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:

«لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها» .

الفتوى كصناعة مركبة تحتاج لتشخيص الواقع وربط الدليل

الفتوى عملية صعبة [صناعة الفتوى]:

والفتوى صناعة؛ لأنها عبارة عن تركيب وعمل يحتاج إلى دراية وتعمُّل، فهي ليست فعلا ساذجًا ولا شكلاً بسيطًا بل هي من نوع القضايا المركبة التي تقترن بمقدمات كبرى وصغرى للوصول إلى نتيجة هي الفتوى، إذًا فالفتوى منتج صناعي ناتج عن عناصر عدة منها الدليل ومنها الواقع والعلاقة بين الدليل بأطيافه المختلفة التي تدور حول النص وبين الواقع بتعقيداته.

ووجه كون الفتوى صناعة أن المفتي عندما ترد إليه نازلة يُقَلِّب النَّظَر أوَّلا في الواقع، وهو حقيقة الأمر المستفتى فيه إن كان عقداً من العقود المستجدة كيف نشأ وما هي عناصره المكونة له كعقود التأمين والإيجار المنتهي بالتمليك مثلا والديون المترتبة في الذمة في حالة التضخم فبعد تشخيص العقد وما يتضمنه عندئذ يبحث عن الحكم الشرعي الذي ينطبق على العقد إن كان بسيطاً وعلى أجزائه إن كان مركبًا مستعرضًا الأدلة على الترتيب من نصوص وظواهر إن وجدت و إلا فاجتهاد بالرأي من قياس بشروطه واستصلاح واستحسان إنها عملية مركبة وصنعة بالمعنى الآنف وباختصار فإن مرحلة التشخيص والتكييف للموضوع مرحلة معقدة وكذلك مرحلة تلمس الدليل في قضايا لا نص بخصوصها ولا نظير لها لتلحق به.

التعريفات اللغوية للإفتاء والفتوى والاستفتاء وأصل اشتقاقها

تعريف الإفتاء:

الإفتاء والفتوى: لغة لفظتان قريبتان المعنى جدًا، فالفتوى لغة: اسم مصدر بمعنى الإفتاء، والجمع: الفتاوى والفتاوي، يقال: أفتيته فتوى وفتيا إذا أجبته عن مسألته، والفتيا تبيين المشكل من الأحكام، وتفاتوا إلى فلان: تحاكموا إليه وارتفعوا إليه في الفتيا، والتفاتي: التخاصم، ويقال: أفتيت فلانا رؤيا رآها، إذا عبرتها له ومنه قوله تعالى حاكيا:

﴿أَيُّهَا المَلأُ أَفْتُونِى فِى رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف:43]

والفعل أفتى ملازم للهمز، ولم يسمع له فعل مجرد، فدل ذلك على أن همزه في الأصل مجتلب لمعنى، قالوا: أصل اشتقاق أفتى من الفتي، وهو الشاب، فكأن الذي يفتيه يقوي نهجه ببيانه فيصير بقوة بيانه فَتِيًّا، أي: قويًّا.

والاستفتاء لغة: طلب الجواب عن الأمر المشكل، ومنه قوله تعالى:

﴿وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف:22]

وقد يكون بمعنى مجرد سؤال، ومنه قوله تعالى:

﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَم مَّنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ﴾ [الصافات:11]

قال المفسرون: أي اسألهم. والمفتي لغة: اسم فاعل من أفتى، فمن أفتى مرة فهو مفت.

التعريف الاصطلاحي للفتوى والمفتي وتمييزهما عن المعنى اللغوي

والفتوى في الاصطلاح: تبيين الحكم الشرعي عن دليل لمن سأل عنه، وهذا يشمل السؤال في الوقائع وغيرها. والمفتي في الاصطلاح الشرعي أخص منه في اللغوي. قال الصيرفي: «هذا الاسم موضوع لمن قام للناس بأمر دينهم، وعلم جمل عموم القرآن وخصوصه، وناسخه ومنسوخه، وكذلك السنن والاستنباط، ولم يوضع لمن علم مسألة وأدرك حقيقتها، فمن بلغ هذه المرتبة سموه بهذا الاسم، ومن استحقه أفتى فيما استفتي فيه» .

وقال الزركشي: المفتي من كان عالما بجميع الأحكام الشرعية بالقوة القريبة من الفعل، والمستفتي من لا يعرف جميعها . وهذا إن قلنا بعدم تجزؤ الاجتهاد.

ويختلط مفهوم الإفتاء بمفاهيم أخرى، لذا نرى أن التفريق بين تلك المفاهيم في غاية الأهمية.

التمييز بين الإفتاء والفقه والقضاء وتعريف كل منهما

تحديد مصطلح الإفتاء بالتفريق بين مصطلحات متداخلة حتى نستخلص المعنى المحدد للفتوى والإفتاء نحتاج إلى التفريق بين معناهما، وبين معان أخرى تتداخل أحيانًا معها، وهذه المعاني قد تكون القضاء أو الفقه، فالفقه هو: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية.

بينما الإفتاء هو: تبيين مبهم حاصل في مسألة يراد بيان حكم الشرع فيها. وعلى ذلك فالفقيه: يبين حكم الله تعالى من غير بحث عن الواقعة ولا ما يكتنفها من حوادث.

والقضاء هو: إلزام ذي الولاية بحكم شرعي بعد الترافع إليه.

قال ابن تيمية عند سؤاله عن حكم التتار على سبيل الفتوى: يجب قتال هؤلاء، بكتاب الله وسنة رسوله واتفاق أئمة المسلمين، وهذا مبني على أصلين: أحدهما: المعرفة بحالهم، والثاني: معرفة حكم الله في مثلهم .

وظائف الفقيه والمفتي والقاضي مع مثال أحكام الخمر

والمتأمل في تلك النصوص يجد أنه على الرغم مما بين الفقه والإفتاء والقضاء من علاقة قوية إلا أن:-

  1. الفقيه: يستنبط أحكام الله تعالى من الأدلة التفصيلية، وتلك الأحكام تحقق مقاصد الشريعة الكلية.

  2. المفتي: فهو يدرس الواقع ثم يلتفت إلى الفقه ليأخذ منه حكم الله تعالى في مثل هذه الواقعة بما يحقق مقاصد الشريعة.

  3. القاضي: فإنه يتدخل لتغيير الواقع ويلزم أطراف النزاع بما عليه حكم الله تعالى وقد تتشابك تلك الوظائف بعضها مع بعض فيقوم القاضي بدور الفقيه أو المفتي، ويقوم الفقيه بدور المفتي؛ إلا أنه سيظل هناك فرق بين تلك المعاني ووظائف القائمين عليها، ويمكن تلخيص ما هنالك فيما يلي:- مثال: الفقيه يقول: إن الخمر حرام لقوله تعالى

﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: 90].

والمفتي يقول للمضطر بعد أن عرف حاله وطبق القاعدة الشرعية بوجوب ارتكاب أخف الضررين ودفع أشد المفسدتين: «اشرب الخمر مع حرمتها حتى لا تهلك»

والقاضي يقيم الحد على من شرب الخمر، ولا يقيمه على المضطر ويحكم بإراقة الخمر...إلخ

وكتب الفقه على هذا مليئة بالفتاوى، وهناك فتاوى أفردت في كتب مستقلة وأخذ الأحكام يكون من كتب الفقه، ولا يؤخذ من الفتاوى إلا بعد التأكد من مشابهة الواقعة المفتى فيها مع الواقعة الحادثة الآن كما تقدم من كلام القرافي والله تعالى أعلم.

عدم تأثير القرابة والعداوة في صحة الفتوى بخلاف القضاء

ومن الفروق كذلك أن القرابة والصداقة والعداوة لا تؤثر في صحة الفتوى كما تؤثر في القضاء والشهادة، فيجوز أن يفتي أباه أو ابنه أو صديقه أو شريكه أو يفتي على عدوه، فالفتوى في هذا بمنزلة الرواية، لأن المفتي في حكم المخبر عن الشرع بأمر عام لا اختصاص له بشخص، ولأن الفتوى لا يرتبط بها إلزام، بخلاف حكم القاضي.

ويجوز أن يفتي نفسه، ونقل أبو عمرو بن الصلاح عن صاحب الحاوي أن المفتي إذا نابذ في فتياه شخصا معينا صار خصما، فترد فتواه على من عاداه، كما ترد شهادته عليه إذا وقعت.

دور الإمام في اختيار المفتي وتوثيق أهليته العلمية

اختيار الحاكم للمفتي:

قال الخطيب: «ينبغي للإمام أن يتصفح أحوال المفتين، فمَنْ صَلحَ لِلْفُتْيَا أقرَّه، ومن لا يصلُح منعه، ونهاه أن يعود، وتوعَّدَه بالعقوبة إن عاد، وطريق الإمام إلى معرفة من يَصْلُحُ للفتوى أن يسأل عُلَماء وقته، ويعتمد أخبار الموثوق به. ثم روى بإسناده عن مالك -رحمه الله - قال: «ما أفتيتُ حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك». وفي رواية: «ما أفتيت حتى سألتُ من هو أعلم مني: هل يراني موضعا لذلك» ؟ قال مالك: «ولا ينبغي لرجل أن يرى نفسه أهلاً لشيء حتى يسأل من هو أعلم منه».

فإذا علم ذلك، فما هي شروط المفتي وآدابه ؟

شرف منصب الإفتاء وارتباطه بمرتبة الاجتهاد عند المتقدمين

شروط المفتي وآدابه ويتضح مما سبق أن الإفتاء منصب شريف، ومقام عال؛ لأن المفتي قائم في الأمة مقام النبي صلى الله عليه وسلم ونائب عنه في تبليغ الأحكام، ولا بد إذًا من بيان الشروط التي بتحصلها يتأهل العالم لهذه المرتبة الرفيعة في الدين.

وقد تحدَّث علماء أصول الفقه عن الشروط العلمية التي يجب توافرها في العَالِم ليتأهل للإفتاء، وهذه الشروط هي التي كان يطلقها العلماء على المجتهد؛ لأنه في اصطلاح المتقدمين لا فرق عندهم بين الفقيه والمجتهد والمفتي، فهي أسماء لمسمى واحد ، ثم بعد ذلك أُطْلِق لقب المفتي على متفقهة المذاهب، الذين يقتصر عملهم على مجرد نقل نصوص كتب الفقه، وهذا الإطلاق من باب المجاز، والحقيقة العرفية الموافقة لعرف العوام واصطلاح الحكومات. وفيما يلي نذكر بعض أقول العلماء في ذلك:

شروط الإمام الشافعي لمن يتصدر للإفتاء في الحلال والحرام

قال الإمام الشافعي –رحمه الله تعالى-: «لا يحل لأحد يفتي في دين الله إلا رجلا عارفا بكتاب الله: بناسخه ومنسوخه, وبمحكمه ومتشابهه, وتأويله وتنزيله, ومكيه ومدنيه, وما أريد به, وفيما أنزل, ثم يكون بعد ذلك بصيرا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم, وبالناسخ والمنسوخ, ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن, ويكون بصيرا باللغة, بصيرا بالشعر, وما يحتاج إليه للعلم والقرآن, ويستعمل مع هذا الإنصاف, وقلة الكلام, ويكون بعد هذا مشرفا على اختلاف أهل الأمصار, ويكون له قريحة بعد هذا, فإذا كان هذا هكذا فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام, وإذا لم يكن هكذا فله أن يتكلم في العلم ولا يفتي».

تعريف الصيرفي للمفتي وتقسيم النووي لأنواع المفتين

وقال الصيرفي: موضوع هذا الاسم –يعني المفتي وهو المجتهد المستقل- لمن قام للناس بأمر دينهم، وعَلِمَ جُمَلَ عموم القرآن وخصوصه، وناسخه ومنسوخه، وكذلك في السُّنن والاستنباط، ولَمْ يُوضَع لمن عَلِمَ مسألةً وأدرك حقيقتها.

أما الإمام النووي فنراه قد قسم الْمُفْتِين إلى أقسام، واشترط لهم شروط عامَّة يجب أن يتحَلُّوا بها، وشروط خاصَّة في كل قسم، فالشروط العامة، هي: كونه مُكَلَّفًا مسلمًا، وثقةً مأمونًا متنزِّهًا عن أسباب الفسق وخوارم المروءة، فقيهَ النفس، سليمَ الذهن، رصينَ الفِكر، صحيح التصرف والاستنباط، متيقظًا.

شروط المفتي المستقل عند النووي وإمكان الاجتهاد الجزئي

أما الشروط الخاصة بكل قسم من أقسام المفتين فذكر الشروط التي تجب في كل قسم على حدة، فقال: "قال أبو عَمرو: المفتون قسمان: مستقِلُّ وغيره.

فالمستقل شرطُه مع ما ذكرناه:

  1. أن يكون قيمًا بمعرفة أدلة الأحكام الشرعية عن الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وما التحق بها على التفضيل، وقد فُصِّلَت في كتب الفقه فتيسرت.

  2. وأن يكون عالماً بما يشترط في الأدلة، ووجوه دلالتها، وبكيفية اقتباس الأحكام منها، وهذا يستفاد من أصول الفقه.

  3. عارفًا من علوم القرآن، والحديث، والناسخ والمنسوخ، والنحو واللغة والتصريف، واختلاف العلماء واتفاقهم بالقدر الذي يتمكن معه من الوفاء بشروط الأدلة والاقتباس منها.

  4. ذا دربة وارتياض في استعمال ذلك.

  5. عالماً بالفقه ضابطاً لأمهات مسائله وتفاريعه.

فمن جمع هذه الأوصاف فهو المفتي المطلق المستقل، الذي يتأدَّى به فرض الكفاية، وهو المجتهد المطلق المستقل; لأنه يستقل بالأدلة بغير تقليد وتقيد بمذهب أحد.

ثم إنما نشترط اجتماع العلوم المذكورة في مُفتٍ مطلق في جميع أبواب الشرع، فأما مُفتٍ في باب خاص كالمناسك والفرائض فيكفيه معرفة ذلك الباب، كذا قَطَعَ به الغزالي وصاحبه ابن بَرهان -بفتح الباء- وغيرهما، ومنهم من منعه مطلقًا، وأجازه ابن الصباغ في الفرائض خاصة، والأصحُّ جوازه مطلقًا.

ثم عَلَّق الإمام النووي رحمه الله بقوله: ومن دهر طويل عُدِم المفتي المستقل، وصَارت الفتوى إلى المنتسبين إلى أئمة المذاهب المتبوعة.

أصناف المفتين المنتسبين للمذاهب وحدود صلاحياتهم في الفتوى

أما المفتي غير المستقل فذكره بقوله: وللمفتي المنتسب أربعة أحوال:

أحدهما: أن لا يكون مقلدًا لإمامه، لا في المذهب ولا في دليله، لاتصافه بصفة المستقل؛ وإنما ينسب إليه لسلوكه طريقه في الاجتهاد.

الحالة الثانية: أن يكون مجتهدًا مقيَّدًا في مذهب إمامه، مستقلاً بتقرير أصوله بالدليل، غير أنه لا يتجاوز في أدلته أصول إمامه وقواعده، وشرطه: كونه عالمًا بالفقه وأصوله، وأدلة الأحكام تفصيلاً، بصيرًا بمسالك الأقيسة والمعاني، تام الارتياض في التخريج والاستنباط، قيمًا بإلحاق ما ليس منصوصًا عليه لإمامه بأصوله، ولا يعرى عن شوب تقليد له; لإخلاله ببعض أدوات المستقل، بأن يُخلَّ بالحديث أو العربية، وكثيراً ما أخل بهما المقيَّد، ثم يتخذ نصوص إمامه أصولاً يستنبط منها كفعل المستقل بنصوص الشرع، وربما اكتفى في الحكم بدليل إمامه، ولا يبحث عن معارض كفعل المستقل في النصوص، وظاهر كلام الأصحاب أنَّ من هذا حاله لا يتأدَّى به فرض الكفاية.

الحالة الثالثة: أن لا يبلغ رتبة أصحاب الوجوه، لكنه فقيه النفس، حافظ مذهب إمامه، عارف بأدلته، قائم بتقريرها، يصوّر، ويحرّر، ويقرّر، ويمهد، ويزيف، ويرجح، لكنَّه قصر عن أولئك لقصوره عنهم في حفظ المذهب، أو الارتياض في الاستنباط، أو معرفة الأصول ونحوها من أدواتهم.

الحالة الرابعة: أن يقوم بحفظ المذهب ونقله وفهمه في الواضحات والمشكلات، ولكن عنده ضعف في تقرير أدلته وتحرير أقيسته، فهذا يعتمد نقله وفتواه فيما يحكيه من مسطورات مذهبه، من نصوص إمامه، وتفريع المجتهدين في مذهبه، وما لا يجده منقولاً إن وجد في المنقول معناه، بحيث يدرك بغير كبير فكر أنَّه لا فرق بينهما، جاز إلحاقه به والفتوى به، وكذا ما يعلم اندراجه تحت ضابط ممهد في المذهب، وما ليس كذلك يجب إمساكه عن الفتوى فيه، ومثل هذا يقع نادراً في حق المذكور، إذ يبعد كما قال إمام الحرمين: أن تقع مسألة لم ينص عليها في المذهب، ولا هي في معنى المنصوص، ولا مندرجة تحت ضابط، وشرطه كونه فقيه النفس ذا حظ وافر من الفقه.

ثم علق على ما ذكر بقوله: هذه أصناف المفتين وهي خمسةٌ، وكلُّ صنف منها يُشترط فيه حفظ المذهب وفقه النفس، فمن تصدى للفتيا وليس بهذه الصفة فقد باء بأمر عظيم.

متطلبات الشيرازي للمفتي من علوم الكتاب والسنة واللغة والقياس

وقال الشيرازي في اللُّمع: "وينبغي أن يكون المفتي عارفًا بطرق الأحكام وهي الكتاب والذي يجب أن يعرف من ذلك ما يتعلق بذكر الأحكام والحلال والحرام دون ما فيه من القصص والأمثال والمواعظ والأخبار، ويحيط بالسنن المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيان الأحكام، ويعرف الطرق التي يعرف بها ما يحتاج إليه من الكتاب والسنة من أحكام الخطاب وموارد الكلام ومصادره من الحقيقة والمجاز والعام والخاص والمجمل والمفصل والمطلق والمقيد والمنطوق والمفهوم، ويعرف من اللغة والنحو ما يعرف به مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم في خطابهما، ويعرف أحكام أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما تقتضيه، ويعرف الناسخ من ذلك من المنسوخ وأحكام النسخ وما يتعلق به، ويعرف إجماع السلف وخلافهم، ويعرف ما يعتد به من ذلك ما لا يعتد به، ويعرف القياس والاجتهاد والأصول التي يجوز تعليلها وما لا يجوز والأوصاف التي يجوز أن يعلل بها وما لا يجوز وكيفية انتزاع العلل بها وما لا يجوز وكيفية انتزاع العلل ويعرف ترتيب الأدلة بعضها على بعض وتقديم الأولى منها ووجوه الترجيح، ويجب أن يكون ثقة مأمونا لا يتساهل في أمر الدين.

ومع ما ذكر من شروط وضوابط نقلا عن العلماء نجد أن هناك تطورا وتوسعا فيها بما يتناسب مع تغيُّر العصر والجو العلمي السائد، فالأدوات العلمية هي الأصل المستصحب في كل عصر، إلا أنه قد يزاد عليها بالقدر الذي تقتضيه ظروف ذلك العصر، وقد تناقل العلماء في كتبهم قديما وحديثا أن مرتبة الاجتهاد المطلق لم تعد موجودة من قديم الزمان، وبينوا أن أسباب ذلك ترجع إلى الشعور بعدم الحاجة للاجتهاد عند طلبة العلم الناتج عن الثروة العلمية الفقهية الكبيرة المدونة، فلا تكاد تجد مسألة إلا وفيها رواية عن صحابي أو تابعي أو إمام.

جمع شروط المفتي وبيان الشروط السلبية التي لا تشترط للإفتاء

ويمكن من خلال ما سبق أن نحدد شروط المفتي وآدابه فيما يلي:

شروط المفتي:

الشروط السلبية:

هناك شروط سلبية لا يجب توافرها، والشروط السلبية كثيرة، ونعلم أنه ليس من المنطقي أن يقال من الشروط (لا يشترط كذا) فعدم توافر الشرط لا يحتاج أن ينص عليها، ولكن نذكر تلك الأمور خاصة لأننا في عصر اشتبه على الناس كثير من الأمور، مما ألزمنا التنبيه عليها فمن هذا:

  1. لا يشترط في المفتي الذكورية إجماعًا. فتصح فتيا والمرأة.

  2. لا يشترط في المفتي الحرية، فتصح فتيا العبد.

  3. لا يشترط النطق اتفاقا، فتصح فتيا الأخرس ويفتي بالكتابة أو بالإشارة المفهمة

  4. لا يشترط البصر، اتفاقًا فتصح فتيا الأعمى، وصرح به المالكية.

  5. أما السمع، فقد قال بعض الحنفية: إنه شرط فلا تصح فتيا الأصم وهو من لا يسمع أصلا، وقال ابن عابدين: لا شك أنه إذا كتب له السؤال وأجاب عنه جاز العمل بفتواه، إلا أنه لا ينبغي أن ينصب للفتوى، لأنه لا يمكن كل أحد أن يكتب له، ولم يذكر هذا الشرط غيرهم.

الشروط الأساسية للمفتي وحرمة الإفتاء بغير علم

أما الشروط التي يجب توافرها في المفتي:

  1. الإسلام: فلا تصح فتيا غير المسلمين.

  2. العقل: فلا تصح فتيا المجنون.

  3. البلوغ: وهو أن يبلغ من يفتي الحلم من الرجال، والمحيض من النساء، أو يبلغ 15 عامًا أيهما أقرب، لأنه لا تصح فتيا الصغير والصغيرة.

  4. العلم: الإفتاء بغير علم حرام، لأنه يتضمن الكذب على الله تعالى ورسوله، ويتضمن إضلال الناس، وهو من الكبائر، لقوله تعالى:

﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:33]

فقرنه بالفواحش والبغي والشرك، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم:

«إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور العلماء، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رءوسا جهالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» .

وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم:

«من أفتى بغير علم كان إثمه على من أفتاه» .

أهمية التخصص الفقهي وحدود إفتاء المتخصص في فرع واحد

  1. التخصص: ونعني به أن يكون من يتعرض للإفتاء قد درس الفقه والأصول وقواعد الفقه دراسة مستفيضة، وله دربة في ممارسة المسائل وإلمام بالواقع المعيش، ويفضل أن يكون قد نال الدراسات العليا من جامعات معتمدة في ذلك التخصص، وإن كان هذا الشرط هو مقتضى شرط العلم والاجتهاد، فإن العلم بالفقه والاجتهاد فيه يقتضي التخصص، ولكن طريقة الوصول إلى هذه الدرجة تحتاج إلى ما ذكر، وإنما ذكرت التخصص شرطًا منفصلاً رغم اندراجه في شرط العلم والاجتهاد لحسم الفتاوي الفوضى التي تثار هنا وهناك ممن لم يتخصص في علم الفقه والأصول، ويعترض ويناظر على فتاوى ما درس مبادئها الفقهية، ولا أصولها، ولقد تكلم في أهمية التخصص في الفقه العلماء القدامى.

قال الإمام الزركشي في هذا المعنى: « وكل ما تتعلق به الأحكام فليس ذلك من شأن المفسر، بل من وظيفة الفقهاء والعلماء. وما يتعلق بالوعظ والقصص والوعد والوعيد فيقبل من المفسرين. والرابع - سنن الرسول: لا يقبل من المحدثين ما يتعلق بالأحكام، لأنه يحتاج إلى جمع وترتيب، وتخصيص وتعميم وهم لا يهتدون إليه. وقد حكي عن بعض أكابر المحدثين أنه سئل عن امرأة حائض، هل يجوز لها أن تغسل زوجها ؟ فقال لهم: انصرفوا إلى سويعة أخرى، فانصرفوا وعادوا ثانيا وثالثا حتى قال من كان يتردد إلى الفقهاء: أليس أيها الشيخ رويت لنا عن عائشة: «أنها غسلت رأس الرسول صلى الله عليه وسلم وهي حائض ؟ فقال: الله أكبر، ثم أفتى به. انتهى» .

حتى إن الزركشي قال بأن المتخصص في فرع من فروع الفقه ليس له أن يفتي في فرع آخر، بل وذكر الخلاف هل يفتي في الفرع الذي تخصص فيه أو لا ؟ فقال: « فأما إذا علم المفتي جنسًا من العلم بدلائله وأصوله وقصر فيما سواه، كعلم الفرائض وعلم المناسك، لم يجز له أن يفتي في غيره. وهل يجوز له أن يفتي فيه ؟ قيل: نعم، لإحاطته بأصوله ودلائله. ومنعه الأكثرون: لأن لتناسب الأحكام وتجانس الأدلة امتزاجا لا يتحقق إحكام بعضها إلا بعد الإشراف على جميعها» .

شرط العدالة في المفتي وموقف العلماء من فتوى الفاسق والمبتدع

  1. العدالة: والعدل هو من ليس بفاسق وليس مخروم المروءة، وخرم المروءة تعني الخروج عن عادات الناس فيما ينكر ويستهجن، كأن يسير في الطريق حافيًا مثلاً، أو غير ذلك من السلوكيات التي تستهجن في المجتمع، فلا تصح فتيا الفاسق عند جمهور العلماء، لأن الإفتاء يتضمن الإخبار عن الحكم الشرعي، وخبر الفاسق لا يقبل، واستثنى بعضهم إفتاء الفاسق نفسه فإنه يعلم صدق نفسه. وذهب بعض الحنفية إلى أن الفاسق يصلح مفتيا، لأنه يجتهد لئلا ينسب إلى الخطأ. وقال ابن القيم: تصح فتيا الفاسق، إلا أن يكون معلنا بفسقه وداعيا إلى بدعته، وذلك إذا عم الفسوق وغلب، لئلا تتعطل الأحكام، والواجب اعتبار الأصلح فالأصلح. وأما المبتدعة، فإن كانت بدعتهم مكفرة أو مفسقة لم تصح فتاواهم، وإلا صحت فيما لا يدعون فيه إلى بدعهم، قال الخطيب البغدادي: تجوز فتاوى أهل الأهواء ومن لا نكفره ببدعته ولا نفسقه، وأما الشراة والرافضة الذين يشتمون الصحابة ويسبون السلف فإن فتاويهم مرذولة وأقاويلهم غير مقبولة.

شرط الاجتهاد للمفتي ومعايير بلوغ مرتبة الاجتهاد

  1. الاجتهاد: وهو بذل الجهد في استنباط الحكم الشرعي من الأدلة المعتبرة، وليس المقصود هو أن يبذل العالم جهدًا ملاحظًا قبل كل فتوى، وإنما المقصود بلوغ مرتبة الاجتهاد، والتي قال الشافعي عنها فيما رواه عنه الخطيب: لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله، إلا رجلا عارفا بكتاب الله: بناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه، وما أريد به، ويكون بعد ذلك بصيرا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعرف من الحديث مثل ما عرف من القرآن، ويكون بصيرا باللغة، بصيرا بالشعر، وما يحتاج إليه للسنة والقرآن ويستعمل هذا مع الإنصاف، ويكون مشرفا على اختلاف أهل الأمصار، وتكون له قريحة بعد هذا، فإذا كان هكذا فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام، وإذا لم يكن هكذا فليس له أن يفتي . وإن كان الزركشي ذكر أن شرط الاجتهاد يعني أيضا بذل المجهود في المسألة حيث نقل ذلك فقال: « وقال ابن السمعاني: المفتي من استكمل فيه ثلاث شرائط -وذكر- الاجتهاد، والعدالة، والكف عن الترخص» .

جودة القريحة وقوة التصور الإبداعي كشرط في المجتهد المفتي

  1. جودة القريحة: ومعنى ذلك أن يكون كثير الإصابة، صحيح الاستنباط، وهذا يحتاج إلى حسن التصور للمسائل، وبقدر ما يستطيع المجتهد أن يتخيل المسائل بقدر ما يعلو اجتهاده، ويفوق أقرانه، فهو يشبه ما يعرف في دراسات علم النفس بالتصور المبدع، أو الخيال الخلاق (creative imagination)، وفى هذا المعنى نرى نقولَ الأئمة التى تؤكد هذا منها: أ- قال ابن برهان: لا ينعقد الإجماع مع مخالفة مجتهد واحد، خلاف لطائفة. وعمدة الخصم أن عدد التواتر من المجتهدين إذا اجتمعوا على مسألة كان انفراد الواحد عنهم يقتضى ضعفا فى رأيه، قلنا: ليس بصحيح، إذ من الممكن أن يكون ما ذهب إليه الجميع رأيا ظاهرا تبتدر إليه الأفهام، وما ذهب إليه الواحد أدق وأعوص، وقد يتفرد الواحد عن الجميع بزيادة قوة فى النظر، ومزية فى الفكر، ولهذا يكون في كل عصر متقدم في العلم، يفرع المسائل، ويولد الغرائب» .اهـ
  • قال الغزالي في كتاب حقيقة القولين: وضع الصور للمسائل ليس بأمر هين فى نفسه، بل الذكي ربما يقدر على الفتوى في كل مسئلة إذا ذكرت له صورتها، ولو كلف وضع الصور وتصوير كل ما يمكن من التفريعات والحوادث فى كل واقعة عجز عنه، ولم تخطر بقلبه تلك الصور أصلا، وإنما ذلك شأن المجتهدين اهـ .

ولا يخفى أن التصور المبدع له الآن علوم قائمة بذاتها تُدرب الإنسانَ على الوصول إليه، ويتعلمها الساسة وأصحاب اتخاذ القرار في الغرب. وهو علم ينبغي أن يضاف في أسسه إلى أصول الفقه، حيث إنه وسيلة للاجتهاد خاصة في عصرنا الحاضر، ولذلك كله لا تصلح فتيا الغبي، ولا من كثر غلطه، بل يجب أن يكون بطبعه شديد الفهم لمقاصد الكلام ودلالة القرائن، صادق الحكم، قال النووي: شرط المفتي كونه فقيه النفس، سليم الذهن، رصين الفكر، صحيح النظر والاستنباط .

الفطانة والتيقظ ومعرفة مكر الناس من صفات المفتي

  1. الفطانة والتيقظ: يشترط في المفتي أن يكون فطنًا متيقظًا ومنتبهًا بعيدًا عن الغفلة، قال ابن عابدين « (قوله: وشرط بعضهم تيقظه) احترازا عمن غلب عليه الغفلة والسهو، قلت: وهذا شرط لازم في زماننا، فإن العادة اليوم أن من صار بيده فتوى المفتي استطال على خصمه وقهره بمجرد قوله أفتاني المفتي، بأن الحق معي والخصم جاهل لا يدري ما في الفتوى، فلا بد أن يكون المفتي متيقظًا يعلم حيل الناس ودسائسهم » .

وقال ابن القيم: « ينبغي له أن يكون بصيرا بمكر الناس وخداعهم وأحوالهم، ولا ينبغي له أن يحسن الظن بهم، بل يكون حذرا فطنا فقيها بأحوال الناس وأمورهم، يوازره فقهه في الشرع، وإن لم يكن كذلك زاغ وأزاغ، وكم من مسألة ظاهرها ظاهر جميل، وباطنها مكر وخداع وظلم ؟ فالغر ينظر إلى ظاهرها ويقضي بجوازه، وذو البصيرة ينقد مقصدها وباطنها» .

أوليات آداب المفتي عند الإمام أحمد من نية وعلم وحلم

هذه جملة من الشروط التي ينبغي أن تتوافر في المفتي، وهناك خصال أخرى ينبغي أن يتحلى بها المفتي، وهذه الخصال تسمى آدابًا، وفيما يلي نعرض لها.

ثانيا: آداب المفتي:

ينبغي أن يتحلى المفتي بكثير من الآداب، ولأن تلك الآداب غير محصورة كالشروط نذكر جملة منها بالنقل عن الأئمة والعلماء، فمن ذلك ما نبه عليه الإمام أحمد من أمور، فقال: «لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال: أولها: أن تكون له نية، فإن لم يكن له نية لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور. والثانية: أن يكون له علم، وحلم، ووقار، وسكينة. الثالثة: أن يكون قويا على ما هو فيه وعلى معرفته. الرابعة: الكفاية وإلا مضغه الناس. الخامسة: معرفة الناس » .

العلم والصدق وحسن السيرة والمظهر من آداب المفتي

وقد ذكر ابن القيم كلامًا مفيدًا في هذا المبحث؛ حيث قال: « ولما كان التبليغ عن الله سبحانه يعتمد العلم بما يبلغ، والصدق فيه، لم تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق؛ فيكون عالما بما يبلغ صادقا فيه، ويكون مع ذلك حسن الطريقة، مرضي السيرة، عدلا في أقواله وأفعاله، متشابه السر والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله .

كما ينبغي عليه أن يحسن زيه، مع التقيد بالأحكام الشرعية في ذلك، فيراعي الطهارة والنظافة، واجتناب الحرير والذهب والثياب التي فيها شيء من شعارات الكفار، ولو لبس من الثياب العالية لكان أدعى لقبول قوله؛ ولأن تأثير المظهر في عامة الناس لا ينكر، وهو في هذا الحكم كالقاضي.

كما ينبغي عليه أن يحسن سيرته، بتحري موافقة الشريعة في أفعاله وأقواله، لأنه قدوة للناس في ما يقول ويفعل، فيحصل بفعله قدر عظيم من البيان، لأن الأنظار إليه مصروفة، والنفوس على الاقتداء بهديه موقوفة.

إصلاح سريرة المفتي ونيته ووجوب عمله بما يفتي به

كما ينبغي عليه كذلك أن يصلح سريرته ويستحضر عند الإفتاء النية الصالحة من قصد الخلافة عن النبي صلى الله عليه وسلم في بيان الشرع، وإحياء العمل بالكتاب والسنة، وإصلاح أحوال الناس بذلك، ويستعين بالله على ذلك، ويسأله التوفيق والتسديد، وعليه مدافعة النيات الخبيثة من قصد العلو في الأرض والإعجاب بما يقول، وخاصة حيث يخطئ غيره ويصيب هو، وقد ورد عن سحنون: فتنة الجواب بالصواب أعظم من فتنة المال.

وعليه أن يكون عاملا بما يفتي به من الخير، منتهيا عما ينهى عنه من المحرمات والمكروهات، ليتطابق قوله وفعله، فيكون فعله مصدقا لقوله مؤيدا له، فإن كان بضد ذلك كان فعله مكذبا لقوله، وصادا للمستفتي عن قبوله والامتثال له، لما في الطبائع البشرية من التأثر بالأفعال، ولا يعني ذلك أنه ليس له الإفتاء في تلك الحال، إذ ما من أحد إلا وله زلة، كما هو مقرر عند العلماء أنه لا يلزم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون صاحبه مؤتمرا منتهيا، وهذا ما لم تكن مخالفته مسقطة لعدالته، فلا تصح فتياه حينئذ.

ترك الإفتاء حال الغضب والاضطراب وصحة الفتوى عند زوال المؤثر

كما يراعي أن لا يفتي حال انشغال قلبه بشدة غضب أو فرح أو جوع أو عطش أو إرهاق أو تغير خلق، أو كان في حال نعاس، أو مرض شديد، أو حر مزعج، أو برد مؤلم، أو مدافعة الأخبثين ونحو ذلك من الحاجات التي تمنع صحة الفكر واستقامة الحكم، لأنه الفتوى تبليغ حكم شرعي، فهو كالحكم بين الناس، فيستمع لنصيحة النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ يقول:

«لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان»

فإن حصل له شيء من ذلك وجب عليه أن يتوقف عن الإفتاء حتى يزول ما به ويرجع إلى حال الاعتدال.

فإن أفتى في حال انشغال القلب بشيء من ذلك في بعض الأحوال وهو يرى أنه لم يخرج عن الصواب صحت فتياه وإن كان مخاطرا لكن قيده المالكية بكون ذلك لم يخرجه عن أصل الفكر. فإن أخرجه الدهش عن أصل الفكر لم تصح فتياه قطعا وإن وافقت الصواب.

المشاورة في الفتيا وحفظ أسرار المستفتين كأمانة شرعية

إن كان عنده من يثق بعلمه ودينه فينبغي له أن يشاوره، ولا يستقل بالجواب تساميًا بنفسه عن المشاورة، وعلى هذا كان الخلفاء الراشدون، وخاصة عمر رضي الله عنه، فالمنقول من مشاورته لسائر الصحابة أكثر من أن يحصر، ويرجى بالمشاورة أن يظهر له ما قد يخفى عليه، وهذا ما لم تكن المشاورة من قبيل إفشاء السر

فإن المفتي كالطبيب يطلع من أسرار الناس وعوراتهم على ما لا يطلع عليه غيره، وقد يضر بهم إفشاؤها أو يعرضهم للأذى فعليه كتمان أسرار المستفتين، ولئلا يحول إفشاؤه لها بين المستفتي وبين البوح بصوره الواقعة إذا عرف أن سره ليس في مأمن.

مراعاة حال المستفتي في الفهم والحاجة وزيادة البيان

كما ينبغي للمفتي مراعاة أحوال المستفتي، ولذلك وجوه، منها:

  • إذا كان المستفتي بطيء الفهم، فعلى المفتي الترفق به والصبر على تفهم سؤاله وتفهيم جوابه.

  • إذا كان بحاجة إلى تفهيمه أمورا شرعية لم يتطرق إليها في سؤاله، فينبغي للمفتي بيانها له زيادة على جواب سؤاله، نصحا وإرشادا، وقد أخذ العلماء ذلك من حديث أن بعض الصحابة رضي الله عنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الوضوء بماء البحر، فقال:

«هو الطهور ماؤه الحل ميتته»

وللمفتي أن يعدل عن جواب السؤال إلى ما هو أنفع، ومن ذلك قوله تعالى:

﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾[البقرة:215].

فقد سأل الناس النبي صلى الله عليه وسلم عن المنفق فأجابهم بذكر المصرف إذ هو أهم مما سألوا عنه.

صرف السؤال لما ينفع وترك ما لا يعني السائل مراعاة للمصلحة

  • أن يسأله المستفتي عما هو بحاجة إليه فيفتيه بالمنع، فينبغي أن يدله على ما هو عوض منه، كالطبيب الحاذق إذا منع المريض من أغذية تضره يدله على أغذية تنفعه.

  • أن يسأل عما لم يقع، وتكون المسألة اجتهادية، فيترك الجواب إشعارا للمستفتي بأنه ينبغي له السؤال عما يعنيه مما له فيه نفع ووراءه عمل، قال ابن عباس رضي الله عنه: ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم وقال ابن عباس لعكرمة: «أخرج يا عكرمة فأفت الناس، ومن سألك عما لا يعنيه فلا تفته، فإنك تطرح عن نفسك الناس»

وكذلك يترك الجواب وجوبًا إذا كان عقل السائل لا يحتمل الإجابة لقول علي رضي الله عنه: «حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله ؟» وقال ابن مسعود: «ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة» .

التيسير على الناس في الفتوى وضبط مقصده العام

التيسير على للناس:

ومن الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها المفتي، والتي قد تصل إلى الشروط في أيامنا هذه، التيسير على الناس، وإدخالهم في دين الله، وإلقاء الستر عليهم، والعمل على جعل الناس متبعين لقول معتبر في الشرع، فذلك خير لهم من تركهم للدين بالكلية، وإيقاعهم في الفسق، مما يعد صدا عن سبيل الله من حيث لا يشعر العالم.

وهذا التيسير ليس هو ما نهوا عنه من تتبع الرخص بصورة فيها تفلت عن شرع الله، والفرق بينهما دقيق قد لا يلتفت إليه كثير من الناس.

إذن فالمقصد الأساسي الذي يسعى لتحقيقه المفتي هو إحداث آلية شرعية للتعامل مع التراث الفقهي الإسلامي؛ بحيث لا تخرج عنه ولا يكون عائقا للمسلم المعاصر، وأن ذلك لا ينبغي الإنكار عليه لأن الرأي الذي سينتهي إليه محل خلاف، وأساس هذا:

قاعدة من ابتلي بشيء مما اختلف فيه فليقلد من أجاز: وأصلها قول الشيخ العلامة الشرواني : «لمن ابتلي بشيء من ذلك كما يقع كثيرًا تقليدًا ما تقدم ليتخلص من الحرمة».

رأي العز بن عبد السلام في جواز تتبع الرخص بضوابط

والتيسير الذي نقصده وتحرير المقال في مسألة تتبع الرخص وما يجوز منها وما لا يجوز هو ما نقل تعريفه ابن أمير الحاج حيث قال: «أي أخذه من كل منها ما هو الأهون فيما يقع من المسائل (ولا يمنع منه مانع شرعي إذ للإنسان أن يسلك الأخف عليه إذا كان له إليه سبيل بأن لم يكن عمل بآخر فيه).

وقال أيضا: والغالب أن مثل هذه إلزامات منهم لكف الناس عن تتبع الرخص, وإلا أخذ العامي في كل مسألة بقول مجتهد قوله أخف عليه وأنا لا أدري ما يمنع هذا من العقل والسمع وكون الإنسان يتبع ما هو أخف على نفسه من قول مجتهد مسوغ له الاجتهاد ما علمت من الشرع ذمه عليه ( وكان صلى الله عليه وسلم يحب ما خفف عليه)» .

وإليك كلام العز بن عبد السلام لفائدته ووضوح المسألة فيه حيث قال: «لا يتعين على العامي إذا قلد إمامًا في مسألة أن يقلده في سائر مسائل الخلاف; لأن الناس من لدن الصحابة إلى أن ظهرت المذاهب يسألون فيما يسنح لهم العلماء المختلفين من غير نكير سواء اتبع الرخص في ذلك أو العزائم; لأن من جعل المصيب واحدا وهو الصحيح لم يعينه ومن جعل كل مجتهد مصيبا فلا إنكار على من قلده بالصواب, وأما ما حكاه بعضهم عن ابن حزم من حكايته الإجماع على منع تتبع الرخص من المذاهب فلعله محمول على من تتبعها عن غير تقليد لمن قال بها، أو على الرخص المركبة في الفعل الواحد نقله عن السيد السمهودي. فيؤخذ من مجموع ما ذكرناه جواز التقليد وجواز تتبع الرخص لا على الإطلاق» .

شروط الانتقال بين المذاهب ومنع التلفيق المخالف للإجماع

وقد نقل ابن مهنا النفراوي في الفواكه الدواني عن الزناتي وغيره نفس المعنى، فقال: «والذي اقتصر عليه الزناتي الجواز فإنه قال: يجوز تقليد المذاهب في النوازل والانتقال من مذهب إلى مذهب بثلاثة شروط: الأول: أن لا يجمع بين المذهبين على صفة تخالف الإجماع كمن تزوج بغير صداق ولا ولي ولا شهود فإن هذه الصورة لم يقل بها أحد. الثاني: من شروط التقليد أن يعتقد فيمن يقلده الفضل ولو بوصول خبر إليه ولا يقلده زمنا في عمائه. الثالث: من شروط التقليد أن لا يتبع رخص المذاهب.

هذا ملخص ما نقله الشهاب القرافي عن الزناتي, ونقل عن غيره جواز تقليد المذاهب والانتقال إليها في كل ما لا ينقض فيه قضاء القاضي وهو كل ما خالف قاطعا أو جلي قياس. قال القرافي رحمه الله: إن أراد الزناتي بالرخص هذه فهو حسن» .

اعتبار حال الزمان والناس في التعامل مع الرخص الفقهية

وقد ذكر الزركشي ذلك المعنى، حيث نقل ما حكاه ابن المنير، فقال: « وحكى ابن المنير عن بعض مشايخ الشافعية أنه فاوضه في ذلك وقال: أي مانع يمنع من تتبع الرخص ونحن نقول: كل مجتهد مصيب, وأن المصيب واحد غير معين, والكل دين الله, والعلماء أجمعون دعاة إلى الله, قال: حتى كان هذا الشيخ -رحمه الله- من غلبة شفقته على العامي إذا جاء يستفتيه -مثلا- في حنث ينظر في واقعته, فإن كان يحنث على مذهب الشافعي ولا يحنث على مذهب مالك قال لي: أفته أنت. يقصد بذلك التسهيل على المستفتي ورعا.

كان ينظر أيضًا في فساد الزمان وأن الغالب عدم التقيد, فيرى أنه إن شدد على العامي ربما لا يقبل منه في الباطن, فيوسع على نفسه, فلا مستدرك ولا تقليد, بل جرأة على الله تعالى واجتراء على المحرم.

قلت: كما اتفق لمن سأل التوبة وقد قتل تسعا وتسعين. قال: فإذا علم أنه يئول به إلى هذا الانحلال المحض فرجوعه حينئذ في الرخصة إلى مستند وتقليد الإمام أولى من رجوعه إلى الحرام المحض» .

جواز تتبع الرخص بشروط والقاعدة في عدم الإنكار في المختلف فيه

ونستخلص من ذلك كله أن تتبع الرخص جائز، ولكن بشروط وقيود لا ينبغي إهمالها، وهو مذهب أكثر العلماء، ومن أبرزهم العز بن عبد السلام، والقرافي، والعطار، وغيرهم من المحققين .

وعلى ذلك فمن رأى من ابتلي ويعمل بقول من أجاز لا ينكر عليه؛ لأنه لا ينكر المختلف فيه كما قدمنا، ولأن العلماء اعتبروا الخلاف من لدن الصحابة والتابعين والأئمة المتبوعين إلى يومنا هذا.

الخلاف الفقهي سعة ورحمة وآثار السلف في عدم التشديد

قال ابن مفلح الحنبلي: «قال أحمد: حدثنا معاذ بن هشام, حدثني أبي عن قتادة أن عمر بن عبد العزيز كان يقول: ما يسرني أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة» .

وقد صنف رجل كتابًا في الاختلاف. فقال له الإمام أحمد: «لا تسميه الاختلاف، ولكن سمه كتاب السعة» .

وجاء في ذلك المعنى ما ذكره سفيان الثوري رحمه الله؛ حيث قال: «إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي قد اختلف فيه، وأنت ترى غيره فلا تنهه» . وقال الإمام أحمد بن حنبل: «لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه ويشتد عليهم» .

قال الإمام الحنبلي ابن قدامة المقدسي: «وجعل في سلف هذه الأمة أئمة من الأعلام, مهد بهم قواعد الإسلام, وأوضح بهم مشكلات الأحكام, اتفاقهم حجة قاطعة, واختلافهم رحمة واسعة» .

خاتمة حول منهج التيسير وضوابط الفتوى وشروط المفتي

فالتيسير على الناس والترخص لهم لإدخالهم في الدين خير من التعسير عليهم وإلزامهم بالقول الشديد، لما في ذلك من مخالفة لمنهج النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، وسبيل الصالحين من أسلافنا العلماء، ولما فيه من صد عن سبيل الله سبحانه وتعالى، رزقنا الله الفهم والإخلاص.

ولعل بهذا العرض قد اتضحت حقيقة الفتوى، وفضلها، وشروط المفتي، وآدابه، ونسأل الله أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، والله تعالى أعلى وأعلم.

ما شعورك تجاه هذا الفصل؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفصل؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى

من قال: «أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار»؟

النبي صلى الله عليه وسلم

شبّه القرافي المفتي بـ:

الترجمان عن مراد الله تعالى

كم مسألة سُئل عنها الإمام مالك فقال في اثنتين وثلاثين منها «لا أدري»؟

ثمان وأربعين مسألة

ما الفرق الجوهري بين الفتوى والقضاء؟

الفتوى لا يرتبط بها إلزام بخلاف القضاء

ما الشرط الذي ذكره الإمام أحمد أولاً من الخصال الخمس للمفتي؟

النية الصالحة

ما موقف جمهور العلماء من فتوى الفاسق؟

لا تصح لأن خبره لا يقبل

ما أصل اشتقاق كلمة «أفتى» لغةً؟

من الفتي بمعنى الشاب القوي

ما الشرط الذي ذكره الزركشي بأن المتخصص في فرع واحد لا يفتي في غيره؟

شرط التخصص

ما الذي يشبهه ابن القيم بالتصور المبدع في علم النفس الحديث؟

جودة القريحة في المجتهد

ما الشروط الثلاثة التي ذكرها الزناتي للانتقال من مذهب إلى مذهب؟

عدم الجمع بما يخالف الإجماع واعتقاد فضل المقلَّد وعدم تتبع الرخص

ما قول الإمام أحمد في تسمية كتاب الاختلاف الفقهي؟

سمه كتاب السعة

ما الحكم الشرعي للإفتاء بغير علم؟

حرام لأنه قول على الله بما لا يعلم

ما الذي علّق به النووي على مرتبة المفتي المستقل في عصره؟

قال إنها عُدمت من دهر طويل

ما الذي يجب على المفتي فعله حال الغضب الشديد؟

يتوقف عن الإفتاء حتى يزول ما به

ما الذي قاله ابن قدامة المقدسي عن اختلاف أئمة الإسلام؟

اتفاقهم حجة قاطعة واختلافهم رحمة واسعة

ما معنى الفتوى في الاصطلاح الشرعي؟

تبيين الحكم الشرعي عن دليل لمن سأل عنه، وهذا يشمل السؤال في الوقائع وغيرها.

لماذا وصف ابن القيم المفتي بأنه بمنزلة الوزير الموقع عن الملك؟

لأن المفتي يوقع عن رب الأرض والسموات، فكما أن التوقيع عن الملوك من أعلى المراتب فكيف بالتوقيع عن الله تعالى.

ما الفرق بين الفقيه والمفتي في التعامل مع الواقعة؟

الفقيه يستنبط أحكام الله من الأدلة التفصيلية دون بحث عن الواقعة، أما المفتي فيدرس الواقع أولاً ثم يلتفت إلى الفقه ليأخذ منه الحكم المناسب.

ما الشروط العامة التي اشترطها النووي في جميع أصناف المفتين؟

كونه مكلفاً مسلماً ثقة مأموناً متنزهاً عن أسباب الفسق وخوارم المروءة، فقيه النفس سليم الذهن رصين الفكر صحيح التصرف والاستنباط متيقظاً.

ما عدد أصناف المفتين عند النووي وما الحكم فيمن تصدى للفتيا دون هذه الصفات؟

خمسة أصناف، ومن تصدى للفتيا وليس بهذه الصفة فقد باء بأمر عظيم.

ما الشرط الذي اشترطه الإمام مالك في نفسه قبل أن يفتي؟

قال مالك: ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك، ولا ينبغي لرجل أن يرى نفسه أهلاً لشيء حتى يسأل من هو أعلم منه.

ما المقصود بالشروط السلبية في المفتي؟

هي الأمور التي لا يُشترط توافرها في المفتي كالذكورية والحرية والنطق والبصر، فتصح فتوى المرأة والعبد والأخرس والأعمى.

ما الحكم في فتوى المبتدع؟

إن كانت بدعته مكفرة أو مفسقة لم تصح فتاواه، وإلا صحت فيما لا يدعو فيه إلى بدعته.

ما المقصود بجودة القريحة في المفتي؟

كثرة الإصابة وصحة الاستنباط وحسن التصور للمسائل، وهو يشبه التصور المبدع في علم النفس الحديث.

ما الذي قاله سفيان الثوري في التعامل مع من يعمل بقول مختلف فيه؟

قال: إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي قد اختلف فيه وأنت ترى غيره فلا تنهه.

ما الفرق بين التيسير المشروع في الفتوى وتتبع الرخص المذموم؟

التيسير المشروع هو إدخال الناس في الدين وإلقاء الستر عليهم بقول معتبر في الشرع، أما تتبع الرخص المذموم فهو الأخذ بالأيسر بصورة فيها تفلت عن شرع الله.

ما الذي قاله عمر بن عبد العزيز عن اختلاف الصحابة؟

قال: ما يسرني أن أصحاب محمد لم يختلفوا لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة.

ما الذي يجب على المفتي تجاه أسرار المستفتين؟

يجب عليه كتمانها كالطبيب الذي يطلع على أسرار مرضاه، لأن إفشاءها قد يضر بهم أو يحول بينهم وبين البوح بصورتهم الواقعة.

ما الذي قاله أبو حنيفة عن دوافعه للإفتاء؟

قال: لولا الفرق من الله أن يضيع العلم ما أفتيت، يكون لهم المهنأ وعلي الوزر.

ما الحكم إذا أفتى المفتي حال الغضب ورأى أنه لم يخرج عن الصواب؟

صحت فتواه وإن كان مخاطراً، لكن قيّده المالكية بكون ذلك لم يخرجه عن أصل الفكر، فإن أخرجه الدهش عن أصل الفكر لم تصح فتواه قطعاً.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!