هل الامر المطلق يفيد التكرار ام المرة الواحدة وما هي مذاهب الاصوليين في ذلك؟
الامر المطلق عند جمهور الاصوليين لا يدل على التكرار ولا على المرة الواحدة بالوضع، بل يفيد طلب ماهية الفعل من غير اشعار بعدد. غير ان المرة الواحدة تلزم من باب الضرورة لاستحالة الامتثال بأقل منها. وقد تعددت المذاهب في المسألة بين القائلين بالتكرار والمرة والاشتراك والتوقف.
- •
هل الامر المطلق في الشريعة يوجب التكرار ام يكفي فعله مرة واحدة؟ هذا هو محور الخلاف الاصولي الكبير في هذه المسألة.
- •
المذهب الاول يرى ان الامر المطلق يفيد طلب الماهية فحسب، والمرة الواحدة لازمة ضرورة لا وضعا، وهو اختيار الآمدي وابن الحاجب.
- •
المذهب الثاني يقول بان الامر يقتضي التكرار المستوعب لزمان العمر مع الامكان، وقد اعترض عليه القرافي بان هذا لم يوجد في الاستعمال اللغوي اصلا.
- •
المذهب الثالث يرى ان الامر موضوع للمرة الواحدة لفظا، وهو قول اكثر اصحاب الشافعي، بينما يذهب المذهب الرابع الى الاشتراك بين المرة والتكرار.
- •
استدل كل فريق بادلة من اللغة والشرع والقياس، وتناول الاصوليون هذه الادلة بالنقد والجواب بصورة مستفيضة.
- •
تتفرع على هذه المسألة فروع فقهية عملية كحكم الوكيل الذي باع سلعة فردت عليه، واستحباب اجابة المؤذن عند تعدد الاذان.
- 1
الامر المطلق العاري من القيود محل خلاف اصولي، والمذهب الاول يرى انه يفيد طلب الماهية لا التكرار ولا المرة.
- 2
الآمدي وابن الحاجب اختارا ان الامر المطلق لطلب الماهية، والمرة لازمة قطعا والتكرار محتمل يحتاج قرينة.
- 3
المذهب الثاني يقول بالتكرار المستوعب مع شرط الامكان، وقد اعترض عليه القرافي بعدم وجوده في الاستعمال اصلا.
- 4
القرافي يعترض على التكرار بلزوم استيعاب المجاز للحقيقة، والمذهب الثالث يجعل الامر موضوعا للمرة الواحدة لفظا.
- 5
المذهب الرابع يجعل الامر مشتركا بين التكرار والمرة ويتوقف على القرينة، وهو اختيار صاحب التحصيل.
- 6
المذهب الخامس هو التوقف، ونسبته الى امام الحرمين محل خلاف بين الاسنوي من جهة والآمدي وابن الحاجب من جهة اخرى.
- 7
عبارة امام الحرمين تثبت المرة وتتوقف في الزيادة، وهي قريبة من المذهب الاول لا مخالفة له كما ادعى الاسنوي.
- 8
دليلا المذهب الاول: صحة التقييد بالمرة والمرات دون تناقض، وورود الامر في الشرع والعرف للوجهين معا.
- 9
الاستدلال بورود الامر للوجهين يقتضي جعله حقيقة في القدر المشترك، وقد اعترض الاسنوي بلزوم المجاز عند الاستعمال في المقيد.
- 10
استعمال الامر المطلق في المقيد بالمرة او التكرار مجاز لمخالفة المطلق للمقيد، وهو ما صرح به الآمدي في الاحكام.
- 11
الوجه الثالث يبطل التكرار بلزوم استغراق الازمنة وما يترتب عليه من تكليف بما لا يطاق ونسخ التكاليف اللاحقة.
- 12
الدليل القاطع عند امام الحرمين ان الامر مشتق من المصدر الذي لا يقتضي استغراقا ولا يختص بمرة، فيدل على طلب الماهية فقط.
- 13
القياس على صيغة يفعل يثبت ان الامر لطلب الماهية، والمرة الواحدة لازمة ضرورة لا وضعا كما قرر الامام الرازي.
- 14
دليل الزكاة على التكرار مردود بان الصحابة علموا التكرار من بيان النبي لا من مجرد الصيغة، والتكرار بقرينة جائز.
- 15
دليل القياس على النهي مردود بالفرق بين الترك الدائم والفعل الدائم، ودليل النسخ مردود بان النسخ قرينة لا دلالة وضعية.
- 16
دليل عدم تعيين الزمان على التكرار مردود بان الامر يدل على طلب المصدر مطلقا، والفور يخصصه بأقرب الازمنة.
- 17
دليل الاحتياط مردود بزوال الخوف عند العلم بعدم الدلالة، والامتثال بالمرة دليل على عدم ظهور التكرار لا امتناعه.
- 18
ادلة المرة من اليمين والطلاق مردودة بانها قياس في اللغات لا يصح، وعدم ملك الزيادة لعدم الظهور لا لعدم الاحتمال.
- 19
الوجه السادس يستدل بتعذر الجمع بين العبادات، والجواب ان الحرج قرينة مانعة لا دليل على امتناع التكرار لغة.
- 20
دليل سؤال سراقة على الاشتراك مردود بان الاستفسار يقع عن افراد المتواطئ لا عن المشترك فقط.
- 21
دليل الاشتراك من ورود الامر على الوجهين مردود، ومن الفروع الفقهية ان الوكيل لا يملك البيع ثانيا بعد رد السلعة بالعيب.
- 22
اجابة المؤذن عند التعدد مستحبة للجميع والاول آكد، وتتخرج على مسألة التكرار من باب تكرر الحكم بتكرر علته.
- 23
الاسنوي يرجح التفصيل بين من صلى ومن لم يصل في اجابة الاذان المتعدد، وهو اوجه من اطلاق النووي وابن عبد السلام.
ما معنى الامر المطلق وهل يفيد التكرار ام المرة الواحدة؟
الامر المطلق هو الامر العاري من القيود، وقد اختلف الاصوليون في دلالته. المذهب الاول يرى انه لا يدل على التكرار ولا على المرة، بل يفيد طلب الماهية فحسب. غير ان المرة الواحدة تصير من ضروريات الامتثال لاستحالة ادخال الماهية في الوجود بأقل منها.
من اختار المذهب الاول في ان الامر المطلق لطلب الماهية وما قول الآمدي فيه؟
اختار المذهب الاول الآمدي وابن الحاجب ونسباه الى امام الحرمين. وقال الآمدي ان المرة الواحدة لا بد منها في الامتثال وهو معلوم قطعا، اما التكرار فمحتمل، فان اقترنت به قرينة حمل عليه وإلا اكتفي بالمرة الواحدة.
ما المذهب الثاني في دلالة الامر على التكرار وما شرط الامكان فيه؟
المذهب الثاني يرى ان الامر يدل على التكرار المستوعب لزمان العمر، لكن بشرط الامكان، اي في الازمنة الممكنة للفعل دون ازمنة النوم وقضاء الحاجة وما هو ضروري للانسان. وقد اعترض القرافي على هذا المذهب بان التكرار المستوعب لم يوجد في الاستعمال اللغوي ولا العرفي ولا الشرعي.
ما اعتراض القرافي على مذهب التكرار وما المذهب الثالث القائل بالمرة لفظا؟
اعترض القرافي بان الامر الدائم لم يوجد في الاستعمال اصلا، فيلزم القائل بالتكرار ان الامر ما استعمل في صورة حقيقته قط، مما يستلزم كثرة المجاز حتى يستوعب الحقيقة وهو خلاف الاصل. اما المذهب الثالث فيرى ان الامر موضوع لخصوص المرة الواحدة بقيد كونها واحدة لا بطريق اللزوم.
ما المذهب الرابع في الاشتراك بين التكرار والمرة وما موقف صاحب التحصيل؟
المذهب الرابع يرى ان الامر مشترك بين التكرار والمرة، فيتوقف اعماله في احدهما على وجود القرينة. وقد اختار صاحب التحصيل هذا المذهب وقال ان الامر يفيد الاشتراك بين الكل، جامعا بين مسألة التكرار ومسألة الفور في اختيار واحد.
ما المذهب الخامس في التوقف ومن نسبه الى امام الحرمين؟
المذهب الخامس يقول بالتوقف، اي انه لا يدرى ان الامر حقيقة في المرة الواحدة ام في التكرار. ونسب الاسنوي هذا المذهب الى امام الحرمين، بينما نقل عنه ابن الحاجب والآمدي المذهب الاول، وقد رجح المصنف ان ما نقله الآمدي هو عين ما في البرهان.
ما نص عبارة امام الحرمين في مسألة التكرار وهل هي توقف ام مذهب الماهية؟
قال امام الحرمين ان الصيغة المطلقة تقتضي الامتثال والمرة الواحدة لا بد منها، وانه على الوقف في الزيادة عليها فلا ينفيها ولا يثبتها والقول يتوقف على القرينة. وقد رجح المصنف ان عبارة امام الحرمين والآمدي واضحتان في ان الوهم انما هو من الاسنوي.
ما الدليل الاول والثاني على ان الامر المطلق لطلب الماهية لا للتكرار ولا للمرة؟
الدليل الاول ان صحة تقييد الامر بالمرة او بالمرات دون تكرار او نقض يدل على انه موضوع للماهية لا لاحدهما. والدليل الثاني ان الامر ورد في الشرع والعرف تارة مع التكرار كالصلاة وتارة للمرة كحفظ الدابة، فيكون حقيقة في القدر المشترك وهو طلب الاتيان بالفعل مع قطع النظر عن العدد.
كيف استدل الاصوليون بورود الامر للتكرار والمرة على ان معناه القدر المشترك بينهما؟
استدلوا بان الامر ورد للتكرار كالصلاة وللمرة كالحج، فلو كان حقيقة في كل منهما لزم الاشتراك، وان كان في احدهما فقط لزم المجاز، وكلاهما خلاف الاصل، فوجب جعله حقيقة في القدر المشترك وهو طلب الاتيان بالفعل. واعترض الاسنوي بان استعمال المطلق في المقيد يكون مجازا لان الاعم غير الاخص.
ما اشكال استعمال الامر المطلق في المقيد بالتكرار او المرة وكيف اجاب الآمدي؟
الاشكال ان الالفاظ موضوعة للمعاني الذهنية، فاستعمالها فيما تشخص في الخارج يكون مجازا. فاستعمال الامر في المقيد بالتكرار او بالمرة مجاز، فمن فر من مجاز واحد وقع في مجازين. وقد صرح الآمدي بان حقيقة المطلق مخالفة لحقيقة المقيد، فاستعمال لفظ الدابة في الدابة المقيدة استعمال له في غير ما وضع له.
ما الوجه الثالث في ابطال التكرار المتعلق باستغراق الازمنة؟
لو كان الامر للتكرار لعم الاوقات كلها ولا يخلو وقت من وجوب المأمور به، وليس في اللفظ اشعار بوقت معين فلا اولوية لبعض الاوقات على بعض. والتعميم باطل بالاجماع وبانه تكليف بما لا يطاق وبانه يلزم منه نسخ كل تكليف لاحق لا يمكن مجامعته. وقد اجيب بان القائل بالتكرار يشترط الامكان فلا يرد التكليف بما لا يطاق.
ما الوجه الرابع الذي سماه امام الحرمين الدليل القاطع على ان الامر لطلب الماهية؟
الوجه الرابع ان صيغة افعل موضوعة لطلب ادخال ماهية المصدر في الوجود، لان صيغ الافعال مشتقة من المصدر والمصدر لا يقتضي استغراقا ولا يختص بالمرة، فنزل الامر على حكمه. وقد اجمع المسلمون على ان اوامر الله منها ما للتكرار كالصلاة ومنها ما لا للتكرار كالحج، فوجب جعل اللفظ حقيقة في القدر المشترك وهو طلب ادخال ماهية المصدر في الوجود.
ما الوجه الخامس في ان الامر لطلب الماهية المستند الى القياس على صيغة يفعل؟
الوجه الخامس ان اهل اللغة قالوا لا فرق بين يفعل وافعل الا في الخبرية والطلبية، وقد اجمعنا على ان يفعل يتحقق مقتضاه بالمرة الواحدة، فكذلك الامر وإلا لحصلت بينهما تفرقة في غير الخبرية والطلبية. وخلص الامام الى ان الامر لا دلالة فيه البتة على التكرار ولا على المرة الواحدة بل على طلب الماهية، والمرة الواحدة من ضرورات الامتثال.
كيف استدل القائلون بالتكرار بقصة الزكاة وابي بكر الصديق وما الجواب عنه؟
استدل القائلون بالتكرار بان ابا بكر الصديق تمسك في وجوب تكرار الزكاة بقوله تعالى وآتوا الزكاة ولم ينكر عليه احد من الصحابة فدل على الاجماع. واجاب الامام بان النبي صلى الله عليه وسلم ربما بين للصحابة ان هذه الآية للتكرار، فالتكرار ثبت بقرينة لا بمجرد الصيغة.
ما دليل القياس على النهي ودليل النسخ في اثبات التكرار وما الجواب عنهما؟
الدليل الثاني قياس الامر على النهي في التكرار بجامع الطلب، واجيب بان الانتهاء عن الشيء ابدا ممكن لانه بقاء على العدم بخلاف الاشتغال به ابدا. والدليل الثالث ان جواز النسخ يدل على التكرار، واجيب بان النسخ الوارد على الامر المطلق يكون قرينة على ان المراد التكرار، وحمل الامر على التكرار لقرينة جائز.
ما دليل عدم تعيين الزمان على التكرار وكيف اجاب عنه القائلون بالفور والتراخي؟
الدليل الرابع ان الامر لا يعين زمانا فلا يكون اقتضاؤه للفعل في زمان اولى من زمان آخر، فاما ان لا يقتضي شيئا وهو باطل او يقتضي كل الازمنة وهو المطلوب. واجيب بان القائلين بالفور يخصونه بأقرب الازمنة، ومنكروه يقولون انه يدل على طلب المصدر من غير بيان الوحدة والعدد والزمان.
ما دليل الاحتياط على التكرار وما الدليل الاول للقائلين بالمرة الواحدة؟
الدليل الخامس ان الاحتياط يقتضي التكرار لان به يأمن المكلف من مخالفة امر الله، واجيب بان المكلف اذا علم ان اللفظ لا يدل على التكرار امن من الخوف. اما دليل المذهب الثالث الاول فهو ان من قيل له ادخل الدار يعد ممتثلا بالدخول مرة واحدة ولا يلام بترك التكرار، واجيب بان ذلك يدل على عدم ظهور الامر في التكرار لا على امتناع احتماله.
ما ادلة المذهب الثالث من اليمين والطلاق وكيف اجيب عنها؟
استدل القائلون بالمرة بان من حلف ليصلين برت يمينه بصلاة واحدة، وبان من قال لوكيله طلق زوجتي لم يملك اكثر من تطليقة واحدة. واجيب عن كليهما بانهما قياس في اللغات وهو باطل لا يصح، وان عدم ملك الزيادة في الطلاق لعدم ظهور الامر فيها لا لعدم الاحتمال لغة.
ما الوجه السادس للمذهب الثالث المتعلق بتعدد العبادات وكيف اجيب عنه؟
الوجه السادس ان لو كان الامر للتكرار لكان الامر بعبادتين لا يمكن الجمع بينهما اما تكليفا بما لا يطاق او تناقضا. واجيب بان زيادة المشقة اما ان لا تكون منافية للتكرار فلا اتجاه لما ذكروه، او تكون منافية فغايته تعذر العمل بالتكرار عند الحرج فيكون قرينة مانعة، ولا يلزم من ذلك امتناع التكرار لاحتماله لغة.
كيف استدل القائلون بالاشتراك بسؤال سراقة عن الحج وما الجواب عنه؟
استدل القائلون بالاشتراك بان سراقة سأل النبي صلى الله عليه وسلم احجنا هذا لعامنا ام للابد، وهو من اهل اللسان واقره النبي على السؤال، فلو كان الامر للتكرار او للمرة لاستغنى عن الاستفسار. واجيب بان الاستفسار قد يقع عن افراد المتواطئ كمن يسأل عن الرقبة امؤمنة ام كافرة، فالاستفهام لا يدل على الاشتراك.
ما الوجه الثاني لمذهب الاشتراك وما الفروع الفقهية المترتبة على مسألة التكرار؟
الوجه الثاني ان الامر ورد في القرآن والسنة على الوجهين والاصل في الكلام الحقيقة فكان الاشتراك لازما، واجيب بان الاوامر الدالة على التكرار تختلف في مدته بين اليوم والاسبوع والشهر والسنة ولا يستفاد ذلك الا من دليل منفصل. ومن الفروع الفقهية ان الوكيل اذا باع سلعة فردت عليه بالعيب فليس له البيع ثانيا على الاصح.
هل يستحب اجابة المؤذن عند تعدد الاذان وما علاقة ذلك بمسألة التكرار؟
مسألة اجابة المؤذن عند تعدده تتخرج على مسألة التكرار، فان قلنا الامر لا يفيد التكرار لفظا فان الحكم يتكرر بتكرر علته من باب ترتيب الحكم على الوصف المناسب. وقد قال الشيخ عز الدين ابن عبد السلام يستحب اجابة الجميع ويكون الاول آكد، الا في الجمعة فهما في الفضيلة سواء، وكذلك في الصبح اذا وقع الاول قبل الوقت.
ما ترجيح النووي والاسنوي في استحباب اجابة الاذان عند تعدده في الجمعة والصبح؟
قال النووي ان الاستحباب شامل للجميع الا ان الاول متأكد يكره تركه. ورجح الاسنوي قول ابن عبد السلام عليه، ثم اختار هو ان يفصل بين من لم يصل فيستحب له الاجابة مطلقا والاول آكد الا في الصبح والجمعة، وبين من صلى فيجيب حيث استحببنا الاعادة في جماعة لانه مدعو بالاذان الثاني ايضا.
الامر المطلق لا يدل بوضعه على تكرار ولا مرة، بل على طلب الماهية، والمرة لازمة عقلا.
الامر المطلق عند الاصوليين لا يفيد التكرار ولا يختص بالمرة الواحدة بالوضع اللغوي، بل يدل على طلب ادخال ماهية المصدر في الوجود. وقد استدل الامام الرازي وامام الحرمين والآمدي على ذلك بان الامر ورد في الشرع تارة للتكرار كالصلاة وتارة للمرة كالحج، فوجب حمله على القدر المشترك بينهما وهو طلب الماهية.
تتشعب المسألة الى خمسة مذاهب: طلب الماهية، والتكرار مع الامكان، والمرة لفظا، والاشتراك، والتوقف. وقد اعترض القرافي على مذهب التكرار بان الامر الدائم لم يوجد في الاستعمال اللغوي اصلا، وان كل امر يبدو دائما فمعناه في الحقيقة نهي عن الترك. وتتفرع على هذه المسألة فروع عملية كحكم الوكيل الذي باعت سلعته فردت عليه، وحكم اجابة المؤذن عند تعدد الاذان.
أبرز ما تستفيد منه
- الامر المطلق يدل على طلب الماهية لا على التكرار ولا على المرة بالوضع.
- المرة الواحدة لازمة من باب الضرورة العقلية لا من دلالة اللفظ.
- القائل بالتكرار يشترط الامكان ويستثني ازمنة الضرورة كالنوم وقضاء الحاجة.
- الفروع الفقهية المبنية على هذه المسألة تشمل تصرفات الوكيل واجابة الاذان عند تعدده.
تعريف المسألة وبيان حكم الامر المطلق عند الاصوليين
المسألة الرابعة الامر المطلق لا يفيد التَّكْرار إذا وَرَدَ الامر مقيّدا بالمرة، او بالتَّكْرار حُمِلَ عليه، وإن وَرَد مقيّدا بصفة، او شرط فإنه يتكرر قياسا، لا لفظا.
وإن كان مطلَقا، او عاريا من هذه القيود ففيه مذاهب:
المذهب الاول:
أنه لا يدل على التَّكْرار، ولا على المرة، بل يفيد طلب المَاهيِّة من غير اشعار بتَكْرار، او مرة او كثرة، او وحدة؛ إلا انه لا يمكن ادخال تلك المَاهيِّة فى الوجود بأقل من المرة الواحدة، فصارت المرة من ضروريات الاتيان بالمأمور به؛ لا جرم أنه يدل عليها من هذا الوجه.
نسبة المذهب الاول للائمة وشرح موقف الآمدي وامام الحرمين
وهذا المذهب اختاره الإمام واتباعه، ونقله عن الاقلين [1].
كذا اطلقه الاسنوى، وقد خالف سراج الدين صاحب التحصيل من اتباع الامام، واختار المذهب الرابع، وستأتى عبارته.
واختار المذهب الاول ايضا الآمدى [2]، وابن الحاجب [3]، ونقلاه عن امام الحرمين [4]، وقد اعترض عليهما الاسنوى بأنه ليس كذلك، ونسب اليه القول بالوقف، على ما سيأتى بيانه فى المذهب الخامس.
قال الآمدى: "والمختار ان المرة الواحدة لا بد منها فى الامتثال، وهو معلوم قطعا، والتكرار محتمل، فإن اقترن به قرينة اشعرت بإرادة المتكلم التكرار حمل عليه، وإلا كان الاقتصار على المرة الواحدة كافيا".
المذهب الثاني في دلالة الامر على التكرار وشرح شرط الامكان
المذهب الثانى:
أنه يدل على التَّكْرار المستوعِب لزمان العمر، وهو رأى الاستاذ، وجماعة من الفقهاء والمتكلمين، لكن بشرط الامكان، كما قاله الآمدى.
والمراد بشرط الامكان: أنه يفيد التكرار فى الازمنة الممكنة للفعل، دون ازمنة قضاء الحاجة، والنوم، وغير ذلك مما هو ضرورى للانسان؛ فإن الالفاظ ما وضعت فى اللغات إلا لما يمكن فى العادة حصوله [5].
إشكال وارد على هذا المذهب:
نبه القرافى على ان مقتضى ما قاله القائل بالتكرار ما وجد فى الاستعمال: لا لغة، ولا عرفا، ولا شرعا، فإنا لا نجد امرا طلب على هذه الصورة فى جميع الازمنة الممكنة بحيث لا يغير طول عمره فيما عدا ازمنة الضرورة، وإنما وجد ذلك فى النواهى والتروك، فالامر بحفظ السر والوديعة، ونحو ذلك مما هو دائم إنما معناه النهى عن إفشاء السر، والتمكين من الوديعة لغير ربها، فكل امر هو على الدوام فهذا معناه.
اعتراض القرافى على التكرار المستوعب وبيان لوازمه اللغوية
اما امر بفعل على الدوام فلم يوجد اصلا.
فيلزم ان الامر ما استعمل فى صورةِ حقيقةٍ ألبتة، فيلزم حينئذ امران: كثرة المجاز بحيث يستوعب الحقيقة، وهو خلاف الاصل، وان اللفظ صار منقولا عن الوضع اللغوى بسبب كثرة الاستعمال فى غير التكرار، وكثرة الاستعمال فى غير الحقيقة يوجب النقل، والنقل اعظم مفسدة من المجاز، فيلزم القائلَ بالتكرار هذان الامران، فيكون ذلك من احسن الحجج عليه [6].
المذهب الثالث:
ان الامر يدل على المرة لفظا.
وقولنا: "لفظا" تنبيه على محل الخلاف؛ لان المرة الواحدة قد يقتضيها اللفظ التزاما على ما تقدم تقريره فى المذهب الاول. والقائلون بالمرة يقولون: الامر وضع لخصوص المرة الواحدة بقيد كونها واحدة لا انها وقعت بطريق اللزوم [7].
بيان المذهب الثالث في المرة الواحدة وظهور المذهبين الرابع والخامس
وهذا المذهب هو قول اكثر اصحابنا، كما حكاه الشيخ ابو إسحق الشيرازى فى شرح اللمع [8]، ونقل القيروانى فى المستوعِب عن الشيخ ابى حامد انه مقتضَى قول الشافعى.
المذهب الرابع:
أنه مشترَك بين التَّكْرار والمرة، فيتوقف إعماله فى احدهما على وجود القرينة.
قال صاحب التحصيل: "قيل الامر مفيد للتكرار. وقيل للمرة الواحدة لفظا. وقيل بالتوقف. ثم قال الحنفية: إنه مفيد للفور. وقيل للتراخى. وقيل بالتوقف إما لدعوى الاشتراك، او عدم العلم بالواقع.
والحق انه يفيد الاشتراك بين الكل" [9].
مذهب التوقف في دلالة الامر وتصحيح نسبة قول امام الحرمين
المذهب الخامس:
أنه لاحدهما، ولا نعرفه، فإنه لا يدرى أنه حقيقة فى المرة الواحدة، او التكرار؛ فعلى هذا يتوقَّف ايضا.
قال الاسنوى [10]: واختار امام الحرمين التوقف، ونقل عنه ابن الحاجب المذهب الاول، تبعا للآمدى، وليس كذلك، فافهمه" [11] انتهى كلام الاسنوى.
قلنا: بل ليس كما قاله الاسنوى، فما نقله الآمدى فى الاحكام عن امام الحرمين، هو عين ما فى البرهان.
فالذى قاله الآمدى [12]: "اختلف الاصوليون فى الامر العرى عن القرائن فذهب الاستاذ ابو إسحاق الاسفرائينى وجماعة من الفقهاء والمتكلمين إلى أنه مقتض للتكرار المستوعب لزمان العمر مع الامكان.
تفصيل الآمدي لاقوال الاصوليين وعبارة امام الحرمين في الوقف
وذهب آخرون إلى أنه للمرة الواحدة، ومحتمل للتكرار، ومنهم من نفى احتمال التكرار، وهو اختيار ابى الحسين البصرى وكثير من الاصوليين، ومنهم من توقف فى الزيادة، ولم يقض فيها بنفى ولا اثبات، وإليه ميل امام الحرمين والواقفية".
اما كلام امام الحرمين [13] فقال: "فإن قيل: فما المختار، وقد ابطلتم بزعمكم مسلك الفريقين، وليس بين النفى والاثبات مرتبة.
قلنا: الصيغة المطلقة تقتضى الامتثال، والمرة الواحدة لا بد منها، وانا على الوقف فى الزيادة عليها، فلست انفيه، ولست اثبته، والقول فى ذلك يتوقف على القرينة" انتهى المراد منه.
فعبارة امام الحرمين والآمدى واضحة فى ان الوهم إنما هو من الاسنوى رحمه الله.
بداية ادلة المذهب الاول وبيان معنى طلب الماهية
ادلة المذاهب:
دليل المذهب الاول انه لطلب الماهية من اوجه:
احدها: انه يصح ان يقال: "افعل ذلك مرة، او مرات"، وليس فيه تَكْرار، ولا نقض؛ إذ لو كان للمرة لكان تقييده بالمرة تَكْرارا، وبالمرات نقضا. ولو كان للتَّكرار لكان تقييده به تَكرارًا، وبالمرة نقضا.
قال الاسنوى [14]: "وهذا الدليل لا يثبت به المدَّعَى؛ لان عدم التَّكْرار والنقض قد لا يكون لكونه موضوعا للماهية من حيث هى، بل لكونه مشترَكا، او لاحدهما، ولا نعرفه كما قد قيل به، فيكون التقييد للدلالة على احدهما".
الوجه الثانى: ان الامر المطلَق ورد تارة مع التَّكْرار شرعًا،كآية الصلاة [15] سورة البقرة (43،110) كما وردت فى مواضع أخرى.}}، وعرفًا نحو: احفظ دابتى.
استعمال الامر في الشرع والعرف ونقد الاسنوي والآمدي لدليل العموم
وورد تارة للمرة شرعا كآية الحج [16] آل عمران(97).}}، وعرفا كقوله: ادخل الدار، فيكون حقيقة فى القدر المشترك بين التَّكْرار والمرة، وهو: طلب الاتيان بالفعل مع قطع النظر عن التَّكْرار والمرة؛ لانه لو كان حقيقة فى كل منهما لزم الاشتراك، وإن كان فى احدهما فقط لزم المجاز، وهما خلاف الاصل.
قال الاسنوى [17]: "وهذا الدليل قد استعمله الامام، واتباعه فى مواضع كثيرة.
وفيه نظر: لانه إذا كان موضوعا لمطلَق الطَّلَب؛ ثم استعمل فى طَلَب خاص فقد استعمل فى غير ما وضع له؛ لان الاعم غير الاخص، ولكنه مشتمِل على ما وضع له، فيجوز على سبيل المجاز.
اشكال استعمال المطلق في المقيد والتمهيد لبقية ادلة نفي التكرار
وأيضا: فلأن الالفاظ موضوعة بإزاء المعانى الذهنية - كما تقدم - فإذا استعمل فيما تَشَخَّصَ منها فى الخارج فيكون مجازا؛ لانه غير ما وضع له، فاستعمال الامر فى المقّيد بالتَّكْرار وبالمرة مجاز؛ لما قلناه؛ ففر من مجاز واحد فوقع فى مجازين.
وهذا البحث يجرى فى سائر الالفاظ الموضوعة لمعنى كلى، وإن كان مستبعدا لكن القواعد ادت إليه.
وقد صَرَّحَ الآمدى فى الاحكام بموافقة ما ذكرتُه، فقال فى اوائل الكتاب فى القسمة الثانية، جوابا عن سؤالٍ ما نصه: "لانه لا يخفى ان حقيقة المطلَق مخالفة لحقيقة المقيّد من حيث هما كذلك، فإذا كان لفظ الدابّة حقيقة فى مطلق دابّة فاستعماله فى الدابّة المقيّدة على الخصوص يكون استعمالا له فى غير ما وضع له"
هذا لفظه" انتهى كلام الاسنوى.
الوجه الثالث في ابطال التكرار وبيان استغراق الازمنة وتعذره
الوجه الثالث - وهو دليل على ابطال التَّكْرار خاصة -: انه لو كان للتَّكرار لَعَمَّ الاوقات كلها، بحيث لا يخلو وقت عن وجوب المأمور به، وليس فى اللفظ اشعار بوقت معين، فليس حمله على البعض اولى من الباقى؛ لعدم اولوية وقت دون وقت.
والتعميم بحمله على كل الاوقات باطل بوجوه:
احدها: بالاجماع على ذلك.
الثانى: انه تكليف بما لا يطاق.
الثالث: انه يلزم ان ينسخه كل تكليف يأتى بعده لا يمكن ان يجامعه فى الوجود؛ لان الاستغراق الثابت بالاول يزول بالاستغراق الثابت بالثانى، وليس كذلك.
ولك ان تقول: قد تقدم ان القائل بالتَّكْرار يقول: إنه بشرط الامكان، فلا يَرِد ما قاله من التكليف بما لا يطاق.
الوجه الرابع والخامس: الامر لطلب ماهية المصدر لا للمرة او التكرار
الوجه الرابع - وترجمه امام الحرمين [18] بأنه الدليل القاطع فيه -: ان صيغة "افعل" موضوعة لطلب ادخال ماهية المصدر فى الوجود، وذلك لان صيغة الامر وجملة صيغ الافعال عن المصدر، والمصدر لا يقتضى استغراقا، ولا يختص بالمرة الواحدة، والامر استدعاء المصدر، فنزل على حكمه، فإن المصدر لم يوضع للاستغراق، وإنما هو صالح له لو وصف به.
فوجب ان لا يدل الامر على التكرار، ولا على المرة.
وبيان ذلك ان المسلمين اجمعوا على ان اوامر الله تعالى منها ما جاء على التكرار كما فى قوله تعالى {أَقِيمُوا الصَّلاَةَ}، ومنها ما جاء لا على التكرار كما فى الحج.
فإذا ثبت هذا وقلنا الاشتراك والمجاز خلاف الاصل؛ فلا بد من جعل اللفظ حقيقة فى القدر المشترك بين المرة والتكرار، وما ذاك إلا طلب ادخال ماهية المصدر فى الوجود.
القياس على صيغة يفعل وخلاصة الامام في ان الامر لطلب الماهية
الوجه الخامس: ان اهل اللغة قالوا: لا فرق بين قولنا "يفعل"، وبين قولنا "افعل" إلا فى كون الاول خبرا، والثانى طلبا.
ثم اجمعنا على ان قولنا: "يفعل" يتحقق مقتضاه بتمامه فى حق من يأتى به مرة واحدة، فكذا فى الامر، وإلا لحصلت بينهما تفرقة فى شىء غير الخبرية والطلبية، وذلك يقدح فى قولهم [19].
قال الامام [20]: "إذا ثبت ذلك وجب ان لا يدل على التكرار؛ لان اللفظ الدال على القدر المشترك - بين الصورتين المختلفتين - لا دلالة فيه على ما به تمتاز احدى الصورتين عن الاخرى، لا بالوضع، ولا بالاستلزام.
فالامر لا دلالة فيه ألبتة لا على التكرار، ولا على المرة الواحدة، بل على طلب الماهية، من حيث هى هى، إلا انه لا يمكن ادخال تلك الماهية فى الوجود بأقل من المرة الواحدة، فصارت المرة الواحدة من ضرورات الاتيان بالمأمور به، فلا جرم دل على المرة الواحدة من هذا الوجه".
الدليل الاول لمذهب التكرار من الزكاة وجواب الامام وتعقيب الاسنوي
ادلة المذهب الثانى:
استدل القائلون بأن الامر يفيد التكرار بعدة ادلة منها:
الدليل الاول: ان اهل الردة لما منعوا الزكاة تمسَّك ابو بكر الصديق رحمه الله فى وجوب تكرارها بقوله تعالى [21] {وَآَتُوا الزَّكَاةَ}.
قال الامام [22]: "ولم ينكر عليه احد من الصحابة فدل على انعقاد الاجماع على ان الامر للتَّكْرَار".
والجواب: انه لعل النبى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بيَّن للصحابة ان هذه الآية للتَّكْرَار.
فإن قيل: الاصل عدمه.
قلنا: لمَّا اجمعوا على التَّكْرَار، مع ان الصيغة المجرَّدة لا تقتضى ذلك - كما بيناه -: تعين ما قلناه جمعا بين الادلة.
قال الاسنوى [23]: وهذا الدليل وجوابه يقتضيان ان الامام يُسَلِّم ان ذلك اجماع، وهو مناقض لِمَا سيأتى من كونه ليس بإجماع، ولا حجة.
بقية ادلة مذهب التكرار من القياس على النهي والنسخ والاحتياط
الدليل الثانى: النهى يقتضى التَّكْرَار، فكذلك الامْر قياسا عليه، والجامع ان كلا منهما للطلب.
وجوابه: ان الانتهاء عن الشىء ابدا ممكِن؛ لان فيه بقاء على العدم. واما الاشتغال به ابدا فغير ممكن.
الدليل الثالث: لو لم يدل على التَّكْرَار، بل دل على المرة لم يجز ورود النسخ؛ لان وروده إن كان بعد فعلها فهو محال؛ لانه لا تكليف.
وان كان قبله فهو يدل على البداية، وهو: ظهور المصلحة بعد خفائها، او بالعكس، وهو على الله تعالى محال. ولكن ورود النسخ جائز فدل على انه للتَّكْرَار.
وجوابه: ان النسخ لا يجوز وروده على الامْر الذى يقتضى مرة واحدة، لكن إذا ورد على الامْر المُطْلَق صار ذلك قرينة فى انه كان المراد به التَّكْرَار، وحمْل الامْر على التَّكْرَار لقرينة جائز.
ادلة اخرى لمذهب التكرار تتعلق بالزمان والاحتياط والجواب عنها
قال الاسنوى: "هكذا ذكره فى المحصول [24]، فتبعه عليه المُصَنِّف - يعنى البيضاوى - ولك ان تقول: إن صح هذا الجواب فيلزم ان لا يكون جواز الاستثناء دليلا على العموم البتة؛ لإمكان دعواه فى كل استثناء، وذلك مبطِل لقوله بعد ذلك: "ومعيار العموم جواز الاستثناء".
وأيضا: فهو مناقض لقولهم: ان النسخ قبل الفعل جائز، لا سيما انهم استدلوا عليه بقصة إبراهيم - عليه السلام - مع ان الذبح يستحيل تكراره.
وأيضا: فيلزم منه التكليف بما لا يعلمه الشخص" انتهى كلام الاسنوى.
الدليل الرابع: ليس فى لفظ الامر تعيين زمان، فلا يكون اقتضاؤه لإيقاع الفعل فى زمان اولى من اقتضائه لإيقاعه فى زمان اخر، فإما ان لا يقتضى إيقاعه فى شىء من الازمنة، وهو باطل، او فى كل الازمنة، وهو المطلوب.
وأجيب: بأن الامر عند القائلين بالفور مختص بأقرب الازمنة إليه، وعند منكريه دال على طلب إيقاع المصدر من غير بيان الوحدة والعدد والزمان الحاضر والآتى، بل على القدر المشترك بين المقيد والمؤقت ومقابليهما.
الاحتياط كدليل على التكرار وبداية ادلة المذهب الثالث القائل بالمرة
الدليل الخامس: ان الاحتياط يقتضى تكرار المأمور به؛ لانه بالتكرار يأمن من الاقدام على مخالفة امر الله تعالى، وبترك التكرار لا يأمن منه.
وأجيب: بأن المكلف إذا علم ان اللفظ لا يدل على التكرار امن من الخوف [25].
ادلة المذهب الثالث:
استدل القائلون بالمرة بوجوه:
احدها: ان من قال لغيره: "ادخل الدار" يعد ممتثلا بالدخول مرة واحدة، كما انه يصير ممتثلا لقوله: "اضرب رجلا" بضرب رجل واحد؛ ولذلك فإنه لا يلام بترك التكرار، بل يلام من لامه عليه.
وأجيب: بأن ذلك يدل على ان الامر غير ظاهر فى التكرار، ولا يلزم منه امتناع احتماله له، ولهذا فإنه لو قال: ادخل الدار مرارا بطريق التفسير فإنه يصح ويلزم، ولو عُدم الاحتمال لما صح التفسير.
تفصيل بقية ادلة المذهب الثالث من اللغة واليمين والطلاق والعبادات
ثانيها: انه لو قال القائل: "صام زيد" صدق المرة الواحدة من غير إدامة، فليكن مثله فى الامر.
وأجيب: بأن ذلك قياس فى اللغات، وهو باطل لا يصح.
ثالثها: انه لو حلف انه ليصلين، او ليصومن -: بَرَّت يمينه بصلاة واحدة، وصوم يوم واحد، وعد آتيا بما التزمه، فكذلك فى الالتزام بالامر.
وأجيب: بأن ذلك ايضا قياس فى اللغات، وهو باطل لا يصح.
رابعها: انه لو قال الرجل لوكيله: "طلق زوجتى"، لم يملك اكثر من تطليقة واحدة.
وأجيب: بأنه إنما لم يملك ما زاد على الطلقة الواحدة؛ لعدم ظهور الامر فيها، لا لعدم الاحتمال لغة، ولهذا لو قال: "طلقها ثلاثا" على التفسير صح.
خامسها: انه لو كان الامر للتكرار لكان قوله: "صل مرارا" غير مفيد، وكان قوله: "صل مرة واحدة" نقضا، وليس كذلك، بل هو مقبول فى اللغة، ومفيد.
الوجه السادس للمذهب الثالث واستحالة الجمع بين العبادات مع مناقشته
وأجيب: بما سبق من ان هذا الدليل لا يثبت به المدَّعَى؛ لان عدم التَّكْرار والنقض قد لا يكون لكونه موضوعا للماهية من حيث هى، بل لكونه مشترَكا، او لاحدهما، ولا نعرفه كما قد قيل به، فيكون التقييد للدلالة على احدهما.
سادسها: انه لو كان مطلق الامر للتكرار لكان الامر بعبادتين مختلفتين لا يمكن الجمع بينهما، إما تكليفا بما لا يطاق، او ان يكون الامر بكل واحدة مناقضا للامر بالاخرى، وهو ممتنع.
وأجيب: بأنها باطلة، وذلك لان زيادة المشقة من حمل الامر على التكرار إما ان لا يكون منافيا له، او يكون منافيا، فإن كان الاول لا اتجاه لما ذكروه.
وإن كان الثانى فغايته تعذر العمل بالامر فى التكرار عند لزوم الحرج، فيكون ذلك قرينة مانعة من صرف الامر إليه، ولا يلزم من ذلك امتناعه لاحتماله له لغة [26].
ادلة مذهب الاشتراك من سؤال سراقة عن الحج وجوابه
ادلة المذهب الرابع:
استدل من قال بالاشتراك بــوجهين:
احدها: ان الامْر مُشْتَرك بين التَّكْرَار والمرة بأنه يحسن الاستفسار فيه، فيقال: اردت بالامْر مرة واحدة ام دائما.
لذلك قال سراقه [27] للنبى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: "احجنا هذا لعامنا ام للاب د" [28]، مع انه من اهل اللسان، واقره عليه، فلو كان الامْر موضوعا فى لسان العرب للتَّكْرَار، او للمرة -: لاستغنى عن الاستفسار، فحسن الاستفهام دليل الاشتراك.
وجوابه: ان ما قاله ممنوع؛ فإنه قد يستفسر عن افراد المتواطئ، كما إذا قال: اعتق رقبة. فتقول: امؤمنة ام كافرة، سليمة ام معيبة ؟ فالاستفهام لا يدل على الاشتراك.
الوجه الثاني لمذهب الاشتراك وخاتمة ادلة المذاهب الاربعة
الوجه الثانى: ان الامر ورد فى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم على الوجهين، والاصل فى الكلام الحقيقة، فكان الاشتراك لازما.
والجواب: ان الاوامر الواردة بمعنى التكرار بعضها يفيد التكرار فى اليوم وبعضها فى الاسبوع، وبعضها فى الشهر، وبعضها فى السنة، وظاهر ان ذلك لا يستفاد إلا من دليل منفصل [29].
فروع فقهية:
يتفرع على ان الامر المطلق لا يدل على تكرار ولا على مرة فروع كثيرة منها:
- إذا قال لوكيله: بع هذه السلعة، فباعها، فردت عليه بالعيب. او قال له: بع بشرط الخيار، ففسخ المشترى، فليس له البيع ثانيا، كما جزم به الرافعى فى اخر الوكالة.
وفيه وجه اخر انه يجوز حكاه الرافعى فى الباب الثالث من ابواب الرهن.
فرع بيع الوكيل ثم رد السلعة وحكم تكرار التصرف
- ومنها: إذا سمع مؤذنا بعد مؤذن فهل يستحب له اجابة الجميع لقوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:
"إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول" [30].
يحتمل التخريج على ان الامر هل يفيد التكرار ام لا.
لكن إذا قلنا لا يفيده من جهة اللفظ، فإنه يكون من باب ترتيب الحكم على الوصف المناسب، وهو من الطرق الدالة على التعليل على المشهور، وحينئذ فيتكرر الحكم بتكرر علته.
وذكر الشيخ عز الدين ابن عبد السلام فى الفتاوى الموصلية هذه المسألة، فقال: "يستحب اجابة الجميع، ويكون الاول آكد، إلا فى الجمعة فإنها فى الفضيلة سواء.
وكذلك فى الصبح إذا وقع الاول قبل الوقت.
وقال: اما فى الجمعة؛ فلأن أذانها الاول فُضِّل بالتقدم، والثانى بكونه المشروع فى زمن النبى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، واما الصبح فلأن الاول امتاز بالتقدم، والثانى بمشروعيته فى الوقت.
تعدد الاذان بين الجمعة والصبح وترجيحات النووي والاسنوي
وقال النووى فى شرح المهذب: لا اعلم فى المسألة نقلا، والمختار ان الاستحباب شامل للجميع إلا ان الاول متأكد يكره تركه.
قال الاسنوى: والذى قاله الشيخ عز الدين امثل منه.
وأوجه منهما ان يقال: إن لم يصل فتستحب الاجابة مطلقا، ويكون الاول آكد، إلا فى الصبح والجمعة، وإن كان قد صلى فحيث استحببنا الاعادة فى جماعة اجاب؛ لانه مدعو بالاذان الثانى ايضا، وإلا فلا.
ونقل بعضهم عن الرافعى فى بعض مصنفاته انه اشار إلى ذلك [31].
ما شعورك تجاه هذا الفصل؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفصل؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا المحتوى
ما الذي يفيده الامر المطلق عند اصحاب المذهب الاول؟
طلب الماهية من غير اشعار بعدد
لماذا تلزم المرة الواحدة في الامر المطلق عند القائلين بالماهية؟
لانه لا يمكن ادخال الماهية في الوجود بأقل منها
ما شرط الامكان الذي اضافه القائلون بالتكرار المستوعب؟
ان يكون الفعل في الازمنة الممكنة دون ازمنة الضرورة كالنوم
ما الاعتراض الذي اورده القرافي على مذهب التكرار المستوعب؟
انه لم يوجد في الاستعمال اللغوي ولا العرفي ولا الشرعي اصلا
ما الفرق بين المذهب الاول والمذهب الثالث في مسألة المرة الواحدة؟
المذهب الاول يجعلها لازمة ضرورة والثالث يجعلها مدلولا وضعيا للفظ
بماذا استدل ابو بكر الصديق على وجوب تكرار الزكاة؟
بقوله تعالى وآتوا الزكاة
ما الجواب عن دليل القياس على النهي في اثبات التكرار؟
الانتهاء عن الشيء ابدا ممكن لانه بقاء على العدم بخلاف الفعل الدائم
ما الدليل الذي سماه امام الحرمين الدليل القاطع على ان الامر لطلب الماهية؟
ان صيغة افعل مشتقة من المصدر الذي لا يقتضي استغراقا
ما موقف المذهب الرابع من دلالة الامر المطلق؟
انه مشترك بين التكرار والمرة ويتوقف على القرينة
ما الفرع الفقهي المتعلق بالوكيل المبني على مسألة التكرار؟
اذا باع الوكيل سلعة فردت عليه بالعيب فليس له البيع ثانيا على الاصح
من نسب مذهب التوقف الى امام الحرمين مخالفا لما نقله الآمدي وابن الحاجب؟
الاسنوي
ما الجواب عن دليل سؤال سراقة على الاشتراك؟
الاستفسار قد يقع عن افراد المتواطئ لا عن المشترك فقط
ما حكم اجابة المؤذن عند تعدد الاذان في الجمعة عند الشيخ عز الدين ابن عبد السلام؟
هما في الفضيلة سواء
ما الوجه الخامس في ادلة المذهب الاول المستند الى اهل اللغة؟
ان لا فرق بين يفعل وافعل الا في الخبرية والطلبية وكلاهما يتحقق بالمرة
ما المقصود بالامر المطلق في علم الاصول؟
هو الامر العاري من القيود، اي الذي لم يقيد بمرة ولا بتكرار ولا بصفة ولا بشرط.
كم مذهبا ذكر الاصوليون في دلالة الامر المطلق؟
خمسة مذاهب: طلب الماهية، والتكرار مع الامكان، والمرة لفظا، والاشتراك بين الاثنين، والتوقف.
ما معنى قول الاصوليين ان الامر يفيد طلب الماهية؟
يعني ان الامر يطلب ادخال حقيقة الفعل في الوجود من غير دلالة على عدد معين او تكرار.
لماذا قال القائلون بالماهية ان المرة الواحدة لازمة مع ذلك؟
لان الماهية لا يمكن ادخالها في الوجود بأقل من مرة واحدة، فصارت المرة لازمة عقلا لا وضعا.
ما الفرق بين دلالة الامر على المرة بالوضع وبالالتزام؟
الدلالة بالوضع تعني ان اللفظ وضع لخصوص المرة، والدلالة بالالتزام تعني ان المرة تلزم ضرورة من طلب الماهية لا من اللفظ ذاته.
ما مثال الامر الذي يفيد التكرار في الشريعة؟
قوله تعالى اقيموا الصلاة، فالصلاة تتكرر بتكرر اوقاتها.
ما مثال الامر الذي لا يفيد التكرار في الشريعة؟
قوله تعالى ولله على الناس حج البيت، فالحج واجب مرة واحدة في العمر.
ما اعتراض القرافي على القائلين بالتكرار المستوعب؟
قال ان الامر الدائم لم يوجد في الاستعمال اللغوي ولا العرفي ولا الشرعي، وكل ما يبدو دائما فمعناه في الحقيقة نهي عن الترك.
ما اللازم الفاسد الذي يلزم القائل بالتكرار عند القرافي؟
يلزمه ان الامر ما استعمل في صورة حقيقته قط، فيستوعب المجاز الحقيقة وهو خلاف الاصل، ويلزم نقل اللفظ عن وضعه اللغوي.
ما موقف امام الحرمين الحقيقي من مسألة التكرار كما في البرهان؟
قال ان الصيغة المطلقة تقتضي الامتثال والمرة لا بد منها، وانه على الوقف في الزيادة عليها فلا ينفيها ولا يثبتها والقول يتوقف على القرينة.
ما الدليل من صحة التقييد على ان الامر لطلب الماهية؟
يصح ان يقال افعل مرة او مرات دون تكرار او نقض، ولو كان للمرة لكان التقييد بالمرة تكرارا، ولو كان للتكرار لكان التقييد بالمرة نقضا.
ما الجواب عن دليل الاحتياط الذي يقتضي التكرار؟
اذا علم المكلف ان اللفظ لا يدل على التكرار امن من الخوف، فلا حاجة للاحتياط بالتكرار.
ما حكم اجابة المؤذن عند تعدد الاذان عند النووي؟
قال النووي ان الاستحباب شامل للجميع الا ان الاول متأكد يكره تركه.
ما التفصيل الذي اختاره الاسنوي في اجابة الاذان المتعدد؟
ان لم يصل فتستحب الاجابة مطلقا والاول آكد الا في الصبح والجمعة، وان كان قد صلى فيجيب حيث استحببنا الاعادة في جماعة.
ما الفرق بين اذان الجمعة الاول والثاني في الفضيلة عند ابن عبد السلام؟
هما في الفضيلة سواء، الاول امتاز بالتقدم والثاني بكونه المشروع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.
ما الجواب عن دليل النسخ الذي استدل به القائلون بالتكرار؟
النسخ الوارد على الامر المطلق يكون قرينة على ان المراد التكرار، وحمل الامر على التكرار لقرينة جائز، فلا يدل النسخ على ان الامر للتكرار بالوضع.